الشعر ملاذاً أخيراً

طلعت شاهين في ديوانه «تتعرى الأشجار من عصافيرها»

الشعر ملاذاً أخيراً
TT

الشعر ملاذاً أخيراً

الشعر ملاذاً أخيراً

بعد غياب طويل وانخطاف مباغت إلى عالم الترجمة والرواية، يعود طلعت شاهين إلى عالم الشعر بئره الأولى، بديوان يحمل عنوان «تتعرى الأشجار من عصافيرها»، صدر حديثاً عن «دار العين» بالقاهرة. لكن لماذا الحنين إلى الشعر، كأنه المخلص الذي يفتح للنفس نوافذ جديدة للتنفس والشعور بالأمان، بخاصة بعدما ارتعدت مفاصل العالم وضاقت أوردته، في مواجهة لحظة محفوفة بالمخاطر والألم، حبسته في قفص وباء «كورونا» على مدار شهور، ولا تزال آثارها ممتدةً إلى الآن. هذه اللحظة الشائكة يجسدها عنوان الديوان في دلالة فنية لافتة، فالوباء لم يكتفِ بحصد أرواح مئات الآلاف من البشر، إنما أصبح يهدد الطبيعة، العصافير والشجر، الغيم والمطر، وكل مظاهر الحياة.

في تلك اللحظة المجنونة تذكر طلعت شاهين أنه «شاعر العشق، العاشق المعشوق»، هكذا كان يطلق عليه أقرانه من شعراء السبعينات في مصر، لفتهم إلى ذلك أنه في قصائده البسيطة الحانية، كان دائماً يعزف على متوالية العشق لغوياً وجمالياً، موحداً ما بين حضور العشيقة في القصيدة وبين حضور الطبيعة، فكلاهما مرتكز للجمال وإثارة الدهشة والأسئلة.

في غمرة المزاح الذي يكشف عن محبة أقرانه الشعراء له، وأنا واحد منهم، خدعنا جميعاً، وفي صمت درس اللغة الإسبانية بالمركز الثقافي الإسباني بالقاهرة، مقرراً أن يوسع فضاء عشقه، ويكتسب له أرضاً وجغرافيا جديدتين، أكثر جرأة وانفتاحاً على المستوى الإنساني والعاطفي. في عام 1980 حط رحاله على شواطئ إسبانيا، وواصل دراساته الأكاديمية للقانون في رحاب جامعاتها حتى حصل على درجة الدكتوراه؛ كما حصل أيضا على الجنسية الإسبانية.

وسمت روح العاشق - ولا تزال - مسيرته في الحياة، ففي ظلالها عمل لفترة بالصحافة، وكتب الرواية والقصة وترجم أكثر من 24 كتاباً، من عيون أدب أميركا اللاتينية، من أبرزها مذكرات ماركيز «أن تعيش لتحكي»، و«الشعر النسائي في أميركا اللاتينية»، ورواية «المطر الأصفر» لخوليو يا ماثاريس... ويظل أجمل ما في هذه الروح العاشقة أنها بعفوية شديدة ساعدته في أن يتخفف من صرامة الأكاديمي المحترف، ليتعامل مع الحياة وكأنه هاوٍ، يتلمس أغصانها للمرة الأولى، وهو ما برز على نحو لافت في معظم هذه الترجمات.

شكل ديوانه الأول المشترك مع الشاعر أمجد ريان، وهما في باكورة خطواتهما الشعرية «أغنيات حب للأرض» صرخة عشق للجذور، وبرعم اتساع المسافة والزمن لم تبتعد هذه الروح عن أجواء ديوانه هذا الذي يعود به للشعر، فنحن إزاء ذات أصبحت محاصرةً، في أنفاسها وخطاها وهواجسها، لا ترى العالم إلا من وراء موانع وحواجز فرضتها حتمية التوخي والحظر للوقاية من براثن الوباء المسعور.

يستهل شاهين الديوان الواقع في مائة صفحة بقصيدة «لمن تدق الأجراس»، وفيها يبرز نوعٌ من التناص الناعم مع رواية همنغواي الشهيرة «لمن تقرع الأجراس» التي يصور فيها أهوال الحرب العالمية الثانية، وما ألحقته من دمار وخراب بالعالم، يقول في النص:

«لمن تدق الأجراس؟

سألوه ..

تلفّت الكاهنُ حوله،

تحسَّس حبلَ الجرس،

شاهد السكونَ يلفُّ أرجاء المكان؛

والمذبح خالٍ.

قال: لا أحد

الجميع غادروا دون وداع.

تركوني وحيداً مع الفراغ

تعويضاً عن الغياب

أدق الجرس

بحثاً عن ونس..»

لا يذهب كاهن الكنيسة إلى الحرب كما فعل بطل همنغواي، إنما يواجه حرباً خاصة مع الفراغ الموحش والقاتل، الذي يلف المكان، وأصبحت مقدرته على شد حبل الجرس هي مقياس وجوده، وعلامة على أنه حي.

في القصيدة الثانية «كوفيد - 19»، التي تشعل نحو نصف مساحة الديوان، يتسع المشهد وتتنوع زواياه، وبعين الكاميرا تتجول القصيدة في كل دروب الحياة، راصدة ما طرأ عليها جراء هذا الوباء، في الشوارع والحدائق والمقاهي والحانات، تلتقط ما يدور على ألسنة المسؤولين السياسيين ورجال الشرطة والجيش من همهمات وإشارات مرتجفة وعابرة، وترصد كيف تحولوا إلى مرايا هشة مغبشة بالخوف والألم. ويبلغ المشهد ذروته الشعرية، حين يتحول الصمت الذي يخيم على كل هذه العناصر إلى لغة، ورغم أنها لغة غير منطوقة، خرساء، فإنها استطاعت أن تثبت الصورة في المشهد، وتكشف بسلاسة عما يتناثر في غبارها من مشاعر وعواطف وانفعالات محبطة وصلت إلى حد اليأس وفقدان الأمل... ومن القصيدة نقرأ:

«تتعرى الأشجارُ من عصافيرها

وتغادر الصحراءُ نجومها

يجفُّ النّهر

تاركاً أسماكه

تنزف ما تبقى

من صخب الحياة.

لقد خيم الخراب؛

فلا المدنُ دانت لناسها

ولا الأجساد تمسكت بأرواحها

صار البين بياناً وعلامة.

صورةٌ ثابتةٌ

يقرأ المتحدث الرسمي أرقاماً باردةً

عن مصابين ينتظرون أسِرّة تأويهم،

عن موتى

أو سائرين على طريق الموت

يردد: اليوم أفضل

وغداً ربما لن يكون.

الشوارعُ خاليةٌ،

لا بشرَ، لا سمرَ، لا حياةَ

لا شيءَ على الأسفلت

على الطوار

تحت الأشجار

على حافة الأغصان .

الصمت يعانق سكون الرافعات

لا يهم.

يتساقط القرميد عن أسطح البيوت

لا يهم.

تعوي الرياح أحياناً

نابحة الغياب

لا يهم.

يهطل مطر ثقيل

يضرب النوافذ بقطرات حزينة

لا يه .

في كل صباح

تجاهد الشمسُ كي تجفِّف ما تساقط على وجهها

لا يهم.

يراكم النص مأساوية الحالة، ويكشف عن أبعادها الإنسانية الشائكة، معتمداً على توالي الصور، وتلاحق المشاهد، ويوظف الشاعر آلية التكرار (صورةٌ ثابتهٌ - لا يهُمّ) في بداية المقاطع، وفي اللطشة الأخيرة، لتكثيف المعنى والدلالة، ما بين الثبات والعبث والإحساس باللاجدوى، وفي لهاث شعري، كأنه في سباق مع الزمن لاحتواء الصورة التي أصبحت تستنسخ نفسها في قبضة الموت، وتتكرر مئات المرات يومياً. إنه اختطاف قاسٍ للحياة، بلا وداع ومعزين، بلا صلوت، أو حتى نظرة أخيرة، تعلق في سقف الذاكرة.

لا يرسخ التكرار المعنى فحسب من خلال آلية التشابه، إنما يحاول القبض على اللامعنى، المستتر والمخفي وراء الأشياء والعناصر، والذي لا يقترن بالفقد والغياب المباغت فحسب أيضاً، إنما يقترن أساساً بتراجع الملذات والمسرات، فالإنسان قابع في قبو نفسه، لا يستطيع أن يخرج، أو حتى يفتح النافذة، ليطل على الوجود والحياة. لكن اللافت هنا أن هذه القصيدة الطويلة أصبحت بمثابة اللحن الأساس في الديوان، وما يأتي بعدها من قصائد هو عزف منفرد عليها؛ يلعب على التيمات والعلامات نفسها، لكن بإيقاع خاطف، حيث تتسع المسافة قليلاً بين الذات والموضوع، فلم تعد الذات مشغولة بتثبيت الصورة/ الموضوع في المشهد، بقدر ما أصبحت تتأمله، ليس في حضوره الطاغي المباشر، إنما فيما يخلفه من فجوات وتشققات، تترك ندوباً على العين، وتبقى أثراً على ماض، لم يتخلص بعد من ربكته.

يوحد الشاعر ما بين حضور العشيقة في القصيدة وبين حضور الطبيعة فكلاهما مرتكز للجمال وإثارة الدهشة والأسئلة

وفي مقابل شعرية الموضوع أو الحالة التي طغت على اللحن الأساس في الديوان، تكرس قصائد القسم الأخير منه لما يمكن تسميته «شعرية الذات»، فمن خلالها يحاول الشاعر الخلوص لنفسه، لعالمه الخاص وأشيائه الحميمة، وهو ما يبرز في العناوين الخاطفة لمعظمها مثل «العلامة، غربة، إبحار، ماء، ادعاء، تعميد».. يقول في نص بعنوان «وجهان»:

«لي في هذا العالم وجهان

وجهٌ ارتديته باحثاً عن بدايةٍ للحياة

وظل يرتديني قناعاً لسبعين عاماً.

ما منحني سوى التعب،

وحياة مخضبة بدمٍ

انداح على الرمال بلا ثمن،

وألقى بي إلى واحة الغربة.

في الغربة ارتديتُ وجهاً آخر

اختبأتُ خلفه أربعين عاماً.

حاول أن يغسل الدماءَ التي علقت بملابسي،

ومنحني قلباً ورؤية،

فيما ظلَّ التعبُ كامناً خلفه،

لا راحةَ في القلب»

بنبرة شجن يعري الشاعر أقنعته في الغربة والحياة، وبحكمة الشعر يواجه الاثنين معاً كما يواجه الوباء، ما يذكرنا بصرخة أبي العلاء المعري «تعبٌ كلها الحياةُ فما أعجبَ.. إلا من راغبٍ في ازدياد»، لكنه مع ذلك لا يفقد المقدرة على التصالح معهما، فالحياة بيته، سواء في الغربة أو الوطن، ولا بأس أن يشاكسهما، في هذا الديوان الشيق بمحبة الشعر وروح العاشق معاً.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».