ارتفاع أسعار أضاحي العيد يقض مضجع التونسيين

بسبب توالي سنوات الجفاف وتضاعف ثمن الأعلاف

تونسيون يعاينون الخراف في مركز بيع بمدينة القصرين حيث زادت أسعار الأضاحي بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف (أ.و.ب)
تونسيون يعاينون الخراف في مركز بيع بمدينة القصرين حيث زادت أسعار الأضاحي بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف (أ.و.ب)
TT

ارتفاع أسعار أضاحي العيد يقض مضجع التونسيين

تونسيون يعاينون الخراف في مركز بيع بمدينة القصرين حيث زادت أسعار الأضاحي بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف (أ.و.ب)
تونسيون يعاينون الخراف في مركز بيع بمدينة القصرين حيث زادت أسعار الأضاحي بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف (أ.و.ب)

لم يكن يتوقع الشاب التونسي أشرف، الذي أخذ ابنه لشراء أضحية العيد من أحد مراكز بيع الخراف في القصرين بتونس العاصمة، أن الستمائة دولار التي في جيبه لن تكون كافية لدفع ثمن خروف. لكن أشرف ليس حالة استثنائية، ذلك أن أعداداً كبيرة من التونسيين عبرت عن تذمرها وشكواها من ارتفاع أسعار أضاحي العيد، وهو ارتفاع كبير وغير منتظر، وأصبح يقض مضجع جل الآباء التونسيين الذين يحلمون باقتناء خروف العيد لأسرهم.

يقول أشرف بنبرة حزينة لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «لاحظت ارتفاعاً كبيراً في أسعار الأضاحي، حيث تتراوح أسعارها ما بين 1500 و2000 دينار (500 و700 دولار أميركي)، ولا يوجد أسعار في المتناول مثل 600 دينار (200 دولار) كما كان عليه الوضع في الماضي».

من جانبه، يربط أحمد، الذي يبيع أعداداً من الخراف في السوق، الزيادة الكبيرة في أسعار الأضاحي بتكلفة الأعلاف الباهظة. ويشير إلى أن قلة الأمطار وجفاف المراعي جعلت الفلاح يلجأ الى شراء العلف بأسعار باهظة، وهو الأمر الذي حلّق، حسبه، بأسعار الأضاحي عالياً، وقال إنه بصفته فلاحاً لا يحقق أي أرباح من بيع الخراف جراء ذلك.

أطفال يشاركون في انتقاء أضاحي العيد في مركز بيع الخراف بالقصرين في تونس (أ.و.ب)

من جهته، توقع عبد الصمد الذي يملك مزرعة لتربية الأغنام في محافظة القصرين ألا يتجاوز سعر الأضحية 500 دينار (170 دولاراً) «لو أن أسعار الأعلاف كانت أقل مما هي عليه منذ ثلاث سنوات». وقال بهذا الخصوص: «لقد ظلت هذه المنطقة تعاني من الجفاف طوال ثلاث سنوات، فنحن نزرع الحبوب لكن من دون محصول، وارتفاع أسعار الخراف نتيجة طبيعية لغلاء أسعار الأعلاف، فلو كان سعر العلف بخساً، فإن سعر الخروف لن يتجاوز 500 دينار (170 دولاراً)، لكن غلاء الأعلاف وندرتها هما سبب هذا الغلاء».

في المقابل، توقع فتحي بن خليفة، رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بتونس، أن تبدأ أسعار اللحوم الحمراء بالتراجع قريباً، وأن تتوفر الأضاحي عام 2025 بأسعار مقبولة مع عودة الأمطار، وتوفر العلف الطبيعي والأعلاف المدعومة من الحكومة. وقال بنبرة متفائلة: «نرجو في السنة المقبلة مع هطول الأمطار، وتوفر العلف الطبيعي في المراعي والأعلاف المدعومة بالقروض، أن تبدأ أسعار اللحوم الحمراء في التراجع، وأن تتوفر أضاحي عيد عام 2025 بأسعار مقبولة».

أما فيما يتعلق بربط ارتفاع الأسعار بالنقص في عدد الأغنام المتوفرة للأضاحي، فأوضح بن خليفة أن التقديرات تفيد بأن كمية الخراف المتوفرة هي 950 ألفاً مقارنة بمعدل احتياج السوق التونسية إلى 1.2 مليون رأس غنم. ودعا الذين يرغبون بشراء أضاحي العيد للالتزام بنقاط بيع تعتمد على الميزان لتحديد قيمة الأضحية، قائلاً: «عند احترام السعر المحدد سيكون سعر الخروف بنحو 700 دينار (230 دولاراً)، وهذا ليس باهظاً، أما عند شراء الأضاحي بطريقة عشوائية فمن الطبيعي أن يكون السعر مرتفعاً».


مقالات ذات صلة

تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

شمال افريقيا صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)

تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

كشف تقرير رقابي سنوي لمحكمة المحاسبات في تونس عن خسائر تقدر بأكثر من 369 مليون دولار أميركي (أكثر من مليار دينار تونسي) في 11 مؤسسة وشركة عمومية.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد من مراسم توقيع عقد انطلاق تنفيذ مستشفى الملك سلمان بمدينة القيروان التونسية الخميس (واس)

بدء تنفيذ مستشفى الملك سلمان في تونس بـ85 مليون دولار

وُقِّع عقد انطلاق تنفيذ مستشفى الملك سلمان بمدينة القيروان التونسية، بتمويل من الصندوق السعودي للتنمية عبر منحة قدَّمتها المملكة بقيمة 85 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد الاجتماع بين وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف ووزير الاقتصاد والتخطيط التونسي سمير عبد الحفيظ (واس)

السعودية تستكشف فرص التكامل الصناعي مع تونس

انطلقت جهود جديدة لتعزيز التكامل الصناعي بين السعودية وتونس، حيث يهدف الجانبان إلى تطوير شراكات استراتيجية تساهم في تعزيز التنمية المستدامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مزارع تونسي يحصد الزيتون في مزرعة بصفاقس (إ.ب.أ)

الاقتصاد التونسي ينمو بنسبة 2.4 % في الربع الثالث

أظهر المعهد الوطني للإحصاء، يوم السبت، أن الاقتصاد التونسي نما بنسبة 2.4 في المائة على أساس سنوي في الربع الثالث.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من جلسة البرلمان التونسي لبحث الزيادات في الأجور في القطاع العام (البرلمان التونسي)

تونس تخصص أكثر من 340 مليون دولار للزيادات في الأجور

تونس تعلن عن تخصيص نحو 342 مليون دولار أميركي للزيادات في الأجور في الوظيفة العمومية.

«الشرق الأوسط» (تونس)

منظمة حقوقية: «الدعم السريع» استهدفت ذوي إعاقة في الفاشر

أشخاص يتنقلون في منطقة حدودية بين تشاد والسودان عند معبر تاين الحدودي شرق تشاد يوم 22 نوفمبر 2025 (رويترز)
أشخاص يتنقلون في منطقة حدودية بين تشاد والسودان عند معبر تاين الحدودي شرق تشاد يوم 22 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

منظمة حقوقية: «الدعم السريع» استهدفت ذوي إعاقة في الفاشر

أشخاص يتنقلون في منطقة حدودية بين تشاد والسودان عند معبر تاين الحدودي شرق تشاد يوم 22 نوفمبر 2025 (رويترز)
أشخاص يتنقلون في منطقة حدودية بين تشاد والسودان عند معبر تاين الحدودي شرق تشاد يوم 22 نوفمبر 2025 (رويترز)

قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء، إن «قوات الدعم السريع» في السودان، استهدفت وأساءت معاملة وقتلت أشخاصاً ذوي إعاقة خلال هجومها وعقب سيطرتها على مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، مشيرة إلى أنها المرة الأولى التي توثق فيها انتهاكات «من هذا النوع وبهذا الحجم».

أسفرت الحرب المتواصلة في السودان منذ 15 أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو عن مقتل عشرات الآلاف، ودفعت نحو 12 مليوناً إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى خارجها، وأدت إلى تدمير البنية التحتية، ما جعل السودان يعاني «أسوأ أزمة إنسانية» في العالم، بحسب الأمم المتحدة.

حاصرت «قوات الدعم السريع» الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور وآخر مدينة رئيسية في الإقليم خارج سيطرتها، مدة عام ونصف العام قبل اقتحامها في 26 أكتوبر (تشرين الأول).

وأعقب ذلك تقارير عن عمليات قتل جماعي وخطف واغتصاب ونهب واسع النطاق.

وقالت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان الأسبوع الماضي إن الهجوم على الفاشر يحمل «سمات الإبادة الجماعية».

وقالت إمينا سيريموفيتش، المديرة المشاركة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في «هيومن رايتس ووتش» إن المنظمة توثّق الانتهاكات ضد الأشخاص ذوي الإعاقة في النزاعات المسلحة حول العالم «منذ أكثر من عقد من الزمن».

لكنها أضافت أن «هذه هي المرة الأولى التي نوثّق فيها هذا النوع من الانتهاكات الموجهة وبهذا الحجم».

وأجرت المنظمة مقابلات مع 22 ناجياً وشاهداً من الفاشر، وخلصت إلى أن مقاتلي «قوات الدعم السريع» استهدفوا مدنيين من ذوي الإعاقة أثناء محاولتهم الفرار.

وقالت سيريموفيتش: «عاملت (قوات الدعم السريع) الأشخاص ذوي الإعاقة على أنهم مشتبهون أو عبء أو أشخاص يمكن الاستغناء عنهم».

وأضافت أن المقاتلين اتهموا بعض الضحايا، خاصة مبتوري الأطراف، بأنهم مقاتلون مصابون وأعدموهم تعسفياً، فيما تعرّض آخرون للضرب أو الإساءة أو المضايقة بسبب إعاقتهم، وسخر منهم المقاتلون ووصفوهم بـ«المجانين» أو «غير الكاملين».

ونقلت المنظمة عن ممرضة تبلغ 29 عاماً قولها إن مقاتلين أعدموا شاباً مصاباً بمتلازمة داون كانت شقيقته تحمله على ظهرها.

وقالت الممرضة إنه «بعد قتل شقيقها، قيدوا يديها وغطوا وجهها واقتادوها معهم».

ووصفت أيضاً، بحسب المنظمة، مقاتلين يأمرون امرأة تحمل فتى كفيفاً على ظهرها بإنزاله. وقالت الممرضة: «قالت لهم: إنه لا يرى. فأطلقوا النار على رأسه على الفور».

وقال شاهد آخر إنه رأى مقاتلين يقتلون «أكثر من عشرة أشخاص»، معظمهم من ذوي الإعاقات الجسدية.

وذكرت المنظمة أن آخرين تعرضوا للضرب أو الاحتجاز مقابل فدية أو جُرّدوا من أجهزة أساسية مثل الكراسي المتحركة وأجهزة السمع، ما ترك كثيرين عاجزين عن الفرار.

وأفاد شهود للمنظمة بأن الأوضاع في مخيمات النزوح لا تزال مأساوية، إذ إن المراحيض ومرافق أخرى غير مجهّزة للأشخاص ذوي الإعاقة.

الثلاثاء، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على أربعة من قادة «قوات الدعم السريع» على خلفية الفظائع المرتكبة في الفاشر.


«الوطني الليبي» يحرر عدداً من مقاتليه المختطفين بعد عملية على حدود النيجر

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال تفقده معبر التوم الحدودي مع النيجر 4 فبراير الحالي (إعلام القيادة العامة)
رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال تفقده معبر التوم الحدودي مع النيجر 4 فبراير الحالي (إعلام القيادة العامة)
TT

«الوطني الليبي» يحرر عدداً من مقاتليه المختطفين بعد عملية على حدود النيجر

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال تفقده معبر التوم الحدودي مع النيجر 4 فبراير الحالي (إعلام القيادة العامة)
رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال تفقده معبر التوم الحدودي مع النيجر 4 فبراير الحالي (إعلام القيادة العامة)

تمكّن «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، الأربعاء، من تحرير عدد من جنوده، الذين تعرضوا للاختطاف في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي، خلال هجوم استهدف منفذ «التوم» الحدودي مع النيجر وعدداً من المواقع المجاورة.

وذكر بيان للجيش، صدر صباح الأربعاء، أن قوات النخبة «نفذت عملية عسكرية نوعية دقيقة على الحدود الجنوبية، تمكنت خلالها من تحرير الجنود»، مبرزاً أن «تنفيذ العملية جاء بعد متابعة استخباراتية دقيقة ورصد ميداني مكثف لتحركات العناصر الإرهابية».

ووفق رواية «الجيش الوطني»، فقد خاضت قواته «اشتباكات عنيفة في عدة مواقع تتمركز بها تلك الجماعات الإرهابية»، مشيراً إلى أن هذه الاشتباكات «أسفرت عن القضاء على عدد من الإرهابيين وأسر آخرين»، كما صادرت كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، التي كانت بحوزة تلك العصابات.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن الرائد عبد الرحيم القزيري، مدير مكتب إعلام القيادة العامة للجيش الليبي، أن العملية التي نفذتها قوات النخبة أسفرت عن إعادة الجنود إلى وحداتهم، مؤكداً أن القوات المسلحة «لا تترك أبناءها خلفها»، وأن العمليات الأمنية والعسكرية مستمرة لتتبع العناصر المسؤولة، وتجفيف منابع ما وصفته القيادة بالإرهاب والجريمة المنظمة، لمنع تكرار مثل هذه الأعمال.

وفي نهاية يناير الماضي تعرض منفذ «التوم» الحدودي مع دولة النيجر لهجوم من قِبل مجموعة مسلحة، استولت عليه لبعض الوقت، ومزّقت صوراً كانت مُعلقة للقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، وذلك قبل أن تعلن قوات الجيش استرداده ومطاردة المسلّحين.

وعقب الهجوم، سارعت رئاسة الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» لإصدار بيان، قالت فيه إن «مجموعة مارقة من العصابات التشادية، مدعومة بأجندات خارجية»، شنّت هجوماً على عدد من النقاط الحدودية العسكرية في الجنوب الليبي المحاذي للنيجر، التي تتولى القوات المسلحة تأمينها. غير أن وسائل إعلام تشادية ومواقع تواصل اجتماعي ذهبت إلى أن المهاجمين هم مجموعة سمتهم «ثواراً جنوبيين»، قد ينتمون إلى المجلس العسكري لمدينة مُرزق.

وسبق أن نعت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي أحد ضباطها، الثلاثاء، بعد أن قضى متأثراً بإصابته إثر إطلاق مسلحَين مجهولين النار عليه في مدينة القطرون، الواقعة جنوب البلاد.

ولم يكن الوضع في غرب ليبيا أكثر هدوءاً، إذ شهدت مدينة الزاوية، الواقعة غرب العاصمة طرابلس، موجة احتجاجات ليلية اتسمت بطابع تصعيدي؛ حيث أقدم متظاهرون على إغلاق بوابة الصمود، وإشعال إطارات عند مدخلها، في تعبير مباشر عن تنامي السخط الشعبي بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، والارتفاع المتواصل لسعر صرف الدولار في السوق الموازية.

وتجمع المحتجون في محيط البوابة مرددين هتافات تدعو إلى تغيير جذري في إدارة الشأن العام، من بينها شعار «الشعب يريد إسقاط الجميع». وامتدت التحركات إلى عدد من شوارع المدينة عبر مسيرات ليلية، شارك فيها مواطنون من مناطق مختلفة، وفق ما أورده موقع «أخبار ليبيا».

كما جرى تداول مقطع مصور على منصة «إكس» يوثق جانباً من الاحتجاجات، وإغلاق الطريق عند بوابة الصمود. وأفاد شهود عيان بأن المحتجين تعمدوا قطع الطريق، في خطوة تعكس تصاعد حدة الغضب الشعبي إزاء الضغوط الاقتصادية المتفاقمة، ولا سيما مع استمرار تراجع قيمة الدينار، وارتفاع أسعار السلع الأساسية.


وزير الصحة السوداني لـ«الشرق الأوسط»: 11 مليار دولار خسائر القطاع الصحي بسبب الحرب

طفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أرشيفية - أ.ب)
طفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أرشيفية - أ.ب)
TT

وزير الصحة السوداني لـ«الشرق الأوسط»: 11 مليار دولار خسائر القطاع الصحي بسبب الحرب

طفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أرشيفية - أ.ب)
طفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أرشيفية - أ.ب)

واجه النظام الصحي في السودان انهياراً غير مسبوق بسبب الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، وتحولت معظم المستشفيات في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى في عدد من الولايات، إلى ثكنات عسكرية، كما شهدت البلاد نقصاً حاداً في الخدمات الطبية؛ ما أدى إلى تفشٍ واسع للأوبئة وانتشار الأمراض وسوء التغذية.

وأكد وزير الصحة السوداني، هيثم محمد إبراهيم، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن حجم الخسائر في القطاع الصحي كبير جداً؛ «إذ طال الدمار جميع ولايات السودان، وشمل تخريب المستشفيات والمؤسسات الصحية ونهب الأدوية والعربات والمتحركات، إضافة إلى استهداف مباشر للكوادر الصحية».

وشدد إبراهيم، على أن «السعودية تعدّ من الداعمين الأساسيين (للسودان) بخاصة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، لجهة المستهلكات والأجهزة الطبية والأدوية بصورة أساسية».

هيثم محمد إبراهيم وزير الصحة السوداني (الشرق الأوسط)

خسائر قطاع الصحة

وأوضح، أن «الخسائر الأولية في القطاع الصحي تقدر بنحو 11 مليار دولار، لكن التقديرات الكلية النهائية ستكون بعد نهاية الحرب؛ لأن أجزاءً كثيرة من الأراضي تخضع حالياً لسيطرة (قوات الدعم السريع)».

وكشف وزير الصحة الاتحادي، عن خطة لإعادة الإعمار لتلبية احتياجات القطاعات الصحية في البلاد تُقدر تكلفتها بنحو ملياري دولار؛ بهدف تأمين الخدمات الأساسية وإعادة تشغيل خدمات النظام الصحي في الولايات التي استعادها الجيش السوداني، لكنه نبَّه، إلى أن إعادة إعمار ما دمرّته الحرب يحتاج إلى مبالغ إضافية.

وأوضح، أن «عدد الاستهداف للمستشفيات تجاوز 500 حالة، ولا تزال المأساة مستمرة، حيث قُتل عدد من الكوادر برصاص الغدر، في حين لا يزال بعضهم قيد الإقامة الجبرية في شمال دارفور وغير قادرين على الوصول إلى ذويهم»، وشدد، على أن «إعادة بناء وتأهيل النظام الصحي في المرحلة المقبلة تتطلب ميزانيات ضخمة وجهوداً استثنائية».

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ في الدبّة بولاية شمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

ونبّه الوزير، إلى أن السودان «يحتاج حالياً إلى مبلغ وقدره 300 مليون دولار، وهو الحد الأدنى لتوفير الاحتياجات الأساسية من الأدوية والمستهلكات الطبية».

الدعم السعودي

وأظهرت أرقام جديدة، أن إجمالي الدعم الإنساني والإغاثي السعودي خلال الأزمة السودانية حتى مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تخطى الـ134 مليون دولار. وتجاوز إجمالي تبرعات الحملة الشعبية السعودية لإغاثة الشعب السوداني عبر منصة «ساهم»، أكثر من 19.4 مليون دولار، وفقاً لتقديرات رسمية حديثة، ضمن الحملة التي وجه بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في مايو (أيار) 2023، وقفز عدد المتبرعين فوق حاجز نصف مليون متبرع، إلى أكثر من 537 ألف متبرع.

وأكد الوزير السوداني، أن «السعودية تعدّ من الداعمين الأساسيين بخاصة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، لجهة المستهلكات والأجهزة الطبية والأدوية بصورة أساسية».

تدشين مشاريع إنسانية موَّلتها السعودية بقطاعات الصحة والمياه والإصحاح البيئي والحماية في السودان (واس)

أزمة سوء التغذية

وفيما يتعلق بأزمة «سوء التغذية»، أشار الوزير، إلى أن السودان «يُعدّ من دول إقليم شرق المتوسط ذات المعدلات المرتفعة لسوء التغذية، حيث يبلغ المعدل العام نحو 15 في المائة في المتوسط، ويرتفع في بعض الولايات ليصل إلى 30 في المائة، بخاصة في المحليات التي كانت مغلقة ولا تصلها الإعانات بانتظام، لا سيما في مناطق دارفور وأجزاء من كردفان».

ونبّه،إلى «الجهود الكبيرة تبذلها وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة «يونيسف» ووكالات الأمم المتحدة وبرامج التغذية، حيث تم فتح أكثر من 400 منفذ للتغذية الإضافية والعلاجية في دارفور لتقديم الخدمات للمحتاجين».

من المساعدات التي قدمتها السعودية لتزويد مستشفيات حكومية في السودان بالأجهزة الطبية الحديثة (واس)

وبشأن معدلات التطعيم، أوضح، أن انخفاضها إلى أقل من 40 في المائة كان خلال عامي 2023 – 2024 نتيجة للحرب في بدايتها، إلا أن النسبة ارتفعت وتجاوزت 70 في المائة بنهاية عام 2025، وهو ما عدَّه «إنجازاً كبيراً أسهم في خفض معدلات الإصابة بالحصبة والدفتيريا»، وأكد تنفيذ حملات لقاحية لتغطية الأطفال غير المطعّمين، إلى جانب حملات لمكافحة شلل الأطفال، فضلاً عن البرامج الروتينية التي تستهدف أكثر من 9 ملايين طفل في مختلف ولايات السودان.

ضعف التمويل

ونوّه الوزير إبراهيم، إلى أن أبرز التحديات التي تواجه النظام الصحي حالياً «تتمثل في ضعف التمويل، وسد الفجوة في الاحتياجات الصحية والإنسانية المتزايدة، بخاصة في الولايات الغربية ودارفور، إلى جانب متطلبات إعادة الإعمار،وتحسين بيئة العمل لضمان عودة الخدمات للمواطنين». كما لفت، إلى «صعوبة الوصول إلى بعض المناطق في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من كردفان؛ ما يستدعي الاعتماد بشكل أساسي على المنظمات الدولية والوطنية العاملة في الميدان».

نازحون سودانيون مصابون فرّوا من العنف في الفاشر يتلقون العلاج بعيادة مؤقتة تديرها منظمة «أطباء بلا حدود» في مدينة طويلة بشمال دارفور (رويترز)

تأمين الإمداد الدوائي

بحلول عام 2025، تحقق استقرار كامل في توفر الأدوية الأساسية، بعد تأمين أكثر من 700 صنف دوائي دون أي انقطاع، سواء لعلاج الأمراض المزمنة أو لتوفير الأدوية المنقذة للحياة. كما شهد القطاع الدوائي عودة عدد من المصانع إلى العمل، مع استكمال التشغيل الكامل لأكثر من ثلاثة مصانع، إلى جانب استعداد أربعة مصانع أخرى لبدء الإنتاج خلال الفترة المقبلة، بما يعزز استدامة الإمدادات الدوائية ويرسخ الأمن الصحي.

وفيما يتعلق بسلاسل الإمداد الدوائي، أكد وزير الصحة، حدوث تحسن ملحوظ في توفر الأدوية الأساسية؛ إذ ارتفعت نسبة الوفرة من أقل من 30 في المائة إلى أكثر من 75 في المائة، مع تراجع نسبي في ندرة الأدوية المنقذة للحياة، وأشار إلى توسع السعة التخزينية على مستوى الولايات، وافتتاح المركز الرئيسي للإمدادات الطبية في الخرطوم؛ ما زاد الطاقة الاستيعابية بنسبة تجاوزت 60 في المائة مقارنة بالفترة السابقة.

تفشي الأوبئة

وفي ظل تفاقم الأوضاع الصحية، سجّلت محلية مروي بالولاية الشمالية 79 حالة إصابة بحمى الضنك، وذلك وفقاً لآخر تقرير إحصائي صادر عن الجهات المختصة.

وأوضح وزير الصحة الاتحادي، «أن تفشي الملاريا وحمى الضنك في العاصمة وعدد من الولايات، يأتي امتداداً لموجات وبائية شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة»، مؤكداً، وجود «استراتيجية واضحة لمكافحة نواقل الأمراض». وأعلن عن «حملة كبرى لاستئصال الملاريا برعاية رئيس مجلس الوزراء خلال الفترة المقبلة، مع التأكيد على ضرورة استدامة برامج مكافحة النواقل على مستوى المحليات والوحدات الإدارية».

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

وتسيطر «قوات الدعم السريع» على جميع المستشفيات والمرافق الصحية، في إقليم دارفور بولاياته الخمس، وأجزاء واسعة من إقليم كردفان لكن الاشتباكات المستمرة والقصف العشوائي أثَّرا بشكل مباشر على عمل المرافق الطبية واستقرار الكوادر الصحية.

وأكد الوزير، صعوبة إيصال الخدمات الطبية إلى المناطق الواقعة خارج سيطرة الحكومة، وأشار إلى ورود تقارير تفيد بوجود شح كبير في الخدمات الصحية هناك؛ ما يتطلب تدخلات صحية وإنسانية عاجلة ومستمرة خلال المرحلة المقبلة.