«فيتش» تثبّت تصنيف تونس عند «بي -» بنظرة مستقرة

​ توقعت ارتفاع الدين الحكومي إلى 85 % من الناتج وعجزاً مالياً عند 6.4 % خلال 2026

أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
TT

«فيتش» تثبّت تصنيف تونس عند «بي -» بنظرة مستقرة

أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)

أبقت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية على التصنيف السيادي طويل الأجل لتونس عند «بي -» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرةً إلى أن الاقتصاد التونسي يتمتع بتنوع نسبي وقوة في مؤشرات نصيب الفرد من الناتج والتنمية البشرية، إلى جانب قوة عاملة متعلمة ومتانة في الوضع الخارجي رغم الصدمات، في مقابل ارتفاع الدين الحكومي والعجز المالي واحتياجات التمويل الكبيرة.

وقالت «فيتش» إن التصنيف يعكس كذلك هشاشة المالية العامة أمام الصدمات الخارجية، لا سيما تقلبات أسعار السلع، نتيجة ارتفاع تكلفة الدعم، فضلاً عن محدودية خيارات التمويل المتاحة للحكومة.

وتتوقع الوكالة اتساع عجز الحساب الجاري التونسي إلى 3.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنةً بمستويات أقل في الفترة السابقة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وما يترتب عليه من زيادة عجز الميزان التجاري.

يأتي ذلك رغم تحسن إيرادات صادرات زيت الزيتون، التي ارتفعت 44 في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، إلى جانب استمرار الأداء القوي لقطاع الخدمات.

وتتوقع «فيتش» أن يتراجع عجز الحساب الجاري إلى أقل من 2.5 في المائة من الناتج خلال عامي 2027 و2028، على افتراض انخفاض أسعار النفط العالمية. إلا أنها حذرت من أن الحساب الجاري التونسي سيظل شديد الحساسية أمام أي ارتفاع مطول في أسعار النفط.

تراجع ضغوط التمويل الخارجي

وترى الوكالة أن انخفاض آجال استحقاق الدين الخارجي الحكومي، بالتزامن مع استمرار تدفقات التمويل من الشركاء الثنائيين ومتعددي الأطراف، سيؤدي إلى تراجع صافي تدفقات التمويل الخارجي إلى نحو 1.4 في المائة من الناتج في 2026، مقارنةً بمستوى قياسي بلغ 3.6 في المائة في 2024.

ومن المتوقع أن تستقر هذه التدفقات عند نحو 1 في المائة من الناتج خلال عامي 2027 و2028.

وأشارت «فيتش» إلى أن تونس سددت بالكامل سند اليورو الوحيد القائم بقيمة 700 مليون يورو، والذي استحق في يوليو (تموز) 2026، بدعمٍ من قروض قدمها البنك المركزي.

وأضافت أن استعادة الحكومة قدرة أكبر من المتوقع على الاقتراض من الأسواق التجارية، وهو ما تتوقع الوكالة أن يبدأ مجدداً خلال 2026، يمكن أن تسهم في خفض صافي تدفقات التمويل الخارجي بصورة كبرى.

أشخاص يتسوقون في المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)

الاحتياطيات تظل متماسكة

وتتوقع «فيتش» تراجع الاحتياطيات الدولية إلى ما يعادل 3.3 أشهر من المدفوعات الخارجية الجارية خلال 2026، نتيجة اتساع عجز الحساب الجاري.

لكنها تتوقع أن يسمح تقلص العجز اعتباراً من 2027، بارتفاع الاحتياطيات تدريجياً إلى ما يعادل 3.7 شهر من المدفوعات الخارجية في 2028، مقارنةً بمتوسط يبلغ 4.1 شهر للدول المصنفة عند مستوى «بي».

وفي المقابل، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تونس إلى نحو 2 في المائة من الناتج في 2025، مدفوعةً باستثمارات في مشروعات الطاقة المتجددة والأنشطة الصناعية، وأظهرت هذه التدفقات قدرة على الصمود أمام الصدمات السياسية والخارجية.

عجز مالي مرتفع

وتتوقع «فيتش» اتساع العجز المالي إلى 6.4 في المائة من الناتج في 2026، مقارنةً بمتوسط يبلغ 3.3 في المائة للدول المصنفة عند مستوى «بي».

وعزت الوكالة ذلك بصورة رئيسية إلى ارتفاع تكلفة دعم الوقود، التي تتوقع أن تزيد بنحو 0.8 نقطة مئوية من الناتج خلال العام.

ولا تتوقع «فيتش» تنفيذ إصلاحات مالية جوهرية في المدى القريب، كما ترى أن الحكومة أنهت جهود خفض الإنفاق الجاري، ولا سيما فاتورة الأجور.

ورغم توقع تراجع العجز تدريجياً حتى 2028، فإنه سيظل شديد التأثر بأسعار النفط. ووفق تقديرات الوكالة، فإن عجز 2028 سيكون أعلى بنحو 1.4 نقطة مئوية من توقعاتها الحالية إذا بقي سعر النفط عند 87 دولاراً للبرميل حتى ذلك العام.

الدين عند 85 % من الناتج

وتتوقع الوكالة ارتفاع الدين الحكومي التونسي بشكل طفيف إلى 85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، على أن يظل قريباً من هذا المستوى حتى 2028، وهو ما يزيد بشكل واضح على متوسط 55 في المائة للدول المصنفة عند «B».

وأشارت إلى أن نحو 40 في المائة من إجمالي الدين مقوم بالعملات الأجنبية، مما يجعل المالية العامة أكثر عرضة لمخاطر تقلبات أسعار الصرف.

احتياجات تمويل كبيرة

وعلى الرغم من توقع تراجع احتياجات التمويل المالي، فإنها ستظل مرتفعة، إذ تقدر «فيتش» احتياجات التمويل، باستثناء إعادة تمويل الديون قصيرة الأجل، بنحو 13.5 في المائة من الناتج في 2028، مقارنةً بمتوسط 8.9 في المائة للدول المصنفة عند «بي».

ولفتت الوكالة إلى أن البنك المركزي التونسي قدم للحكومة قروضاً من دون فائدة بقيمة 7 مليارات دينار تونسي في كلٍّ من 2024 و2025، فيما تتضمن موازنة 2026 قرضاً مخططاً بقيمة 11 مليار دينار، بما يعادل 6.1 في المائة من الناتج المتوقع.

وترى «فيتش» أن تمويل البنك المركزي للحكومة مرشَّح للتوقف في 2027، في ظل غياب استحقاقات خارجية كبيرة، وهو ما سيؤدي، وفق تقديراتها، إلى ارتفاع صافي الاقتراض المحلي من 1.7 في المائة من الناتج في 2026 إلى 6.5 في المائة في 2027، بما قد يفرض ضغوطاً كبرى على القطاع المالي المحلي.

ضغوط على الدينار

وأشارت «فيتش» إلى أن سعر الصرف الحقيقي الفعلي للدينار التونسي ارتفع 24 في المائة بين 2019 و2025، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، نتيجة استقرار سعر الصرف الاسمي أمام العملات الرئيسية وارتفاع التضخم المحلي مقارنةً بالشركاء التجاريين.

وفي محاولة للحد من الطلب على العملات الأجنبية والحفاظ على الاحتياطيات، اتخذ البنك المركزي في مايو (أيار) 2026 إجراءات تقيّد الوصول إلى التمويل المخصص للواردات غير الأساسية.

وتقدر الوكالة أن تراجع احتياجات التمويل الخارجي خلال 2027 و2028، بالتزامن مع احتواء التضخم، سيحد من مخاطر حدوث انخفاض حاد وغير منظم في قيمة الدينار، لكنها تتوقع استمرار الضغوط على العملة.

التضخم والنمو

في المقابل، ترى «فيتش» أن الضغوط التضخمية ستظل محدودة نسبياً، مع امتصاص جزء كبير من أثر ارتفاع أسعار النفط العالمية من خلال دعم أسعار الوقود، إضافةً إلى مساهمة الظروف المناخية المواتية خلال موسم الزراعة الربيعي في الحد من مخاطر ارتفاع أسعار الغذاء على المدى القصير.

وتتوقع الوكالة ارتفاع متوسط التضخم إلى 5.7 في المائة خلال 2026، قبل تراجعه إلى نحو 5 في المائة حتى 2028، مقارنةً بمتوسط بلغ 8.3 في المائة خلال الفترة 2022-2024.

في الوقت نفسه، تتوقع «فيتش» أن يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 2 في المائة سنوياً خلال الفترة 2026-2028.

اضطرابات اجتماعية

وقالت الوكالة إن موجات الحر الأخيرة تسببت في اضطرابات بإمدادات الكهرباء والمياه، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة، وهو ما أسهم في اندلاع احتجاجات في عدد من المدن الكبرى.

ورغم أن «فيتش» ترى أن المخاطر السياسية لا تزال محدودة، فإنها تعد المخاطر المالية مرتفعة، في ظل احتمال لجوء الحكومة إلى زيادة المخصصات الاجتماعية والتوظيف في القطاع العام استجابةً للضغوط الاجتماعية.


مقالات ذات صلة

«المركزي الأسترالي» يناقش رفع الفائدة وسط استمرار ضغوط التضخم

الاقتصاد مشاة يسيرون أمام مبنى البنك المركزي الأسترالي وسط سيدني (رويترز)

«المركزي الأسترالي» يناقش رفع الفائدة وسط استمرار ضغوط التضخم

قال نائب محافظ البنك المركزي الأسترالي، الثلاثاء، إن البنك المركزي سيناقش مبررات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه للسياسة النقدية هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد إعلانات لشركة «ميسترال إيه آي» معروضة داخل محطة مترو غراند سنترال في مدينة نيويورك (رويترز)

«ميسترال» الفرنسية للذكاء الاصطناعي تجمع 3 مليارات يورو وترفع قيمتها إلى 21 ملياراً

حققت شركة «ميسترال» قفزة جديدة في مسارها التوسعي، بعدما أعلنت جمع 3 مليارات يورو في جولة تمويلية وصفتها بأنها الأكبر من نوعها في قطاع التكنولوجيا الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أفراد يسيرون على طول كورنيش الدوحة في مواجهة أفق المباني الشاهقة المضاءة يوم 4 سبتمبر (أ.ف.ب)

العجز المالي في قطر يقفز بـ106 % إلى 5.83 مليار دولار في الربع الثاني

سجلت الموازنة العامة لدولة قطر خلال الربع الثاني من عام 2026 اتساعاً ملحوظاً في العجز المالي، ليصل إلى 21.235 مليار ريال قطري.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الاقتصاد سيارات مخصصة للتصدير تنتظر التحميل في ميناء بريمرهافن (رويترز)

الصادرات الألمانية تتراجع لأول مرة منذ 5 أشهر

أظهرت بيانات رسمية صدرت يوم الثلاثاء تراجع الصادرات الألمانية في يوليو، للمرة الأولى منذ 5 أشهر.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد امرأة سعودية تسير في سوق الأسهم السعودية بالرياض (رويترز)

الأسواق الخليجية تكافح لاستعادة الزخم وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران

تحركت معظم أسواق الأسهم الخليجية في نطاق محدود، الثلاثاء، مع صعود بعضها بشكل طفيف.

«الشرق الأوسط» (دبي)

نائب وزير النقل: السعودية أثبتت أنها «صمام الأمان اللوجستي» لحركة التجارة إقليمياً وعالمياً

الرميح خلال كلمته الافتتاحية في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)
الرميح خلال كلمته الافتتاحية في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)
TT

نائب وزير النقل: السعودية أثبتت أنها «صمام الأمان اللوجستي» لحركة التجارة إقليمياً وعالمياً

الرميح خلال كلمته الافتتاحية في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)
الرميح خلال كلمته الافتتاحية في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)

قال نائب وزير النقل والخدمات اللوجستية، الدكتور رميح الرميح، خلال كلمته الافتتاحية في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية في الرياض، إن السعودية أثبتت خلال التقلبات والتوترات الجيوسياسية التي أثرت على حركة الشحن والنقل أنها «صمام الأمان اللوجستي والشريان الرئيسي لحركة التجارة والنقل إقليمياً وعالمياً».

وأضاف الرميح أن المملكة تتمتع بموقع استراتيجي مميز وفريد يربطها بقارات العالم الثلاث، ما يجعلها مركزاً أساسياً لحركة التجارة العالمية، مشيراً إلى أن العالم شهد خلال عام 2026 ما قامت به المملكة لأبنائها والمقيمين فيها والدول المجاورة والعالم أجمع.

وأوضح أن المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية يأتي لمواكبة مرحلة التطور الصناعي واللوجستي التي تشهدها المملكة، من خلال تعريف العاملين في القطاع بالتقنيات الحديثة ومستقبل النقل والعمليات اللوجستية.

وأعلن إطلاق «الدليل الاسترشادي الفني لبناء وتشغيل المستودعات»، بوصفه إحدى مبادرات وزارة النقل والخدمات اللوجستية لتمكين القطاع الخاص وتحفيز وتيسير التطوير في قطاع الخدمات اللوجستية ونقل المعرفة، بهدف دفع عجلة التطوير وتحقيق المستهدفات الوطنية الطموحة لـ«رؤية المملكة 2030».

واختتم الرميح كلمته بتوجيه الشكر إلى القائمين على المعرض، متمنياً أن تسهم مخرجاته في تعزيز القطاع اللوجستي في المملكة وخدمة المستثمرين والمستفيدين، بما يدعم تحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، وجعل المملكة مركزاً لوجستياً عالمياً.

ويُقام المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية في الرياض خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر (أيلول) في مركز الرياض الدولي للمؤتمرات والمعارض، تحت رعاية وزير النقل والخدمات اللوجستية المهندس صالح الجاسر، ويجمع قادة القطاع والشركات والخبراء لاستعراض أحدث التقنيات والحلول في مجالات المستودعات والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.


كندا تنتقم من الرسوم الأميركية... وترمب يهدد بتصعيد الحرب التجارية

أرشيفية لطائرات قيد الإنتاج في مصنع شركة «بومباردييه» الكندية في أونتاريو بكندا (رويترز)
أرشيفية لطائرات قيد الإنتاج في مصنع شركة «بومباردييه» الكندية في أونتاريو بكندا (رويترز)
TT

كندا تنتقم من الرسوم الأميركية... وترمب يهدد بتصعيد الحرب التجارية

أرشيفية لطائرات قيد الإنتاج في مصنع شركة «بومباردييه» الكندية في أونتاريو بكندا (رويترز)
أرشيفية لطائرات قيد الإنتاج في مصنع شركة «بومباردييه» الكندية في أونتاريو بكندا (رويترز)

هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتخاذ إجراءات عقابية إضافية ضد كندا بعد دخول رسومها الجمركية الجديدة، التي تستهدف واردات من الولايات المتحدة بقيمة تقارب 20 مليار دولار، حيز التنفيذ رسمياً الثلاثاء، في أحدث تصعيد للحرب التجارية بين الجارين الحليفين في أميركا الشمالية.

وكانت أوتاوا ترد على قرار سابق لترمب بفرض رسوم جمركية نسبتها 50 في المائة على مجموعة واسعة من المنتجات قيمتها 20 مليار دولار، أي ما يعادل 6 في المائة من إجمالي صادرات الولايات المتحدة إلى كندا العام الماضي التي بلغت 333.6 مليار دولار، عقب تعثر المفاوضات التجارية بين الجانبين، وتعهد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن بلاده سترد بالمثل. وتشمل هذه الرسوم الكندية مجموعة متنوعة من السلع الأميركية، ومنها الملابس والجبن وقطع المعادن والمنتجات الخشبية، بهدف معادلة ضرائب ترمب على كندا.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

في الوقت الراهن، قد تكون الآثار الاقتصادية لهذا الرد المتبادل محدودة، لأن التعريفات لا تشمل سوى 5 في المائة من حجم التبادل التجاري السنوي بين الولايات المتحدة وكندا. لكن القلق الأكبر يكمن في احتمال حدوث دوامة من الانتقام، يمكن أن تؤدي إلى فرض رسوم جمركية أعلى وأكثر شمولاً، تضر بالأسر والشركات على جانبي الحدود.

وسعى كارني إلى تصوير نفسه كحصن منيع ضد العدوان التجاري الذي يشنه ترمب، واصفاً بلاده بأنها «في حالة حرب». وتعهد المسؤولون الكنديون عموماً بالرد «بدولار مقابل دولار» على أي رسوم جمركية أميركية.

معاقبة «بومباردييه»

أرشيفية لطائرات على مدرج مطار غاندر في نيوفاوندلاند بكندا (رويترز)

وتدهورت العلاقات الأميركية - الكندية بشكل حاد خلال ولاية ترمب الثانية. وبالإضافة إلى الحرب التجارية، هدد ترمب بجعل كندا الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة. وهو دأب على السخرية من حجم اقتصاد كندا وقوتها العسكرية، مهدداً بفرض رسوم جمركية إضافية على واردات السيارات من كندا. ولمح إلى إمكانية وقف التجارة الثنائية بشكل كامل. وقبل ساعات من دخول الرسوم الجمركية الكندية الجديدة حيز التنفيذ، لجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمواصلة هجومه. واستهدف شركة «بومباردييه» الكندية لتصنيع الطائرات، فكتب: «لن تباع طائرات بومباردييه في الولايات المتحدة بعد الآن!»، مضيفاً أنه إذا أرادت «بومباردييه» الوصول إلى السوق الأميركية، «فعليها أن تصنع منتجاتها هنا، وأن تتوقف عن معاملة أميركا كمصدر للدخل».

وبعيد منشور ترمب، أصدرت «بومباردييه» التي تتخذ من كيبيك مقراً لها، بياناً أفادت فيه بأن منتجات صناعة الطيران والفضاء تعد من أهم الصادرات الأميركية، مضيفة أنها تصنع مكونات أساسية كالأجنحة في كاليفورنيا وتكساس. كما «تسهم بومباردييه بشكل كبير في هذا القطاع، حيث توفر عشرات الآلاف من فرص العمل في كل أنحاء الولايات المتحدة». ولفتت إلى أنها تتعاون مع نحو 2800 شركة أميركية في 47 ولاية، وأنها «تقدر شراكتها المميزة مع الشركات الأميركية وموظفيها الأميركيين». وأعلنت أنها توظف أكثر من ثلاثة آلاف شخص في الولايات المتحدة.

وأفادت رئيسة وزراء كيبيك كريستين فريشيت بأنها تواصلت مع الرئيس التنفيذي لـ«بومباردييه» لتقديم «دعمنا الكامل». وأضافت: «لن تسمح كيبيك لأحد بأن يملي على شركاتنا مكان إنتاج منتجاتها للوصول إلى السوق. سندافع عن شركاتنا وعمالنا وخبراتنا بكل حزم».

وكذلك اتهم ترمب كندا بعرقلة «مصارفنا وشركاتنا الأميركية العظيمة». وحض المستهلكين الأميركيين على الامتناع عن شراء بعض السلع الكندية، مضيفاً: «اشتروا المنتجات الأميركية. سافروا على متن الخطوط الجوية الأميركية. استمتعوا بالمشروبات الكحولية الأميركية. أبحروا في بحيرة أميركا»، بعدما غير اسم بحيرة أونتاريو المشتركة بين الولايات المتحدة وكندا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وقدم الخلاف مع كندا دليلاً جديداً على أن ترمب لا يزال ملتزماً استراتيجيته المزعزعة للاستقرار في مجال التجارة. ورغم مضي عامين على هزائم قضائية متكررة، ونزاعات دولية حادة، وردود فعل محلية متزايدة، فإن الرسوم الجمركية لا تزال هي الأداة المفضلة لترمب في محاولة لتعزيز التصنيع المحلي، وتوقيع اتفاقيات تجارية أفضل.

دول أخرى

وبينما يتصاعد التوتر مع كندا، يجري ترمب ومساعدوه اللمسات الأخيرة على قائمة من التعريفات الجمركية الجديدة التي تستهدف عشرات الدول الإضافية التي اتهمتها الإدارة بممارسات تجارية غير عادلة. ومن المتوقع أن تكشف الجولة الأخيرة من التعريفات أن دولاً أخرى أنتجت كميات زائدة من سلع معينة - ما سمته الإدارة «الطاقة الإنتاجية الفائضة»، مما أدى إلى عجز تجاري أميركي كبير ومستمر مع تلك الدول.

وتهدف هذه الضرائب، التي يمكن أن تفرض هذا الأسبوع، إلى استبدال بعض الرسوم التي ألغتها المحكمة العليا في فبراير (شباط) الماضي.

ومما يزيد من حدة التوترات، أن ترمب هدد بحظر كل التجارة مع الدول التي تصدر إلى الولايات المتحدة أكثر مما تستورد منه. وتعاني الولايات المتحدة حالياً عجزاً تجارياً هائلاً في السلع والخدمات مع عشرات الشركاء التجاريين، بما في ذلك كثير من الشركاء في أوروبا وآسيا. وقد يكون لوقف الواردات عواقب اقتصادية وخيمة.


الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)
أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)
TT

الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)
أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)

​تتسارع وتيرة التحول في قطاع الطاقة المتجددة بالسعودية، مع قفزة في السعة المشغلة للمشروعات بلغت 88 في المائة خلال عام 2025، لتصل إلى 12.313 غيغاواط بنهاية العام، بالتزامن مع استثمارات تجاوزت 36 مليار ريال (9.6 مليار دولار) في المشروعات القائمة، في مؤشر على انتقال القطاع من مرحلة إطلاق المبادرات إلى التشغيل والتوسع على نطاق أكبر.

وتُبرز هذه المؤشرات تنامي حجم المشروعات والاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة، الذي يشهد توسعاً في المملكة، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تنويع مزيج الطاقة وتعزيز الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.

وحسب أحدث بيانات «الهيئة العامة للإحصاء»؛ بلغ عدد مشروعات الطاقة المتجددة المشغلة في المملكة 15 مشروعاً بنهاية 2025، بينما يرى مختصون أن تسارع التنفيذ والاستثمارات في التقنيات النظيفة يمهدان لمرحلة توسع أكبر خلال السنوات المقبلة، تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إلى جانب نمو الصناعات المرتبطة بها، وتوطين سلاسل الإمداد والكوادر المتخصصة.

وتأتي هذه الأرقام ضمن مبادرة «رقم سعودي» التي أطلقتها «الهيئة العامة للإحصاء»؛ بهدف تسليط الضوء على مجموعة من الأرقام والمؤشرات الإحصائية الوطنية، وإبراز دلالاتها وما تعكسه من تطورات في المجالات التنموية والاقتصادية والاجتماعية.

تحولات تاريخية

وفي هذا الإطار، قال رئيس مجلس إدارة المعهد السعودي التقني للطاقة المتجددة (سباير)، المهندس ماجد الرفاعي، أن قطاع الطاقة المتجددة في المملكة يشهد تحولاً نوعياً غير مسبوق في تاريخها الاقتصادي الحديث، معتبراً أن هذا التحول لا يقتصر على زيادة حجم المشاريع الاستثمارية فقط؛ بل يمتد إلى جوانب أعمق وأكثر شمولاً تشمل سرعة التنفيذ الاستثنائية، ونضج المنظومة التنظيمية والإدارية، وتكامل شامل للبنية التحتية اللازمة لدعم هذه الصناعة الناشئة والواعدة.

وشرح أن هذه المؤشرات تعكس بوضوح انتقال حقيقي وملموس للمملكة، من مرحلة «إطلاق المبادرات الأولية» إلى مرحلة متقدمة جداً من «تشغيل المنظومة على نطاق واسع وعملي»، وأن هذا الانتقال يشير إلى نضج حقيقي في القدرات التنفيذية والتخطيطية.

وهذا النمو المتسارع والمثير يرتكز على 3 محاور رئيسية تعمل بتناغم وتكامل: أولاً تسارع تنفيذ مشاريع البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، وتوسع الاستثمارات المحلية والدولية في قطاع التقنيات النظيفة، بالإضافة إلى تحقيق المملكة أرقاماً قياسية عالمية في التنافسية، طبقاً للرفاعي.

وحسب المهندس الرفاعي، تؤكد هذه التطورات مجتمعة أن السعودية رسَّخت موقعها لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة المتجددة عالمياً؛ مشيراً إلى أن هذا التحول يجري وفق رؤية استراتيجية تقودها وزارة الطاقة، بالتعاون مع صندوق الاستثمارات العامة، وتستند إلى تطوير المشروعات والبنية التحتية والقدرات المحلية اللازمة لنمو القطاع.

رئيس مجلس إدارة المعهد السعودي التقني للطاقة المتجددة المهندس ماجد الرفاعي

قاعدة اقتصادية مستدامة

وأوضح الرفاعي أن التحول في قطاع الطاقة المتجددة يمثل، من منظور صناعي واقتصادي، أحد المسارات المهمة لتنويع الاقتصاد السعودي، وبناء قاعدة إنتاجية أكثر متانة واستدامة. وقال إن أهمية هذه المرحلة تمتد إلى 4 أبعاد مترابطة، تشمل تنويع الاقتصاد وخلق قطاعات جديدة، وتعزيز أمن الطاقة واستدامة الإمدادات على المدى الطويل، وتحقيق آثار بيئية وتنموية، إلى جانب ترسيخ مكانة المملكة إقليمياً ودولياً.

وأضاف أن السعودية تتمتع اليوم بموقع متقدم على المستويين الإقليمي والعالمي، في مجالات تشمل تكلفة الإنتاج، وحجم المشروعات، وجاهزية البنية التحتية، وتطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر، معتبراً أن هذه المقومات تعزز جاذبية المملكة للتعاون والاستثمار في المرحلة المقبلة.

وتوقع الرفاعي أن تدخل المملكة خلال الفترة من 2026 إلى 2030 مرحلة جديدة من النمو في هذا القطاع، مدفوعة بدخول مشروعات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب توسع مشروعات الهيدروجين الأخضر على صعيدي الإنتاج والتصدير.

وأشار إلى أن المستهدف المعلن يتمثل في وصول حصة الطاقة المتجددة إلى 50 في المائة من مزيج الكهرباء بحلول 2030، معتبراً أن تسارع تنفيذ المشروعات وتنامي الاستثمارات يعززان قدرة المملكة على تحقيق هذا الهدف.

وفي ظل حجم المستهدفات، يرى الرفاعي أن التمويل الحكومي وحده لن يكون كافياً، ما يستدعي توسيع مشاركة القطاع الخاص المحلي والشركات العالمية في المشروعات المقبلة. وقال إن الشراكة بين القطاعين العام والخاص من شأنها جذب مزيد من الاستثمارات، والاستفادة من الخبرات والتقنيات العالمية، وتسريع تنفيذ المشروعات وتطوير سلاسل الإمداد المرتبطة بها.

مجموعة ألواح شمسية في السعودية (واس)

التصنيع المحلي

وأوضح الرفاعي أن نمو مشروعات الطاقة المتجددة سيقود، بالتوازي، إلى اتساع الصناعات والخدمات المساندة لها، مع أهمية متزايدة لتوطين تصنيع المكونات والأجزاء الأساسية. وقال إن بناء قاعدة تصنيع محلية يسهم في خفض الاعتماد على الواردات، وخلق فرص عمل، وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.

وأضاف أن تسارع تنفيذ المشروعات يضع على عاتق المعهد السعودي التقني للطاقة المتجددة مسؤولية أكبر في إعداد الكفاءات اللازمة لهذه الصناعة؛ مشيراً إلى أن دوره «لا يقتصر على التدريب؛ بل يحمل أبعاداً استراتيجية متعددة».

استراتيجية المعهد

وأشار الرفاعي إلى أن الأولوية الأساسية للمعهد تتمثل في إعداد كوادر سعودية متخصصة وقادرة على تشغيل وصيانة مشروعات الطاقة المتجددة وفق المعايير العالمية، إلى جانب الإسهام في نقل المعرفة وتطوير المهارات ودعم الابتكار في هذا المجال.

وأوضح أن المعهد يعمل على تطوير برامج تدريبية متخصصة تشمل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر، وتقنيات تخزين الطاقة، مع التركيز على الجانب العملي والتطبيقي، بما يربط التدريب بالاحتياجات الفعلية للمشروعات وسوق العمل.

وقال إن اتساع مشروعات الطاقة المتجددة يتيح للمعهد تعزيز دوره ليكون منصة لتطوير الكفاءات ونقل الخبرات ودعم الابتكار، وليس مجرد جهة للتدريب التقليدي، بما يواكب احتياجات قطاع يشهد نمواً متسارعاً في المملكة.

واختتم الرفاعي بالقول إن النمو الذي يشهده قطاع الطاقة المتجددة يمثل فرصة مهمة لتنويع الاقتصاد وخلق مجالات جديدة للنشاط والاستثمار، مشدداً على أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة تتطلب مواصلة الاستثمار في الكفاءات الوطنية، والبحث والتطوير والابتكار، وتعزيز الشراكات مع الشركات والمؤسسات المحلية والدولية.