أميركا: تنافس شرس على تسخير «منصات التواصل» في الحملات الانتخابية

تحذيرات من تزايد نفوذ الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الاقتراع

مناصرون لترمب يتظاهرون في فلوريدا في 2 يونيو 2024 (أ.ف.ب)
مناصرون لترمب يتظاهرون في فلوريدا في 2 يونيو 2024 (أ.ف.ب)
TT

أميركا: تنافس شرس على تسخير «منصات التواصل» في الحملات الانتخابية

مناصرون لترمب يتظاهرون في فلوريدا في 2 يونيو 2024 (أ.ف.ب)
مناصرون لترمب يتظاهرون في فلوريدا في 2 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

يتزايد نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي ويتصاعد تأثيرها على الناخب الأميركي في موسم حاسم، يتجاذب فيه المرشحون ويتنافسون لاستمالة عقول الناخبين وقلوبهم. لكن هذه الوسائل متشعبة، وقواعدها مختلفة بين منصة وأخرى، من «ميتا» التي شددت من قيودها على المحتويات السياسية؛ تجنباً لتكرار سيناريو عام 2020، و«إكس» حيث تغيب أي قيود فعلية مع التلويح باحتمال حصول مالكها إيلون ماسك على منصب في إدارة دونالد ترمب في حال فوزه بالرئاسة، ووصولاً إلى الذكاء الاصطناعي وتزايد مخاطره مع انتشار الأخبار المغلوطة والصور المزيفة.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، مدى تأثير هذه الوسائل على توجّهات الناخب، وما إذا كانت القيود المفروضة على بعضها تحول دون ترويج أخبار كاذبة أم أنها، على عكس ذلك، تدعم طرفاً ضد آخر.

فرضت «ميتا» قيوداً على انتشار المحتوى السياسي (أ.ف.ب)

قيود مثيرة للجدل

تشير جينيفر هادلستن، كبيرة الباحثين في سياسة التكنولوجيا في معهد «كيتو»، إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تعتمد خيارات مختلفة في تعاملها مع المحتوى الخاص بالانتخابات أو المحتوى السياسي؛ لأن هذه المنصات تملك القدرة على اختيار قوانينها الخاصة، ولديها «جماهير» مختلفة. وتعطي هادلستن مثالاً على ذلك في «إنستغرام»، التابع لـ«ميتا»، حيث يُسمح للمستخدمين اختيار كمية المحتوى السياسي الذي يريدون مشاهدته على صفحاتهم خلال دورة الانتخابات المقبلة، لافتة إلى أن السماح بتعديل الخيارات للمستخدم حول المحتوى هو من الميزات الجديدة التي اعتمدتها بعض المنصات.

من ناحيته، يرى سلطان مهجي، المدير التنفيذي لشركة «فرونتيير فاوندري» للذكاء الاصطناعي وكبير مسؤولي الابتكار السابق في شركة تأمين الودائع الفيدرالية، أن ما يراه المستخدم على منصات مختلفة يعود بشكل أساسي إلى ميوله وليس بالضرورة إلى انحياز المنصة. ويُفسّر قائلاً: «في معظم الحالات، هناك الكثير من ملفات التعريف المتعلقة بملفك الشخصي الفردي، بحيث سترى الأشياء التي تنقر عليها والمحتوى الذي يعجبك، والذي تتفاعل معه بدرجة أعلى، ما يعني بأنك سترى مجموعة صغيرة جداً من المحتوى الكامل. إذاً الموضوع يتعلق بانحياز المستخدمين أكثر من انحياز المنصة». لكن مهجي أضاف أن هناك بعض المنصات كـ«إكس» مثلاً، التي «طوّرت من محتواها بعد أن استحوذ عليها إيلون ماسك»، مُعقّباً: «بكل صراحة، لا نملك البيانات الكافية لكي نجري عملية تحقيق شفافة من طرف جهة خارجية تقول إن هذه المنصة تميل إلى اليسار أو إلى اليمين أكثر من الأخرى».

أما سارة كرابس، كبيرة الباحثين في مركز السياسة التقنية في معهد بروكينغز والأستاذة في جامعة كورنيل، فترى أن منصات التواصل «تعلمت الكثير» مقارنة بالانتخابات السابقة في 2016 و2020. وأوضحت: «أصبح لدينا حالياً منصات أكثر تنوعاً من حيث سوق الأفكار، ونحن نرى القدرة على اختيار نوع الأفكار الذي نبحث عنه، وهناك الكثير من التنظيم داخل هذه المنصات». وتُعطي كريبس مثالاً على ذلك في منصة «إكس» التي أعطت الخيار بين المحتوى «الخاص بك» مقابل «المحتوى الذي تتابعه»، لكنها حذرت من أن خطوات من هذا النوع لديها جانب سيئ لأنها تعني أن المستخدم يرى فقط المحتوى الذي يوافق عليه، وهو أمر من شأنه أن يعزز انحيازه».

انضمت حملتا ترمب وبايدن إلى منصة «تيك توك» (أ.ف.ب)

جيل «الفيديوهات القصيرة»

ومع اشتداد السباق الانتخابي، يسعى المرشحان؛ الديمقراطي جو بايدن والجمهوري دونالد ترمب، إلى استقطاب أصوات الناخبين الشباب. فلجأت الحملتان إلى منصة «تيك توك»، رغم مساعي حظرها في الولايات المتحدة. وتتحدّث هادلستن عن تأثير هذه المنصة المتزايد، مشيرة إلى أنها «منصة اختارها ملايين من الناس في الولايات المتحدة وحول العالم على أنها الخيار الأفضل للتعبير عن أنفسهم». وتعزو هادلستن سبب هذا الاهتمام المتزايد إلى الفيديوهات القصيرة، فتفسر قائلة: «إن الشباب على وجه الخصوص يرون أن هذا النوع من المحتوى على شكل فيديو قصير هو الأفضل للتعبير عن أنفسهم، أو الأفضل لاستهلاك المعلومات. وهذا سيؤثر مباشرة على النتيجة في حملة 2024».

وتضيف: «عندما نتحدّث عن أي منصة للتواصل الاجتماعي خلال فترة الانتخابات، يجب أن نفكر بالطرق التي يستخدمها الناخبون للتواصل مع بعضهم، والتعبير عن أفكارهم ومناقشة المسائل السياسية المُلحّة. وقد وفّرت منصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الناتج عن المستخدمين، طريقة جديدة لتعبير الناخبين مباشرة عن رأيهم حول سياسات معينة أو حتى التواصل مباشرة مع المرشحين في الانتخابات أو الأعضاء الحاليين في منصب معين، بطرق لم تكن لتحلم بها الأجيال السابقة».

ويتحدث مهجي عن التأثير المتزايد للفيديوهات القصيرة في موسم الانتخابات، ويصفها بـ«الشكل الأكثر شيوعاً لوسائل التواصل الاجتماعي الآن حول العالم»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تسعى «للتكيف مع هذا الواقع من دون معرفة تأثيره»، ويضيف: «هذا مجال خالٍ من أي هيكل تنظيمي للحرص على أن يتم استخدامه بالطريقة الصحيحة».

ومع تطور هذه الوسائل وتشعبها، يسعى الكونغرس إلى فرض قيود عليها من دون جدوى. وترى كريبس أن السبب يعود إلى «عدم فهم أعضاء الكونغرس للمسائل من الناحية التقنية بسبب أعمارهم المتقدمة نسبياً»، كما يشير إلى أن التحدي الأبرز في فرض قيود «هو أن هذه التكنولوجيا تتطور بشكل سريع جداً، خاصة مع تزايد استعمال الذكاء الاصطناعي».

يتزايد استعمال الذكاء الاصطناعي في وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

الذكاء الاصطناعي

ومع تطور الذكاء الاصطناعي وانتشاره، تتزايد التحذيرات من استعماله لنشر الأخبار المغلوطة والصور المزيفة. لكن هادلستن تشير إلى أنه ورغم وجود بعض المخاطر، فإن هناك الكثير من الفوائد في استخدام الذكاء الاصطناعي في الانتخابات. وتوضح: «لنأخذ مثال المرشح الذي يحاول التواصل مع مجتمع يتكلم لغة مختلفة، وخصوصاً على مستوى محلي... قد يكون لا يملك الموارد المالية لتوفير مترجم في كل فعالية، لكن يمكن أن يستعين بالذكاء الاصطناعي لتقديم معلومات أكثر دقة حول ما يقوم به أو سماع موقف (الناخبين) من أي مسألة».

وتشير هادلستن إلى وجود طرق لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الأمن السيبراني، وذلك لتحديد المعلومات الزائفة أو الهجمات السيبرانية القادمة من جهات ضارة خلال الانتخابات، لتفادي ما حصل في انتخابات عام 2020 في محاولة التدخل الروسي، بحسب تقارير للاستخبارات الأميركية.

ويتطرق مهجي إلى مبدأ استعمال وسائل التواصل في الولايات المتحدة، فيقول: «هنا في الولايات المتحدة، لا نملك الحق البديهي في الخصوصية ولا في التحكم ببياناتنا الخاصة. عندما نقوم بالتسجيل على أي من هذه المنصات، فنحن بالحقيقة نتنازل عن حقنا بالمحافظة على بياناتنا، صورنا، تعليقاتنا والمحتوى الذي ننشره. وهذه المعطيات تغذي قاعدة بيانات هائلة في كومبيوترات عملاقة، تبني نماذج من الذكاء الاصطناعي لكي تقوم بأمور معينة؛ أكانت التأثير على انتخابات أو بيع منتج معين». ويضيف مهجي: «إذاً، نحن في فترة تشهد توازناً للقوى غير عادل بين المواطن الأميركي العادي وشركات التكنولوجيا الكبرى».

ويوافق مهجي مع مقاربة هادلستن في استعراض إيجابيات الذكاء الاصطناعي، فيذكّر بأنه موجود منذ أكثر من 20 عاماً. ويقول: «لنذكر بأن الإنترنت لا يعمل من دون الذكاء الاصطناعي، إذاً فكرة أن الذكاء الاصطناعي وجد في 2023، بسبب شركة أو شركتين مشهورتين أو تكنولوجيا حديثة، ليست صحيحة».

إيلون ماسك في حفل توزيع جوائز في لوس أنجليس في 13 أبريل 2024 (رويترز)

توعية المستخدم وانحياز وسائل التواصل

وبالتزامن مع هذا النقاش المحتدم حول دور وسائل التواصل وانتشار الذكاء الاصطناعي، تؤكد كريبس أن المستخدم اليوم أصبح أكثر وعياً من السابق بفضل تحسن مستويات «محو الأمية الرقمية» خلال السنوات الماضية. وتشير كريبس إلى أن الإعلام التقليدي بات يتحقق بشكل مستمر من أي أخبار مزيفة أو صور مغلوطة.

من ناحيته، يسلّط مهجي الضوء على مشكلة أساسية وهي الفشل في «محو الأمية الرقمية»، بحسب وصفه. ويقول: «لقد قمنا بعمل سيئ جداً في تفسير أن منصات التواصل الاجتماعي لا تعد مصدراً موثوقاً للأخبار. لا نقول مثلاً للمستخدم بأنه يجب ألا يتحقق من موقع التصويت الخاص به على (تيك توك)، بل من الموقع الإلكتروني للمقاطعة التي يعيش فيها». ويرى مهجي أن التحدي الأساسي في الولايات المتحدة بصفته مستخدماً ومستهلكاً لهذه المنصات، هو «الإدراك بأنك تشارك في نظام رأسمالي، وليس في نظام ديمقراطي عندما تتعامل مع هذه المنصات. فهي جميعها جهات مدرّة للدخل، وتحاول تحصيل الأرباح».

مقاربة توافق عليها كريبس التي أضافت أنه من الطبيعي أن تكون وسائل التواصل منحازة، على غرار وسائل الإعلام التقليدية، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن في الانحياز، بل في غياب الشفافية حول موقف هذه المنصات.


مقالات ذات صلة

مجلس الشيوخ... معركة على الأغلبية تهدّد أجندة ترمب

تحليل إخباري الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (أ.ب)

مجلس الشيوخ... معركة على الأغلبية تهدّد أجندة ترمب

على خلاف مجلس النواب، يتجاوز «الرقم السحري» في مجلس الشيوخ الأغلبية البسيطة إلى 60 صوتاً تتيح تجاوز عرقلة الأقلية لمعظم التشريعات.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ منتخبون يشاركون في الاقتراع المبكر في يونيون سيتي بولاية جورجيا يوم 13 أكتوبر (رويترز)

اتهامات لروسيا باستهداف مرشحين مؤيدين لأوكرانيا في الانتخابات الأميركية

يشتبه مسؤولو الديمقراطيين في لجان الاستخبارات بالكونغرس في أن روسيا تستهدف مرشحي حزبهم والجمهوريين المؤيدين لأوكرانيا، بسيل من المعلومات المضللة.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

الأموال تتدفق على المرشحين الجمهوريين... و«اليسار الديمقراطي»

تلقى المرشحون الجمهوريون دعماً بعشرات ملايين الدولارات. بينما حصل مرشحو «اليسار الديمقراطي» على تمويل غير معتاد قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ناخبون ينتظرون في طابور للمشاركة في التصويت المبكر في أتلانتا - جورجيا (رويترز)

الديمقراطيون يعززون فرصهم قبل أسبوعين من الانتخابات النصفية

مع تراجع شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يبدو الديمقراطيون في موقع أفضل لتحدي سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، ومعركة غير واضحة النتائج في الانتخابات.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمر صحافي مشترك في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون المشتركة بألاسكا - 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

جمهوريون يهددون بعرقلة 350 مليار دولار لتمويل «البنتاغون» احتجاجاً على قرار ترمب

أثار قرار الرئيس دونالد ترمب تعليق عقوبات جديدة على موسكو غضب الجمهوريين والديمقراطيين على السواء مما عدّوه سياسة تمنح الرئيس الروسي موارد إضافية للحرب

هبة القدسي (واشنطن)

إدارة ترمب أشرفت على ترحيل 980 ألف شخص خلال 18 شهراً

أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)
أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)
TT

إدارة ترمب أشرفت على ترحيل 980 ألف شخص خلال 18 شهراً

أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)
أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)

أظهر تقرير نُشر يوم الخميس في مركز أبحاث (معهد سياسات الهجرة) أن وزارة الأمن الداخلي الأميركية أشرفت على ​980 ألف عملية ترحيل خلال أول 18 شهرا من ولاية الرئيس دونالد ترمب الثانية.

وأشار التقرير إلى أن 20 بالمئة فقط من إجمالي عمليات الترحيل خلال هذه الفترة شملت أفرادا صدرت بحقهم أحكام جنائية، وأن 71 بالمئة من ‌عمليات ترحيل المهاجرين ‌الذين أقاموا في الولايات المتحدة ​لمدة ‌سنتين ⁠أو ​أكثر كانت ⁠لأشخاص لم تكن هناك إدانة جنائية بحقهم.

وأضاف التقرير الذي أعده مارك روزنبلوم الرئيس السابق لمكتب إحصاءات الأمن الداخلي التابع للوزارة، أن إجمالي عمليات الترحيل، على أساس سنوي، ارتفع مقارنة بفترة رئاسة الرئيس السابق جو بايدن والولاية الأولى لترمب، ⁠لكنه ظل أقل بكثير من ‌المستويات التي كانت تسجَل ‌بشكل معتاد في أوائل العقد الأول ​من القرن الحادي ‌والعشرين.

وقالت وزارة ⁠الخارجية ⁠الأميركية، الثلاثاء، إن إدارة ترمب ألغت أكثر من 300 ألف تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة خلال ولايته الثانية.


مجلس الشيوخ... معركة على الأغلبية تهدّد أجندة ترمب

الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)
الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)
TT

مجلس الشيوخ... معركة على الأغلبية تهدّد أجندة ترمب

الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)
الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)

تحتدم المنافسة على مجلس الشيوخ الأميركي، مع تضاؤل هامش الأمان الجمهوري أمام المدّ الديمقراطي الذي اكتسب زخماً في الأسابيع الأخيرة، ما يضع سيطرة الحزب على المجلس وصلاحياته الواسعة على المحك. فخسارة الجمهوريين أغلبيتهم قد تعرقل أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في النصف الثاني من ولايته، ولا سيما ما يتعلق بالتعيينات الحكومية والقضائية والمصادقة على المعاهدات الدولية. وهو ما يبرّر تنقّله بوتيرة شبه يومية بين الولايات، التي يسعى حزبه إلى الدفاع عن مقاعده فيها، وسط احتدام السباق على الأغلبية.

ورطة جمهورية

مما لا شك فيه أن الجمهوريين في ورطة، أقلّه بحسب تصنيف «تقرير كوك السياسي» الذي رفع عدد المقاعد المتنافس عليها إلى 7 مقاعد، منها 6 يشغلها جمهوريون، ما يعني أن فرص الديمقراطيين في انتزاع المقاعد الأربعة التي يحتاجون إليها لضمان الأغلبية باتت أكبر في المجلس الذي يتألف من 100 مقعد، ويخوض ثلث أعضائه الانتخابات كل عامين.

الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)

هذا العام، يصل عدد المقاعد المطروحة للتنافس في الانتخابات إلى 35 مقعداً، منها مقعدان تُجرى لشغلهما انتخابات خاصة. وبما أن الجمهوريين يتمتعون بأغلبية من 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، فعلى حزب الأقلية الاحتفاظ بكل المقاعد التي يشغلها حالياً وانتزاع 4 مقاعد إضافية من الجمهوريين. ولا يضمن التعادل بين الحزبين، بـ50 مقعداً لكل منهما، للديمقراطيين السيطرة على المجلس، إذ إن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، وهو جمهوري، يملك الصوت الحاسم.

وهنا تكمن أهمية تقرير «كوك»، الذي أظهر خريطة استثنائية في سباق هذا العام، شملت ولايات حمراء تُعدّ معاقل للجمهوريين، مثل تكساس وكنساس. ويرى الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء في هذه التوقعات مؤشراً إلى استياء الناخب الأميركي المتزايد من ملفي الاقتصاد والهجرة. وتشمل الولايات المصنفة في خانة المنافسة ألاسكا وأيوا وماين وأوهايو وتكساس وكنساس وميشيغان. وكلها مقاعد جمهورية باستثناء الأخيرة.

ألاسكا

في ألاسكا، يتنافس السيناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان مع النائبة الديمقراطية السابقة ماري بيلتولا. وتظهر استطلاعات الرأي تقدّم بيلتولا في السباق، ما أثار قلق الجمهوريين ودفع ترمب إلى زيارة الولاية التي فاز بها عام 2024 بفارق 13 نقطة.

المرشح الجمهوري في ألاسكا دان سوليفان والديمقراطية ماري بيلتولا في 15 أكتوبر 2026 (رويترز)

ومن الجدير بالذكر أن فرز الأصوات في ألاسكا سيبدأ متأخراً مقارنة بولايات متأرجحة أخرى، نظراً لموقعها وفارق التوقيت. وتتأخر الولاية عن واشنطن العاصمة بـ4 ساعات، ما يعني أن التصويت سينتهي منتصف الليل بتوقيت واشنطن، على أن يبدأ فرز الأصوات بعد إغلاق الصناديق. كما أن نظام التصويت التفضيلي المعتمد في الولاية قد يستدعي جولات إضافية من فرز الأصوات إذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من 50 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، ما يعني أن الحسم قد لا يُعرف ليلة الانتخابات.

أيوا

الرسوم الجمركية وارتفاع الأسعار جراء حرب إيران قلبا المعادلة في هذه الولاية التي صوّتت لصالح ترمب بفارق 13 نقطة عام 2024.

وتخوض النائبة الجمهورية آشلي هينسون السباق ضد الديمقراطي جوش توريك على مقعد شاغر، بعد تقاعد السيناتورة الجمهورية جوني إرنست. وتسعى هينسون إلى النأي بنفسها عن سياسات ترمب في الشرق الأوسط، ودعت إلى وقف فوري للحرب مع إيران. لكن الديمقراطيين يشنّون حملة انتخابية مكثّفة ضدّها، يسلّطون فيها الضوء على تصويتها المتكرر ضد مشاريع قوانين في الكونغرس تهدف إلى الحدّ من صلاحيات الحرب التي يتمتّع بها الرئيس، ووقف الحرب مع إيران.

ماين

تُعدّ ماين ولاية فريدة من نوعها، إذ تواجه فيها السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تشغل مقعدها منذ عام 1997، تحديات كبيرة في سعيها إلى الفوز بولاية جديدة أمام الديمقراطي تروي جاكسون.

ورغم أن كولينز سعت جاهدة للنأي بنفسها عن الرئيس الأميركي وسياساته، فإن استطلاعات الرأي لا تزال تظهر تقدّماً طفيفاً لجاكسون. لكن من تابع كولينز على مدى أعوام في المجلس يعلم أنه لا يمكن الاستخفاف بالسيناتورة التي تمكنت من الحفاظ على مقعدها، رغم تعاقب الإدارات على مدى 3 عقود.

أوهايو

المنافسة الانتخابية في أوهايو تحمل طابعاً رمزياً بامتياز، إذ إن المقعد كان يشغله نائب الرئيس جاي دي فانس.

المرشح الديمقراطي في أوهايو شارود براون في 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ويعود السيناتور الديمقراطي السابق شارود براون إلى ساحة المعركة بعد خسارته مقعده عام 2024، ويواجه الجمهوري جون هوستد الذي عُيّن خلفاً لفانس. وتلعب أزمة غلاء المعيشة وتراجع فرص العمل والحرب مع إيران دوراً محورياً في السباق الذي بات من أكثر السباقات تكلفة في مجلس الشيوخ. وبلغت قيمة الإعلانات التي أنفقت عليها مجموعات جمهورية في الولاية 246 مليون دولار مقابل 177 مليون دولار للديمقراطيين.

تكساس

بعد تأييد ترمب لكين باكستون بدلاً من السيناتور الجمهوري الحالي عن ولاية تكساس جون كورنين، واجه الجمهوريون صعوبة في حشد الناخبين في مواجهة الديمقراطي جايمس تالاريكو.

المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ جيمس تالاريكو يتحدث أمام تجمع في سان أنتونيو بتكساس في 29 مايو 2026 (أ.ف.ب)

ويسعى الجمهوريون جاهدين للاحتفاظ بالولاية التي لم تنتخب ديمقراطياً لمجلس الشيوخ منذ عام 1988، ولم يشغل أي ديمقراطي أحد مقعديها في المجلس منذ عام 1993. وستشكّل خسارتها، إن حصلت، ضربة موجعة للحزب في أحد أهم معاقله.

كنساس

في مفاجأة انتخابية تدل على صعوبة المشهد بالنسبة للجمهوريين، أصبحت ولاية كنساس مصنفة ضمن الولايات المتأرجحة بعدما كانت تُعدّ معقلاً جمهورياً ثابتاً، وفقاً لتقرير «كوك السياسي». ويواجه السيناتور روجر مارشال الديمقراطي آدم هاملتون في الولاية التي فاز فيها ترمب بفارق 16 نقطة عام 2024.

ونقل الجمهوريون مبالغ من الأموال المخصصة لسباق نورث كارولاينا، الذي بات يميل لصالح الديمقراطيين، إلى سباق كنساس، التي زارها ترمب في محاولة لحشد التأييد للسيناتور الجمهوري.

ميشيغان

قد تكون الولاية الأهم بالنسبة للديمقراطيين، إذ إن خسارتها تعني أنهم سيحتاجون إلى انتزاع 5 مقاعد جمهورية بدلاً من 4 للفوز بالأغلبية. ورصّ الحزب صفوفه تأهباً لتأييد عبد الرحمن السيد الذي يواجه النائب السابق مايك روجرز.

المرشح الديمقراطي في ميشيغان عبد الرحمن السيد في 18 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وتوجّه كل من الرئيس السابق باراك أوباما والمرشحة الرئاسية السابقة كامالا هاريس إلى الولاية لحشد الدعم. كما قدّمت النائبة التقدمية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز مبلغ مليون دولار للمرشح الديمقراطي، في دلالة على أهمية فوزه بالنسبة للجناح التقدمي من الحزب. في المقابل، ألقى الجمهوريون بثقلهم خلف روجرز، إذ أنفقوا حتى الآن 104 ملايين دولار مقابل 55 مليوناً للديمقراطيين.

نيوهامشير

يدافع الديمقراطيون عن المقعد الذي شغلته السيناتورة المنتهية ولايتها جين شاهين في نيوهامشير. وفي حين تظهر الأرقام تقدّم المرشح الديمقراطي في الولاية كريس باباس على السيناتور السابق جون سنونو، يثير تاريخ عائلة سنونو في الولاية قلق الديمقراطيين. فإلى جانب أن المرشح الجمهوري شغل عضوية مجلس الشيوخ سابقاً، فقد شغل شقيقه منصب حاكم الولاية، فيما تولّى والده منصب حاكم الولاية ورئاسة موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الأب.

جورجيا

يواجه السيناتور الديمقراطي الحالي جون أوسوف النائب الجمهوري مايك كولينز في الولاية التي صوّتت لترمب بفارق نقطتين عام 2024، والتي شهدت مزاعم بتزوير الانتخابات عام 2020.

المرشح الديمقراطي في جورجيا جون أوسوف في 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وساهمت هذه الادعاءات، التي لم تثبت صحتها، في خسارة الجمهوريين مقعدين في مجلس الشيوخ عن الولاية.

نورث كارولاينا

تبتعد الولاية تدريجياً عن دائرة السباقات الأشد تنافساً، مع تقدّم الديمقراطيين في المعركة على المقعد الذي يشغله السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قرر عدم الترشّح لولاية جديدة، وعُرف بمواقفه المنتقدة لترمب. ويخوض الحاكم الديمقراطي السابق روي كوبر السباق في مواجهة رئيس اللجنة الوطنية الجمهورية السابق مايكل واتلي.

ثون يتحدث مع السيناتور الجمهوري جون كورنين في جلسة استماع 30 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وإذا ما خسر الجمهوريون هذا المقعد، فسيكون على الديمقراطيين انتزاع 3 مقاعد جمهورية إضافية، مع الاحتفاظ بمقاعدهم الحالية في ميشيغان ونيوهامشير وجورجيا.

أهمية مجلس الشيوخ

من شأن فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس الشيوخ أن يقلب المعادلة السياسية في واشنطن رأساً على عقب، فوظائف المجلس تختلف عن وظائف مجلس النواب، وتتقاطع صلاحياته مع صلاحيات البيت الأبيض في أكثر من ملف.

فعلى سبيل المثال، يملك المجلس صلاحية المصادقة على تعيينات الرئيس، بما فيها قضاة المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية والوزراء والسفراء وكبار المسؤولين. وتكفي الأغلبية البسيطة عادة للمصادقة على هذه التعيينات. ورغم أن قرارات السياسة الخارجية تعود بشكل أساسي إلى البيت الأبيض، فإن مجلس الشيوخ يلعب دوراً أساسياً في المصادقة على المعاهدات التي تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء المجلس الحاضرين.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في الكونغرس في 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

يُضاف إلى ذلك دور المجلس في محاكمة الرئيس الأميركي، وإمكان عزله من منصبه في حال أقرّ مجلس النواب اتهامات العزل بحقّه. وتتطلب الإدانة موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين.

ويتقاسم مجلس الشيوخ مع مجلس النواب صلاحيات تشمل إقرار القوانين وعقد جلسات استماع وإجراء تحقيقات في ممارسات الإدارة واستدعاء الشهود والمسؤولين. لكن الرقم السحري في المجلس، وعلى خلاف مجلس النواب، ليس الأغلبية البسيطة فحسب، بل 60 صوتاً لتجاوز عرقلة الأقلية لمعظم التشريعات. وهو رقم يبدو بعيد المنال بالنسبة للديمقراطيين رغم الأجواء السياسية الحالية.

في ظل هذه المعطيات، تتضح أهمية معركة مجلس الشيوخ بالنسبة إلى ترمب. فخسارة الجمهوريين أغلبيتهم لن تعني تعثّر أجندته التشريعية فقط، بل قد تعرقل أيضاً تعييناته الحكومية والقضائية، وتفتح الباب أمام تحقيقات أوسع في سياسات إدارته. وفي حال تحقق سيناريو فوز الديمقراطيين بالأغلبية في المجلسين، فمن شأن ذلك أن يفرض على البيت الأبيض معادلة سياسية مختلفة في العامين المقبلين، يصبح فيها التفاوض مع المعارضة ضرورة لا خياراً.


قاضية تأمر ترمب بالإدلاء بشهادته في دعوى التشهير ضد «بي بي سي»

الرئيس دونالد ترمب يتوجه إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية - ميريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يتوجه إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية - ميريلاند (أ.ف.ب)
TT

قاضية تأمر ترمب بالإدلاء بشهادته في دعوى التشهير ضد «بي بي سي»

الرئيس دونالد ترمب يتوجه إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية - ميريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يتوجه إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية - ميريلاند (أ.ف.ب)

أصدرت قاضية فيدرالية، اليوم الخميس، أمراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب بالإدلاء بشهادته في 11 ديسمبر (كانون الأول) في دعوى التشهير التي رفعها ضد هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وأصدرت القاضية إنجوليكي ليت، أمرها بعدما اشتكى محامو هيئة الإذاعة البريطانية من أن ترمب أخّر موعد الإدلاء بشهادته.

وقال المحامي تشارلز توبين إنه مع تبقي شهرين على انتهاء فترة الكشف عن الأدلة، «لم نتمكن بعد من الاستماع إلى أقوال المدعي».

شعار هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) (رويترز)

وأشار توبين إلى أنه كان قد تم الاتفاق على تحديد يوم 16 أكتوبر (تشرين الأول) موعداً للإدلاء بالشهادة، لكن الرئيس الجمهوري ألغى الموعد بسبب «مسألة ذات أهمية وطنية». وأوضح توبين أن ترمب كان في الواقع يشارك في حملة انتخابية بولاية جورجيا في ذلك اليوم.

وأضاف توبين أن ترمب «كان يشارك في أنشطة سياسية حزبية، وأعطى الأولوية لها على الإدلاء بشهادته».

وقالت القاضية ليت إن على ترمب الإدلاء بشهادته في موعد أقصاه 11 ديسمبر، وإلا فسيواجه عقوبات قد تصل إلى إسقاط دعواه القضائية، ما لم تُمدد فترة كشف الأدلة إلى ما بعد 18 ديسمبر.

ورفع ترمب، الذي عادة ما تجنب الإدلاء بشهادات قضائية، دعواه ضد هيئة الإذاعة البريطانية في ديسمبر الماضي، مطالباً بتعويضات مقدارها 10 مليارات دولار.

واتهم ترمب هيئة الإذاعة البريطانية الممولة من المال العام بالتشهير، فضلاً عن اتباع ممارسات تجارية مضللة وغير عادلة، على خلفية فيلم وثائقي بعنوان «ترمب: فرصة ثانية».

وأقرت هيئة الإذاعة البريطانية بأن صناع الفيلم جمعوا مقتطفات من أجزاء مختلفة من الخطاب الذي ألقاه ترمب أمام أنصاره في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، قبل اقتحام مبنى الكابيتول (الكونغرس)، بما يوحي بأنه كان يحثهم بشكل مباشر على ممارسة العنف.

واعتذرت هيئة الإذاعة البريطانية عن طريقة تحرير الفيلم، واستقال كل من المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية والرئيسة التنفيذية لقسم الأخبار فيها. ونفت الهيئة اتهامات ترمب بأنها شهرت به.