مخيمات الضفة... قطعة من «جحيم غزة»

«الشرق الأوسط» رصدت واقعها مع تصاعد العمليات العسكرية

TT

مخيمات الضفة... قطعة من «جحيم غزة»

نازحون يعودون لتفقد بيوتهم في مخيم جنين بعد انتهاء الاقتحام الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
نازحون يعودون لتفقد بيوتهم في مخيم جنين بعد انتهاء الاقتحام الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

صباح الثلاثاء 21 مايو (أيار) كان يفترض أن يكون صباحاً عادياً في مدينة جنين. فبعد ليلة لم تعكر صفوها اقتحامات الجيش الإسرائيلي أو عمليات الاغتيال والمداهمات، دبّت الحركة في أرجاء المدينة. سار الموظفون والعمال والطلبة إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم كما يفعلون كل صباح، وشرّعت المحال التجارية أبوابها إيذاناً ببدء يوم جديد. بيد أن الدقائق القليلة التي تلت حملت فصلاً دامياً آخر من فصول المدينة الحزينة.

لا أحد ممن شقوا طريقهم في شوارع جنين ذاك الصباح كان يعلم أن ساعة الصفر لعملية عسكرية إسرائيلية موسعة في المدينة كانت قد دنت، وأن الدقائق القليلة التالية ستحيل الشوارع والطرقات والبنايات المحيطة إلى ساحة حرب مفتوحة. كانت قوة إسرائيلية خاصة قد تسللت داخل سيارة تحمل لوحة فلسطينية، وعمدت بنشر فرق من القناصة فوق عدد من الأبنية والعمارات تمهيداً لتحرك عسكري في المنطقة.

بعد الساعة الثامنة بقليل، شرَعت القوة الخاصة رفقةَ القناصة بإطلاق الرصاص على «كل ما يتحرك أمامها»، بحسب ما روى شهود، فقتلت على الفور 7 من سكان المدينة، بينهم تلميذان ومعلم وطبيب جراح.

محمود خرج لتقديم امتحاناته فقتله قناص قرب مدرسته

أحد التلميذين كان محمود حمادنة (15 عاماً)، طالب في الصف التاسع. غادر بيته في الصباح الباكر رفقة شقيقه التوأم للالتحاق بالمدرسة قرب مخيم جنين، وتقديم امتحانات آخر العام الدراسي. بصوت مختلج وبعينين مثقلتين بألم الفقد، يقول والد محمود المفجوع بخسارة نجله إنه اتصل به فور انطلاق صفارات الإنذار في المخيم، فأجابه أنه وصل المدرسة مع شقيقه. يضيف: «حينها شعرت بالاطمئنان على أنهما بخير».

سكان مخيم جنين يشيعون ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

بيد أن الاقتحام الإسرائيلي المفاجئ أحدث إرباكاً كبيراً في مؤسسات المدينة كافة، ما دفع المسؤولين إليها لاتخاذ إجراءات الإخلاء والطلب من الطلاب والموظفين والعاملين العودة إلى منازلهم خشية تفاقم الأوضاع، وتجنباً لسيناريوهات الحصار التي سبق أن تعرضوا لها في اجتياحات سابقة، ما استدعى تدخل «الصليب الأحمر» ومنظمات دولية لإفساح المجال أمام عودة الطلاب إلى منازلهم.

يروي والد الطفل محمود تفاصيل تلك اللحظات الثقيلة، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، يقول: «تفاجأت بعودة شقيق محمود وحيداً إلى البيت... حاولت الاتصال به، لكن هاتفه لا يجيب إطلاقاً. كررت الاتصال أكثر من 15 مرة دون رد». كان محمود في الأثناء قد شقّ طريقه عائداً إلى منزله على دراجته الهوائية. وما أن غادر بوابة مدرسته حتى عاجله قناص إسرائيلي اعتلى إحدى البنايات القريبة بـ5 رصاصات اخترقت صدره ورأسه.

«اتصلت مجدداً، فأجاب أحدهم وقال لي إن صاحب الهاتف موجود في المستشفى. لم يعرف اسمه. قال إنه وصل مصاباً»، يستذكر والد محمود التفاصيل بحرقة وألم شديدين، مضيفاً: «فقدت عقلي حين علمت أن ابني قد أصيب... توجهت سريعاً مع زوجتي إلى المستشفى. قدت السيارة بسرعة كبيرة... كانت القوات الخاصة منتشرة في المنطقة حولنا، أطلق قناص النار باتجاهنا... وصلنا المستشفى وأنا أعتقد أن ابني مصاب، فوجدته قد استشهد. لم ألحق به، كان قد فارق الحياة».

إسرائيل تطيل أمد عملياتها داخل الضفة

كانت صافرات الإنذار تدوي في أرجاء مخيم جنين، فيما انتشرت عناصر الكتائب العسكرية الفلسطينية لاتخاذ مواقعها في الشوارع والميادين بعد اكتشاف أمر الوحدة الإسرائيلية الخاصة، فاندلعت اشتباكات عنيفة، ترددت أصداؤها في أرجاء المدينة.

آثار الدمار الذي طال البنى التحتية الرئيسية في مخيم جنين أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

في الأثناء، تقدمت أرتال من المركبات العسكرية الإسرائيلية، ترافقها جرافات ثقيلة، وتحوم فوقها طائرات مسيرة، نحو من مداخل المدينة، التي لطالما مثلت معقلاً رئيسياً للعمل الفلسطيني المسلح في الضفة الغربية طيلة عقود مضت، تزامناً مع إعلان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن البدء في عملية عسكرية موسعة في جنين بهدف القضاء على مقاتلين فلسطينيين.

لم يحمل بيان الجيش الإسرائيلي تفاصيل حول العملية الجديدة، إذ لم يعلن الجيش هدفاً واضحاً للعملية ولم يضع سقفاً زمنياً محدداً لها أسوة بمرات سابقة. مثّلت العملية وحجم القوات المشاركة فيها - الذي قدّرت بأكثر من ألف جندي، وكذلك تحركاتها وتمركزاتها على الأرض، واحتلالها عدداً من المنازل والبنايات، ناهيك عن فرضها حصاراً محكماً على المخيم - تطوراً في استراتيجية الجيش الإسرائيلي في جنين ومدن شمال الضفة الغربية بشكل عام، وتحولاً في شكل العمليات من الاقتحامات الليلية والمطاردات الساخنة التي تمتد لساعات، إلى عمليات موسعة تمتد لأيام.

شوارع جنين... اشتباكات وانفجارات وسحب سوداء

كان فريق «الشرق الأوسط» ذاك الصباح قد وصل إلى مشارف جنين في مهمة معدة مسبقاً لرصد واقع المدينة بعد أشهر من الحرب الممتدة في غزة. تزامن وصولنا لمداخل المدينة مع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية وتصاعد القتال فيها.

خلت الشوارع تماماً إلا من صوت الرصاص ودوي الانفجارات المتتالية التي تخلّفها العبوات الناسفة واستهدافات الجيش وضرباته. غطت سحابة سوداء سماء المدنية التي لم تفارقها الطائرات المسيرة. فيما أغلقت المحال أبوابها، ولاذ السكان إلى بيوتهم. أضحت الشوارع والأزقة والحارات ساحة حرب مفتوحة بين المقاتلين الفلسطينيين ووحدات الجيش المدعومة بالقناصة والمتحصنة في عربات مصفحة.

فلسطيني وسط مدينة جنين خلال اقتحام القوات الإسرائيلية أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

فرض الجيش حصاراً على المخيم، أو كما يسميه «عش الدبابير»، ومنع حركة الدخول أو الخروج منه، وقطع إمدادات الكهرباء والاتصالات، حتى بات بقعة معزولة عن العالم الخارجي. مَنعت المركبات العسكرية دخول سيارات الإسعاف لإخلاء الإصابات أو الحالات المرضية، بل أطلقت النار عليها، كما منعت وصول الطواقم الصحافية للمنطقة، فيما شرعت الجرافات العسكرية في تجريف عدد من الشوارع والميادين وهدم بنى تحتية حيوية.

تواصلت العملية العسكرية الإسرائيلية 48 ساعة قبل انسحاب القوات منها، لنتمكن بعد ذلك من دخول المخيم وحاراته، ولتتكشف أمامنا آثار المعركة في المدينة ومخيمها.

ترك الرصاص بصمةً واضحةً على جدران المنازل والمتاجر بين الأزقة الضيقة، فيما تركت الحرائق علاماتها على بعض نوافذ البيوت والمساكن المتلاصقة في مساحة ضيقة لا تزيد عن 0.42 كيلومتر مربع، يسكنها نحو 12 ألف نسمة. بدا نصيب بعض البيوت الأخرى أكبر، إذ لحقها دمار كبير بعد أن قامت الوحدات الإسرائيلية بنسفها وتسويتها بالأرض. كذلك ألحقت الجرافات العسكرية دماراً بالشوارع والميادين والبنى التحتية التي طالتها أعمال تجريف لم تتوقف طيلة اليومين الماضيين.

الحاضنة الاجتماعية... هدف للعمليات العسكرية

كان الجيش الإسرائيلي صعّد من عملياته مؤخراً، التي تطول البنى التحتية الحيوية في المدينة والمخيم، إذ باتت هدفاً رئيسياً للاعتداءات الإسرائيلية، في مسعى، كما يرى السكان هنا، للضغط على الحاضنة الشعبية للكتائب المسلحة ومعاقبتها. ويرى جمال حويل، عضو «المجلس الثوري» لحركة «فتح» والمقاتل السابق إبّان معركة جنين عام 2002، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن إسرائيل تسعى عبر سياسات التدمير والتجريف لضرب الحاضنة وربط دعمها للعمل المسلح بمشاهد الدمار والخراب.

آثار الدمار الذي طال البيوت في مخيم جنين أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

يقول: «نحن ندرك من تجربة طويلة جداً منذ عام 2002 حين دخل الاحتلال إلى مخيم جنين في أكبر معركة بعد عام 1967، ودمّر 1200 بيت وقتل العشرات في المخيم، أن الاحتلال يركز على الانتصار على الوعي الفلسطيني. وبالتالي يركز على الحاضنة الاجتماعية حتى تصبح المعادلة أمامها، المقاومة تقابل الخراب»، مضيفاً: «لكن هذه الحاضنة الشعبية تدرك أن المقاومة هي من تحضر العزة والكرامة والحرية، رغم الدمار الذي يحدثه هذا العدو».

ضحايا جنين... الأعلى في الضفة الغربية

منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)، كثّف الجيش الإسرائيلي من عملياته العسكرية في جنين ومدن الضفة الغربية. ونفذ الجيش أكثر من 70 اقتحاماً لجنين منذ اندلاع الحرب في غزة، قتل خلالها أكثر من 142 فلسطينياً، ما يمثل الحصيلة العليا لعدد الضحايا في الضفة الغربية، الذي تجاوز 540 قتيلاً، فيما بلغت أعداد الجرحى 5200، كما اعتقل الجيش أكثر من 8000 فلسطيني.

الطواقم الطبية تنقل إصابات خلال اقتحام الجيش الإسرائيلي لمدينة جنين في مايو الماضي (الشرق الأوسط)

كما دفع الجيش بالطيران الحربي لميدان حربه في جنين لأول مرة منذ الانتفاضة الثانية، إذ شنّ عدداً من الغارات على أهداف في المدينة ومخيمها، طالت عدداً من المقاتلين في «كتبة جنين» التابعة لـ«سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي».

الضفة... جبهة خارج حسابات الهدنة

تظل جبهة الضفة الغربية ساحة غير مشمولة بحسابات ومفاوضات الهدنة وترتيبات وقف إطلاق النار المرتقبة في غزة، ما يثير مخاوف عميقة لدى الفلسطينيين بأن الفترة المقبلة قد تحمل مزيداً من فصول التصعيد. هذه المخاوف تعززها تصريحات الوزيرين في حكومة نتنياهو، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، التي توعدا فيها بنقل مجريات الحرب في غزة إلى الضفة الغربية.

فور انتهاء معركة الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تحدثت «الشرق الأوسط» مع مقاتلي كتيبة جنين. قال لنا أحد قادتها إن هذه المعركة جاءت مختلفة عن سابقاتها، إذ شهدت «تكتيكاً عالياً ودقيقاً» من مقاتلي الكتيبة الذين باتوا يلجأون أكثر من السابق، في مواجهة القوات الإسرائيلية، للكمائن والعبوات الناسفة المزروعة، التي أظهرت تطوراً في فاعليتها، مقارنة بالمراحل السابقة. الأمر الذي أثار قلقاً عميقاً لدى الدوائر العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وصعّد من وتيرة المداهمات والاستهدافات للبنية التحتية للكتائب المسلحة ومعامل العبوات والمتفجرات.

مسلحون من "كتيبة جنين" خلال تشييع جثامين ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية في مايو الماضي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن الكتيبة لم تتلقَّ خسائر في صفوفها خلال هذه الجولة، مشيراً إلى أن «جميع الشهداء الذين سقطوا كانوا من المدنيين، ولم يفلح المحتل في قتل أو إصابة أي من عناصر الكتيبة»، ما يعكس تحولاً في عمل المقاتلين على الأرض خلال الاقتحامات الإسرائيلية وتكيفاً مع معطيات القتال، الذي يعتمد فيه الجيش على الوحدات الخاصة والقناصة، وكذلك على الغطاء الجوي.

وأشار الشاب إلى أن الحرب الدائرة في المخيم امتدادٌ للحرب في غزة ولعملية «طوفان الأقصى»، موضحاً أن المواجهة مع الجيش الإسرائيلي ارتفعت وتيرتها منذ 7 أكتوبر. ويضيف أن وحدات من الجيش كانت قاتلت في غزة، باتت تقاتل اليوم في جنين: «هذا باعترافهم وشهادات جنودهم بأن بعض قوات الجيش التي كانت تقاتل في غزة، واكتسبت خبرة هناك، تم استدعاؤها للدخول لمخيم جنين. والفرق بين ما قبل 7 أكتوبر وبعده هو عدد القوات التي تدخل إلى المخيم، ناهيك عن تصاعد ضربات الطيران والقصف وأعداد الآليات».

عمليات الجيش... من «جزّ العشب» إلى «الحسم الشامل»

تكاد العمليات التي تمتد لأيام تكون جولات «استطلاعية» لعمليات أوسع وأطول أمداً، تهدف من خلالها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى بسط سيطرتها الأمنية بشكل أوسع على الضفة الغربية، وتضييق الخناق على الفصائل المسلحة التي تنشط في المدن والبلدات والمخيمات. وشرعت القوات الإسرائيلية مؤخراً في تصعيد مداهماتها وضرباتها على البنى التحتية للكتائب، وكذلك على بعض مصادر تمويلها. كما شنَّ الجيش سلسلةً من المداهمات لمحال الصرافة وتحويل الأموال، ونفّذ اعتقالات بحقّ بعض العاملين فيها، وزاد من وتيرة استهدافاته لمعامل تصنيع العبوات الناسفة. وتواصل جرافاته إزالة «الخطوط الدفاعية» على مداخل المخيمات من سواتر ترابية وأحجار إسمنتية لتأمين دخول وحدات الجيش لمناطق أعمق داخل المخيم.

دوريات إسرائيلية في شوارع جنين مايو الماضي (الشرق الأوسط)

وتعكس مجريات العمليات الإسرائيلية تبدلاً في سياسة «جز العشب» التي أطلقها الجيش الإسرائيلي قبل عامين بهدف ملاحقة المجموعات المسلحة واغتيال أو اعتقال قادتها وعناصرها، إلى التوجه اليوم نحو استراتيجية تحمل مؤشرات بالمضي لـ«الحسم الشامل».

كانت الضفة الغربية شهدت أكثر من 460 عملية إطلاق نار واشتباك منذ بداية العام الحالي، استهدفت قوات الجيش والمستوطنين، وأوقعت 13 قتيلاً وعشرات الإصابات.

مخيم نور شمس... محاكاة للتدمير في غزة

بات السكان في مخيم نور شمس للاجئين في مدينة طولكرم، شمال الضفة الغربية، يطلقون عليه اسم «غزة الصغرى»، إذ يشهد المخيم الواقع شرق المدينة تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً، ارتفعت وتيرتُه مع اندلاع الحرب في غزة، كثّفت خلاله إسرائيل من هجماتها عليه خلال الشهور الماضية، مخلفة دماراً كبيراً في أحيائه وأزقته الضيقة.

وما أن وصلنا مدخل المخيم حتى بدأت تتكشف مشاهد الدمار. لحق الدمار والخراب بواجهات البيوت والمحال التجارية المطلة على الشارع الرئيسي المقابل للمخيم، والواصل بين مدينتي طولكرم ونابلس. داخل المخيم، سلكنا طريقاً ترابية وعرة خلّفتها أعمال التجريف نحو حارة المنشية وسط المخيم. بدت بيوت الحارة وبناياتها أثراً بعد عين. حفرت الجرافات الإسرائيلية في قلب المخيم بقعة ترابية واسعة تكسوها أكوام من الركام وجدران البيوت المهدمة، فاقتلعت هنا مربعات سكنية كاملة، وهجَّرت سكانها، في استدعاء لسياسة التدمير الواسع في غزة.

تقول نهاية الجندي، إحدى سكان المخيم وعضو لجنة الخدمات الشعبية، لـ«الشرق الأوسط»، بينما وقفت وسط بقعة ترابية فارغة على أنقاض بيوت حارة المنشيّة، التي سوّتها الجرافات الإسرائيلية بالأرض، وأحالت مجمعات سكنية كانت تأوي 40 أسرة إلى ركام، إن حال مخيم نور شمس «شبيه بحال غزة، وأطلق عليه اسم غزة الصغرى، وذلك بسبب تدمير مجمعات سكنية كاملة».

وتضيف الجندي: «الفرق بيننا وبين غزة هو وجود جثث تحت الأنقاض. نخشى أن يتم تدمير البيوت هنا على رؤوس ساكنيها. فنحن أمام نفس الحال ونفس الوجع ونفس الفقدان، ونفس المأساة ونفس التدمير وتفجير البنيان... هذه غزة رقم 2».

آثار الدمار الذي طال البيوت والمتاجر في مخيم جنين (الشرق الأوسط)

في أبريل (نيسان) الماضي، في عملية عسكرية امتدت 3 أيام، حاصرت القوات الإسرائيلية المخيم وقطعت عنه إمدادات المياه والكهرباء والاتصالات ، وشرعت الجرافات العسكرية من طراز «D-9» و«D-10» في قضم بيوت حارة المنشية المتراصة وتسويتها بالأرض، بينما كان بعض سكانها داخل بيوتهم، فشقّت شارعاً واسعاً لدخول الآليات العسكرية والجنود فوق أنقاض البيوت.

وتلاحق إسرائيل «كتيبة طولكرم» التي تنشط في المخيم، وتضم عناصر من «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، وكذلك «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، وكذلك «كتائب شهداء الأقصى» التابعة لحركة «فتح».

وتصاعدت في الآونة الأخيرة أعمال التجريف التي ترافق الاجتياحات الإسرائيلية، التي يقول الجيش عنها إن هدفها إبطال العبوات المزروعة على جنبات الطرق والأزقة وهدم التحصينات البدائية للكتائب الفلسطينية، بيد أن حجم الدمار والخراب التي تخلّفه أعمال التجريف التي تطول البنى التحتية الحيوية والمنشآت المدنية من بيوت ومدارس وغيرها، تعكس سياسة عقاب جماعي تطول سكان المخيمات.

تشير الأرقام الرسمية الفلسطينية وأرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا» إلى أن نحو 2000 بيت في المخيم لحقَ بها دمار كليّ أو جزئي، ما يمثل نحو نصف عدد البيوت في المخيم. واضطر سكان البيوت المدمرة، ولا سيما تلك التي سوّتها الجرافات بالأرض، إلى النزوح خارج المخيم واللجوء لمساكن مؤقتة لحين إعادة إعمار بيوتهم، وهو ما يبدو الأفق أمامه غير واضح المعالم، في ضوء التحديات المالية التي تواجه «أونروا»، وكذلك السلطة الفلسطينية، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وأعمال الهدم والتجريف التي طالت سابقاً بيوتاً جرى ترميمها وإصلاحها، ما يجعل مسار إعادة الإعمار معقداً وشائكاً ورهناً بتطورات الأوضاع على الأرض.

شبح التهجير يقفز للواجهة

تدفع هذه التطورات في المخيمات بشبح التهجير إلى الواجهة، إذ تخشى أوساط فلسطينية واسعة من اتساع رقعة العمليات العسكرية والإسرائيلية وتصاعد وتيرة الهدم والتدمير والتجريف للبيوت والمنشآت، ما قد يخلق مشاهد من النزوح القسري، ويمثل شروعاً فعلياً بتنفيذ سياسة اقتلاع المخيمات وإفراغها من السكان. يترافق ذلك مع سياسات توسيع الاستيطان في الضفة وتسريع مخططات الضم، كما يتوافق مع «خطة الحسم» الذي وضعها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إذ يدعم كثير من الشواهد الملموسة على الأرض هذه المخاوف من تصاعد حدة الهجمات الإسرائيلية في المخيمات، وخلق واقع جديد فيها لصالح مشاريع الاستيطان والتوسع.

وتشير الأرقام الفلسطينية إلى أن عدد المنشآت التي تم هدمها في الضفة الغربية منذ عام 2023 تجاوز 1100 منشأة، ما أسفر عن تشريد أكثر من 4300 شخص، وهو ما يمثل زيادة بنحو 5 أضعاف، مقارنة بعام 2022 الذي بلغ فيه عدد المهجرين 700 شخص.

أبو رامي من سكان حارة المنشية بمخيم نور شمس يتفقد منزله الذي هدمته الجرافات الإسرائيلية في مايو الماضي. (الشرق الأوسط)

ويروى أبو رامي، من سكان حارة المنشيّة المدمرة، لـ«الشرق الأوسط»، اللحظات الصعبة التي عاشها هو وعائلته حين تقدمت الجرافات الإسرائيلية نحو بيته الذي تسكنه 3 عائلات وشرعت بعمليات الهدم والتجريف، بينما كان السكان بالداخل. يقول: «لو بقينا داخل البيت لسقطت جدرانه علينا. دخلت الجرافات وشرعت بهدم هذا الجزء من البناية التي تسكنها 3 عائلات»، مشيراً بيده نحو غرف البيت الذي قضمته الجرافات وأحالته خراباً.

نزح الرجل الستيني مع عائلته وأبنائه خارج المخيم لحين تأمين عودتهم. يتحسر على ما حلّ ببيته وحارته، قائلاً: «نرجو الله أن تنفرج الأمور، وألا نبقى مشتتين هنا وهناك... فبعد خسارة البيت، ما قيمة حياتنا؟»


مقالات ذات صلة

رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أيزنكوت يسعى لإزاحة نتنياهو وترؤس الحكومة

شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت (رويترز)

رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أيزنكوت يسعى لإزاحة نتنياهو وترؤس الحكومة

أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت، الثلاثاء، إطلاق حملته الانتخابية سعياً لخلافة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يشيِّعون رضيعة قُتلت مع أمها بغارة إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

خاص مصدر مصري: 4 ملفات في محادثات القاهرة للتعجيل بتنفيذ «اتفاق غزة»

حدد مصدر مصري مطلع على مسار مفاوضات تستضيفها القاهرة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، 4 بنود مطروحة في الاجتماعات قال لـ«الشرق الأوسط» إنها «رئيسية ومصيرية».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي فلسطينيات يبكين في جنازة علي اسبيتان (أ.ب)

مقتل 5 فلسطينيين في غارتين إسرائيليتين بقطاع غزة

قُتل 5 أشخاص بينهم طفل، وأصيب عشرات بجروح، في غارتين جويتين إسرائيليتين استهدفتا دير البلح وخان يونس في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي 
فلسطيني محرَّر من السجون الإسرائيلية مبتور الساق يسير مع ابنتيه في مخيم للنازحين بمدينة غزة (إ.ب.أ)

غزة تبني بيوتاً من الطين والركام... بحثاً عن مأوى وسط الدمار

يحاول فلسطينيون في غزة مواجهة أزمة السكن ببناء منازل من الطين والركام، في ظل استمرار منع دخول مواد البناء، في مشهد يجسد الإصرار على البقاء رغم الدمار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (د.ب.أ) p-circle

تركيا تندد باعتراف إسرائيل بالإبادة الجماعية للأرمن

ندّدت تركيا، الأحد، باعتراف إسرائيل بالمجازر التي تعرّض لها الأرمن بوصفها إبادة جماعية، معتبرة أن القرار «سياسي» يرمي إلى التغطية على «جرائم» الدولة العبرية.

«الشرق الأوسط» (أنقرة )

بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
TT

بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)

فتحت الفيضانات التي ضربت شمال وشرق سوريا مطلع شهر يونيو (حزيران) الحالي، وارتفاع منسوب المياه في نهر الفرات نتيجة الأمطار الغزيرة إضافة إلى زيادة تدفق المياه الواردة من تركيا، الباب من جديد أمام تساؤلات حول أزمة المياه في سوريا والعراق، وما إذا كانت تركيا تستخدم نهري دجلة والفرات ورقة ضغط سياسية وأمنية.

تتمحور أزمة المياه بين تركيا والعراق وسوريا حول تقاسم حصص مياه نهري دجلة والفرات، وتركيا هي دولة المنبع التي تسيطر على الروافد الرئيسية، وتسببت سياساتها المائية وتوسعها في إنشاء السدود على النهرين في التأثير الشديد على التدفقات المائية وتفاقم الجفاف وانخفاض مناسيب المياه إلى مستويات شبه كارثية، لا سيما في العراق الذي ضربته موجة جفاف لم يشهدها منذ أكثر من 80 عاماً.

وتتمسك تركيا بأن دجلة والفرات نهران عابران للحدود، وأن من حقها إدارة مواردهما بناءً على سيادتها الإقليمية، بينما يطالب العراق وسوريا بتصنيفهما نهرين دوليين، واعتماد معايير التقاسم العادل والقوانين الدولية وفقاً للاتفاقيات التاريخية الموقعة، كمعاهدة لوزان 1923، وبروتوكولات التعاون المشترك.

سوء إدارة أم استنزاف موارد؟

واجهت تركيا اتهامات بتوظيف المياه ورقة ضغط ضد العراق وسوريا لأسباب أمنية تتعلق في الأساس بنشاط حزب «العمال الكردستاني» وامتداداته الموجودة على أراضي البلدين، والتي تطورت إلى التدخل العسكري عبر عمليات جوية وبرية في البلدين الجارين خلَّفت وجوداً عسكرياً تركياً، لطالما كان مثار خلاف بين أنقرة وبغداد على وجه الخصوص.

وتتمحور الأزمة حول قضايا رئيسية عدة، أهمها مشروع «جنوب شرقي الأناضول» لتنمية مناطق شرق وجنوب شرقي تركيا، والذي أقامت خلاله تركيا سدوداً وخزانات ضخمة، من أبرزها سدود أتاتورك، وكيبان، وإليسو، بهدف تنظيم الري وتوليد الطاقة، ما أدى إلى تقليص كميات المياه التي تصل إلى دولتي الممر والمصب، سوريا والعراق، بشكل كبير.

أدى شح المياه إلى جفاف شديد في العراق خلال عام 2025 لم يسبق له مثيل منذ 80 عاماً (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الأمر بشكل سلبي جداً على العراق تحديداً، حيث أدى شح المياه إلى أزمة حادة في القطاع الزراعي، وتقلص المساحات الزراعية، وتضرر الأهوار الجنوبية المدرجة على لائحة التراث العالمي، بالإضافة إلى اندلاع أزمات اجتماعية واضطرابات بيئية متكررة.

كذلك أثر انخفاض التدفقات، بشكل مباشر، على توليد الطاقة الكهرومائية، ومياه الشرب لملايين الأشخاص، وزيادة مخاطر التلوث وانتشار الأمراض في سوريا في فترات الجفاف.

وجرت محاولات دبلوماسية بين الحين والآخر؛ لتسوية الخلافات، حيث تم التوصل إلى تفاهمات واتفاقيات مشتركة ومذكرات تفاهم ثنائية أحياناً، وثلاثية أحياناً أخرى، لضمان تحقيق الحد الأدنى من الاحتياجات الحيوية لكل دولة، أو الاعتماد في بعض فترات الجفاف الشديد على إقناع تركيا بزيادة التدفقات، في ظل تمسكها بأنها دولة فقيرة مائياً، وإصرارها بأن الأزمة في العراق نابعة من سوء إدارة محلية واستغلال للموارد وليس بسبب سدودها.

وغالباً ما شكلت المياه في بلاد ما بين النهرين عنصراً يتجاوز كونه مورداً طبيعياً، إلى عامل مؤسس للحضارة أو مصدر للصراع، وأحياناً مفتاح لإعادة البناء والتنمية المشتركة، كما انعكس في توقيع العراق وتركيا اتفاقية إطارية في مجال المياه والتنمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

ما يجمعه دجلة يفرّقه الفرات

بحسب الكاتب الباحث التركي المتخصص في شؤون المياه، بيلجاي دومان، برزت هذه الاتفاقية، التي لم يكشف الطرفان عن بنودها بالكامل بعد، باعتبارها تطوراً مهماً، ليس فقط في العلاقات بين أنقرة وبغداد، بل في إعادة تعريف مفهوم إدارة الموارد المشتركة في الشرق الأوسط.

ولفت دومان إلى أنه مع نشوء تركيا والعراق وسوريا، أصبح تنظيم استخدام الموارد ضرورة سياسية وقانونية، لكنه في الوقت ذاته تحوّل إلى ملف خلافي دائم، وبينما أصبح نهر الفرات قضية ثلاثية، بات نهر دجلة محوراً أساسياً للعلاقات التركية - العراقية.

فيضانات الفرات أغرقت مساحات شاسعة من الأراضي في دير الزور في شمال شرقي سوريا مطلع يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وجرت محاولات مبكرة للتوصل إلى تفاهمات حول تقسيم الحصص، كاتفاقية أنقرة عام 1921 واتفاقية 1946 بين تركيا والعراق، اللتين وضعتا أسس تقنية للتعاون، شملت تبادل البيانات والسيطرة على الفيضانات.

ولاحقاً، جاءت الاتفاقية السورية - التركية عام 1987، وهي اتفاقية مؤقتة لتقاسم مياه نهر الفرات بين سوريا وتركيا خلال فترة ملء حوض سد أتاتورك والتي امتدت إلى 5 سنوات.

ووقّعت الاتفاقية في 17 يوليو (تموز) 1987، ونصت على تعهد الجانب التركي بأن يوفر معدلاً سنوياً يزيد على 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية - السورية بشكل مؤقت إلى حين الاتفاق على التوزيع النهائي لمياه نهر الفرات بين الدول الثلاث على ضفتيه.

وفي 17 أبريل (نيسان) 1989، وقعت سوريا والعراق اتفاقية تنص على أن تكون حصة العراق الممررة له من الحدود السورية 9.106 مليار متر مكعب، وحصة سوريا 6.627 مليار متر مكعب وحصة تركيا 15.700 مليار متر مكعب في السنة.

وسجلت سوريا اتفاقيتها مع تركيا في الأمم المتحدة عام 1994 لضمان الحد الأدنى من حقها وحق العراق في مياه الفرات، لكن ذلك لم يكن كافياً لحل المشكلة.

المياه مقابل «العمّال الكردستاني»

مع تزايد الاتهامات لتركيا باستخدام المياه ورقة لابتزاز جيرانها، والضغط على الأكراد في سوريا، ودفع العراق إلى اتخاذ موقف من حزب «العمال الكردستاني» وتصنيفه منظمة إرهابية، تم تحديد مبادئ عدم الضرر والعدالة في التوزيع ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدام غير الملاحي لمجاري المياه، وضرورة مراعاة الاحتياجات المائية والاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول المشاطئة المعنية، فضلاً عن احتياجات السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي، بما في ذلك الآثار المباشرة والمحتملة.

مسلحون من «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

وعززت هذه الاتفاقية الموقف القانوني للعراق وسوريا في مواجهة تركيا، باعتبارهما دولتين تضمان أراضي واسعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، ولذلك كانت سوريا من أولى الدول التي صادقت عليها فور إعلانها، لكن تركيا لم تنضم إليها؛ لأنها رأت فيها إضراراً بمصالحها وحقوقها المائية، وصوتت ضد اعتمادها.

ولم تلجأ سوريا، التي يروي الفرات أكثر من 640 ألف هكتار من أراضيها، إلى التحكيم الدولي للحصول على حقوقها المائية من تركيا؛ لأن القانون الدولي لا يزال غير حاسم في مثل هذه القضايا، فضلاً عن أن القانون الدولي يشترط موافقة طرفي النزاع على الذهاب للتحكيم.

وتسبب الدعم السوري لحزب «العمال الكردستاني»، والسماح لمسلحيه باستخدام شمال سوريا كقاعدة خلفية لعملياتهم، في أن اتجهت تركيا للتعنت أكثر وربطت هذا الدعم بالخلافات المائية.

وعقدت عام 1993 جولة مفاوضات تركية - سورية في أنقرة بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول حصص المياه، لم تصل إلى نتيجة مختلفة عن اتفاقية عام 1987، المؤقتة التي ارتبطت بفترة ملء بحيرة أتاتورك فقط.

وشهدت الفترة نفسها توقيع اتفاقية تنمية مشتركة بين سوريا وتركيا على نهر العاصي، الذي ينبع من أعالي سهل البقاع في لبنان، وكانت تركيا قد استُبعدت من تقاسمه مع سوريا ولبنان عام 1994. وجاء تنازلها عن حصتها منه بمثابة ثمن زهيد دفعته مقابل استفادة أكبر من نهر الفرات، فلم يكن يصل إلى ولاية هاتاي التركية سوى 10 في المائة من مياهه بعدما تكون ملوثة وغير صالحة لأي استخدام. ولعقود طويلة، اعتبر سكان الولاية الحدودية مع سوريا، والمعروفة تاريخياً بـ«لواء إسكندرون»، أن سياسات المركز جاءت مجحفة بحقهم، وأسهمت في تهميشهم وحرمانهم من مورد طبيعي نتيجة لاعتبارات سياسية وقومية ودينية.

استهدفت الفصائل السورية الموالية لتركيا سد تشرين في شرق حلب بعد سقوط نظام بشار الأسد لطرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من المنطقة (رويترز)

الثورة السورية... فرصة تركية

بعد انطلاق الثورة السورية على نظام بشار الأسد، سارعت تركيا إلى استكمال تنفيذ مشروع قنوات مياه شانلي أورفا عام 2012، التي سمحت باستخدام المياه المحتجزة في سد أتاتورك لري السهول الحدودية مع سوريا في حرّان وماردين وجيلان بينار، وكذلك اكتمال حجز المياه في سد سيلوان عام 2011، ولم تتخذ سوريا أي خطوة مقابلة نتيجة انشغال سلطة الأسد بقمع الثورة.

وأظهر التحرك السوري في ملف المياه في مواجهة تركيا أن أهم استراتيجيتها كانت التركيز على استغلال الأمن الداخلي وتهديد «العمال الكردستاني»، الذي انتهى مع توقيع اتفاقية أضنة؛ لأن السبل الأخرى بدت غير ممكنة، بحكم قوة تركيا العسكرية وقدرتها على تعزيز موقفها من خلال التحالفات الخارجية، فضلاً عن سيطرتها على منبع نهر الفرات.

العراق: جفاف واضطرابات

كان العراق، الذي يحصل على 60 في المائة من احتياجاته المائية من تركيا، هو الأكثر تضرراً من نقص المياه، وواجه أزمات حادة متتالية في أجزاء مختلفة من أراضيه، وبخاصة بعد بدء تشغيل سد إليسو، الذي بني في أعلى مجرى نهر دجلة في تركيا، عام 2020، والسدود الأخرى التي بنيت على روافد أصغر، ووصلت التوترات إلى ذروتها مع تركيا بشأن هذه المسألة.

يقول خبراء إن إقامة سد إليسو ضمن مشروع تنمية جنوب شرقي تركيا أثر سلباً على حصة العراق من مياه دجلة وخفضها بنسبة 60 % (موقع ولاية بطمان التركية)

وأدت قضايا بيئية أخرى، مثل قطع الأشجار في شمال العراق وسط حملة عسكرية تركية ضد مسلحي «العمال الكردستاني»، إلى تفاقم التوترات مع أنقرة، ولم تسفر الجهود المبذولة للضغط على الحكومة التركية عن أي تغير بخلاف دفع تركيا إلى تأجيل ملء إليسو قليلاً، أي ترحيل المشكلة قليلاً بدلاً من حلها.

وفي صيف عام 2018، تسبب تضاؤل موارد المياه إلى جانب التلوث في نفوق الأسماك في نهر الفرات، وتحول نقص المياه إلى أحد الأسباب الرئيسية للاضطرابات الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد خلال السنوات التي تلت ذلك، وصولاً إلى ذروة الجفاف في 2025 على نحو غير مسبوق منذ 80 عاماً.

وتسبب سد إليسو في انخفاض حصة العراق من مياه نهر دجلة إلى ما يقرب من 60 في المائة بسبب تشغيل مولدات الكهرباء.

وفي يونيو (حزيران) 2025، دعا العراق إلى عدم استخدام ملف المياه ورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية، وطالب بالتوصل إلى رؤية إقليمية مشتركة تعتمد على توزيع عادل للمياه العابرة للحدود، منوهاً في الوقت نفسه بوجود تقدم في المفاوضات وعمل اللجان المشتركة مع الجانبين التركي والإيراني.

وحافظ البلدان، على الرغم من ذلك، على علاقات إيجابية، تطورت بشكل كبير في ظل رئاسة محمد شياع السوداني للحكومة العراقية، حيث تم التوصل إلى تفاهمات أمنية واقتصادية وتجارية وفي ملفات المياه والطاقة، والتركيز على التعاون في مشروع «طريق التنمية».

وتحولت الخلافات المائية، التي ارتبطت أيضاً بالملف الأمني كما في الحالة السورية، إلى سبيل للتعاون بعدما أعلن مجلس الأمن الوطني العراقي حزب «العمال الكردستاني» جماعة محظورة في 2024.

وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان والعراق فؤاد حسين يوقعان اتفاقية آلية التعاون المائي في بغداد بحضور رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في 2 نوفمبر 2025 (الخارجية التركية)

«طريق التنمية» يمرّ بالسياسة

في 2 نوفمبر 2025، وقّع وزيرا الخارجية التركي، هاكان فيدان، والعراقي، فؤاد حسين، «وثيقة آلية تمويل المشاريع بموجب اتفاقية إطارية للتعاون المائي» كآلية لتنفيذ اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه الموقعة في عام 2024 خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العراق.

ورسمت الاتفاقية إطار التعاون المائي في مشروعات تُقدر بمليارات الدولارات، وبموجبها ستقوم شركات تركية بإنشاء بنية تحتية جديدة لتحسين كفاءة استخدام المياه وتخزينها في العراق، ويتم تمويل هذه المشاريع من عائدات النفط العراقي، في محاولة لتحويل صادرات البلاد من النفط الخام إلى أمن مائي.

وحسب ما رشح عن الاتفاقية، التي لم يعلن الجانبان بنودها، تشمل المشاريع الأولية سدوداً لتجميع المياه ومبادرات لاستصلاح الأراضي.

ووصفت أنقرة هذه المبادرة بأنها مفيدة للطرفين من حيث تحقيق الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي. وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال مراسم التوقيع: «نحن في تركيا حريصون على دعم أمن العراق وتنميته وسلامته، ودعمنا في هذا الشأن مطلق».

ووصف حسين الاتفاقية بأنها ضرورية لحماية الأمن المائي والإنتاج الغذائي والاستقرار الاقتصادي، لافتاً إلى أن بغداد عانت طويلاً من ضعف موقفها بسبب غياب معاهدات رسمية تنظم استخدام مياه نهري دجلة والفرات.

تثبيت رئاسة إردوغان في 2028؟

وأثارت الاتفاقية شكوكاً ومخاوف لدى بعض السياسيين والخبراء في مجال المياه في العراق، وذهب البعض إلى أنها تخدم مصالح تركيا أكثر من العراق، كما تدعم إردوغان في سعيه إلى البقاء في رئاسة تركيا بعد عام 2028.

وتواجه اتفاقات العراق مع تركيا الرفض من قبل بعض القوى السياسية، التي أعلنت رفضها لعقد الاتفاقات الخاصة بمشروع «طريق التنمية» والتعاون المائي، معتبرة أنه طريقة لجعل العراق تابعاً لتركيا.

كما أن مسألة تخصيص إيرادات نفطية لإبرام عقود مع الشركات التركية تثير العديد من التساؤلات القانونية والدستورية، فضلاً عن تحديات ومخاطر الفساد وعدم الشفافية، فضلاً عن احتمال نشوء عراقيل بسبب الاعتماد على مورد واحد، هو النفط لهذا التمويل، ما يجعله عرضة للمخاطر والتقلبات حسب الأسعار في أسواق النفط العالمية.

مباحثات تركية - عراقية حول المياه والأمن وقضايا التعاون في أنقرة في 2025 (الخارجية التركية)

ويلفت بعض معارضي الاتفاقية إلى عدم وجود إطار قانوني ملزم ونهائي متفق عليه بين الطرفين يحدد الحصة المائية للعراق التي يجب إطلاقها من قبل تركيا لنهري دجلة والفرات.

وعلى الرغم من بدء عملية بين تركيا وحزب «العمال الكردستاني» لإنهاء نشاطه، فإن ملف الحزب ووجود عناصره في شمال العراق في مناطق لا تسيطر عليها حكومة بغداد، يمكن أن يتسبب في عقبة تحول دون تنفيذ الاتفاقية.

يضاف إلى ذلك أن الأمر لا يقتصر على الأوضاع الداخلية للعراق بل يمتد إلى الوضع الإقليمي، ورؤية بعض الأطراف أن تعزيز العلاقات بين العراق وتركيا قد يشكل ضغطاً عليها، وهو ما قد يحول العراق إلى ساحة للتنافس وصراع النفوذ بين القوى الإقليمية.

الإرث العثماني

بحسب الكاتب التركي، بيلجاي دومان، فإن الاتفاقية تحقق مصلحة مشتركة لكل من تركيا والعراق، لافتاً إلى أن إشكالية المياه بين تركيا والعراق لم تكن وليدة العقود الأخيرة، بل تعود إلى مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، حين تحول دجلة والفرات من نهرين داخليين في كيان سياسي واحد إلى نهرين عابرين للحدود بين دول مستقلة.

لكنه أشار إلى أن ما يميز المرحلة الراهنة في العلاقات التركية - العراقية هو التحوّل التدريجي من منطق الصراع حول تقاسم المياه إلى منطق إدارة المنفعة المشتركة، وإعادة صياغة شاملة لكيفية فهم الموارد العابرة للحدود على أنها أداة دافعة للتكامل، لا مصدر دائم للتوتر.

إردوغان ورئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني خلال توقيع مذكرة تفاهم بشأن مشروع طريق التنمية في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التركية)

وأوضح أن الملمح الجديد الأبرز في الاتفاقية يتمثل في الربط العضوي بين ملفي المياه والطاقة، حيث تستخدم عائدات النفط الذي تستورده تركيا من العراق في تمويل مشاريع مائية داخل الأراضي العراقية، وهي مشاريع تنفذها شركات تركية متخصصة في مجالات السدود، وشبكات الري الحديثة، ومعالجة المياه، والحد من الهدر، وبذلك يجرى تجاوز أحد أهم عوائق التنمية في العراق، وهو نقص التمويل، دون اللجوء إلى قروض خارجية أو شروط مؤسسات مالية دولية.

وأضاف دومان، في مقال عبر منصة «فكر تورو» التركية، أن هذا النموذج يمنح تركيا دوراً جديداً، لا بوصفها دولة تتحكم بمصادر المياه فحسب، بل كشريك في إعادة بناء البنية التحتية العراقية، وهو ما يعزز نفوذها الإقليمي بأدوات اقتصادية وتنموية بدل الأدوات الصلبة، مع إمكانية التوسع إقليمياً؛ إذ يمكن أن يشكل مرجعاً عملياً للتعاون مع سوريا في المستقبل، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة مياه نهر الفرات، وذلك في حال توفرت الظروف السياسية الملائمة، وتحول دبلوماسية المياه في المشرق من مصدر هشاشة وصراع مزمن إلى منصة لبناء الثقة والتكامل الإقليمي، من خلال الربط بين الموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية بدل اختزالها في معادلات السيادة والصراع.

بدورها، قالت الباحثة التركية البارزة في مجال المياه العابرة للحدود، الدكتورة توبا إيفريم مادن، لـ«الشرق الأوسط» إن هناك حاجة للإدارة المشتركة القائمة على حلول تكنولوجية لموارد المياه بدلاً من الصراع أو النزاعات القانونية.

وأضافت أن مشاكل دول المصب تنتج في الغالب عن غياب الاستقرار السياسي وتدمير البنية التحتية، وبالتالي سوء استغلال الموارد وهدرها.

تركيا ليست غنية بالمياه

خلافاً للاعتقاد السائد، فإن تركيا ليست دولة غنية بالموارد المائية، كما أنها ليست دولة بها الكثير من المياه في منطقتها؛ إذ تقع في منطقة مناخية شبه قاحلة، ولديها مياه أقل من حيث نصيب الفرد السنوي من المياه مقارنة بجيرانها وأميركا الشمالية وشمال أوروبا الغنية بالمياه.

في البلدان الغنية بالمياه، يبلغ نصيب الفرد من المياه الصالحة للاستخدام سنوياً أكثر من 10 آلاف متر مكعب، وتبلغ هذه الكمية في تركيا نحو 1350 متراً مكعباً، بحسب بيانات وزارة الخارجية التركية.

ووفقاً للتقديرات بأن عدد السكان سيصل إلى 100 مليون في عام 2030، فمن المتوقع أن تتخفض كمية المياه للفرد في تركيا إلى نحو 1000 متر مكعب، ونظراً لأن موارد المياه في تركيا تختلف جغرافياً وموسمياً، فإنها لا تستطيع تلبية الاحتياجات الحالية والمتوقعة في كل منطقة، وبمعنى آخر، بينما تتمتع بعض مناطق تركيا بموارد مائية وفيرة وغير مناسبة للاستخدام، لا توجد مياه كافية في المناطق الصناعية المكتظة بالسكان.

وتتلقى المناطق القاحلة وشبه القاحلة في تركيا 4 أو 5 أشهر من هطول الأمطار سنوياً، ولذلك فإن مشاريع تطوير موارد المياه، مثل السدود والخزانات التي تسمح بتجميع المياه في أوقات المطر لاستخدامها طول العام، ذات أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

في الوقت ذاته، يزداد استهلاك الطاقة في تركيا بسبب التحضر السريع والتصنيع، ويتوافق نصيب الفرد من استخدام الطاقة في تركيا مع سدس متوسط ​​الاتحاد الأوروبي فقط، ولا تمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، ويتم تنفيذ مشاريع لاستخدام الموارد المحلية لتلبية احتياجات الطاقة المتزايدة، للاستفادة من إمكانات الطاقة المائية المتجددة والرخيصة والصديقة للبيئة.

تسببت قلة هطول الأمطار في جفاف خزانات المياه في تركيا وأثرت بشكل كبير على الزراعة في عام 2025 (إعلام تركي)

ووضع تقرير «بؤر الجفاف حول العالم 2023 - 2025»، الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تركيا ضمن النطاقات الحرجة الواقعة في حزام الجفاف الممتد من جنوب أوروبا حتى الشرق الأوسط.

وحذر التقرير من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يدفع البلاد إلى حالة ندرة مائية حادة بحلول عام 2030، مع إمكانية تعرض ما يقرب من 80 في المائة من الأراضي الزراعية لموجات جفاف متكررة وشديدة خلال العقد المقبل.

ومع حدة التغيرات المناخية، تجد تركيا نفسها على شفا أزمة تهدد أمنها المائي، وتقترب، بحسب خبراء أتراك ودوليين، من الوصول إلى العتبة الحرجة للفقر المائي» مع احتمالات لتصنيفها رسمياً كدولة فقيرة بالمياه بحلول عام 2030، إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن.

وتراجع نصيب الفرد من المياه المتجددة في تركيا من نحو 1650 متراً مكعباً في مطلع الألفية الثانية إلى ما دون 1300 متر مكعب حالياً، مقترباً من الخط الأحمر الذي حددته الأمم المتحدة عند ألف متر مكعب سنوياً، ولا يعكس هذا التراجع، الذي يقدر بنسبة 19 في المائة خلال عقدين فقط، أزمة موارد فحسب، بل يكشف عن نمط استهلاك غير مستدام، ونظام إدارة مائية يواجه تحدياً هيكلياً بالغ الخطورة، كما يقول خبراء المياه.

وشهدت تركيا عاماً من الجفاف الحاد في 2025، تميز بندرة الأمطار وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وجفاف بحيرات ومسطحات مائية، وعاشت أكثر شهور ديسمبر (كانون الأول) حرارة منذ أكثر من نصف قرن، مع عجز مطري تجاوز 50 في المائة عن المعدلات الموسمية، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية.

غياب الاستجابة

يرى خبراء أنه رغم تزايد التحذيرات بشأن الوصول إلى خطر الفقر المائي، فإن الاستجابة الرسمية من جانب السلطات لا تزال دون مستوى التحدي.

ونبه أستاذ المناخ في جامعة البحر الأسود، مصطفى تشاشماز، إلى أن التبخر الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة أصبح أحد أبرز أسباب فقدان الموارد المائية، كما أن تخزين المياه في سدود سطحية واسعة، دون مراعاة المعايير المناخية، يجعلها أكثر عرضة للتبخر مع نزايد موجات الحر، ما يتطلب حلولاً تقنية عاجلة، مثل إعادة تصميم الخزانات لتكون أكثر عمقاً وأقل عرضة لأشعة الشمس، وتغطية الأحواض المكشوفة في المناطق الحساسة، إلى جانب حظر استخدام المياه العذبة في أحواض السباحة الخاصة بالمنتجعات الساحلية، واستبدالها المياه المالحة المعالجة بها.

وأشار، في الوقت ذاته، إلى أن مؤسسات الدولة تشكل بدورها جزءاً من المشكلة، بسبب استهلاك المرافق العامة كميات كبيرة من المياه من دون تطبيق فعال لأنظمة الترشيد أو اعتماد تقنيات توفير حديثة.

وتواجه تركيا واحداً من أعقد التحديات البيئية في تاريخها الحديث، يتمثل في اتساع رقعة التصحر وتفاقم موجات الجفاف، وتزايد مظاهر الإجهاد البيئي خلال السنوات الأخيرة، مع تكرار موجات الحر الشديد وحرائق الغابات، وأبرزها حرائق صيف 2025، التي بلغت نحو 3 آلاف حريق.

وتتجاوز أزمة المياه في تركيا حدودها الداخلية لتؤثر على الأمن المائي الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق، حيث تتحكم في نحو 90 في المائة من مياه الفرات، وفي قسم كبير من مياه دجلة.

وخلال افتتاح مشاريع مائية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن تركيا ليست بلداً غنياً بالمياه كما يعتقد البعض، موضحاً أن المعدل السنوي للهطول المطري لا يتجاوز 574 ملليمتراً، وهو ما يقل كثيراً عن المعدل العالمي.

يطالب خبراء بإيجاد حلول تكنولوجية لتقليل فائض خزانات مياه الأمطار المكشوفة في تركيا لتقليل التبخر (إعلام تركي)

ويوضح الخبراء أن الزراعة تستهلك ما بين 70 و75 في المائة من إجمالي السحب المائي، فيما تهدر المدن ما بين 20 و35 في المائة عبر فواقد الشبكات، بينما تتأثر كفاءة السدود بعوامل التبخر وتراكم الرواسب.

وأعلنت الحكومة التركية، مؤخراً، عن برنامج لترميم البحيرات المتقلصة أو الجافة، ومن أبرزها بحيرة مرمرة غرب البلاد، إلى جانب الاستثمار في محطات إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الري والزراعة والصناعة، وبناء محطات تحلية جديدة في مناطق تعاني من ندرة مزمنة في الموارد العذبة، لا سيما في غرب الأناضول وسواحل البحر المتوسط.

وتتمثل الأولويات العاجلة في خفض الفواقد الحضرية إلى أقل من 15 في المائة، وتعميم أنظمة الري عالية الكفاءة لتوفير ما يصل إلى 30 في المائة من استهلاك الزراعة، وتقليل التبخر عبر تحسين تصميم الخزانات والتوسع في التخزين الجوفي، ورفع إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 20 في المائة من الطلب الحضري، وتعديل التعرفة المائية، والتحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، ووضع خطط إلزامية لإدارة الجفاف.


«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
TT

«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)

قبل سنوات قليلة كان البحث عن مسكن في الرياض كالسير بين الألغام: أسعار فلكية لمساحات غير مستغلة وسوق تحكمها «التخمينات». ذلك كله تغير بنقرة سريعة على تطبيق ذكي.

في الطابق العشرين من أحد الأبراج المكتبية شاهقة الارتفاع، شمال العاصمة الرياض، يجلس المهندس خالد (38 عاماً) يتأمل في شاشة هاتفه الذكي تطبيق «إيجار». بضع نقرات سريعة كانت كافية لتجديد عقد شقته السكنية في إحدى الضواحي الحديثة، دون الحاجة لزيارة مكتب عقاري تقليدي، أو مواجهة الاختناقات المرورية في شوارع العاصمة، ودون قلق من «مفاجآت» المؤجر التقليدية التي طالما أرَّقت المستأجرين في سنوات مضت.

قبل خمس سنوات فقط، كانت رحلة البحث عن مسكن للمواطن السعودي تشبه السير في حقل ألغام: أسعار فلكية لمساحات شاسعة غير مستغلة، وسوق تحكمها «العلاقات والتخمينات» الشخصية، وغياب للتنظيم. اليوم، يمثل خالد الجيل الجديد من السعوديين الذين لم يعودوا يبحثون عن مجرد «جدران وأربعة حوائط»، بل عن «جودة حياة»: مجمع سكني متكامل، وممرات مشجرة للمشاة، وموثوقية رقمية كاملة، وجوار شركات عالمية اختارت الرياض مقراً إقليمياً لها.

ما يمر به خالد في يومياته ليس مجرد تغيير اعتيادي في عنوان السكن، بل هو الانعكاس الحي لـ«زلزال» تنظيمي واقتصادي واجتماعي صامت تقوده «رؤية 2030»، يعيد تشكيل أعرق وأكبر الأسواق العقارية في المنطقة، ويحوّلها من بيئة تقليدية غير رسمية، إلى منظومة مؤسسية شفافة تجذب رؤوس الأموال كـ«ملاذ آمن»، وسط عالم مضطرب. هذا المشهد الفردي يعكس بدوره مساراً أوسع تشهده السوق العقارية السعودية، التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تقودها مشاريع كبرى، وإصلاحات تنظيمية متتابعة، وتوسع عمراني واقتصادي متسارع في مختلف مناطق المملكة، لا سيما في المدن الرئيسة، وعلى رأسها الرياض.

مشهد عام لمساحات مخصصة لمشاريع الإسكان الحديثة في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

تحول هيكلي ضمن «رؤية 2030»

إن هذا التحول الهيكلي اللّافت الذي تترجمه شاشة هاتف خالد، يختصر الجهود المرتبطة بـ«رؤية 2030»، التي لم تعد تستهدف توفير وحدات سكنية مجردة، بل رَفْع جودة الحياة، وزيادة نسب التملك، وتطوير بيئة عمرانية معاصرة تستوعب النمو السكاني والاقتصادي المتسارع.

ويؤكد مختصون عقاريون أن القطاع لم يعد يعتمد فقط على النمو السكاني الطبيعي، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بجذب الاستثمارات الأجنبية، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، وتطوير المدن الكبرى كمراكز اقتصادية إقليمية، مع إصلاحات تنظيمية غير مسبوقة. ويضيف الخبراء أن المؤشرات الحالية تؤكد أن القطاع العقاري يتجه نحو مزيد من الاحترافية والشفافية والاستدامة، بما يجعله أحد أهم المحركات الاقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة، مشيرين إلى أن هذه الجهود المتناغمة أعادت رسم ملامح القطاع العقاري السكني والاستثماري، ومنظومة الإسكان بأسرها في أربعة محاور أساسية هي الأسعار، والتمويل، والتشريع، والذوق المعماري، إلى جانب تنظيم علاقة المالك بالمستأجر.

أحد المجمعات السكنية الحديثة في الرياض وقد بدت مواقف السيارات والفسحة الخضراء المشتركة (الشرق الأوسط)

صحيح أن السوق العقارية لم تصل بعد إلى نقطة التوازن الكامل، وما زال الطلب أقوى من العرض في المدى المنظور؛ ما يسهم في احتفاظ الأسعار ببعض زخم الارتفاع مع تفاوت حسب المدينة ونوع السكن، إلا أن التشريعات الجديدة وزيادة المعروض المنظم وتوسع أدوات التمويل المدعوم، تُشير جميعها إلى مستقبل أكثر استدامة واتزاناً.

وكان القطاع العقاري قد شهد نقلة تنظيمية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، عبر مجموعة من الأنظمة واللوائح التي أسهمت في تعزيز شفافية وحوكمة القطاع، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، وترخيص الوسطاء والمنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية، وتوثيق العمليات العقارية إلكترونياً؛ ما انعكس في الحد من الممارسات غير النظامية، ورفع موثوقية البيانات العقارية، ورفع كفاءة السوق وشفافيتها.

ويبرز هنا دور تفعيل وتطوير منصة «إيجار» وتعزيز دورها في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، ورفع موثوقية السوق الإيجارية، حيث تتحدث لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار لتؤكد هذا النجاح التاريخي؛ إذ تجاوز عدد العقود الإيجارية المسجلة عبر المنصة حاجز الـ10 ملايين عقد منذ إطلاقها، تشكل العقود السكنية منها النسبة الأكبر بنحو 8.3 مليون عقد، تمثل 82.3 في المائة من إجمالي العقود، فيما بلغ عدد العقود التجارية نحو 1.7 مليون عقد، مع تسجيل طفرة توثيقية بلغت أكثر من 1.5 مليون عقد خلال عام 2024 وحده.

أحد مشاريع «الوطنية للإسكان» وقد بدت الوحدات السكنية المتوسطة والمستقلة (الشرق الأوسط)

مدن مصغرة ومجتمعات مكتفية

عند الغوص في تفاصيل هذه المجمعات السكنية الجديدة، يتضح أنها لم تعد مجرد كتل خرسانية متراصة للنوم، بل تحولت إلى «مدن مصغرة» مكتفية ذاتياً ومصمَّمة هندسياً لتلبية احتياجات الحياة المعاصرة دون عناء. فالمجمع الذي يقطنه خالد يضم في محيطه نادياً صحياً متطوراً (جيم) منفصلاً، وصيدلية، وميني ماركت متكاملاً، ومقاهي ومغاسل ملابس؛ ما يجعل الساكن في غنى عن مغادرة أسوار المجمع لقضاء احتياجاته اليومية الأساسية.

وتتخذ الحياة داخل هذه المشاريع شكلاً اجتماعياً جديداً يرتكز على «المساحات المشتركة»؛ حيث توفر الحدائق الداخلية المفتوحة، والملاعب الرياضية، والمجالس العامة المخصصة لساكني المجمع بيئة خصبة تتيح للأطفال اللعب بأمان وللكبار التلاقي العفوي. هذا النمط المعماري قدم بدوره بديلاً عصرياً ومنظماً تخلل مكان فكرة «الحي التقليدي» أو «الحارة والشارع القديم» (ما يُطلق عليه «الفريج»). فبدلاً من التفاعل العشوائي السابق في الأزقة، باتت هذه المساحات المشتركة تخلق شبكة علاقات اجتماعية آمنة بين العائلات والوافدين من مختلف الثقافات، تلائم تماماً إيقاع الحياة العصري والسريع.

وهنا يبرز تحول سيكولوجي لافت يفرضه هذا النمط المعماري الجديد، وهو الانتقال نحو مفهوم «العزلة الاختيارية» أو «الخصوصية المشروطة»؛ فخلافاً لـ«الفريج» القديم الذي كان يفرض تفاعلاً اجتماعياً دائماً ومستقراً قد لا يحبذه جيل الشباب اليوم، تمنح المجمعات الحديثة قاطنيها مرونة كاملة في اختيار أوقات الراحة وأوقات التفاعل الاجتماعي.

رجل سعودي يعبر زقاقاً في أحد الأحياء التراثية السياحية في الرياض (غيتي)

الأسرة الصغيرة وغياب «بيت الجد»

هذا التحول المعماري واكبه تحوّل اجتماعي أعمق في بنية الأسرة السعودية التقليدية؛ فلو سألت والد خالد قبل عقدين من الزمن عن مسكن العمر، لقال دون تردد: «فيلا رئيسية كبرى بأسوار عالية ومساحات هائلة تجمع الأبناء والأحفاد». في ذلك الوقت، كان مفهوم «بيت الجد» هو المحور الأساسي الذي يتوزع الأبناء في شقق فوقه أو ملاحق حوله في سكن مشترك ممتد. أما اليوم، فقد انفرط عقد هذا النمط التقليدي لصالح استقلالية كاملة للأسرة النواة الصغيرة. جيل خالد بات يفضل العيش المستقل في شقق معاصرة ومجمعات ذكية تمنحه الخصوصية والراحة وتتناسب مع قدراته المالية، مبتعداً عن أعباء الفيلات السكنية الضخمة والمتهالكة التي باتت تمثل إرثاً معمارياً يصعب على جيل الشباب إدارته أو تحمل تكاليف صيانته وتشغيله بشكل منفرد.

مرونة وعناية بلا «عمالة»

لم يتوقف التغيير عند حدود حجم المسكن، بل امتد ليعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية من الداخل وطبيعة الصيانة المنزلية؛ فالشقق والمجمعات الحديثة بتصاميمها المدروسة والذكية ألغت تماماً الحاجة للأنماط المعمارية السابقة، مثل «الملاحق الخارجية المنفصلة» أو «مجالس الضيوف الضخمة المعزولة» التي كانت تلتهم مساحات شاسعة دون استخدام حقيقي؛ حيث استبدلت بها جلسات داخلية مفتوحة وعملية.

هذه الكفاءة في المساحة وسهولة العناية بالموقع أدَّت تلقائياً إلى تخلي كثير من الأسر المعاصرة عن مفهوم «العاملة المنزلية المقيمة» أو «السائق الخاص»؛ إذ وفرت شركات إدارة المجمعات خدمات صيانة مركزية دورية تشمل النظافة والترميم بضغطة زر عبر التطبيقات، مما قلَّص التكاليف والالتزامات الأسرية المعتادة في البيوت الكبيرة القديمة.

ركاب على متن مترو الرياض في محطة جامعة الملك سعود (أ.ف.ب - غيتي)

النقل وثقافة المترو

على مستوى التخطيط الحضري، ارتبطت هذه الضواحي والمجمعات السكنية الجديدة بشبكة طرق وشرايين نقل حديثة صممتها الدولة لفك الاختناقات المرورية. هذه المشاريع لم تعد تُحدِث ازدحامات عشوائية في محيطها بفضل المداخل والمخارج الذكية، بل على العكس تماماً، بدأت في بث ثقافة جديدة كلياً في المجتمع العقاري، وهي ثقافة الاعتماد على المواصلات العامة.

وجرى ربط معظم هذه المجمعات المعاصرة بمسارات حافلات الرياض ومحطات «مترو الرياض» الذكي، مما دفع موظفين، مثل خالد وجيرانه من الوافدين التنفيذيين، إلى ترك سياراتهم الخاصة في مواقف المجمع، وتفضيل المترو للوصول إلى مقار عملهم في الأبراج المكتبية، شمال ووسط العاصمة، متجاوزين عناء القيادة اليومية.

المرأة... وافد جديد إلى ملعب العقار

لعل التحول الاجتماعي الأكثر دلالة في المجمعات السكنية لعام 2026 هو قدرة الفتيات والمستقلات على السكن بمفردهن والعمل في السعودية كعازبات؛ فقد تلاشت إلى حد بعيد النظرة الفاصلة بين مجمعات «العزاب» ومجمعات «العائلات»، لتصبح الكفاءة والأمان والالتزام بالأنظمة هي المعيار الوحيد الذي يحكم الجميع في مجمعات مختلطة وراقية تحتضن الجميع دون تمييز.

وفي هذا السياق، تروي ريم العبد الله (29 عاماً)، وهي اختصاصية تسويق في إحدى الشركات العالمية بالرياض، تجربتها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «انتقلت من المنطقة الشرقية إلى الرياض قبل عامين، بعد حصولي على فرصة عمل، وكان أكبر مخاوفي هو العثور على مسكن آمن ومستقل يعكس نمط حياتي المعاصر كفتاة عازبة تركز على مسيرتها المهنية، لكن الواقع هنا تجاوز كل توقعاتي».

وتستطرد ريم في حديثها عن تفاصيل حياتها اليومية داخل المجمع قائلة: «المجمع الذي أقطنه ليس مجرد مكان للنوم، بل هو نظام حياة متكامل وخالٍ من التعقيد؛ فلم أعد بحاجة لاستقدام عاملة منزلية مقيمة أو الاعتماد على سائق خاص كالسابق؛ حيث تتيح لي إدارة المجمع، عبر تطبيقها الذكي، جدولة خدمات التنظيف والصيانة الدورية بضغطة زر وبموثوقية عالية تمنحني طمأنينة كاملة أثناء غيابي في العمل. وحتى نمط تسوقي واهتمامي بصحتي تغير؛ فالجيم والصيدلية والميني ماركت تقع كلها على بُعد خطوات من مصعد شقتي، مما وفر عليَّ عناء القيادة والبحث عن مواقف بعد يوم عمل طويل».

سعوديتان تمشيان أمام جامع الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)

وعن البُعد الاجتماعي وثقافة التنقل الجديدة في العاصمة، تضيف ريم لـ«الشرق الأوسط»: «المساحات المشتركة والمقاهي الملحقة بالمجمع خلقت بديلاً حضارياً وذكياً عن الحي التقليدي؛ حيث ألتقي بجيراني من السعوديين والوافدين وسط أجواء يملأها الاحترام المتبادل والاهتمامات المشتركة». وتضيف: «الأجمل من ذلك، أن المجمع مرتبط مباشرة بشبكة النقل الحديثة؛ إذ تفصلني دقائق معدودة مشياً عن محطة المترو، مما جعلني أتخلى تماماً عن قيادة سيارتي في ساعات الذروة الصباحية، لأصل إلى مكتبي، شمال الرياض، براحة تامة وبثقافة نقل عام لم نكن لنتخيلها قبل سنوات؛ فالأنظمة العقارية والأمنية والتحول الحضري هنا منحني أماناً واستقلالية جعلت من سكني في الرياض مكاناً لتحقيق طموحي العملي والشخصي».

حركة حيوية للمارة والمتسوقين في شارع التحلية التجاري النابض بالحياة بوسط العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

العاصمة تشعل «ثورة الطلب»

من شرفة مجمّعه السكني، يلاحظ خالد تنوعاً كبيراً في وجوه جيرانه؛ فبينهم الموظف التنفيذي القادم من جدة، والخبير التقني الأوروبي، والمستثمر الآسيوي. وفي قراءة تحليلية لعمق هذا المشهد، يقول الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنّ القطاع يعيش مرحلة تحول استثنائية تقودها مستهدفات الرؤية، حيث لم يعد الطلب على السكن مرتبطاً بالنمو الديموغرافي التقليدي، بل بات انعكاساً مباشراً للتحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض.

ولفت إلى أن خطط تحويل العاصمة إلى مركز اقتصادي عالمي، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات الدولية، أطلقت موجة هجرة داخلية وخارجية واسعة شملت موظفين تنفيذيين ومتخصصين وطلاباً ورواد أعمال - كحالة المهندس خالد وزملائه - مما خلق طلباً غير مسبوق على الوحدات السكنية، سواء للتملك أو الإيجار.

وفي المقابل، يرى الزهراني أن المعروض السكني يواجه تحدياً طبيعياً في مواكبة هذا التدفق المتسارع؛ فالمشاريع الجديدة تتقدم بوتيرة عالية، غير أن هندستها الإنشائية تحتاج إلى وقت لتنعكس بالكامل على السوق، بينما يستمر توافد السكان والأنشطة الاقتصادية بوتيرة أسرع، ما يفسر جانباً من فجوة الأسعار الحالية وارتفاع الإيجارات في بعض المناطق الحيوية التي يقطنها الجيل الجديد.

شقق سكنية في «كافد» بالعاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني)

ميزان التمويل وتحديات الفائدة

هذه الفجوة بين العرض والطلب ترافقت مع تبدل في حسابات الأسر التمويلية. فالمهندس خالد، كغيره من أبناء جيله، يتابع بدقة تحركات السياسات النقدية. ويشير الزهراني إلى أن أسعار الفائدة ما زالت عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بسنوات الطفرة التمويلية السابقة، وذلك في إطار التوجهات الهادفة إلى كبح موجات التضخم والارتفاعات السعرية التي شهدتها الأسواق العالمية، خلال الأعوام الماضية.

هذا الارتفاع انعكس تلقائياً على القوة الشرائية للأفراد، ودفع كثيراً من الأسر إلى إعادة حساباتها التمويلية وتأجيل بعض قرارات التملك أو البحث عن خيارات أكثر مرونة، كالإيجار المؤقت الذكي.

يقول الزهراني هنا: «الحكومة السعودية تدرك تماماً هذه التحديات وما تفرضه من ضغوط على المستهلكين، لذلك بادرت بإطلاق حزمة واسعة من الحلول المرنة عبر وزارة البلديات والإسكان وصندوق التنمية العقارية وبرنامج (سكني)، بالشراكة مع المطورين، لتخفيف أثر تكلفة التمويل وزيادة المعروض».

وتتجلى هذه الحلول التي تتبناها المملكة في حزمة تدابير تشريعية وتنظيمية وتمويلية شاملة يترجمها «برنامج الإسكان» أحد أبرز برامج «رؤية 2030»، التي وضعت نصب عينيها هدفاً استراتيجياً برفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 70 في المائة بحلول عام 2030 (وصلت النسبة حالياً إلى 66.2 في المائة من 47 في المائة في 2016)، مدعومة بـ4 محاور استراتيجية تلامس تفاصيل يوميات مواطنين مثل خالد.

التمكين التمويلي الذكي

لم يعد التمويل العقاري عبئاً منفرداً؛ إذ يقدم برنامج «سكني» خيارات تمويلية مدعومة بالشراكة مع البنوك المحلية لتسهيل شراء الوحدات الجاهزة أو البناء الذاتي، بالتوازي مع الدور المحوري الذي تلعبه الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC) بضخ السيولة في السوق، وتثبيت نسب المرابحة طويلة الأجل لحماية جيل الشباب من تقلبات الفائدة العالمية، دون إغفال الفئات الأشد حاجة، عبر تسليم أكثر من 95 ألف وحدة سكنية تنموية تراكمية من خلال برنامج الإسكان التنموي.

الحوكمة ومنع العشوائية

الرحلة الرقمية التي اختبرها خالد بهاتفه تدعمها حزمة من التنظيمات الرقابية؛ بدءاً من منصة «إيجار» وتحويل عقودها إلى «صكوك تنفيذية» تحمي حقوق الجميع، مروراً بتنظيم الوساطة العقارية وحصرها على المرخصين من الهيئة العامة للعقار، وصولاً لبرنامج «وافي» الذي ينظم البيع على الخريطة ويحمي أموال المشترين ويوفر تدفقات آمنة للمطورين.

مترو الرياض يعبر وسط المدينة (أ.ف.ب)

تكسير الاحتكار وأنسنة الضواحي

لضبط ميزان الأسعار ومحاربة المضاربات، جاء تفعيل برنامج «رسوم الأراضي البيضاء» داخل النطاق العمراني ليجبر الملّاك على تطويرها أو بيعها، مما ضاعف المعروض العقاري، وتزامن ذلك مع صعود الضواحي السكنية الكبرى التي تقودها شركات وطنية عملاقة، مثل «روشن» (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة) لتقديم أحياء متكاملة الخدمات تعزز جودة الحياة وأنسنة المدن.

عالمية السوق والاستدامة

التحول لم يقف عند حدود الداخل؛ فمع بدء نفاذ النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار لعام 2026، فُتحت الأبواب لرساميل عالمية ومسارات استثمارية منظمة وضعت العقار السعودي كـ«حصان أسود» دولي، ترافقه منصات رقمية تضمن جودة الأصول المستدامة، مثل منصة «البناء المستدام»، لفحص المباني قبل الشراء.

ويتوقع الزهراني بدء ظهور دورة أكثر توازناً بين العرض والطلب، في ظل استمرار المشاريع الكبرى وبرامج التطوير الحضري، بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة، وأن تتضح آثارها بشكل أكبر بحلول عام 2028، بما يضمن لجيل خالد فرص تملك أكثر استدامة وأقل عبئاً على المدى الطويل.

امرأتان تتبضعان من سوق محلية وسط الرياض (أ.ف.ب)

وداعاً لـ«الفلل الهالكة»

التغيير لم يكن في طريقة الدفع فحسب، بل في فلسفة المسكن ذاته. لو سألت والد خالد قبل عشرين عاماً عن بيت العمر، لقال فوراً: «فيلا بأسوار عالية ومساحات شاسعة». لكن خالد يفضل شقته الحديثة ذات الممرات المشجرة.

هذا التحول الجوهري يحلله الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنَّ السوق السكنية تشهد مرحلة تحول نوعي تتجاوز مفهوم توفير الوحدات السكنية المجردة إلى بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030»، حيث لم يعد النجاح يُقاس بعدد الوحدات المطوَّرة، بل بقدرتها على رفع جودة الحياة وتحسين تجربة السكن اليومية.

وفيما يتعلق بدور المطورين العقاريين، يشير الموسى إلى أن الضواحي السكنية الكبرى أسهمت في ترسيخ مفهوم «أنسنة المدن» عبر توفير بيئات متكاملة تجمع بين السكن، والخدمات، والمرافق، والمساحات المفتوحة المشجرة، ضمن نطاق واحد، يحمي سكانها من التنقل اليومي الطويل.

هذا التحول في المعروض واكبه (بحسب الموسى) تغير طبيعي في تفضيلات الأسر السعودية، فالمستهلك اليوم (مثل خالد) أصبح أكثر وعياً واهتماماً بكفاءة المسكن، وجودة الموقع، وسهولة الصيانة، مقارنة بالتركيز التقليدي السابق على المساحات الضخمة المهدورة.

ونتيجة لذلك، نشهد اليوم إقبالاً متزايداً على الشقق السكنية الحديثة والمجمعات المتكاملة التي توفر تجربة معيشية تليق بمتطلبات الحياة المعاصرة.

ثورة التشريعات

السهولة الرقمية التي جدد بها خالد عقده لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج ثورة تشريعية قطعت دابر العشوائية العقارية. فقد شهد القطاع نقلة تنظيمية غير مسبوقة عززت الشفافية والحوكمة، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، ترخيص المنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية.

وفي هذا الصدد، يرى عبد الله الموسى أن الأنظمة الحديثة وتنظيم الإعلانات العقارية حمت المتعاملين وجعلت البيانات أكثر دقة لمساعدة المستهلك والمستثمر على اتخاذ قراره بكفاءة، لافتاً إلى الدور المحوري لمنصة «إيجار» في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر وتوثيق الحقوق والالتزامات إلكترونياً، مما قلّص النزاعات القضائية وسرّع إجراءات المعالجة؛ فلم يعد أحد مضطراً لانتظار «مفاجآت المؤجر»، أو زيارة المكاتب التقليدية.

«الحصان الأسود»

حين يغادر خالد مكتبه في ذلك البرج الشمالي، يلتقي في ردهة الاستقبال بمديري مقار الشركات العالمية التي انتقلت حديثاً للرياض. هذا المشهد يؤكد أن العقار السعودي بات يظهر في الأفق الدولي كـ«ملاذ آمن» وسط عالم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.

وحول هذا التفاعل الدولي، يؤكد الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، لـ«الشرق الأوسط»، أن الاضطرابات الحالية أثبتت أن السعودية هي البيئة الأكثر أماناً واستقراراً في المنطقة، لامتلاكها قدرات سيادية وعسكرية متطورة، وهي النقطة التي منحت المستثمرين غير السعوديين رسالة طمأنينة إضافية.

العاصمة الرياض (الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة)

ويوضح الفقيه أن الجاذبية الاستثمارية العالية الحالية للسوق العقارية تبلورت بشكل واضح في التشريعات الأخيرة التي دعمت المستثمر الأجنبي والسعودي على حد سواء، من خلال عدة قنوات استراتيجية، أبرزها نظام الإقامة المميزة، وقانون تملك واستثمار غير السعوديين المحدث الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية هذا العام (2026).

وتجمع التقارير الدولية الصادرة حديثاً على أن السعودية هي «الحصان الأسود» في ملف الاستثمار العقاري العالمي.

وتابع الفقيه بالقول: «إن الأرقام الصادرة عن وزارة الاستثمار تثبت أن المملكة تتقدم يوماً بعد يوم كعملاق اقتصادي قادم لـ«الشرق الأوسط». ويكفي النظر إلى زخم وكثافة الشركات العالمية التي نقلت مقارها الإقليمية إلى العاصمة الرياض، والتي تجاوزت في آخر الإحصاءات الرسمية لعام 2026 أكثر من 660 شركة إقليمية، لندرك حجم المناخ القانوني الجاذب».

وأكمل الفقيه برصد نبض السوق الميداني الذي يتقاطع مع محيط خالد الوظيفي قريباً: «بحكم عملنا ووجودنا اليومي داخل السوق، نلاحظ بشكل جلي تنامي رغبة غير السعوديين في التملك والاستثمار؛ حيث أبرمت بالفعل جنسيات متعددة صفقات ضخمة، وفي مقدمتها الجنسيات الصينية والمصرية وغيرها، وقد تضاعف زخم هذه الأعداد والصفقات مع دخول التصنيفات والتشريعات المحدثة حيز النفاذ مؤخراً».

ميزان التحديات

هذه الترسانة التشريعية والتحولات الرقمية الباهرة التي يلمسها جيل خالد، لا تلغي أن الطريق نحو نقطة الاتزان العقاري الكاملة لا يزال يمر عبر حقل من التحديات التي يفرضها الواقع الاقتصادي والميداني.

ويتمثل أول هذه التحديات في فجوة المدى الزمني بين العرض والطلب؛ فبينما يتدفق السكان والمقرات الإقليمية للشركات العالمية إلى العاصمة الرياض بوتيرة متسارعة وخاطفة، تحتاج المشاريع الإنشائية والضواحي السكنية الكبرى إلى دورة زمنية تمتد لسنوات حتى تكتمل وتنعكس بالكامل كمخزون متاح في السوق، وهو ما يفسر استمرار طفرة الإيجارات وضغوط الأسعار الحالية في المناطق الحيوية.

أحد المراكز التجارية التابعة لـ«سينومي سنترز» في الرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

وعلى جبهة أخرى، تبرز معادلة تكلفة التمويل كتحدٍ مباشر يواجه القوة الشرائية للأفراد؛ فبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة كأداة لكبح التضخم العالمي يضع عبئاً إضافياً على الأسر، ويدفع قسماً من جيل الشباب إلى تأجيل قرارات التملك واللجوء لخيارات مرنة، مما يضع برامج الدعم السكني أمام اختبار مستمر لابتكار حلول تمويلية أكثر ديناميكية.

يُضاف إلى ذلك تحدي مواكبة المطورين العقاريين المحليين للسرعة والمعايير الصارمة التي تفرضها مفاهيم «أنسنة المدن» والبناء المستدام؛ حيث تتطلب السوق اليوم تحولاً كاملاً من الشركات العقارية التقليدية نحو العمل المؤسسي، لضمان تسليم وحدات ذات جودة عالية وبأسعار تنافسية تلائم الشريحة الأوسع من المواطنين دون تأخير في الجداول الزمنية للبيع على الخريطة.

في الختام، يعود خالد إلى شقته مساءً، يسير في الممر المشجّر المؤدي إلى بوابته الرقمية، يدرك تماماً أن تفاصيل يومه البسيطة هي جزء من لوحة رسمتها «رؤية 2030»... لوحة لا تبني مجرد ناطحات سحاب، بل تُعيد صياغة نمط وعمران حياة بأكملها.


العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة قصص نساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكن نجاتهن لم تكتمل بعد. فبين ذاكرة مثقلة بالصدمة وخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

استند هذا التحقيق إلى مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط» مع عدد من الناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، إلى جانب مراجعة تقارير أممية ووثائق صادرة عن منظمات دولية وخبراء قانونيين ونفسيين. وتم حجب أسماء الناجيات وبعض التفاصيل التعريفية حفاظاً على سلامتهن وخصوصيتهن.

في بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية والدعم النفسي بفعل الحرب، تصبح فرص التعافي محدودة أو غائبة، ما يترك الناجيات في مواجهة آثار مركبة تمتد من الجسد إلى النفس، ومن الفرد إلى الأسرة، وصولاً إلى النسيج الاجتماعي الأوسع.

هكذا يتحول العنف الجنسي من فعلٍ يقع في سياق الحرب إلى أزمة ممتدة، تتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن الإنصاف، لتبقى الناجيات عالقات بين ما حدث لهن، وبين مجتمع لم ينجح بعد في الاعتراف الكامل به أو احتوائه.

سيدة سودانية في موقع نزوح في الخرطوم (غيتي)

«والدتي بالكاد تعرّفت عليّ»

تبدأ إحدى الشهادات من حي الأزهري، جنوب الخرطوم، حيث كانت الناجية تعيش مع أسرتها منذ اندلاع الحرب. مثل آلاف الأسر، اضطرت العائلة للنزوح بين مناطق مختلفة قبل أن تستقر مؤقتاً في دار السلام بمدينة أم درمان. خلال هذه الفترة، كانت المرأة تساهم في إعالة الأسرة عبر بيع سلع تُجلب من «سوق صابرين»، وكان والدها أيضاً يعمل في بيع السلع ما أتاح للأسرة دخلاً معقولاً.

لكن حياتها انقلبت، بعد توقيفها أثناء عودتها من السوق برفقة شقيقها في رمضان 2024. ففي طريق العودة استقلّا مركبة متجهة نحو منطقة سكنهما، ليبدأ بعض الركاب في استجوابهما حول مكان السكن وعمل الوالد.

وتقول الشابة إن المجموعة اقتادتهما لاحقاً إلى منطقة دار السلام بغرض التحري. حاولت هي إنكار بعض المعلومات، لكن شقيقها كان قد أدلى بتفاصيل عن الأسرة، لتُنقل بعد ذلك إلى مقر النيابة في منطقة سوق ليبيا، حيث خضعت للتحقيق على يد أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي أمر باحتجازها.

بقيت محتجزة يومين، قبل أن تُنقل في اليوم الثالث إلى منزل القائد نفسه، حيث تعرضت لأول واقعة اغتصاب. وبعد أيام قليلة نُقلت إلى موقع آخر حيث فرضت عليها أعمال سخرة من تنظيف وكي ملابس وغير ذلك، فيما الانتهاكات الجنسية استمرت بصورة متكررة.

وتضيف: «كانوا يأتون إلينا ليلاً، وعندما نرفض نتعرض للضرب. ما زالت آثار التعذيب واضحة على جسدي حتى اليوم. كانوا يطفئون أعقاب السجائر على أجسادنا، وأصبحت ساقاي تحملان آثاراً وتشوهات دائمة».

سيدة من ام درمان تخفي وجهها عن الكاميرا وقد تحدثت عن اختطافها واغتصابها على يد قوات الدعم السريع ودفع مبلغ مالي مقابل الافراج عنها ( أ ب)

وتؤكد أن الاعتداءات لم تكن حوادث فردية أو معزولة، بل تكررت بشكل شبه يومي على مدى أشهر. وتقول إن «بعض الضحايا كن يتعرضن للاغتصاب عدة مرات في اليوم، وأحياناً من أكثر من شخص»، معتبرة أنه لا جدوى من الشكوى أو طلب المساعدة في ظل غياب أي جهة يمكن اللجوء إليها.

حسب الشابة، استمرت فترة احتجازها نحو أربعة أشهر، لم تعرف خلالها ما جرى لأخيها، إلى أن صادفت شخصاً تعرفه أسرتها. وعلى الرغم من أنه لم يتعرف عليها في البداية بسبب التغير الكبير الذي طرأ على ملامحها وحالتها الجسدية، تمكنت من لفت انتباهه وطلبت منه التواصل مع أسرتها، فساعدها في الوصول إلى آخر نقطة أمنية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، ومنها تمكنت من العودة إلى منطقة سوق الحر ثم إلى أسرتها.

كانت العائلة تعتقد أنها فقدت ابنتها إلى الأبد، وتقول: «حتى والدتي بالكاد تعرفت عليّ للوهلة الأولى بسبب النحول الشديد والتغيرات الهائلة التي طرأت على شكلي ونفسيتي».

وبعد بضعة أيام من الراحة، أخذتها أمها إلى المستشفى للخضوع لفحوصات طبية، فيما تولّت بطريقتها إبلاغ الوالد بتفاصيل ما جرى خوفاً عليه من صدمة مضاعفة.

وتختتم الشابة شهادتها بالقول إن قصتها ليست استثناءً، بل تشبه قصص فتيات أخريات جرى احتجازهن، لافتة إلى أن هذه التجربة لم تسلبها حريتها وأمنها فحسب، بل أثرت أيضاً على مستقبلها إذ كانت مخطوبة قبل اختطافها، ولم تتمكن حتى الآن من مقابلة خطيبها أو الحديث معه بشأن ما تعرضت له.

لعل ما يلفت في هذه الشهادة ليس فقط حجم الانتهاكات، بل البنية المتسلسلة لها، من اعتقال عشوائي، وتنقل بين مواقع احتجاز غير رسمية، وانعدام الرقابة، ثم نقل إلى مواقع شبه رسمية حيث انتهاكات ممنهجة داخل فضاء مغلق بالكامل. هذه البنية تتكرر في إفادات أخرى، ما يؤكد فرضية النمط وليس الاستثناء.

ولا تبدو هذه الرواية حالة معزولة، إذ تتقاطع مع عدد من الشهادات التي جمعتها «الشرق الأوسط» من مناطق مختلفة، وتكشف أنماطاً متشابهة من الاحتجاز والانتهاكات المرتكبة بحق النساء خلال فترة النزاع في السودان.

سيدان تعبران خطوط النار في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ ف ب- غيتي)

«سيّدة سلّمتني وحملي لم يشفع لي»

تروي إحدى السيدات من حي بانت شرق بمدينة أم درمان تفاصيل تجربة قاسية عاشتها خلال الأشهر الأولى من الحرب، حين كانت تقيم مع زوجها فيما طفلهما يتلقى العلاج في مستشفى السلاح الطبي.

تقول السيدة إن الأوضاع المعيشية كانت بالغة الصعوبة، وعانت الأسرة نقص الغذاء ومقومات الحياة الأساسية، فيما الرحلة إلى سوق ليبيا، أقصى غرب أم درمان، تشكّل مخاطرة كبيرة بسبب انتشار نقاط التفتيش وحالات الاعتقال والضرب والإهانة التي يتعرض لها المدنيون أثناء تنقلهم.

ولم يشفع للسيدة أنها كانت ترافق طفلها المريض إلى المستشفى وهي حامل بشهرها الثاني؛ فهناك في المستشفى نفسه، تعرّفت إلى امرأة بدا أنها تشارك العائلة الظروف نفسها، لتقوم بالوشاية عليها وتسليمها لـ«قوات الدعم السريع»، مستغلة معرفتها بأن زوج الضحية ضابط في الجيش السوداني.

وتقول الناجية: «سلمتني تلك المرأة إلى عناصر (الدعم السريع) في قسم الراشدين، وأبلغتهم بأنني زوجة ضابط. وهناك تم احتجازي نحو شهر كامل». وتؤكد أنها أخبرتهم منذ البداية بأنها متزوجة وحامل، متوسلة إليهم ألا تتعرض للتعذيب أو الضرب، لكنهم أبلغوها بأنهم سيتخذون إجراءات بعد الولادة.

وبعد فترة من الاحتجاز، نُقلت إلى قسم آخر يُعرف بـ«القسم 18»، حيث كانت محتجزة مع نحو 15 امرأة من زوجات العسكريين، إضافة إلى 12 امرأة أخريات من المدنيين، معظمهن من سكان حي بانت.

أطفال سودانيون يلعبون خارج مدرستهم في مخيم للاجئين شرقي طرابلس الليبية يوم 18 مايو 2026 (أ ب)

وتروي كيف أن الحوامل كن يُستثنين أحياناً من الضرب المباشر، بينما كانت الأخريات يتعرضن لسوء المعاملة بشكل متكرر، منها اعتداءات وانتهاكات جنسية طالت فتيات صغيرات في السن، لكنها تقول إن الخوف حال دون قدرة المحتجزات على الاعتراض أو حتى السؤال عما يحدث.

وتضيف أن المحتجزات من زوجات العسكريين تعرضن لضغوط وإجبار على الزواج من عناصر في «قوات الدعم السريع»، بلا شهود أو إجراءات قانونية، فيما المسؤولون عن الاحتجاز أخبروهن صراحة بأنهم لم يتمكنوا من قتل أزواجهن بالسلاح، فسيؤذونهم بهذه الطريقة.

وتؤكد السيدة أنها حاولت مراراً إقناعهم بأنها متزوجة أصلاً، لكن جميع محاولاتها قوبلت بالرفض. وفي نهاية المطاف، أُجبرت على الزواج من أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي نقلها إلى منطقة دار السلام غرب أم درمان.

وخلال فترة وجودها في دار السلام، احتجزت في غرفة حيث منعت الطعام والشراب ولكن كان يتم تخديرها بانتظام، ما يفقدها القدرة على الحركة والتركيز وجعل تلك الفترة مشوشة في ذهنها. ولا تزال حتى اليوم بعدما نجحت في الهرب من قبضة الخاطفين والعودة إلى أسرتها، تعيش حالة من الشك والقلق بشأن ما إذا كانت قد تعرضت لاعتداءات جنسية خلال فترة احتجازها الطويلة، مؤكدةً أن تأثير العقاقير والحقن التي أُجبرت على تناولها جعلها غير واعية لكثير مما جرى حولها في تلك الفترة.

فجوة العدالة وتحديات الدعم

في حين يصعب توثيق حالات الانتهاك الجنسي لأسباب شتّى، فإن الإحصاءات الرسمية المسجلة منذ اندلاع الحرب في السودان بلغت نحو 2200 حالة، حسب وزيرة الدولة للموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، سليمى إسحق، التي لفتت أيضاً إلى أن الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، خصوصاً في مناطق دارفور التي تعاني صعوبة الوصول إلى الضحايا.

سيدات سودانيات في طابور أمام أحد مراكز الدعم وتقديم المساعدات (أ ف ب- غيتي)

ولفتت الوزيرة في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعامل مع هذه القضايا يتم عبر شراكات مع منظمات وطنية ودولية ووكالات أممية.

وأضافت أن ثلاث قضايا فقط وصلت إلى القضاء، جميعها بحق أفراد من الجيش السوداني، بعد رفع الحصانة عنهم، وصدرت بحقهم أحكام في ولايتي الأبيض والنيل الأبيض.

أما بالنسبة للانتهاكات المنسوبة لـ«قوات الدعم السريع»، فقد أوضحت إسحق أن ملاحقتها قانونياً في الوقت الراهن غير ممكنة، داعية إلى توثيق الانتهاكات لضمان عدم الإفلات من العقاب مستقبلاً.

وكان تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة كشف أن مفوضية حقوق الإنسان وثّقت خلال عام 2025 أكثر من 500 حالة عنف جنسي، شملت الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والتعذيب الجنسي، والاستعباد الجنسي، وهي انتهاكات أفضت في بعض الحالات إلى الوفاة.

كما أفاد أحدث تقارير منظمة «أطباء بلا حدود» بأن المنظمة قدّمت الرعاية لأكثر من 3396 ناجية من العنف الجنسي في ولايتي شمال وجنوب دارفور، خلال الفترة بين يناير 2024 ونوفمبر 2025. ونقل التقرير عن مسؤولين معنيين بمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي تسجيل زيادة في الحوادث بأشكال متعددة، من بينها العنف المنزلي، والتحرش، والاستغلال الجنسي.

كانت «أطباء بلا حدود» وصفت هذه الجرائم بأنها أصبحت «علامة مميزة» للنزاع في السودان، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل على الأرجح سوى «قمة جبل الجليد».

أزهار عبدالله، سيدة سودانية خطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه في أم درمان، السودان في أبريل 2026 (أ ب)

وأشارت الوزيرة إلى أن وزارة الصحة توفر بروتوكولات الدعم الطبي والنفسي قدر المستطاع، بينما يتم تقديم الدعم القانوني بالتنسيق مع النيابة العامة، مع وجود تفاوت بين الولايات في مستوى الخدمات والاستجابة، خصوصاً مع ضعف التمويل الذي يمثل أحد أبرز التحديات؛ «على الرغم من أن قضايا العنف ضد النساء مسألة إنقاذ حياة وليست قضية ثانوية»، على حد تعبيرها.

كذلك كشفت إسحق عن خطة لإنشاء مراكز حماية وإيواء جديدة، تقوم على الدمج بين الخدمات دون تعريض الناجيات لمخاطر الوصمة أو فقدان الخصوصية، في محاولة لتجاوز إخفاقات التجارب السابقة.

وأكدت أن اللجوء إلى القضاء يبقى خياراً شخصياً للناجيات، في ظل مخاوف اجتماعية وأمنية تعيق الإبلاغ، مشددة على أهمية توفير بيئة آمنة تضمن السرية والحماية خصوصاً في مجتمع محافظ مثل السودان.

«لن أتخلى عن طفلي»

في صلب هذه المخاوف، تقع قصة ناجية من مدينة بحري، تم اعتقالها خلال الأشهر الأولى من الحرب، عاشت تجربة مريرة وقاسية من الاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة، انتهت بحمل وضغوط مجتمعية هائلة.

تقول الناجية في شهادتها إن معاناتها لم تنتهِ بخروجها من المعتقل، بل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط النفسية والاجتماعية بعد عودتها إلى أسرتها حيث واجهت مطالبات والدتها المتكررة بالتخلي عن الطفل وتسليمه إلى دور الرعاية، بينما رفضت هي وتمسكت بحقها بالاحتفاظ بطفلها، مؤكدة أن لا ذنب له بما جرى.

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وأضافت: «كيف أتخلى عن قطعة من نفسي؟ سأواجه مشكلتي وأدافع عن طفلي بكل ما أوتيت من قوة».

وتشير الشابة إلى أن قرارها بالاحتفاظ بطفلها وضعها في مواجهة دائمة مع أسرتها والمجتمع ومواقف سيئة من بعض المقربين منها، في وقت كانت تحاول التعافي من آثار التجربة الأليمة التي مرت بها.

وتلفت إلى أن أكثر ما يثقل كاهلها ليس فقط ذكريات الاحتجاز والانتهاكات التي تعود إليها باستمرار، بل اضطرارها الدائم والمستميت للدفاع عن حق طفلها في الحياة والبقاء إلى جانبها، بينما تواصل هي نفسها رحلة التعافي من آثار حرب كارثية دمرت حياتها بالكامل.

العنف الجنسي سلاح حرب

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى أحمد تقد لسان، وهو المتحدث باسم تحالف «تأسيس»، عن تعرض نساء للاغتصاب في مناطق تحت «قوات الدعم السريع»، وموقف التحالف من الاتهامات المتعلقة باستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، فقال المتحدث إنه «اطلع على السؤال، لكنه لم يجد دليلاً مادياً يدعم هذه الاتهامات، ولا يرى سبباً يدعو إلى التعليق عليها».

علماً بأنه، حسب تعريف رسمي على موقع التحالف السياسي المعروف بـ«تأسيس»، فإن «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) هو ائتلاف يضم فصائل سياسية سودانية، وحركات مسلحة، ومهنيين، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني، توحّدهم إرادة مشتركة راسخة لتحقيق السلام الدائم، وإرساء الحكم الديمقراطي، وبناء وحدة حقيقية وشاملة في كامل أنحاء السودان».

عمال يحمّلون السلع الغذائية على عربات برنامج الأغذية العالمي في قاعدة الخدمات اللوجستية بجنوب السودان (أ.ف.ب)

في المقابل، يرى الخبير القانوني معز حضرة، أن اتفاقات جينيف الأربع لعام 1949 نصّت بوضوح على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وجرّمت استخدام العنف الجنسي باعتباره انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني. ويشير إلى أن هذه المبادئ جرى تضمينها أيضاً في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، الذي يجرّم الاعتداءات الجنسية والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن السودان يواجه أزمة حقيقية في مسار العدالة، في ظل غياب نظام عدلي فعّال قادر على محاسبة المتورطين، إلى جانب انهيار المؤسسات القضائية وضعف أدوات العدالة الوطنية. كما لفت إلى أن مجلس حقوق الإنسان شكّل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الانتهاكات، إلا أن الحكومة السودانية لم توافق على دخولها، ما عقّد فرص التحقيق والمساءلة.

وأوضح حضرة أن الآليات الوطنية والدولية الحالية تبدو عاجزة عن القيام بدورها الكامل في المحاسبة، في وقت يشهد فيه النظام العدلي الداخلي انهياراً واسعاً. وأشار إلى أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقتصر حالياً على الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور، داعياً إلى توسيع هذا الاختصاص ليشمل جميع أنحاء السودان، بما يضمن ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أينما وقعت.

ويعكس العدد المحدود للقضايا التي وصلت إلى القضاء مقارنة بحجم الانتهاكات المبلغ عنها حجم الفجوة القائمة بين توثيق الجرائم وإمكانية ملاحقة مرتكبيها، في ظل تحديات أمنية وقانونية ومؤسسية فرضتها الحرب المستمرة.

إحصاءات صادمة

قدّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 12.7 مليون شخص، معظمهم من النساء والفتيات، بحاجة إلى دعم يتعلق بالعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي في عام 2026 وحده، ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً من 3.1 ملايين في عام 2023، وزيادة بأكثر من 500 ألف شخص منذ عام 2025، كما أنه يقارب ضعف العدد المسجل في عام 2024، وأربعة أضعاف العدد ما قبل اندلاع النزاع في السودان.

وفقاً لدراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، فإن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، قالت هيئة الأمم المتحدة إن العنف الجنسي الذي شهد زيادة مطردة في عام 2025، تصاعد بشكل حاد خلال العام الحالي، وسط ارتفاع معدلات حوادث التحرش والاستغلال والعنف المنزلي.

ونشرت الهيئة تنبيهاً سلّط الضوء على الأثر غير المتناسب لثلاث سنوات من الحرب على النساء والفتيات، استند إلى بيانات استطلاع شمل 85 منظمة تقودها نساء، ومنظمات تُعنى بحقوق المرأة، إلى جانب مجموعتي نقاش وتقارير صادرة عن وكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية.

وأفادت الهيئة في تقريرها بأن «ثلثي النساء العاملات في الخطوط الأمامية أبلغن عن زيادة ملحوظة في العنف الجنسي خلال عام 2025، فيما أشارت نصف المشاركات إلى تصاعده خلال عام 2026».

سيدتان سودانيتان تقيمان في إحدى المدارس في الخرطوم هرباً من القتال (غيتي)

انعدام شعور الأمان

«تروي النساء والفتيات في جميع أنحاء السودان قصص تجارب مستمرة من الخطر؛ إذ يشكّل العنف القائم على النوع الاجتماعي جزءاً من حياتهن اليومية، سواء كان ذلك على طول الطرقات أثناء محاولتهن الفرار من النزاع الدائر، أو عند وصولهن إلى مخيمات النزوح».

هذا ما أكدته فابريزيا فالشيوني، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، خلال حديثها للصحافيين في نيويورك، 17 أبريل (نيسان) 2026، عبر الفيديو من العاصمة الخرطوم، حيث سلطت الضوء على تدهور أوضاع النساء والفتيات في البلاد، مشيرةً إلى أن النساء «يشعرن بعدم الأمان في أي مكان يقمن فيه».

ويستند هذا التقييم إلى دراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان بمشاركة نحو ألف امرأة وفتاة في 16 ولاية من أصل 18 ولاية. وأظهرت النتائج أن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها، بما في ذلك الأسواق ونقاط المياه ومناطق جمع الحطب والطرقات، خصوصاً خلال الليل.

وأكدت المسؤولة الأممية أن انعدام الأمن يطول أيضاً الحياة اليومية، مشيرةً إلى أن «الشعور بانعدام الأمان» يتضاعف في ظل انقطاع الكهرباء وظلام المدن ليلاً. وأفادت بأن الإبلاغ عن حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال محدوداً، بسبب وصمة العار والخوف من الانتقام والقيود المالية وبُعد مراكز الخدمات.

سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

جروح نفسية عميقة

قالت الاختصاصية النفسية خديجة محمد العبيد، إن الناجيات من العنف الجنسي في سياق النزاعات المسلحة والحروب يواجهن آثاراً نفسية معقدة وعميقة، إذ تمتد آثار الصدمة إلى ما بعد الاعتداء نفسه، وتتفاقم بفعل النزوح والحرب وفقدان الإحساس بالأمان.

وأوضحت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن من أبرز الآثار النفسية التي قد تعاني منها الناجيات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، الذي يظهر في صورة استرجاع متكرر للحدث المؤلم، وكوابيس وأحلام مزعجة، إضافة إلى الميل لتجنب الأشخاص أو الأماكن أو المواقف التي تذكر بالحادثة. كما قد تعاني الناجيات من حالة مستمرة من فرط اليقظة والخوف والقلق، ما يؤثر بصورة مباشرة على حياتهن اليومية وعلاقاتهن الاجتماعية.

وشددت العبيد على أهمية توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من العنف الجنسي عبر مساحات آمنة تحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية، مع ضرورة ربطهن بشبكات الدعم والخدمات المتخصصة لضمان الحصول على الرعاية والعلاج المناسبين، بما يسهم في التعافي واستعادة القدرة على مواصلة الحياة بصورة طبيعية.

من تظاهرة في لندن دعماً للسودان حملت فيها لافتة "أكثر من 130 امرأة فضّلن الموت على الاغتصاب" (غيتي)

فراغ الدعم النفسي

لا تبدو الانتهاكات الجنسية المرتبطة بالحرب مجرد وقائع عابرة، بل جراح ممتدة تعيد تشكيل حياة الناجيات، في ظل تحديات مستمرة تتعلق بالدعم والحماية والعدالة.

ما تكشفه الشهادات ليس فقط حجم الانتهاك، بل عمق الفراغ الذي يتركه خلفه: فراغ في الدعم النفسي، وفي الحماية القانونية، وفي الاستجابة المجتمعية التي ما زالت في كثير من الحالات تميل إلى الصمت بدل المواجهة. وبينما تتعدد الجهات الفاعلة في مسار الحرب، تبقى النساء في قلبها الأكثر هشاشةً، والأقل قدرةً على الوصول إلى الإنصاف.

إن استمرار الإفلات من العقاب لا يهدد الناجيات وحدهن، بل يكرّس دائرة العنف ويحول الجريمة إلى نمط قابل للتكرار. لذلك فإن مواجهة هذه الانتهاكات لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضاً: مستقبل العدالة، ومصداقية المؤسسات، وقدرة المجتمع على التعافي من آثار الحرب.

وبينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل حياة ملايين السودانيين، تظل معاناة الناجيات من العنف الجنسي واحدةً من أكثر تداعياتها قسوة وأقلها ظهوراً إلى العلن.