تخفيضات الأسعار وضعف الإنفاق... هل يعززان ثقة «الفيدرالي» في انخفاض التضخم؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

تخفيضات الأسعار وضعف الإنفاق... هل يعززان ثقة «الفيدرالي» في انخفاض التضخم؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

يمكن أن تؤدي جولة جديدة من تخفيضات الأسعار من كبار تجار التجزئة في الولايات المتحدة، إلى جانب بيانات تُظهر تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، إلى تعزيز ثقة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في انخفاض التضخم وتأثيره في أرباح الشركات التي استحوذت على حصة أكبر من الدخل القومي منذ بداية جائحة «كوفيد - 19».

وذكرت وزارة التجارة، يوم الخميس، أن الاقتصاد الأميركي نما بشكل أبطأ مما كان يُعتقد في البداية، حيث توسع بمعدل سنوي 1.3 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام مقابل تقدير أوّلي بنسبة 1.6 في المائة، وفق «رويترز».

وجاء كثير من التغيير من انخفاض وتيرة الإنفاق الاستهلاكي، مما يشير إلى أن الدعامة الأساسية للاقتصاد قد تتباطأ بما يتماشى مع توقعات مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي»، وربما يساعد على خفض التضخم أيضاً.

وتوقع الاقتصاديون الذين استطلعت آراءهم «رويترز» أن يرتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي بمعدل سنوي 2.7 في المائة في أبريل (نيسان)، وهو ما يتوافق مع المكاسب في مارس (آذار). ويستخدم «الاحتياطي الفيدرالي» تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي لتحديد هدف التضخم بنسبة 2 في المائة، ويشعر صناع السياسات بالقلق من أن التقدم نحو هذا المستوى ربما توقف بعد انخفاض مطَّرد من الذروة فوق 7 في المائة في يونيو (حزيران) 2022.

ومن المتوقع أن يُبقي «المركزي الأميركي» في اجتماع السياسة المقرر عقده في الفترة من 11 إلى 12 يونيو على سعر الفائدة القياسي ثابتاً في نطاق 5.25 في المائة إلى 5.50 في المائة، وهو نفس المستوى الذي كان عليه منذ يوليو (تموز) الماضي. ويقول مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» إن الخطوة التالية بشأن أسعار الفائدة من المرجح أن تكون أقل، ولكن ليس قبل أن يشعروا بأن التضخم سيستأنف انخفاضه إلى 2 في المائة.

وقد تساعد بيانات الناتج المحلي الإجمالي المنقحة، التي خفضت أيضاً تقديرات التضخم في الربع الأول بشكل طفيف، في هذه الحالة، كما فعلت سلسلة من إعلانات خفض أسعار الشركات الأخيرة.

وقال الخبير الاقتصادي في «آر إس إم يو إس»، توان نغوين، إن البيانات الجديدة يجب أن تكون «تراجع الطلب الإجمالي وانخفاض التضخم في الربع الأول من العام بمثابة ارتياح للاحتياطي الفيدرالي والسوق وليس مصدر قلق» من الانزلاق الاقتصادي السريع. ويعزز ذلك قضية تخفيض «الفيدرالي» أسعار الفائدة «عاجلاً وليس آجلاً».

تحول المشهد

وقالت شركة «والغرينز» إنها «تتفهم أن عملاءنا يتعرضون لضغوط مالية»، وانضمت هذا الأسبوع إلى «تارغت» و«وول مارت» وتجار التجزئة الآخرين في تخفيضات واسعة النطاق في الأسعار تركز على المواد الغذائية والسلع الأساسية الأخرى.

وقال مسؤولو «الفيدرالي» إنهم يشعرون بأن المستهلكين في حالة جيدة على نطاق واسع، مع انخفاض معدلات البطالة وارتفاع الأجور. لكنهم لاحظوا أيضاً علامات التوتر بين الأسر ذات الدخل المنخفض، بما في ذلك ارتفاع معدلات التخلف عن سداد القروض واقتراض بطاقات الائتمان.

وقد تُظهر تخفيضات الأسعار التي أُعلن عنها هذا الشهر نفس الشعور الذي يترسخ في الأجنحة التنفيذية للشركات ويؤثر في نوع من الديناميكية التي يتوقع صناع السياسة في «الفيدرالي» أنها ستترسخ في النهاية: معركة على الحصة السوقية مع تراجع قوة التسعير في عصر الوباء، إلى جانب الأرباح المرتفعة التي أعقبت ذلك.

أرباح الشركات

وتضمنت البيانات الصادرة عن وزارة التجارة يوم الخميس، تقديراً لأرباح الشركات للأشهر الثلاثة الأولى من العام. وعلى الرغم من انخفاضها بشكل طفيف، فإن أرباح الشركات استمرت في الحصول على حصة مرتفعة من الدخل الذي حصل عليه جميع العمال والشركات مجتمعة.

وارتفعت حصة الشركات من الدخل خلال الجائحة بسبب تعطل سلاسل التوريد ومدفوعات نقل الأموال للأفراد خلال الجائحة، مما ترك المستهلكين الذين يقيمون في المنازل بأموال لإنفاقها على سلع أصبحت نادرة -وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة هوامش الربح. وعندما رُفعت القيود المفروضة بسبب الجائحة واستُؤنفت الفعاليات الشخصية، تحول فائض القوة الشرائية هذا إلى السفر والمطاعم والخدمات الأخرى -وارتفع التضخم هناك أيضاً.

وقال مسؤولو «الاحتياطي» في الأسابيع الأخيرة إنهم يعتقدون أن المشهد تغير، حيث تقول الشركات عموماً إن قدرتها على رفع الأسعار تضاءلت مقارنةً بالعامين الماضيين. وفي أحدث مجموعة من الحكايات التي أصدرها «الفيدرالي» تحت عنوان «الكتاب البيج» حول الاقتصاد، كان هناك شعور واسع النطاق بأن المستهلكين أصبحوا أكثر انتقائية ويفرضون الضغوط على الشركات.

وقال كبير الاقتصاديين في «إل بي إل فايناشيال»، جيفري روتش، بعد إصدار «الفيدرالي»: «أصبح المستهلكون أكثر وعياً بالأسعار، مما يفرض ضغوطاً على هوامش الربح على الأرجح. يجب أن نتوقع مزيداً من الخصومات والحوافز، إذ يعاني بعض المستهلكين ارتفاع الأسعار المستمر».


مقالات ذات صلة

الأسواق تترقب أسبوعاً حافلاً بالبيانات الاقتصادية وقرارات البنوك المركزية

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

الأسواق تترقب أسبوعاً حافلاً بالبيانات الاقتصادية وقرارات البنوك المركزية

تتجه أنظار المستثمرين خلال الأسبوع المقبل إلى حزمة واسعة من البيانات الاقتصادية من الصين والولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
تحليل إخباري متداول يعمل بينما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لوارش عقب إعلان سعر الفائدة في يوليو (رويترز)

تحليل إخباري المستثمرون يرحبون بتشدد وارش بشأن التضخم... ويترقبون قرار الفائدة

رحب المستثمرون بإشارات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش بشأن عزمه كبح التضخم، لكنهم ظلوا يبحثون عن مزيد من الوضوح.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تحليل إخباري وارش يصل إلى ندوة «جاكسون هول» في وايومنغ (أ.ب)

تحليل إخباري «فيدرالي» وارش الهادئ يفتح نافذة على مسار الفائدة

بعد أشهر من الغموض خفّف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش، للمرة الأولى، من نهجه الحذر في التواصل بشأن مسار السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (جاكسون هول، وايومنغ)
الاقتصاد أفراد من الحرس الوطني يمرون أمام وزارة العمل الأميركية التي نشرت تقريرها الأسبوعي الأولي عن طلبات إعانة البطالة (رويترز)

طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع... والعجز التجاري للسلع يتسع

أظهرت بيانات اقتصادية صدرت الخميس استمرار تماسك سوق العمل الأميركية، مع تراجع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية إلى أدنى من توقعات المحللين...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

محضر المركزي الأوروبي يمهّد لرفع الفائدة مجدداً في سبتمبر لكبح التضخم

أظهر محضر اجتماع البنك المركزي الأوروبي في يوليو أن صانعي السياسة كانوا يرون أن رفع الفائدة مجدداً سيكون مرجحاً لاحتواء تداعيات الحرب

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)

الفنادق تعيد رسم خريطة الاستثمار العقاري في مكة

صورة جوية للمسجد الحرام وجانب من مكة المكرمة (واس)
صورة جوية للمسجد الحرام وجانب من مكة المكرمة (واس)
TT

الفنادق تعيد رسم خريطة الاستثمار العقاري في مكة

صورة جوية للمسجد الحرام وجانب من مكة المكرمة (واس)
صورة جوية للمسجد الحرام وجانب من مكة المكرمة (واس)

تشهد سوق العقارات في مكة المكرمة تحولاً متزايداً نحو الاستثمار في الأصول الفندقية، مع تنامي أعداد الحجاج والمعتمرين وتوسُّع الطاقة الاستيعابية للمدينة، مما يعزز حضور الفنادق كمصدر رئيسي للإيرادات التشغيلية لدى عدد من المطورين العقاريين.

ويأتي ذلك في وقت انعكس فيه تحسن العوائد الفندقية بصورة أوضح على نتائج الشركات العقارية، مدفوعاً بتحسن معدلات الإشغال ومتوسط أسعار الغرف، خصوصاً خلال مواسم الحج والعمرة.

الطلب المستدام يدعم طفرة الضيافة

وفي هذا الإطار، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع الضيافة في مكة المكرمة يعيش «واحدة من أقوى مراحله التاريخية»، مشيراً إلى أن النمو الذي يشهده القطاع يستند إلى عوامل هيكلية، في مقدمتها الزيادة المستمرة في أعداد المعتمرين والزوار، إلى جانب الزيادة التدريجية في الطاقة الاستيعابية للحج والمشاريع المرتبطة بـ«رؤية 2030».

وأضاف أن توسعة المسجد الحرام وتطوير شبكات النقل والطرق والقطارات وتحسين تجربة الزائر أسهمت في رفع كفاءة منظومة الضيافة، وانعكس ذلك على معدلات الإشغال ومتوسط أسعار الغرف، موضحاً أن الطلب على الفنادق في مكة أصبح أكثر استدامة على مدار العام مع تنامي برامج العمرة، ولم يعد مقتصراً على مواسم الذروة.

ويعكس هذا التحول أهمية متزايدة للنشاط الفندقي في نموذج أعمال الشركات العقارية العاملة في مكة، مع انتقال جزء من اهتمام المطورين من بيع الأراضي والوحدات إلى تطوير أصول مدرة للدخل يمكن الاحتفاظ بها وتشغيلها على المدى الطويل.

الفنادق تتحول إلى محرك للربحية

ويأتي أداء شركة «جبل عمر للتطوير» مثالاً على تنامي أهمية النشاط الفندقي في نتائج المطورين العقاريين في مكة. فقد عادت الشركة إلى تحقيق الأرباح خلال الربع الثاني من عام 2026، مسجِّلة صافي ربح عائد للمساهمين بلغ 158.1 مليون ريال، مقارنة بخسارة قدرها 42.1 مليون ريال في الربع المماثل من العام الماضي، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 42.5 في المائة إلى 715.2 مليون ريال.

وأرجعت الشركة، في إفصاح نشرته على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، ارتفاع الإيرادات بشكل رئيسي إلى استمرار تحسن أداء الفنادق، خصوصاً خلال موسم الحج، إلى جانب افتتاح فندق «روتانا» مطلع العام الحالي.

صورة لأبراج فنادق شركة جبل عمر بجوار المسجد الحرام (الشركة)

ويرى العطاس أن النشاط الفندقي أصبح المحرك الأساسي لربحية عدد من الشركات العقارية في مكة، بعدما كانت تعتمد بدرجة أكبر على بيع الأراضي أو تطوير المشروعات العقارية التقليدية.

وأوضح أن ارتفاع نسب الإشغال وتحسن متوسط أسعار الغرف يدعمان الإيرادات التشغيلية للفنادق، بينما تمنح طبيعة هذه الإيرادات المتكررة الشركات تدفقات نقدية أكثر استقراراً مقارنة بالعوائد الناتجة عن بيع الأصول.

من جانبه، قال خالد المبيض، الرئيس التنفيذي لشركة «منصات العقارية»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن مكة تمتلك ميزة استثنائية تتمثل في الطلب المستدام على الضيافة، موضحاً أن استمرار تدفق الحجاج والمعتمرين، إلى جانب مستهدفات «رؤية 2030»، يمنح الاستثمار الفندقي جاذبية أكبر مقارنة بعدد من الأصول العقارية الأخرى، خصوصاً في المواقع القريبة من المسجد الحرام والمشروعات المرتبطة بالنقل والخدمات.

وأشار المبيض إلى تحول توجهات المطورين من التركيز على بيع الوحدات العقارية إلى تطوير أصول مدرة للدخل، مثل الفنادق والشقق الفندقية، إلى جانب الاستعانة بالعلامات الفندقية العالمية. وقال إن اهتمام المطور لم يعد يقتصر على الإنشاء، بل امتد إلى جودة التشغيل وإدارة الأصول، بعدما أصبحت قيمة المشروع مرتبطة بأدائه التشغيلي وليس بتكلفة تطويره فقط.

زيادة المعروض تختبر قدرة السوق على استيعاب النمو

ويتزامن توسُّع الاستثمار الفندقي في مكة مع زيادة المعروض من الغرف، مما قد يرفع حدة المنافسة بين المشغلين، خصوصاً في الفئات التي تشهد دخول مشروعات جديدة.

ويرى العطاس أن هذه الزيادة قد تفرض، على المدى القصير، ضغوطاً محدودة على الأسعار في بعض الشرائح إذا تركزت الإضافات في الفئة الفندقية نفسها. لكنه يتوقع أن يكون الطلب قادراً، على المدى المتوسط والطويل، على استيعاب جزء كبير من التوسُّع، في ظل المستهدفات الحكومية لزيادة أعداد المعتمرين والزوار وتحوُّل مكة إلى وجهة تستقبل أعداداً متزايدة على مدار العام.

وبحسب العطاس، لن يكون حجم المعروض العامل الحاسم وحده، إذ ستلعب جودة المنتج الفندقي والموقع ومستوى الخدمات وكفاءة إدارة الإيرادات دوراً رئيسياً في قدرة الفنادق على الحفاظ على معدلات إشغال وعوائد مرتفعة.

ويشير المبيض بدوره إلى أن زيادة عدد الغرف لن تكون كافية لضمان ربحية المشروعات في ظل اشتداد المنافسة، مبيناً أن قدرة الفندق على تعظيم الإيراد من كل غرفة وتحقيق كفاءة تشغيلية ستصبح أكثر أهمية مع دخول مشروعات جديدة إلى السوق.

كفاءة التشغيل مفتاح الحفاظ على الهوامش

في المقابل، يواجه قطاع الضيافة في مكة مجموعة من التحديات التي قد تختبر هوامش ربحية المستثمرين خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الأراضي والإنشاء والتشغيل، إلى جانب الأجور والطاقة والصيانة وتكاليف التمويل، فضلاً عن الحاجة إلى كوادر مؤهلة لإدارة المنشآت الفندقية بكفاءة.

وفي هذا الإطار، قال العطاس إن ارتفاع تكاليف التشغيل واستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة قد يشكلان ضغطاً على الشركات، في وقت ستفرض فيه زيادة المنافسة على المشغلين التركيز بصورة أكبر على الكفاءة التشغيلية وتحسين تجربة النزيل للحفاظ على الهوامش الربحية.

كما يمثل الحفاظ على معدلات إشغال مرتفعة خارج مواسم الذروة تحدياً آخر أمام القطاع، مما يتطلب تنويع الأسواق المستهدفة وجذب شرائح جديدة من الزوار، بما ينسجم مع نمو برامج العمرة ومستهدفات «رؤية 2030».

ويرى المبيض أن الربحية مستقبلاً تعتمد على جودة المنتج وكفاءة التشغيل وتعظيم الإيراد من كل غرفة. ويشدد على أهمية تنويع الفئات الفندقية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في إدارة الإيرادات، وخفض التكاليف التشغيلية، وتقديم تجربة ضيافة متميزة.

ومع استمرار توسُّع الطلب والمعروض في آنٍ واحد، يتجه مستقبل الاستثمار الفندقي في مكة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على كفاءة تشغيل الأصول وجودة المنتج والموقع، وليس على زيادة الطاقة الفندقية وحدها، بما يجعل قدرة المطورين على إدارة الأصول وتحويل نمو أعداد الزوار إلى تدفقات نقدية مستدامة عاملاً حاسماً في المنافسة المقبلة.


البنوك المركزية الأوروبية تخشى مزيداً من الاضطرابات في العلاقات المتوترة مع واشنطن

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
TT

البنوك المركزية الأوروبية تخشى مزيداً من الاضطرابات في العلاقات المتوترة مع واشنطن

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)

يغادر محافظو البنوك المركزية الأوروبية اجتماعهم السنوي مع نظرائهم الأميركيين وهم بعيدون عن الاطمئنان إلى استمرار القواعد الراسخة للتعاون العالمي، ويخشون مزيداً من الاضطرابات في علاقة متوترة بالفعل مع واشنطن، وفقاً لمصادر مطلعة على المناقشات.

وبذل مسؤولو مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي جهوداً كبيرة هذا الأسبوع لتهدئة مخاوف نظرائهم، مؤكدين التزامهم بجميع التعهدات التي قطعوها.

لكن، في ظل الفصل المؤسسي بين البنك المركزي والإدارة الأميركية، لم يتمكن المسؤولون من تقديم ضمانات تحول دون تغييرات مفاجئة في السياسة من جانب الرئيس دونالد ترمب، وفقاً لأكثر من نصف دزينة من المسؤولين الذين تحدثوا على هامش ندوة جاكسون هول الاقتصادية السنوية التي ينظمها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي.

وقال المسؤولون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لـ«رويترز»، إن تدخلات وزارة الخزانة الأميركية الأخيرة لدعم الين الياباني وخفض تكاليف الاقتراض الأميركية طويلة الأجل أثارت قلقاً خاصاً، لأنها تنذر بمزيد من التدخلات والخروج على القواعد المتعارف عليها.

وبعد عملية التدخل في سوق الين في الأول من أغسطس (آب)، أكَّد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الوزارة باعت اليورو مقابل العملة اليابانية، وقال إنه طمأن البنوك المركزية في المنطقة إلى أن الخطوة لم تكن سوى «إعادة تخصيص للموارد». وقال الجمعة إن أصول النقد الأجنبي المستخدمة لشراء الين جاءت من صندوق استقرار سعر الصرف التابع لوزارة الخزانة.

لكن المسؤولين الأوروبيين كانوا مستائين بصورة خاصة من عدم قيام الولايات المتحدة بإخطارهم مسبقاً، وفقاً للأعراف المتبعة، بأن بيع اليورو سيكون جزءاً من العملية.

وقال أحد المصادر: «كان ذلك مثيراً للغضب. فأنت دائماً ترفع الهاتف وتبلغهم مسبقاً».

وأضاف: «الرسالة بالنسبة لي هي أن الولايات المتحدة تفعل ما تريده».

وكان آخرون أكثر تسامحاً، وقالوا إن العملية كانت غير اعتيادية إلى درجة قد تجعل عدم الإخطار المسبق مجرد سهو غير مقصود.

ورفض متحدثون باسم البنك المركزي الأوروبي ومجلس «الاحتياطي الفيدرالي» التعليق.

وقال مسؤول أميركي إن التدخل الأميركي الياباني استهدف مواجهة التحركات غير المنظمة في سعر الين ودعم استقرار الأسواق المالية العالمية.

وأضاف المسؤول: «لم يكن موجهاً ضد أي طرف آخر»، مشيراً إلى أن وزارة الخزانة تحافظ على اتصالات وثيقة ومستمرة مع نظرائها الدوليين، لكنها لا تعلق على التفاصيل التشغيلية لتلك المناقشات.

مخاوف بشأن إعادة شراء السندات

وقالت المصادر إن خطة بيسنت لزيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، وهي معاملات قد تحتاج إلى تمويل من خلال إصدار مزيد من أدوات الدين قصيرة الأجل، أثارت أيضاً قلق محافظي البنوك المركزية الأوروبية، لأنها، على غرار شراء الين، تشير إلى استعداد الإدارة الأميركية لاتخاذ إجراءات غير تقليدية للحد من تكاليف الاقتراض.

وقال مصدر ثانٍ: «عادة ما توفر هذه التدخلات انفراجاً مؤقتاً فقط. لكنهم قلقون بوضوح. فما الخطوة التالية؟ هل سيمارسون ضغوطاً على «الاحتياطي الفيدرالي» لبدء شراء السندات من السوق؟».

ومع أن «الاحتياطي الفيدرالي» هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن وضع السياسة النقدية الأميركية، وقد صُمم استقلاله عن الإدارة المنتخبة لهذا الغرض، قالت المصادر إن ترمب أظهر استعداده للذهاب إلى أبعد الحدود لتحقيق أهدافه.

ويتمثل القلق في أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات في الأسواق تتجاوز الولايات المتحدة بكثير.

ورد المسؤول الأميركي بالتأكيد على تصريحات سابقة مفادها أن زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تستهدف توفير سيولة أكبر في القطاعات الأطول أجلاً، حيث تتلقى وزارة الخزانة عروضاً عالية الجودة لإعادة الشراء.

وقال المسؤول: «إنها ليست سياسة نقدية، وليست محاولة لفرض سقف على أسعار الفائدة».

لكن مسؤولاً في وزارة الخزانة الأميركية قال للصحافيين الخميس إن الوزارة «تركز فعلاً على خفض عوائد السندات طويلة الأجل»، بعدما ارتفعت إلى مستويات تعتبرها الوزارة أعلى من «القيمة العادلة».

هل تتعرض خطوط مبادلة العملات للخطر؟

تتمثل إحدى المخاوف الأخرى لدى الأوروبيين في احتمال أن يمتد التدخل السياسي مستقبلاً إلى خطوط مبادلة السيولة بالدولار، التي يوفرها «الاحتياطي الفيدرالي» لأكبر البنوك المركزية في العالم، والتي تُعد أحد أعمدة الاستقرار المالي العالمي، وفقاً لبعض المصادر.

وتضمن خطوط المبادلة هذه استمرار حصول البنوك التجارية حول العالم على الدولار الأميركي، خصوصاً في أوقات الضغوط المالية.

ويجدد «الاحتياطي الفيدرالي» هذه التسهيلات عاماً بعد عام، انطلاقاً من أنها تحمي المصالح والأسواق الأميركية، إذ إن البنوك الأجنبية قد تضطر، خلال اضطرابات الأسواق العالمية، إلى بيع السندات الأميركية بكثافة إذا لم تتوفر لها السيولة بالدولار.

وقال مصدر ثالث: «لكن العقلانية لا تسود دائماً مع هذه الإدارة. فعندما تنتهج سياسات تجارية انتقامية مع أقرب حلفائها، قد يقول ترمب ببساطة: قد يستغلوننا، ويمكن أن تختفي خطوط المبادلة بين عشية وضحاها».

وأكدت المصادر أنه لا توجد حتى الآن أي إشارة إلى أن هذه التسهيلات مهددة، وأنها لا تزال تتوقع استمرارها من دون تغيير.

وتخضع خطوط المبادلة لموافقة اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة نفسها، وتدار حصراً من جانب «الاحتياطي الفيدرالي»، وليس من جانب الإدارة الأميركية.

وقال مسؤول وزارة الخزانة: «القرارات المتعلقة بتسهيلات (الاحتياطي الفيدرالي) وترتيبات خطوط المبادلة تقع ضمن اختصاص (الاحتياطي الفيدرالي). ولا يشير أي شيء أعلنته وزارة الخزانة بشأن عمليات الين أو إعادة شراء السندات إلى خلاف ذلك».

وأضاف المسؤول أن بيسنت يتطلع إلى مناقشة قضايا الاستقرار المالي مع وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية خلال الأيام المقبلة في أشفيل بولاية نورث كارولاينا، في إطار السعي إلى دفع أجندة الإدارة الأميركية المتعلقة بعزل إيران، وتعزيز النمو، وخفض الاختلالات العالمية.

وارش يسعى إلى تعزيز العلاقات مع أوروبا

وسافر رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش إلى أوروبا بعد أكثر بقليل من شهر على توليه منصبه، وبذل جهوداً واضحة لتعزيز العلاقات مع المسؤولين الأوروبيين، تاركاً انطباعاً إيجابياً إلى حد كبير، وفقاً للمصادر.

وفي أول مشاركة له في ندوة «جاكسون هول» بصفته رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، ظهر وارش أيضاً في الصورة التقليدية للمؤتمر إلى جانب محافظ بنك كندا تيف ماكليم، في لفتة صغيرة لكنها تظل ذات دلالة، خصوصاً في ظل انخراط ترمب حالياً في حرب تجارية متصاعدة وحادة مع كندا.


الأسواق تترقب أسبوعاً حافلاً بالبيانات الاقتصادية وقرارات البنوك المركزية

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

الأسواق تترقب أسبوعاً حافلاً بالبيانات الاقتصادية وقرارات البنوك المركزية

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تتجه أنظار المستثمرين خلال الأسبوع المقبل إلى حزمة واسعة من البيانات الاقتصادية من الصين والولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، في مقدمتها مؤشرات النشاط الصناعي الصيني، وتقرير الوظائف الأميركي لشهر أغسطس (آب)، وبيانات التضخم في منطقة اليورو والفلبين، إلى جانب قرارات عدد من البنوك المركزية وبيانات النمو في اقتصادات كبرى.

وتبدأ أجندة الأسبوع يوم الاثنين من الصين، مع صدور مؤشر مديري المشتريات الرسمي لشهر أغسطس، وسط ترقب لمعرفة ما إذا كان قطاع الصناعات التحويلية سيتمكن من التعافي بعد دخوله منطقة الانكماش في يوليو (تموز)، عندما سجَّل المؤشر 49.2 نقطة. وتشير توقعات استطلاع أجرته «رويترز» إلى ارتفاع المؤشر قليلاً إلى 49.6 نقطة، لكنه سيظل دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش.

وتتواصل المؤشرات الصينية الثلاثاء مع صدور مؤشر «كايسين» لمديري المشتريات الصناعي، الذي يركز بصورة أكبر على الشركات الخاصة والصغيرة والمتوسطة. وستراقب الأسواق البيانات بحثاً عن إشارات إلى قوة الطلب المحلي، في وقت لا تزال فيه سوق العقارات تمثل أحد أبرز مصادر الضغط على الاقتصاد الصيني، بينما توفر الصادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا دعماً لبعض قطاعات التصنيع.

تقرير الوظائف

ثم تنتقل الأنظار إلى الولايات المتحدة، حيث يصدر الجمعة تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس، وهو أبرز حدث اقتصادي في الأسبوع، بعدما انخفض عدد الوظائف بنحو 23 ألف وظيفة في يوليو (تموز).

ويتوقع اقتصاديون لدى «دويتشه بنك» ارتفاع الوظائف غير الزراعية بنحو 65 ألف وظيفة في أغسطس، بينما ترجح «ويلز فارغو» زيادة قدرها 80 ألف وظيفة، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال». ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.1 في المائة أو يرتفع قليلاً إلى 4.2 في المائة، في حين يُرجح أن يتسارع متوسط الأجور بالساعة إلى ما بين 0.3 و0.4 في المائة على أساس شهري، بما يبقي نمو الدخل السنوي عند نحو 4 في المائة.

وتكتسب بيانات سوق العمل أهمية أكبر في أعقاب النبرة المتشددة لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفين وارش، خلال ندوة «جاكسون هول»، إذ أكد أن التضخم لا يزال أعلى من مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، وأن الأسعار يجب أن تبقى في صدارة اهتمام السياسة النقدية.

ويراقب المستثمرون هذه البيانات بحثاً عن مؤشرات تساعدهم في تقدير اتجاه السياسة النقدية خلال اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في 16 سبتمبر (أيلول)، في وقت تشير توقعات بعض الاقتصاديين إلى أن رفع أسعار الفائدة يظل السيناريو الأكثر ترجيحاً.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» وايومنغ (رويترز)

ولا تقتصر البيانات الأميركية على تقرير الوظائف، إذ تصدر الثلاثاء بيانات مؤشر معهد إدارة التوريد «آي إس إم» للصناعات التحويلية، بينما تصدر بيانات قطاع الخدمات الخميس، إلى جانب بيانات فرص العمل الشاغرة «جولتس» الثلاثاء، وتقرير الوظائف الخاصة الصادر عن «إيه دي بي» الأربعاء، والمتوقع أن يظهر زيادة بنحو 47 ألف وظيفة.

كما يترقب المستثمرون صدور «الكتاب البيج» لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأربعاء، إلى جانب تصريحات لمسؤولين في البنك المركزي، من بينها حوار مع محافظ الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر الخميس.

التضخم الأوروبي تحت المجهر

خارج الولايات المتحدة، تتركز الأنظار الثلاثاء على بيانات التضخم في منطقة اليورو لشهر أغسطس، والتي يُتوقع أن تظهر تسارع أسعار المستهلكين إلى معدل سنوي يتراوح بين 3.3 و3.4 في المائة، مقارنة مع 2.9 في المائة في يوليو.

وقد يؤدي ارتفاع التضخم إلى تعزيز التوقعات بشأن اتجاه البنك المركزي الأوروبي نحو تشديد السياسة النقدية في سبتمبر، مما يجعل البيانات المرتقبة عاملاً رئيسياً في تحركات اليورو وأسواق السندات الأوروبية.

وفي كندا، يعلن بنك كندا الأربعاء قراره بشأن أسعار الفائدة، وسط توقعات بإبقاء سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25 في المائة، بينما تصدر البلاد تقرير الوظائف لشهر أغسطس الجمعة.

نمو الاقتصادات الكبرى

وتتضمن أجندة الأسبوع أيضاً مجموعة من بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني، إذ يُتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الهندي إلى ما بين 7.3 و7.5 في المائة على أساس سنوي، مقارنة مع 7.8 في المائة في الربع الأول، لكنه سيظل من بين أسرع معدلات النمو بين الاقتصادات الكبرى.

وفي أستراليا، يُتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني بما يتراوح بين 0.3 و0.4 في المائة على أساس فصلي، وبنحو 1.8 إلى 1.9 في المائة على أساس سنوي، بينما يُرجح أن يتباطأ النمو الفصلي في البرازيل إلى ما بين 0.4 و0.5 في المائة.

متداولان يتحدثان في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

التضخم في الفلبين

وفي آسيا، تترقب الأسواق الجمعة بيانات التضخم في الفلبين لشهر أغسطس. وتشير التوقعات إلى تباطؤ التضخم العام بصورة محدودة إلى 6 في المائة، مقارنة مع 6.2 في المائة في يوليو، مع توقع تراجع تضخم النقل خلال الشهر، وإن ظل مرتفعاً على أساس سنوي.

ويستهدف البنك المركزي الفلبيني إبقاء التضخم ضمن نطاقه المستهدف، بينما يتوقع أن يستقر التضخم في أغسطس داخل النطاق الذي حدده البنك بين 5.5 و6.5 في المائة.

وبذلك، سيكون الأسبوع المقبل حافلاً بالمؤشرات التي قد تساعد المستثمرين على تحديد اتجاه الأسواق العالمية، خصوصاً في ظل التباين بين استمرار ضغوط الأسعار من جهة، وتباطؤ سوق العمل والنمو في بعض الاقتصادات من جهة أخرى.