هل يغيّر وصول اليمين المتطرف لرئاسة حكومة فرنسا في العلاقات مع روسيا؟

مارين لوبان زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني وجوردان بارديلا المرشح الرئيسي للحزب في الانتخابات الأوروبية يحضران اجتماعاً سياسياً يوم الأحد 2 يونيو 2024 في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ب)
مارين لوبان زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني وجوردان بارديلا المرشح الرئيسي للحزب في الانتخابات الأوروبية يحضران اجتماعاً سياسياً يوم الأحد 2 يونيو 2024 في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ب)
TT

هل يغيّر وصول اليمين المتطرف لرئاسة حكومة فرنسا في العلاقات مع روسيا؟

مارين لوبان زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني وجوردان بارديلا المرشح الرئيسي للحزب في الانتخابات الأوروبية يحضران اجتماعاً سياسياً يوم الأحد 2 يونيو 2024 في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ب)
مارين لوبان زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني وجوردان بارديلا المرشح الرئيسي للحزب في الانتخابات الأوروبية يحضران اجتماعاً سياسياً يوم الأحد 2 يونيو 2024 في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ب)

تثير هزيمة حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الانتخابات الأوروبية ردود فعل المسؤولين الروس، في حين يخضع صعود اليمين المتطرف في فرنسا للتدقيق من قِبل الصحافة القريبة من الكرملين. ورغم مواقف حزب «التجمّع الوطني» الفرنسي بقيادة مارين لوبان القريبة من موسكو تاريخياً، تبقى مؤشرات تحولات مباشرة في العلاقات بين فرنسا وروسيا غير مرجّحة في الوقت القريب إذا وصل جوردان بارديلا ممثل «التجمع الوطني» إلى رئاسة الوزراء الفرنسية حال الفوز بالانتخابات التشريعية القادمة، حيث ستبقى السياسة الخارجية الفرنسية بيد الرئيس ماكرون المعروف بموقفه الداعم لأوكرانيا والمناهض لروسيا.

إذا كانت وسائل الإعلام والجمهور الروسي يعرفون سياسياً فرنسياً واحداً جيداً، فإنها مارين لوبان. لم يتم تعريفها لسنوات كحليفة مميزة لموسكو فحسب، حيث التقت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الحملة الرئاسية الفرنسية لعام 2017، ولكن في الأيام الأخيرة، أصبحت موضوعاً للعديد من المقالات على مواقع قريبة من الكرملين، حسب تقرير، الأربعاء، 19 يونيو (حزيران)، في مجلة «الإكسبرس» الفرنسية.

وتحتفظ زعيمة حزب «التجمّع الوطني» الفرنسي مارين لوبان، بعلاقات وثيقة منذ فترة طويلة مع موسكو، التي قدمت التمويل للحزب، لا سيما في شكل قرض في عام 2014. وفي حين يقول جوردان بارديلا، المرشح عن «التجمّع الوطني» لرئاسة الوزراء الفرنسية، في حال فاز حزبه في الانتخابات، إنه يريد مواصلة دعم كييف، ولكنه في الوقت نفسه يصر قبل كل شيء على «الخطوط الحمراء» لتجنب أي تصعيد مع موسكو. وتظل التوجهات الموالية لروسيا أساسية بالنسبة لحزب «التجمّع الوطني»، وفق تقرير الثلاثاء لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

يقول المتحدّث باسم الرئاسة الفرنسية دميتري بيسكوف: «في الكرملين، نتابع من كثب ديناميكيات الأحزاب اليمينية التي تكتسب شعبية»، في أوروبا وفرنسا. ففي نظر السلطات الروسية، إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يُنظر إليه الآن على أنه رأس الحربة المناهض لروسيا داخل النادي الأوروبي.

جوردان بارديلا رئيس حزب «التجمع الوطني» يجيب على أسئلة الصحافيين بعد زيارته معرض يوروساتوري للدفاع والأمن، الأربعاء 19 يونيو 2024 في فيلبينت، شمال باريس (أ.ب)

أخبار جيدة لموسكو

ومع ذلك، يقول الكاتب مكسيم يوسين: «إن الأحداث في فرنسا (تقدم اليمين المتطرق وحلّ البرلمان) تُعد أخباراً جيدة لموسكو». ووفقاً له، «في المستقبل القريب، لن يكون الرئيس الفرنسي قادراً على تكريس نفسه لأوكرانيا أو لإنشاء تحالف مناهض لروسيا، كما عمل بنشاط في الأشهر الأخيرة».

يهتم المحللون الروس، وفق «لوفيغارو»، بفرضية وصول «التجمع الوطني» إلى رئاسة الحكومة في باريس. يقول عالم السياسة نيكولاي توبورنين، مدير مركز المعلومات الأوروبي والأستاذ المشارك في جامعة ستانفورد: «الخط السياسي (للتجمع الوطني) هو أن الصراع (في أوكرانيا) يجب أن يتم حله بطريقة أو بأخرى». وأضاف «يتساءل الفرنسيون لماذا يستمرون في تخصيص مليارات اليوروات لكييف، في حين لا يحدث شيء، والحرب مستمرة، والناس يموتون ويتم إهدار أموال دافعي الضرائب».

ويرحب المتخصص بأن «الخط السياسي (لحزب الجبهة الوطنية) بعيد جداً عن خط ماكرون الذي يخطط حتى لإرسال فرقة إلى أوكرانيا... لدى لوبان وبارديلا فكرة جمع الطرفين في محادثات السلام». ويرى الخبراء الروس أن فشل ماكرون في الانتخابات القادمة في فرنسا هو فشل الشخصية السياسية التي كانت في طليعة الخط المناهض لروسيا في أوروبا، وهذا السيناريو يمكن أن يشجع السياسيين الآخرين في أوروبا على أن يكونوا أكثر حذراً بشأن هذه القضية».

مارين لوبان مرشحة حزب «التجمع الوطني» في الانتخابات البرلمانية المقبلة خلال حملتها الانتخابية مع رئيس بلدية هينان بومون ستيف بريوا والسياسي المحلي في الحزب برونو بيلدي في سوق في هينان بومون، شمال فرنسا 14 يونيو 2024 (رويترز)

صلات وثيقة بروسيا

في عام 2011، في مقابلة مع صحيفة «كوميرسانت» الروسية، أعلنت زعيمة «الجبهة الوطنية» مارين لوبان: «لا أخفي حقيقة أنني معجبة إلى حد ما بفلاديمير بوتين... يجب علينا تطوير العلاقات مع موسكو، فلدينا الكثير من المصالح المشتركة، سواء على المستوى الحضاري أو الاستراتيجي».

في عام 2014، حصل حزب «الجبهة الوطنية»، الذي أصبح فيما بعد حزب «التجمع الوطني» في عام 2018، على قرض بقيمة 9.4 مليون يورو من البنك التشيكي - الروسي الأول (FCRB) لتمويل الحملة البلدية. وفي العام نفسه، اقترض حزب «كوتيليك»، الحزب الصغير الذي يتزعمه جان ماري لوبان - والد مارين لوبان والزعيم التاريخي لحزب «الجبهة الوطنية» - لتمويل الحملات، أيضاً مليونَي يورو من شركة قبرصية خارجية، هي شركة Vernonsia Holdings Ltd، بتمويل من أموال روسية ومرتبطة بيوري كوديموف، عميل «كي جي بي» (السوفياتي) السابق الذي سبق له أن أدار بنك الدولة الروسي VTB. وستقترض «الجبهة الوطنية» بعد ذلك أموالاً من حزب «كوتيليك» لتمويل حملتها الرئاسية لعام 2017، وفق تقرير لمجلة «نوفال أبسرفاتور» الفرنسية، الثلاثاء.

وكشفت صحيفة «ميديابارت» الفرنسية في عام 2015 عن محادثات بين مسؤولين في الكرملين تساءلوا كيف سيتم «شكر» مارين لوبان على دعمها ضم روسيا شبه جزيرة القرم (من طرف واحد) في عام 2014.

وبحسب تقرير «نوفال أوبسرفاتور»، مثل والدها من قبلها، أحاطت مارين لوبان نفسها بشخصيات محبة لروسيا. وعقد مستشارها السابق للسياسة الدولية من 2010 إلى 2015، إيميريك تشوبريد، اجتماعات عديدة مع أشخاص مقربين من بوتين وكان أحد المهندسين الرئيسيين للتقارب بين حزب «الجبهة الوطنية» وروسيا.

وزارت مارين لوبان روسيا أربع مرات عندما كانت رئيسة لحزبها بين عامي 2011 و2021.

في يونيو (حزيران) 2013، بعد عشرة أيام في شبه جزيرة القرم، ذهبت مارين لوبان برفقة نائب رئيس «الجبهة الوطنية»، لويس أليو، إلى موسكو، حيث استقبلها رئيس مجلس النواب في البرلمان الروسي، سيرغي ناريشكين، عضو «كي جي بي» السابق وجهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وقالت لوبان حينها: «يتم تقديم روسيا بعبارات شيطانية... أشعر بأنني أكثر انسجاماً مع هذا النموذج من الوطنية الاقتصادية مقارنة بنموذج الاتحاد الأوروبي».

وكانت زيارتها الثانية لروسيا في أبريل (نيسان) 2014، بعد أسابيع قليلة من الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم. ومرة أخرى، يستقبلها سيرغي ناريشكين، الذي تستهدفه الآن عقوبات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وتقول مارين لوبان: «لقد قلت منذ البداية إن العقوبات وحتى التهديد بفرض عقوبات (ضد روسيا)... كانت لها نتائج عكسية تماماً».

خلال رحلتها الثالثة إلى موسكو في مايو (أيار) 2015، هنأها سيرغي ناريشكين قائلاً: «بفضل تأثيرك الشخصي، تتوافق التعريفات الجديدة لحزبك مع العصر وروح فرنسا الحديثة».

وتم تكريس العلاقة مع روسيا، وفق «نوفال أوبسرفاتور»، في مارس (آذار) 2017، عندما استقبلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسمياً، قبل أربعة أسابيع من الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية. تحدثا لأكثر من ساعة وتبادلا المصافحة الودية أمام المصورين. وقال الرئيس الروسي آنذاك: «أعلم أنك تمثلين طيفاً سياسياً ينمو بسرعة في أوروبا». وبعد لقائهما، أعلنت لوبان أن بوتين «يمثل رؤية جديدة لعالم متعدد الأقطاب» تشعر معه بارتياح أكبر من «الرؤية الخاضعة المتشددة كما عبر عنها الاتحاد الأوروبي في كثير من الأحيان». وتقول إنها تدعم تدخل القوات الروسية في سوريا وتؤكد من جديد «وجهة نظرها بشأن أوكرانيا التي تتطابق مع وجهة نظر روسيا (في ما خص شبه جزيرة القرم بشكل خاص)».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي مرشحة الانتخابات الرئاسية الفرنسية عن حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف مارين لوبان في الكرملين في موسكو 24 مارس 2017 (أ.ف.ب)

تحسن «غير مرجّح» في العلاقات الفرنسية - الروسية

رغم خط «التجمع الوطني» الفرنسي الأقرب إلى موسكو، فإن روسيا لا تتوقع أي تغييرات كبيرة في السياسة الفرنسية تجاه الحرب في أوكرانيا، على الأقل في المدى القصير. يقول الخبير نيكولاي توبورنين: «العقوبات المفروضة على روسيا شديدة للغاية، من الولايات المتحدة وأوروبا. وظهور حكومة أكثر ملاءمة لروسيا، لن تغير وحدها أي شيء في هذا الوضع»، حسب «لوفيغارو».

ويتابع توبورنين: «سيبقى إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا، والسياسة الخارجية هي مسؤولية رئيس الدولة وفقاً للدستور الفرنسي. ومن غير المرجح أن تتحسن اللهجة بين روسيا وفرنسا على الفور. لا يسعنا إلا أن نأمل ألا تسوء العلاقة». ومع ذلك، لا يستبعد العالم السياسي أليكسي تشيخاتشيف احتمال أنه إذا وصل إلى السلطة، فإن القيادي بحزب «التجمع الوطني» الشاب جوردان بارديلا سوف يميل إلى «تحسين سمعته»... «بالإدلاء بتصريحات عدوانية ضد موسكو».


مقالات ذات صلة

صدور أول أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد

المشرق العربي سوريون يحملون صور أقاربهم الذين قتلوا خلال حرب نظام الأسد عليهم يحتفلون الثلاثاء أمام القصر العدلي بأحكام الإعدام على بشار وشقيقه ماهر وبقية رموز الحكم (أ.ف.ب)

صدور أول أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد

اللجنة القانونية المشكّلة لتولي الادعاء الشخصي عن الضحايا، قرار الحكم الصادر عن محكمة الجنايات الرابعة يعيد بناء الثقة بين الشعب والقضاء.

سعاد جرَوس (دمشق)
أوروبا رجال الإنقاذ يعملون في موقع مبانٍ سكنية تضررت جراء غارة صاروخية روسية في أوديسا... يوم 9 أغسطس (رويترز)

قتلى وجرحى في هجمات روسية ــ أوكرانية متبادلة

تبادلت روسيا وأوكرانيا ضربات خلال الليل أسفرت عن مقتل 7 مدنيين وإصابة عدد كبير من الأشخاص على جانبي الحدود، وفق ما أفادت به السلطات المحلية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة من أمام مطعم «بالزي روسي» بعد انفجار قنبلة مميتة في وسط موسكو 2 أغسطس 2026 (رويترز)

إصابة مدير مصنع روسي للطائرات المسيّرة بانفجار سيارة

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء أن مدير مصنع روسيا للطائرات المسيّرة في جبال الأورال أُصيب بجروح خطيرة جراء انفجار سيارته.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

بوتين يعيّن قائداً لقوات المنظومات المُسيرة

عيّن الرئيس الروسي فلاديمير ‌بوتين، اليوم ‌الأربعاء، ​دينيس ‌ليامين ⁠قائداً ​لقوات المنظومات ⁠المُسيرة الروسية، وهو فرع ⁠عسكري استُحدث

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا ملصقات الحملات الانتخابية لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) والاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) تظهر على أعمدة الإنارة في برلين (إ.ب.أ)

مصادر ألمانية تتهم روسيا بتكثيف حملات التضليل قبيل الانتخابات المحلية

كشفت مصادر أمنية ألمانية لوكالة «رويترز» عن أن روسيا تكثف حملات التضليل في ألمانيا قبيل ​انتخابات محلية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فرنسا رائدة الطاقة النووية أوروبياً تسعى لتوسيع دورها على مستوى العالم

محطة غرافيلين للطاقة النووية شمال فرنسا كما ظهرت في 11 أغسطس وقد عمدت مجموعة كهرباء فرنسا إلى وقف تشغيل تشغيل ثلاثة مفاعلات بعد أن تسبب سرب من قناديل البحر في انسداد المضخات المستخدمة لتبريد الوحدات (أ.ف.ب)
محطة غرافيلين للطاقة النووية شمال فرنسا كما ظهرت في 11 أغسطس وقد عمدت مجموعة كهرباء فرنسا إلى وقف تشغيل تشغيل ثلاثة مفاعلات بعد أن تسبب سرب من قناديل البحر في انسداد المضخات المستخدمة لتبريد الوحدات (أ.ف.ب)
TT

فرنسا رائدة الطاقة النووية أوروبياً تسعى لتوسيع دورها على مستوى العالم

محطة غرافيلين للطاقة النووية شمال فرنسا كما ظهرت في 11 أغسطس وقد عمدت مجموعة كهرباء فرنسا إلى وقف تشغيل تشغيل ثلاثة مفاعلات بعد أن تسبب سرب من قناديل البحر في انسداد المضخات المستخدمة لتبريد الوحدات (أ.ف.ب)
محطة غرافيلين للطاقة النووية شمال فرنسا كما ظهرت في 11 أغسطس وقد عمدت مجموعة كهرباء فرنسا إلى وقف تشغيل تشغيل ثلاثة مفاعلات بعد أن تسبب سرب من قناديل البحر في انسداد المضخات المستخدمة لتبريد الوحدات (أ.ف.ب)

تعد فرنسا حالة استثنائية في أوروبا لجهة اعتمادها على المفاعلات النووية السلمية لإنتاج الطاقة الكهربائية. ففيما تبين أرقام «شركة كهرباء فرنسا» التي تشغل هذه المفاعلات أن النووي يمثل ما يزيد على 67.3 في المائة من مجمل الطاقة الكهربائية المنتجة في البلاد، فإن هذه النسبة تهبط إلى 14 في المائة في بريطانيا وصفر في المائة في ألمانيا التي تخلت نهائياً عن النووي في عام 2023. كذلك، فإن الوضع نفسه يسود في إيطاليا وبولندا ودول أوروبية أخرى. ويفيد مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات» بأن فرنسا وحدها تنتج 58.6 في المائة من مجمل الطاقة الكهربائية «النووية» لعام 2024، لا بل إن الحكومة الفرنسية أقرت برنامجاً طموحاً للارتقاء بحصة «النووي» في السنوات المقبلة.

محطة غرافيلين للطاقة النووية شمال فرنسا كما ظهرت في 11 أغسطس وقد عمدت مجموعة كهرباء فرنسا إلى وقف تشغيل تشغيل ثلاثة مفاعلات بعد أن تسبب سرب من قناديل البحر في انسداد المضخات المستخدمة لتبريد الوحدات (أ.ف.ب)

الخطة النووية العشرية

تبين خريطة الطريق العشرية التي نشرتها الحكومة الفرنسية للفترة الزمنية الممتدة من عام 2026 وحتى عام 2035، أن باريس ستعمد إلى بناء ستة مفاعلات إضافية من الجيل الجديد «EPR2» لزيادة قدراتها من إنتاج الطاقة الكهربائية الأمر الذي سيوفر لها العديد من المزايا: تعزيز «استقلاليتها» في قطاع الطاقة بحيث تصبح أقل اعتماداً على النفط والغاز بالتوازي مع التركيز على إنتاج الطاقة المتجددة. ومن جهة ثانية، إيجاد فرص استثنائية لشركاتها الفاعلة في هذا الميدان إن في أوروبا وخارجها. ولعل ما ساعد فرنسا يتمثل في نجاح الضغوط التي مارستها داخل الاتحاد الأوروبي لاعتبار أن الطاقة المنتجة نووياً «طاقة نظيفة» الأمر الذي تحقق لها صيف عام 2022.

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (د.ب.أ)

وأهمية قرار الاتحاد أنه يفتح الباب أمام تمويل أوروبي لهذا النوع من المشاريع التي تسيطر عليها الصناعة والتكنولوجيا الفرنسيتان. لكن تجدر الإشارة إلى أن القرار الأوروبي الذي دخل حيز التنفيذ بداية عام 2023 وضع خمسة شروط تتناول الأمن النووي ومعالجة النفايات النووية وتفكيك الإنشاءات القديمة وحماية البيئة، وأخيراً، استخدام أفضل التكنولوجيات المتوافرة. وباختصار، فإن القرار الأوروبي فتح الأبواب أمام الصناعة النووية الفرنسية لتتوسع في الداخل والخارج.

محطة باكس للطاقة النووية مع مجرى نهر الدانوب الجاف جزئياً في دوناسينتبينيديك المجر (رويترز)

لعل أفضل مثال على النجاح الفرنسي أن بريطانيا وهي دولة تمتلك السلاح النووي، استدارت مجدداً نحو فرنسا لإعادة إطلاق قدراتها النووية السلمية. وكان عام 2013 فاصلاً حيث حصل اتفاق بين الحكومة البريطانية و«شركة كهرباء فرنسا» لبناء مفاعل «هنكلي، بوينت سي». وقد انطلق البرنامج رسمياً في عام 2016. وفي العام الماضي تم الاتفاق بين الطرفين على بناء مفاعلين إضافيين من طراز «EPR» لموقع «سايزويل سي» بحيث تحصل بريطانيا على طاقة 6.6 غيغاواط. وجاء الخيار الفرنسي بفضل الخبرات الهندسية النووية وتوافر نموذج يمكن استنساخه فوراً، فضلاً عن القدرة على تشغيل المفاعلات واستغلالها إضافة للمشاركة في التمويل. من هنا يمكن اعتبار أن بريطانيا تساهم في إطلاق الصناعة النووية الفرنسية، حيث إن لندن فضلتها على العروض التي قدمت لها من شركة «وستنغهاوس الأميركية أو «هيتاشي» اليابانية. وفي عام 2023 وقع الطرفان اتفاقية تتناول تعاونهما الطويل المدى في هذا القطاع الاستراتيجي.

لقطة تُظهر محطة زابوريجيا للطاقة النووية من ضفة خزان كاخوفكا بالقرب من بلدة نيكوبول (رويترز)

النووي السلمي: سوق استراتيجية لفرنسا

تندرج بريطانيا في إطار لائحة طويلة من الدول التي تستفيد من الصناعة النووية الفرنسية، لا بل إن دولاً مثل الصين وكوريا الجنوبية استفادت من التكنولوجيا الفرنسية لتبني صناعتها الخاصة ولتتحول إلى منافس للشركات الفرنسية الفاعلة في هذا القطاع. ومن بين الدول التي تستخدم التكنولوجيا الفرنسية يمكن ذكر جنوب أفريقيا (التعاون النووي يزيد عمره على أربعين عاماً) وفنلندا والهند فيما ثمة محادثات مع دول أخرى حول مشاريع جديدة منها بولندا وتشيكيا وكازخستان.

وتعد الهند سوقاً رئيسية بالنسبة لفرنسا التي تسعى لتعميق وتعزيز شراكتها مع الهند في جميع المجالات، الأمر الذي برز مع الزيارات المتبادلة عالية المستوى بين الطرفين في الأشهر الأخيرة.

مفاعل نووي في محطة لاتينا النووية الإيطالية (أ.ب)

والجديد اليوم أن باريس التي تعتبر أن النووي السلمي يشكل رافعة سياسية ودبلوماسية واقتصادية من الطراز الأول، لم تعد تكتفي بأن تكون صانعاً ومصدراً للمفاعلات النووية السلمية بل تسعى لامتلاك الدورة الكاملة لها بدءاً من توفير الوقود النووي وصولاً إلى تشغيل وحتى استثمار هذه المفاعلات. وخلال السنوات الأخيرة، حققت الصناعة الفرنسية مجموعة من النجاحات. إلا أنها، في الوقت عينه، أصيبت بإخفاقات منها في دولة الإمارات وأخرى في تركيا. ومع مرور الزمن، ستشتد المنافسة ما سيلزم المتنافسين بتقديم «سلة خدمات متكاملة» للزبائن المحتملين. ولكن تتعين الإشارة إلى أن أسواقاً استراتيجية من هذا النوع تتحكم بها عوامل سياسية واستراتيجية من شأنها إفساد المنافسة.

استقلالية الطاقة ولكن...

إذا كانت فرنسا تشكل، على المستوى الأوروبي، حالة خاصة، لجهة اعتمادها على الطاقة النووية الأمر الذي يوفر لها الكثير من المزايا، وأهمها عدم الارتهان إلى حد كبير للتطورات الحاصلة في العالم كما برزت في الأشهر الأخيرة، فإن هذا لا يعني غياب أي تبعية أخرى.

ذلك أن موجات الحر المتعاقبة التي تضرب أوروبا الغربية ومنها فرنسا تمارس تأثيراً مباشراً على الصناعة النووية. ذلك أن الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتناقص كميات الأمطار والذوبان المبكر للثلوج وتناقص جبال الجليد، كل ذلك يؤثر على منسوب المياه المتدفقة في الأنهار وعلى حرارتها. والمعروف أن المفاعلات النووية المنتجة للطاقة الكهربائية تبنى قريباً من الأنهار أو من الشواطئ للتمكن من تبريد «قلب» المفاعل من خلال دورة تقوم على طريق ضخ المياه إليه لتبريده ثم إعادتها إلى مجرى النهر أو إلى البحر.

محطة إنديان بوينت للطاقة النووية في بوكانان نيويورك كما تُرى من الضفة المقابلة لنهر هدسون (رويترز - أرشيفية)

وهناك مفاعلات تبرد هوائياً. من هنا، فإن حالة الطقس وحرارة الجو ومستوى المياه في الأنهار تعد عوامل «استراتيجية» بالنسبة للإنتاج الكهربائي. كذلك ثمة عوامل أخرى تتحكم به ومنها توافر اليورانيوم الخام وتخصيبه ومعالجته والأهم من ذلك التعامل مع النفايات النووية.

تمتلك فرنسا راهناً 18 محطة نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية منها ثلاث على بحر المانش (القنال الإنجليزي) وثلاث على شاطئ بحر الشمال. والمحطات الأخرى إلى جانب مجاري الأنهار الرئيسية: 4 قرب نهر اللوار و3 قرب نهر الرون....والحال، أنه خلال السنوات الممتدة ما بين عام 2003 وحتى اليوم، تم وقف تشغيل المحطات المبردة بواسطة المياه في العديد من المرات.

لقطة تُظهر محطة زابوريجيا للطاقة النووية من ضفة خزان كاخوفكا بالقرب من بلدة نيكوبول (رويترز)

فمحطتا «بوجي» و«سان ألبان» القائمتان على نهر الرون تم توقيفهما عن الدوران العديد من المرات (2003، 2006، 2015، 2018، 2022، 2026). وتنص القاعدة المعمول بها على أنه عندما تصل حرارة المياه إلى 26 ـ 27 درجة يتعين إيقاف المفاعلات عن العمل ما يعني عملياً خفض الإنتاج الكهربائي. وفي الأيام الأخيرة أوقفت محطة «شوز» (في إقليم أردين) ومحطة «كاتنوم» (إقليم موزيل). ووفق بيان صادر السبت عن «شركة كهرباء فرنسا»، فقد أوقف العمل أيضا بمفاعل «غولفيش» (إقليم تارن وغارون). وجاء في بيان الشركة أن «الظروف المناخية التي شهدتها الأيام الأخيرة أدت إلى ارتفاع درجة حرارة نهر غارون» ما دفع الشركة لاتخاذ قرار لتوقيف. ويعد هذا القرار الرابع من نوعه منذ بداية فصل الصيف.

ما سبق يبين أن «الأمن المطلق» ليس متوافراً مهما تكن وسائط الإنتاج. لكن فرنسا بفضل انتشار محطاتها النووية جغرافياً قادرة على تدارك توقف بعضها والأقل تأثراً بالتغيرات السياسية الاستراتيجية التي تؤثر على قطاع الطاقة كما بينت ذلك الأحداث الأخيرة في منطقة الخليج.


مسيّرات تستهدف مبان سكنية في نوفوروسيسك الروسية

جنود أوكرانيون يجهزون مسيرة هجومية تستحدم في عمليات ضد مواقع الروسية (ا.ب)
جنود أوكرانيون يجهزون مسيرة هجومية تستحدم في عمليات ضد مواقع الروسية (ا.ب)
TT

مسيّرات تستهدف مبان سكنية في نوفوروسيسك الروسية

جنود أوكرانيون يجهزون مسيرة هجومية تستحدم في عمليات ضد مواقع الروسية (ا.ب)
جنود أوكرانيون يجهزون مسيرة هجومية تستحدم في عمليات ضد مواقع الروسية (ا.ب)

قال ‌أندريه كرافتشينكو رئيس بلدية مدينة نوفوروسيسك الروسية المطلة على البحر الأسود، ​إن حطام طائرات مسيرة ألحق أضرارا بستة مبان سكنية في المدينة التي تعد مركزا رئيسيا لتصدير السلع الأولية. وذكر كرافتشينكو عبر تطبيق تيليغرام أن هناك جرحى يتلقون الرعاية الطبية، مضيفا أن ‌مبنى تجاريا ‌أصيب أيضا.

وظهر ​عدد ‌من ⁠المنشورات ​غير المؤكدة ⁠على منصة تيليغرام تعرض ما يفترض أنها صور لعمود هائل من النار يتصاعد من مكان ما في نوفوروسيسك.

وفي سيفاستوبول، الواقعة في شبه جزيرة القرم ⁠التي تحتلها روسيا، قال حاكم ‌المدينة ميخائيل ‌رازفوجاييف عبر ​تيليغرام إنه ‌تم إسقاط أكثر من 30 طائرة مسيرة. وأضاف ‌أن الهجوم أدى إلى تضرر بعض المنازل، لكن لم تقع أي إصابات. وفي واقعة منفصلة، تسبب هجوم ‌روسي في اندلاع حريق في مركز تجاري بمدينة زابوريجيا الواقعة ⁠جنوب ⁠شرق أوكرانيا، حسبما قال الحاكم الإقليمي إيفان فيدوروف، حيث نشر صورا لمبنى مشتعل. وأضاف فيدوروف أن الهجوم تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن حوالي 1200 شخص في زابوريجيا.

وكانت موسكو قد كثفت مؤخرا هجماتها على المنشآت الأوكرانية الخاصة بقطاعي الأغذية ​والزراعة، ردا على ​هجمات كييف على مراكز الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية الروسية.


البرلمان المجري ينتخب قاضياً عزله أوربان رئيساً للبلاد

الرئيس السابق للمحكمة العليا أندراس باكا يلقي خطاباً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية خلال الجلسة العامة الاستثنائية للبرلمان المجري في بودابست (أ.ب)
الرئيس السابق للمحكمة العليا أندراس باكا يلقي خطاباً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية خلال الجلسة العامة الاستثنائية للبرلمان المجري في بودابست (أ.ب)
TT

البرلمان المجري ينتخب قاضياً عزله أوربان رئيساً للبلاد

الرئيس السابق للمحكمة العليا أندراس باكا يلقي خطاباً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية خلال الجلسة العامة الاستثنائية للبرلمان المجري في بودابست (أ.ب)
الرئيس السابق للمحكمة العليا أندراس باكا يلقي خطاباً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية خلال الجلسة العامة الاستثنائية للبرلمان المجري في بودابست (أ.ب)

انتخب البرلمان المجري، اليوم (الثلاثاء)، رئيس المحكمة العليا السابق أندراس باكا رئيساً للدولة، في وقت يأمل فيه خبراء أن تبعث نزاهته الطمأنينة إلى الإصلاحات الرامية إلى إعادة إرساء دولة القانون، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وصوّت البرلمان، الذي يتمتع فيه حزب «تيسا» الحاكم بأغلبية الثلثين، لصالح باكا بـ140 صوتاً، مقابل 6 أصوات معارضة، فيما لم يمتنع أي نائب عن التصويت.

وقال باكا، في أول خطاب له: «خسرت هذه الأمة ما يعادل جيلاً كاملاً، إذ تراجعت من كونها نموذجاً يحتذى به في التحول الديمقراطي إلى مصاف الدول المتخلفة في أوروبا». وأضاف أمام أعضاء البرلمان: «لكنّ هناك أمراً واحداً مؤكداً؛ لا يمكننا بناء المجر الجديدة على الانتقام».

وكان رئيس الوزراء المجري الداعم لأوروبا بيتر ماديار قد أشاد في وقت سابق عبر «فيسبوك» بالقاضي المجري السابق، البالغ حالياً 73 عاماً، معتبراً أنه «جدير بأن يجسّد وحدة الأمة»، وأن «حياته مثال يُحتذى به في الالتزام بسيادة القانون».

ورشّح حزب ماديار القاضي السابق لمنصب رئيس الجمهورية، الذي يبقى شرفياً إلى حدّ كبير. ويحظى الحزب الحاكم بغالبية ثلثي المقاعد البرلمانية المطلوبة لانتخاب باكا من الدورة الأولى.

وباختياره، تكون الحكومة الجديدة المنبثقة من انتخابات أبريل (نيسان) قد أنصفت رجلاً عارض الزعيم القومي فيكتور أوربان، الذي حكم البلاد من 2010 إلى 2026.

رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان يستخدم هاتفه (أ.ف.ب)

أُقيل أندرياس باكا بشكل مفاجئ من رئاسة المحكمة العليا عام 2012 إثر انتقاده خفض سن التقاعد للقضاة من 70 إلى 62 عاماً، واعتباره الخطوة عملية «تطهير مقنّعة» للسلطة القضائية.

وبعد 4 سنوات، أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن إقالته كانت ذات دوافع سياسية.

وقال المحلل بولكسو زيغا، من «مركز التحليل السياسي العادل»، إن باكا «بذل كل ما في وسعه لإثبات أن ما حدث معه يخالف القانون الأوروبي».

ويرى أن عودته إلى الواجهة تحمل رسالة واضحة إلى الشركاء الأوروبيين للمجر، وتبعث في الوقت عينه على «الاطمئنان إلى أن مسار استعادة الديمقراطية الليبرالية سيكون واضحاً ومحدداً».

انتُخب باكا نائباً عن حزب الجبهة الديمقراطية المحافظ في عام 1990. وكان قاضياً في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من 1991 إلى 2008.

«دولة أسيرة»

كان ماديار قد عرض رئاسة الجمهورية على بطلة الشطرنج جوديت بولغار، لكنها رفضت. ثم أعلن حزبه «تيسا» اختيار باكا من بين 3 مرشحين في اقتراع سري.

من جهته، أعلن حزب «فيدس» الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق أوربان مقاطعة عملية التصويت، معتبراً إياها «غير قانونية» بعدما أنهت الأغلبية الجديدة خلال الشهر الفائت ولاية الرئيس السابق تاماش سوليوك قبل انتهاء مدتها.

وانتقدت منظمات غير حكومية تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان إقالة باكا من رئاسة المحكمة العليا، معتبرة أنها تستند إلى أساليب تذكّر بتلك التي استخدمها أوربان لإعادة تشكيل المؤسسات المجرية.

قال باكا لوكالة الصحافة الفرنسية، الشهر الفائت، إن هذه الخطوة ما كان ينبغي أن تحدث «في بلد يحكمه القانون»، وإن المجر أصبحت «دولة أسيرة في عهد أوربان».

بحسب ماديار، من المتوقع أن يتولى الرئيس الجديد المنصب لفترة من ولايته فقط، ريثما يتم الانتهاء من عملية إعادة صياغة الدستور، التي يُتوقع أن تستغرق ما بين عام وعام ونصف عام.

ووعد رئيس الوزراء بإطلاق مشاورات بشأن هذا الموضوع في الشهر المقبل.

ومن المتوقع أن يؤدي باكا اليمين الدستورية في 19 أغسطس (آب).

ويعدّ منصب الرئيس في المجر شرفياً إلى حد كبير، غير أن الرئيس يملك صلاحية إعادة مشاريع القوانين إلى المشرعين أو إلى المحكمة الدستورية للمراجعة.