ألمانيا: مخاوف من تجسس نواب «البديل» المتطرف لصالح روسيا

الأحزاب الرئيسية تسعى لمنعهم من دخول لجنة الاستخبارات البرلمانية

البرلمان الألماني في برلين حيث بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ثاني أكبر كتلة فيه بعد انتخابات فبراير الماضي (إ.ب.أ)
البرلمان الألماني في برلين حيث بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ثاني أكبر كتلة فيه بعد انتخابات فبراير الماضي (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا: مخاوف من تجسس نواب «البديل» المتطرف لصالح روسيا

البرلمان الألماني في برلين حيث بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ثاني أكبر كتلة فيه بعد انتخابات فبراير الماضي (إ.ب.أ)
البرلمان الألماني في برلين حيث بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ثاني أكبر كتلة فيه بعد انتخابات فبراير الماضي (إ.ب.أ)

نجحت الأحزاب السياسية الرئيسية في ألمانيا حتى الآن في عزل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، وإبقائه بعيداً عن السلطة، رغم تحوله إلى ثاني أكبر كتلة نيابية في البرلمان الفيدرالي بعد انتخابات فبراير (شباط) الماضي التي فاز بها الحزب «المسيحي الديمقراطي»، واختار التحالف مع الحزب «الاشتراكي» الذي لم يُحقق أكثر من 16 في المائة من نسبة الأصوات مقارنة بـ20 في المائة للحزب المتطرف، لتشكيل حكومة ائتلافية تبقي اليمين المتطرف خارج السلطة.

ورغم ذلك، فإن صداعاً جديداً بدأ يؤرق الأحزاب الألمانية، فالحزب اليميني المتطرف يسعى للجلوس في لجنة الاستخبارات البرلمانية، وهو ما بدأ يُثير مخاوف كبيرة داخل الحزبين الرئيسيين اللذين عبَّرا عن مخاوفهما من خروق أمنية وعمليات تجسس في حال سمح لنواب من «البديل من أجل ألمانيا» بالجلوس في اللجنة. وتنبع هذه المخاوف من العلاقة المقربة بين كثير من أعضاء الحزب المتطرف مع روسيا خاصة، وكذلك الصين.

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

ووصف نائب اللجنة حالياً، رودريش كيسفتر، المنتمي لـ«المسيحي الديمقراطي» الحزب المتطرف بأنه «يُشكل تهديداً أمنياً»، وقال إنه لو سُمح لنوابه بالجلوس في اللجنة، فإن هذا «سيؤدي إلى إحداث أضرار ضخمة على السياسة الخارجية والأمنية» لألمانيا.

وأشار كيسفتر في تصريحات لصحيفة «تاغس شبيغل»، إلى أن ألمانيا «تعتمد على تبادل المعلومات مع شركائها فيما يتعلَّق بمكافحة الإرهاب والجرائم، وحزب (البديل من أجل ألمانيا) يتصرَّف على أنه امتداد للكرملين، وهو غير ديمقراطي». وأضاف أنه لهذه الأسباب من «الضروري الحرص» على ألا ينتخب أي نائب منه في اللجنة، وإلا فإن ذلك «سيُشكل تهديداً لتسرب المعلومات والتجسس، وحتى التأثير الخارجي».

ونقلت الصحيفة نفسها عن العضو في لجنة الاستخبارات من «الاشتراكي» رالف شتيغنر، قوله إن حزبه لن يُصوِّت لعضوية أي نائب من حزب «البديل من أجل ألمانيا» في اللجنة، مضيفاً أنه يُعوِّل على تصويت مشابه من الحزبين «المسيحي الديمقراطي» و«الخضر» لإبقاء الحزب المتطرف خارج اللجنة.

ورغم أن «البديل من أجل ألمانيا» يجلس كما يرأس عدداً من لجان البرلمان، فهو لم يستطع دخول لجنة الاستخبارات بعد. وعام 2022، رفضت اللجنة التصويت لعضو من الحزب، ومن المتوقع أن يتكرر الأمر في البرلمان الجديد الذي بدأ مهامه قبل أسابيع قليلة، وسيُعيد انتخاب اللجنة في الأيام المقبلة.

وتنبع المخاوف من ارتباط الحزب بالكرملين من مواقف وعلاقات أعضاء بارزين فيه في روسيا. فمثلاً ماكسيميليان كراه، النائب المنتخب في الانتخابات الأخيرة في فبراير، أثار موجة انتقادات واسعة بعد زيارة له إلى روسيا في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ حيث التقى في سوتشي باوليغ فولوشين، الدبلوماسي الأوكراني الذي اتهم مطلع عام 2023 بالخيانة من قبل كييف، وبالتجسس لصالح روسيا.

وبعد أن كشفت وسائل إعلام ألمانية عن اللقاء، وصف كراه الزيارة بأنها كانت «شخصية»، وبأن علاقة تربطه بفولوشين منذ سنوات. ونقلت وسائل إعلام ألمانية أنه في الوقت نفسه الذي كان كراه يلتقى فيه فولوشين في سوتشي، كان نائبان من «البديل من أجل ألمانيا» يعقدان لقاءً مع الرئيس الروسي السابق، ديمتري مدفيديف. وكراه نفسه تورَّط في عدد من الفضائح في الماضي، منها أيضاً اعتقال مساعد له في البرلمان الأوروبي، واتهامه بالتجسس لصالح الصين. وقد تسببت الفضيحة آنذاك في إحراج لحزبه الذي اضطر لتعليق ترشيحه للانتخابات الأوروبية العام الماضي، ولكنه عاد وترشَّح للانتخابات الألمانية، وفاز بمقعد في «البوندستاغ».

ويعدُّ المتحدث باسم السياسة الخارجية للحزب اليميني المتطرف من كبار المتعاطفين مع روسيا كذلك، ويحافظ على علاقات وثيقة مع موسكو باتت تسبب إحراجاً حتى لحزبه. وتنبع علاقة ماتياس موسدورف مع روسيا بشكل أساسي بسبب مهنته الأولى، وهي العزف على آلة التشيلو، وموافقته على رئاسة فخرية في معهد راق للموسيقى في موسكو.

ويحاول موسدورف الترويج للموسيقى بوصفها أداة دبلوماسية، وغالباً ما ينتقد قطع العلاقات مع موسكو، ويُروِّج لإعادتها إلى سابق عهدها قبل الحرب في أوكرانيا. ومنذ بداية الحرب، دأب موسدورف على إلقاء خطابات داخل «البوندستاغ» تنتقد المساعدات العسكرية الألمانية إلى كييف. وسافر إلى سان بطرسبرغ عام 2023 للمشاركة في مؤتمر اقتصادي، ونشر مقاطع فيديو من هناك يمتدح فيها المدينة لنظافتها وتطورها التكنولوجي وبنيتها التحتية.

زوّار داخل قبة البرلمان الألماني في برلين حيث تتزايد المخاوف من عمليات تجسس لصالح روسيا (إ.ب.أ)

وتناقلت وسائل إعلام ألمانية أن علاقة موسدورف بموسكو تدفع بالحزب للتفكير في استبدال شخص آخر بالمتحدث باسم سياستها الخارجية، علماً بأنه جاء خلفاً لبيتر بيسترون، الذي هو نفسه أقيل من منصبه بعد اتهامات له بتلقيه رشاوى من روسيا. وفي مايو (أيار) العام الماضي، رفع «البوندستاغ» الحصانة الدبلوماسية عن بيسترون للسماح ببدء تحقيقات معه حول الرشاوى وتبييض الأموال.

ويرفض موسدورف الاتهامات له بارتباطه بعلاقة مشبوهة مع الكرملين، ويصف الاتهامات بـ«الفارغة». ويقول إن علاقته بروسيا «شخصية محض»، وإنه يسافر إلى روسيا بطاقة شخصية وليس سياسية. ولكن رغم تفكير الحزب في استبدال موسدورف بصفته متحدثاً باسم سياستها الخارجية، فإن البديل المطروح عنه تمتع هو كذلك بعلاقات مشبوهة مع روسيا. ويتم الترويج لشتيفان كويتر، الذي يُعرف عنه تمتعه بعلاقات وثيقة مع موسكو، وسفره إليها بشكل دوري وعبَّر في السابق عن دعمه للرئيس فلاديمير بوتين.

ولكن علاقة هؤلاء بموسكو ليست حالات خاصة داخل حزب «البديل من أجل ألمانيا»، فزعيمه المشترك، تينو شروبيلا، يُروِّج أيضاً لعلاقات جيدة مع روسيا، ووقف العقوبات عليها. وفي نهاية العام الماضي، دعا شروبيلا الحكومة الألمانية للاعتراف «بانتصار روسيا على أوكرانيا»، وقال إن «روسيا انتصرت في هذه الحرب». وشكَّك كذلك في جدوى حلف شمالي الأطلسي، قائلاً إن ألمانيا وأوروبا «أجبرتا حتى الآن على تنفيذ مصالح الولايات المتحدة، ونحن نرفض ذلك».


مقالات ذات صلة

جولة ثانية لانتخابات الرئاسة في البرتغال... بين اليمين المتطرف ويسار الوسط

أوروبا أنصار المرشح الاشتراكي أنتونيو خوسيه سيغورو يتابعون استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراح مساء الأحد (أ.ف.ب)

جولة ثانية لانتخابات الرئاسة في البرتغال... بين اليمين المتطرف ويسار الوسط

أول مرة يتطلب فيها انتخاب الرئيس في البرتغال تنظيم جولة ثانية منذ عام 1986، ما يعكس الاضطرابات التي سببها صعود اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
أوروبا وزير الخزانة السابق من حزب «المحافظين» ناظم الزهاوي يتحدث على خشبة المسرح بعد أن تم الكشف عنه بصفته عضواً جديداً في حزب «الإصلاح» البريطاني بمؤتمر صحافي بلندن 12 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أول وزير عراقي في بريطانيا ينضم إلى اليمين المتطرف

انشق وزير المالية البريطاني السابق ناظم الزهاوي عن حزب «المحافظين» يوم الاثنين وانضم إلى حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتطرف الذي يتزعمه نايجل فاراج.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا متهمون ومحاموهم يصلون إلى بداية محاكمة 7 متطرفين يساريين متهمين بالانتماء إلى منظمة إجرامية في 25 نوفمبر 2025 في المحكمة الإقليمية العليا في دريسدن بشرق ألمانيا (أ.ف.ب)

محاكمة 7 «مناهضين للفاشية» في ألمانيا بتهمة العنف ضد يمينيين متطرفين

بدأت في ألمانيا، الثلاثاء، محاكمة 7 أشخاص يُشتبه في أنهم ينتمون إلى حركة «أنتيفا أوست» اليسارية المتطرفة، بتهمة شن هجمات عنيفة على أشخاص من اليمين المتطرف.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم بولين هانسون زعيمة حزب «أمة واحدة» ترتدي النقاب في مجلس الشيوخ الأسترالي اليوم (د.ب.أ)

أستراليا: برلمانية يمينية تثير غضباً بارتدائها النقاب في مجلس الشيوخ

أثارت سياسية أسترالية من اليمين المتطرف غضباً واسعاً، الاثنين، بعد وضعها النقاب في برلمان البلاد، في تصرف وصفه نواب آخرون بأنه «عنصري».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية النائب العربي في الكنيست أيمن عودة خلال مظاهرة في تل أبيب نوفمبر 2023 ضد الحرب في غزة (أ.ف.ب)

ميليشيات لكتم الأفواه تعمل في إسرائيل

بعد تكرار حوادث الاعتداءات على القادة السياسيين العرب ونشطاء سياسيين يهود من المعارضة وصحافيين ناقدين، بات واضحاً أن هناك ميليشيات لكتم الأفواه.

نظير مجلي (تل أبيب)

بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
TT

بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)

بينما تتعامل أوكرانيا مع موجة برد قاسية وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، عاد ملف «التهدئة الجزئية» إلى واجهة المسار التفاوضي بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أنه طلب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع»، وأن بوتين وافق.

لم يقتصر الأمر على التصريح الأميركي، إذ اتخذت موسكو موقفاً متدرجاً بين الصمت والتباس الرد، قبل أن يعلن الكرملين تأكيداً محدوداً للهدنة، ما حوَّل «هدنة الأسبوع» سريعاً من بشرى إنسانية إلى اختبار صعب للثقة وميزان لجدية المحادثات الثلاثية في أبوظبي بين الروس والأوكرانيين والأميركيين، والتي من المقرر أن تعقد جولتها الثانية يوم الأحد.

فما الذي يناقش فعليا سواء بالنسبة إلى الأمن والدبلوماسية والطلبات السياسية للطرفين؟

رجال إنقاذ يحملون جثة شخص عُثر عليها تحت أنقاض مبنى سكني استهدفته غارة روسية (رويترز)

وقف قصف كييف

رجال إنقاذ في موقع غارة روسية على منطقة سكنية في أوديسا (رويترز)

الإشارة الأهم جاءت من مصدر روسي رسمي عبر تأكيد الكرملين، بحسب «رويترز»، أن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط) 2026 استجابةً لطلب ترمب، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات، من دون تبنٍ واضح لرواية «البرد القارس» بوصفه سبباً رئيسياً. لكن المشكلة ليست في مبدأ «الإيقاف» فقط، بل في تعريفه. هل هو وقف للقصف على العاصمة كييف تحديداً؟ أم وقف للهجمات على «كييف الكبرى» أو نطاق أوسع؟ «رويترز» أشارت صراحة إلى أن دقة المقصود بعبارة «كييف» بقيت غير محسومة.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان بوصفه خطوةً ممكنةً لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد. وكالة «أسوشييتد برس» لخَّصت جوهر الإشكال بالقول إنه لا توجد حتى الآن آلية موثقة وملزمة، ولا تفاصيل علنية حول ما إذا كان الوقف يشمل كل الضربات أم جزءاً منها (مثل منشآت الطاقة)، وسط استمرار هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على مسارات مختلفة. ولا يعد تحديد مدة «الأسبوع» مجرد تفصيل تقني، بل يمثل معياراً سياسياً لاختبار جدية الأطراف في الالتزام، إذ إن فشل الهدنة سيعيد بسرعة الاتهامات المتبادَلة حول المسؤولية عن الخرق الأول، مما يُهدِّد بإجهاض أي تقدم تفاوضي.

جنود أوكرانيون يذخرون راجمة صواريخ من عيار «122 ملم» في دونيتسك (رويترز)

حرب الطاقة أداة تفاوض

منذ أسابيع، تتصدَّر البنية التحتية للطاقة عنوان الضغط الروسي: ضربات متكررة على الشبكات والمحطات تجعل الشتاء عاملاً مضاعفاً للألم، سياسياً واجتماعياً. وهذه الخلفية تفسِّر لماذا تَركَّز النقاش على «تجميد» استهداف الطاقة أو المدن الكبرى بدل وقف شامل لإطلاق النار. «رويترز» وصفت السياق بوضوح: كييف تواجه نقصاً حاداً في الطاقة، وإصلاحات طارئة تتزامن مع توقعات بمزيد من انخفاض الحرارة.

لكن «حرب الطاقة» ليست ورقة روسية فقط، فقد لوَّحت أوكرانيا، وفق «أسوشييتد برس» بمنطق «المعاملة بالمثل». إذا أوقفت روسيا ضرب منشآت الطاقة، فيمكن أن تُبدي كييف ضبطاً مماثلاً.

هذا يقود إلى استنتاج أن الهدنة الجزئية تُستخدَم أداة تفاوض أكثر من كونها خطوة إنسانية صِرفة. فهي تخلق «فترة اختبار» قصيرة يمكن للطرفين خلالها الادعاء بأنهما «بنّاءان» أمام واشنطن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على القدرة العسكرية في الجبهات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر خلال اجتماعهم في الكرملين بموسكو يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ما عُقد المفاوضات؟

حتى في أكثر الروايات تفاؤلاً، تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف. وهذا ليس مجرد «تفصيل ترسيم حدود»، بل مسألة ترتبط بمعنى الحرب عند الطرفين: موسكو تريد تثبيت مكاسبها وتوسيعها، وكييف ترى في أي تنازل دون ضمانات صلبة دعوةً لحرب لاحقة.

تقول كييف: «لا تنازلات جوهرية من دون ضمانات». لكن روسيا تُظهر رفضاً أو تشكيكاً عميقاً في أي صيغة تُبقي لأوكرانيا «مظلة غربية» تُشبه من وجهة نظر موسكو، الاقتراب من الناتو أو شرعنة «أوكرانيا بوصفها منصة تهديد». هذا الموقف عبَّر عنه صراحة وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي شكَّك في جدوى الضمانات المدعومة أميركياً. وهنا تكمن المعضلة: ضمانات قوية بما يكفي لطمأنة كييف غالباً ما تكون مستفزةً بما يكفي لرفض موسكو.

وفود المحادثات الثلاثية في أبوظبي الأسبوع الماضي (رويترز)

كما أنه حتى ولو توفَّرت تسوية على الورق، يبقى على الطرفين تسويقها داخلياً. زيلينسكي يحتاج إلى شيء يمكن تقديمه للأوكرانيين على أنه «يمنع تكرار حرب 2014 وحرب 2022» ويضمن أن روسيا لن تعود لحرب جديدة بعد التقاط الأنفاس. في حين أن بوتين يحتاج على ما يبدو إلى «انتصار استراتيجي»، إما إلى أراضٍ، أو تحييد أوكرانيا، أو كسر مسار الضمانات الغربية.

فالمحادثات الثلاثية التي جرت، الأسبوع الماضي، في الإمارات مع جولة ثانية متوقعة الأحد مهمة، على الرغم من أنها انتهت دون اتفاق، لكنها أبقت الباب مفتوحاً لمزيد من الحوار. وعُدّت نمطاً يوحي بأن واشنطن تحاول إدارة التفاوض بوصفه مساراً متدرجاً يبدأ بإجراءات «خفض تصعيد» قابلة للقياس (مثل هدنة الطاقة - المدن)، قبل الانتقال إلى «الصفقة الكبرى». لكن تبقى مشكلة بنيوية، فكثير من القرارات الكبرى، كالحدود، والضمانات، ووضع المناطق المتنازع عليها، تحتاج عملياً إلى قرار سياسي من القمة، بينما اللقاءات الفنية - الأمنية قد تُحسِّن المناخ دون القدرة على الحسم.

سيناريوهات أمام ترمب

صحيفة «وول ستريت جورنال»، طرحت سيناريوهات عدة لجهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب. «هدنة الثقة» في كييف تتوسَّع تدريجياً إلى وقف نار أوسع، ما يضمن صمودها نسبياً وتُترجم إلى خطوات إضافية، لتشمل أهدافاً أخرى، وربما إنشاء آلية مراقبة - إخطار لتقليل «الحوادث» وسوء الفهم. نجاح خطوة قصيرة مثل هذه قد يعطي ترمب دليلاً سياسياً على «قابلية بوتين للتجاوب»، ويمنح زيلينسكي متنفساً إنسانياً في أصعب أسابيع الشتاء. ومع تأكيد الكرملين وقف الضربات حتى أوائل فبراير تتوفّر نظرياً بذرة هذا المسار. غير أن نقطة الضعف الرئيسية هي أن أي خرق كبير سيعيد كل شيء إلى نقطة الصفر، خصوصاً مع غياب وثيقة واضحة وآلية إلزام.

سيناريو آخر تحدَّث عن هدن موضعية وتقدم بطيء بلا اختراق، بحيث تستمر الحرب على الجبهات، بينما تُستخدم الهدن الجزئية إدارةً للأزمة وليست حلاً. وحتى لو أدت الاجتماعات إلى تسجيل «أجواء إيجابية» أحياناً، فإن العقدة الحقيقية (الأرض والضمانات) تبقى معلّقة. هذا السيناريو يتسق مع صورة المفاوضات التي انتهت من دون اتفاق ثم وُعد باستكمالها. وهو ما يسمح لكل طرف بأن يراهن على تحسين موقعه ميدانياً أو سياسياً قبل تقديم تنازل، مع الحفاظ على قناة تواصل تمنع انفلاتاً أكبر.

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو (رويترز)

لكن إذا انهارت «هدنة كييف»، فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد الضغوط الأميركية أكثر، إذا تبين أنها لم تكن سوى «إيماءة» أو إذا تصاعدت ضربات الطاقة مجدداً. في هذا السيناريو فقد ينقلب المزاج سريعاً. كييف ستقول إن موسكو تستخدم الدبلوماسية غطاءً، وموسكو ستتهم أوكرانيا بالاستفزاز أو عدم الجدية، بينما واشنطن قد تلوّح بأدوات ضغط (اقتصادية وسياسية) لدفع الطرف الذي تعدّه معطِّلاً.

وكالة «أسوشييتد برس» شدَّدت على أن الغموض والتباين في الروايات، مع استمرار العنف، أمور تجعل «الوقف» هشاً ومعرّضاً للانهيار سريعاً. ويصبح هدف ترمب ليس «صفقة سلام» قريبة، بل إدارة التصعيد ومنع الانفجار الأوسع، مع تحميل المسؤوليات علناً.

في المحصلة، تعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة. موافقة بوتين على طلب ترمب ستعطي زخماً للدبلوماسية الأميركية، لكنها تظل رهينة بمدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».


الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الشرطة الإسبانية، الجمعة، اعتقال مواطن صيني يبلغ من العمر (38 عاماً) كان يدير صالوناً للحلاقة بالقرب من برشلونة؛ للاشتباه في تمويله حركة «حماس» بنحو 600 ألف يورو عبر تحويلات بعملات مشفرة.

وأوضح المحققون أنهم تتبعوا 31 عملية تداول على الأقل من محافظ رقمية يسيطر عليها المشتبه به إلى عناوين يُشتبه في ارتباطها بكيان تستخدمه الحركة الفلسطينية.

وتصنف دول الاتحاد الأوروبي الـ27، ودولاً غربية أخرى، «حماس» منظمة إرهابية.

وامتنعت الشرطة، وفقاً لوكالة «رويترز»، عن التعليق على الدوافع المحتملة للمشتبه به، أو ما إذا كان قد تواصل مع «حماس» عن علم أو كان مجرد وسيط، وذلك نظراً لحساسية التحقيق.

وأضافت الشرطة أنه خلال تفتيش صالون الشعر ومنزل المشتبه به، صادرت عناصر أمنية أصولاً مشفرة ونقوداً وجواهر وأجهزة كمبيوتر وهواتف محمولة.

كما جمدت عدة حسابات بنكية، ليتجاوز مجموع الأصول المصادرة والمجمدة 370 ألف يورو.

وذكرت الشرطة أن التحقيق بدأ في يونيو (حزيران) الماضي في أثناء عملية منفصلة تتعلق بالاحتيال وغسل الأموال.

وحذرت السلطات في السنوات الأخيرة من استخدام الجماعات المسلحة للعملات المشفرة لتحويل الأموال عبر الحدود؛ ما يعقد جهود تتبع وعرقلة تمويل الإرهاب.


الدنمارك تعلن عن إصلاح قضائي للسماح بترحيل المدانين بارتكاب جرائم خطيرة

رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن خلال مؤتمر صحافي في كوبنهاغن (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن خلال مؤتمر صحافي في كوبنهاغن (أ.ف.ب)
TT

الدنمارك تعلن عن إصلاح قضائي للسماح بترحيل المدانين بارتكاب جرائم خطيرة

رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن خلال مؤتمر صحافي في كوبنهاغن (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن خلال مؤتمر صحافي في كوبنهاغن (أ.ف.ب)

كشفت الدنمارك عن إصلاح قانوني، الجمعة، يتيح ترحيل الأجانب الذي صدرت ضدهم أحكام بالسجن غير المشروط مدة عام واحد على الأقل على خلفية جرائم خطيرة.

وقالت رئيسة الوزراء مته فريدريكسن، في مؤتمر صحافي، إن الإجراء سيشمل أي مواطن أجنبي مدان في جريمة خطيرة، مثل الاعتداء المشدد والاغتصاب، رغم إقرارها بأن الفكرة، التي تأتي ضمن سلسلة من التعديلات القانونية، قد تتعارض مع اتفاقيات حقوق الإنسان الأوروبية.

كما ستشدد الدنمارك القيود على الأجانب غير الحاصلين على الإقامة، وتستحدث سوار كاحل جديداً للمجرمين الأجانب، وتعيد افتتاح سفارتها في سوريا، وتعزز التعاون مع السلطات في أفغانستان، وفقاً لوكالة «أسوشيتد برس».

وذكرت فريدريكسن أن الحكومة تتعامل «بصورة غير تقليدية»، وأنها تعدل التشريع بدلاً من انتظار أحكام المحاكم في قضايا الترحيل.