ألمانيا: مخاوف من تجسس نواب «البديل» المتطرف لصالح روسيا

الأحزاب الرئيسية تسعى لمنعهم من دخول لجنة الاستخبارات البرلمانية

البرلمان الألماني في برلين حيث بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ثاني أكبر كتلة فيه بعد انتخابات فبراير الماضي (إ.ب.أ)
البرلمان الألماني في برلين حيث بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ثاني أكبر كتلة فيه بعد انتخابات فبراير الماضي (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا: مخاوف من تجسس نواب «البديل» المتطرف لصالح روسيا

البرلمان الألماني في برلين حيث بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ثاني أكبر كتلة فيه بعد انتخابات فبراير الماضي (إ.ب.أ)
البرلمان الألماني في برلين حيث بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ثاني أكبر كتلة فيه بعد انتخابات فبراير الماضي (إ.ب.أ)

نجحت الأحزاب السياسية الرئيسية في ألمانيا حتى الآن في عزل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، وإبقائه بعيداً عن السلطة، رغم تحوله إلى ثاني أكبر كتلة نيابية في البرلمان الفيدرالي بعد انتخابات فبراير (شباط) الماضي التي فاز بها الحزب «المسيحي الديمقراطي»، واختار التحالف مع الحزب «الاشتراكي» الذي لم يُحقق أكثر من 16 في المائة من نسبة الأصوات مقارنة بـ20 في المائة للحزب المتطرف، لتشكيل حكومة ائتلافية تبقي اليمين المتطرف خارج السلطة.

ورغم ذلك، فإن صداعاً جديداً بدأ يؤرق الأحزاب الألمانية، فالحزب اليميني المتطرف يسعى للجلوس في لجنة الاستخبارات البرلمانية، وهو ما بدأ يُثير مخاوف كبيرة داخل الحزبين الرئيسيين اللذين عبَّرا عن مخاوفهما من خروق أمنية وعمليات تجسس في حال سمح لنواب من «البديل من أجل ألمانيا» بالجلوس في اللجنة. وتنبع هذه المخاوف من العلاقة المقربة بين كثير من أعضاء الحزب المتطرف مع روسيا خاصة، وكذلك الصين.

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

ووصف نائب اللجنة حالياً، رودريش كيسفتر، المنتمي لـ«المسيحي الديمقراطي» الحزب المتطرف بأنه «يُشكل تهديداً أمنياً»، وقال إنه لو سُمح لنوابه بالجلوس في اللجنة، فإن هذا «سيؤدي إلى إحداث أضرار ضخمة على السياسة الخارجية والأمنية» لألمانيا.

وأشار كيسفتر في تصريحات لصحيفة «تاغس شبيغل»، إلى أن ألمانيا «تعتمد على تبادل المعلومات مع شركائها فيما يتعلَّق بمكافحة الإرهاب والجرائم، وحزب (البديل من أجل ألمانيا) يتصرَّف على أنه امتداد للكرملين، وهو غير ديمقراطي». وأضاف أنه لهذه الأسباب من «الضروري الحرص» على ألا ينتخب أي نائب منه في اللجنة، وإلا فإن ذلك «سيُشكل تهديداً لتسرب المعلومات والتجسس، وحتى التأثير الخارجي».

ونقلت الصحيفة نفسها عن العضو في لجنة الاستخبارات من «الاشتراكي» رالف شتيغنر، قوله إن حزبه لن يُصوِّت لعضوية أي نائب من حزب «البديل من أجل ألمانيا» في اللجنة، مضيفاً أنه يُعوِّل على تصويت مشابه من الحزبين «المسيحي الديمقراطي» و«الخضر» لإبقاء الحزب المتطرف خارج اللجنة.

ورغم أن «البديل من أجل ألمانيا» يجلس كما يرأس عدداً من لجان البرلمان، فهو لم يستطع دخول لجنة الاستخبارات بعد. وعام 2022، رفضت اللجنة التصويت لعضو من الحزب، ومن المتوقع أن يتكرر الأمر في البرلمان الجديد الذي بدأ مهامه قبل أسابيع قليلة، وسيُعيد انتخاب اللجنة في الأيام المقبلة.

وتنبع المخاوف من ارتباط الحزب بالكرملين من مواقف وعلاقات أعضاء بارزين فيه في روسيا. فمثلاً ماكسيميليان كراه، النائب المنتخب في الانتخابات الأخيرة في فبراير، أثار موجة انتقادات واسعة بعد زيارة له إلى روسيا في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ حيث التقى في سوتشي باوليغ فولوشين، الدبلوماسي الأوكراني الذي اتهم مطلع عام 2023 بالخيانة من قبل كييف، وبالتجسس لصالح روسيا.

وبعد أن كشفت وسائل إعلام ألمانية عن اللقاء، وصف كراه الزيارة بأنها كانت «شخصية»، وبأن علاقة تربطه بفولوشين منذ سنوات. ونقلت وسائل إعلام ألمانية أنه في الوقت نفسه الذي كان كراه يلتقى فيه فولوشين في سوتشي، كان نائبان من «البديل من أجل ألمانيا» يعقدان لقاءً مع الرئيس الروسي السابق، ديمتري مدفيديف. وكراه نفسه تورَّط في عدد من الفضائح في الماضي، منها أيضاً اعتقال مساعد له في البرلمان الأوروبي، واتهامه بالتجسس لصالح الصين. وقد تسببت الفضيحة آنذاك في إحراج لحزبه الذي اضطر لتعليق ترشيحه للانتخابات الأوروبية العام الماضي، ولكنه عاد وترشَّح للانتخابات الألمانية، وفاز بمقعد في «البوندستاغ».

ويعدُّ المتحدث باسم السياسة الخارجية للحزب اليميني المتطرف من كبار المتعاطفين مع روسيا كذلك، ويحافظ على علاقات وثيقة مع موسكو باتت تسبب إحراجاً حتى لحزبه. وتنبع علاقة ماتياس موسدورف مع روسيا بشكل أساسي بسبب مهنته الأولى، وهي العزف على آلة التشيلو، وموافقته على رئاسة فخرية في معهد راق للموسيقى في موسكو.

ويحاول موسدورف الترويج للموسيقى بوصفها أداة دبلوماسية، وغالباً ما ينتقد قطع العلاقات مع موسكو، ويُروِّج لإعادتها إلى سابق عهدها قبل الحرب في أوكرانيا. ومنذ بداية الحرب، دأب موسدورف على إلقاء خطابات داخل «البوندستاغ» تنتقد المساعدات العسكرية الألمانية إلى كييف. وسافر إلى سان بطرسبرغ عام 2023 للمشاركة في مؤتمر اقتصادي، ونشر مقاطع فيديو من هناك يمتدح فيها المدينة لنظافتها وتطورها التكنولوجي وبنيتها التحتية.

زوّار داخل قبة البرلمان الألماني في برلين حيث تتزايد المخاوف من عمليات تجسس لصالح روسيا (إ.ب.أ)

وتناقلت وسائل إعلام ألمانية أن علاقة موسدورف بموسكو تدفع بالحزب للتفكير في استبدال شخص آخر بالمتحدث باسم سياستها الخارجية، علماً بأنه جاء خلفاً لبيتر بيسترون، الذي هو نفسه أقيل من منصبه بعد اتهامات له بتلقيه رشاوى من روسيا. وفي مايو (أيار) العام الماضي، رفع «البوندستاغ» الحصانة الدبلوماسية عن بيسترون للسماح ببدء تحقيقات معه حول الرشاوى وتبييض الأموال.

ويرفض موسدورف الاتهامات له بارتباطه بعلاقة مشبوهة مع الكرملين، ويصف الاتهامات بـ«الفارغة». ويقول إن علاقته بروسيا «شخصية محض»، وإنه يسافر إلى روسيا بطاقة شخصية وليس سياسية. ولكن رغم تفكير الحزب في استبدال موسدورف بصفته متحدثاً باسم سياستها الخارجية، فإن البديل المطروح عنه تمتع هو كذلك بعلاقات مشبوهة مع روسيا. ويتم الترويج لشتيفان كويتر، الذي يُعرف عنه تمتعه بعلاقات وثيقة مع موسكو، وسفره إليها بشكل دوري وعبَّر في السابق عن دعمه للرئيس فلاديمير بوتين.

ولكن علاقة هؤلاء بموسكو ليست حالات خاصة داخل حزب «البديل من أجل ألمانيا»، فزعيمه المشترك، تينو شروبيلا، يُروِّج أيضاً لعلاقات جيدة مع روسيا، ووقف العقوبات عليها. وفي نهاية العام الماضي، دعا شروبيلا الحكومة الألمانية للاعتراف «بانتصار روسيا على أوكرانيا»، وقال إن «روسيا انتصرت في هذه الحرب». وشكَّك كذلك في جدوى حلف شمالي الأطلسي، قائلاً إن ألمانيا وأوروبا «أجبرتا حتى الآن على تنفيذ مصالح الولايات المتحدة، ونحن نرفض ذلك».


مقالات ذات صلة

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
أوروبا تيمو خروبالا وليف - إريك هولم يحتفلان بتصدّر «البديل من أجل ألمانيا» انتخابات إقليم مكلنبورغ - فوربومرن 20 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

«أقصى اليمين» الأوروبي... مكاسب انتخابية واتساع للحضور السياسي

يعزّز اليمين المتطرف والقومي حضوره في دول أوروبية عدة خلال السنوات الأخيرة عبر مكاسب انتخابية ومشاركة في الحكم، رغم تراجعه في بعض الاستحقاقات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا شارل ديغول (أرشيفية) p-circle

فرنسا: نسيبة للجنرال ديغول تترشح لـ«الشيوخ» على لائحة اليمين المتطرف

تخوض ابنة أحد أحفاد أقارب مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة الجنرال شارل ديغول الانتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ على إحدى لوائح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف.

«الشرق الأوسط» (لومان (فرنسا))
شمال افريقيا عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

أقرّ البرلمان الأوروبي، اليوم الخميس، نصّاً تقدّمت به قوى اليمين بدعم من اليمين المتطرف، يدعو إسبانيا والمغرب إلى تسريع إجراءات ترحيل المهاجرين الذين دخلوا سبتة

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
أوروبا ملصق إعلاني في لندن ينتقد التبرعات التي تلقاها حزب نايجل فاراج (رويترز)

جدل في بريطانيا بعد تلقّي حزب نايجل فاراج تبرعات قياسية

أعلن ملياردير في مجال العملات المشفرة، الجمعة، أنه تبرع بمبلغ 36 مليون جنيه إسترليني لحزب «ريفورم يو كاي» (إصلاح المملكة المتحدة) اليميني المتشدد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.