قيادي بتحالف «تقدم» يحضّ طرفي الحرب السودانية على التفاوض قبل انفلات الأوضاع

رئيس «التجمع الاتحادي»: الإسلاميون أطلقوا الرصاصة الأولى... وأفشلوا «اتفاق جدّة»

بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)
بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)
TT

قيادي بتحالف «تقدم» يحضّ طرفي الحرب السودانية على التفاوض قبل انفلات الأوضاع

بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)
بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)

دعا الزعيم السياسي البارز والقيادي في «تنسيقية القوى الديموقراطية المدنية» (تقدم) ورئيس حزب «التجمع الاتحادي» بابكر فيصل بابكر، أطراف الحرب السودانية، لشحذ ما أسماه «الهمم والإرادة» من أجل وقف القتال، وحلّ الأزمة عن طريق التفاوض، «من أجل إنقاذ البلاد من الانزلاق لمصائر دول أخرى استمرت فيها الحروب لعقود طويلة».

وقال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أُجريت بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا: «أقولها بكل صراحة، وطننا بلغ مرحلة من الخطورة نكاد نراها رأي العين، وأدعو الطرفين للتحلي بالإرادة والعزيمة لوقف الحرب اليوم قبل الغد، قبل أن تفلت الأوضاع من الأيدي».

رئيس حزب «التجمع الاتحادي» بابكر فيصل بابكر (الشرق الأوسط)

وناشد بابكر المتحاربين بقوله: «أتوجه إلى قيادة الجيش وقيادة (الدعم السريع) للنظر بعمق وشحذ الهمم والإرادة للوصول لحل سلمي متفاوض عليه، يحفظ بلادنا ويعيدها لمسار الثورة والتحول المدني الديموقراطي».

وبحكم عضويته في لجنة الاتصال التابعة لـ«تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير»، قال بابكر: «مساء الجمعة قبيل اندلاع الحرب السبت، بساعات، اجتمعت لجنة الاتصال – هو أحد أعضائها – بقائد الجيش لثلاث ساعات، واتفقنا معه على تقليل التوتر، وتكوين لجنة من رئيسَي هيئة العمليات في الجيش و(قوات الدعم السريع)، و(الحرية والتغيير)، برئاسة عضو مجلس السيادة وقتها الهادي إدريس، وتقرر أن تجتمع الساعة 11 من صباح السبت، لتذهب إلى منطقة مروي العسكرية لسحب الحشود من هناك، وتفريغ الخرطوم منها».

وبحسب بابكر، فإن لجنة الاتصال بعد اجتماعها مع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ذهبت فوراً إلى منزل الفريق أول محمد حمدان دقلو قائد «قوات الدعم السريع»، ولم تجده، لكنها التقت شقيقه الذي يشغل منصب قائد ثاني «قوات الدعم» عبد الرحيم دقلو ، الذي أبدى موافقته على ما تم التوصل إليه، ثم تعهد رئيس هيئة عمليات قواته، بالمشاركة في اجتماع الساعة 11 صباح السبت.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)

عاد بابكرإلى منزله مطمئناً بأنهم أفلحوا في «نزع فتيل التوتر»، لكنهم تفاجأوا بأن «مجموعة مسلحة» حاصرت المدينة الرياضية – معسكر «الدعم السريع» – في وقت مبكر من الصباح، ثم أطلقت الرصاص عليها واشتعلت الحرب. وتابع: «المجموعة التي أطلقت الرصاص هي صاحبة مصلحة في إفشال (الاتفاق الإطاري)؛ لأنها تريد العودة للسلطة مجدداً»، واستطرد: «لقد شنّت المجموعة التابعة للحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، تهديدات عديدة بإجهاض الانتقال المدني، وفي سبيل ذلك أطلقت الرصاصة الأولى وأشعلت الحرب».

ولماذا لم يستطيعوا السيطرة على الأوضاع بعدها؟ قال، «إن الحرب بعد اندلاعها فرضت حقائق جديدة ومنطقاً خاصاً بها... قصف الطيران مناطق عديدة ومات آلاف الناس، وحشد كل طرف قواته، وبالتالي، فإن ديناميكية الحرب الداخلية كانت الأقوى؛ ما صعّب السيطرة عليها... وكلما تواصلت تتعقد طرق السيطرة عليها».

ذهب الطرفان إلى جدّة بعد شهر من اندلاع الحرب أي في مايو (أيار) 2023، لكن تطورات الحرب الداخلية حالت دون الوصول لاتفاق، وقال فيصل: «كان للإسلاميين دور كبير في إفشال اتفاق جدة، فقد ظلوا يتوعدون بمواصلة القتال حتى النصر الحاسم، وهو أمر موثق في تسجيلاتهم»، وتابع: «خدعوا الناس وأنفسهم بأن (الدعم السريع) تم تحطيمه بالكامل في الساعات الأولى للحرب، ولم تبقَ منه إلا صفحته على (فيسبوك)، كانوا على ثقة أنهم سيحسمون الحرب خلال ساعات بالطيران، وبعد تشتيته يعودون إلى السلطة مجدداً».

صورة أرشيفية تُظهر دخاناً يتصاعد فوق مدينة الخرطوم مع اشتباك الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (رويترز)

ضجت الميديا ووسائل التواصل الموالية للإسلاميين باتهامات وُجّهت إلى بابكر تستند إلى فيديو كليب «مجتزأ»، بأنه هدد بالحرب إذا فشل «الاتفاق الإطاري»، لكنه قال، إنه تحدث عن حالة الاحتقان الشديدة، وأن البلاد على شفا هاوية الحرب. وأضاف: «قلت إذا اندلعت الحرب ستقضي على الأخضر واليابس... ومن الأفضل حل المشكلة باللسان بدلاً عن السنان بتوقيع الاتفاق النهائي، ومعالجة قضية الإصلاح الأمني والعسكري عبر الحوار».

وقطع: «ما قلته إننا ما لم نذهب إلى الحل السياسي، سيكون البديل هو الحرب، ولم أكن أهدد، بل كنت أقرأ الواقع وأحلله وأتنبأ بما سيحدث».

ودأب مؤيدو استمرار الحرب، على وصم «تقدم» وقادتها بأنهم «ذراع مدنية لـ(قوات الدعم السريع)»، وهو الأمر الذي نفاه فيصل بقوله: «شخصياً، لا توجد اتصالات بيني و(الدعم السريع) حالياً، لكن التواصل مع طرفي الحرب يتم عبر لجنة الاتصال»، واستطرد: «لا أعلم تواريخ آخر اتصالات، لكني أعتقد أنهم يتواصلون، فقبل أكثر من شهر ذكر رئيس (تقدم) أنه تواصل مع الفريق البرهان».

وقّعت «تقدم» مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، ما عرف بـ«إعلان أديس أبابا» مع قيادة «الدعم السريع»، وهو الاتفاق الذي أثار ضجة كبيرة، وقال عنه فيصل: «أعددنا خريطة طريق وإعلان مبادئ، وطرحناهما على الطرفين، وافق (الدعم السريع) في غضون 48 ساعة، ولم يستجب الجيش حتى الآن، مرة سمعنا أنهم سيلتقون معنا في بورتسودان، ومرات يصفوننا بأننا عملاء سفارات، لكن لم يصلنا منهم أي رد بعد».

أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (تويتر)

ونص «إعلان أديس أبابا» على وقف الانتهاكات وإيصال المساعدات الإنسانية، وعلى بعض ملامح العملية السياسية، ويقول عنه فيصل: «للأسف، لم يتم الإيفاء بالجانب المتعلق بالانتهاكات، لكنا انتزعنا من (الدعم السريع) تعهدات رئيسية، مثل تكوين الجيش المهني الواحد، وخروج العسكريين من العملية السياسية والاقتصادية، وعلى مدنية الدولة».

وما إن كان الاتفاق عقد علاقة «تقدم» بقيادة الجيش، قال بابكر: «نحن تحالف مدني يسعى لوقف الحرب، ولن نقف مكتوفي الأيدي استجابة للابتزاز، وكنا سنفعل الشيء نفسه مع الجيش، لكنه رفض».

ونفى بابكر أن يكون «إعلان أديس أبابا»، تحالفاً مع «الدعم السريع»، وأكد أن مواقف تحالفه تقوم على «عدم الانحياز لأي من الطرفين، بل الانحياز لقضايا الشعب»، واستطرد: «أما إذا اختار الجيش التماهي مع قوى أخرى ورفضنا فهذا موضوع آخر»، وتعهد: «لن نتوقف ونواصل السعي والتواصل مع الجيش و(الدعم السريع)، ومن يستجِب منهم نجلس معه؛ لأن هدفنا إيقاف الحرب».

 

إعدام وتصفيات

 

ورد اسم بابكر ضمن قائمة سياسيين اتهمتهم النيابة بجرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام، فكان الرد بأنهم لا يعترفون بشرعية الحكومة التي انقلبت على الحكومة المدنية في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، ونتج من عدم شرعيتها أن الاتحاد الأفريقي جمّد عضوية السودان، وتابع: «الحركة الإسلامية تريد إرسال رسائل أنها مسيطرة وأنها قابضة على زمام الأمر والقرار في كل مناطق سيطرة الجيش، وقرارات حكام هذه الولايات بحل تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير ولجان الخدمات والتغيير ولجان المقاومة، صادرة عنهم».

عناصر كتيبة قوات المهام الخاصة التابعة للجيش السوداني في الولاية الشمالية (أ.ف.ب)

وكشف بابكر عن انتهاكات عديدة تواجه الأحزاب السياسية بقوله: «كوادر الأحزاب تواجه التصفية والاعتقال وتكميم الأفواه في مناطق سيطرة الجيش، وبالأمس اعتُقل أشخاص عدة كانوا في طريقهم للمشاركة في أعمال المؤتمر»، وتابع: «قبل أسابيع تمت تصفية أحد قادة حزب المؤتمر السوداني في الجزيرة، وأعضاء من حزبنا اعتقلتهم الاستخبارات العسكرية ولا نعرف أين هم»، وأضاف: «هذه مجرد محاولة تخويف بلا أساس جنائي، هذه اتهامات سياسية لن تجد من يستمع لها».

 

رؤية سياسية جديدة

 

أجاز مؤتمر «تنسيقية القوى الديموقراطية المدنية» (تقدم) الذي انعقد في أديس أبابا 26 – 30 مارس (آذار) الماضي رؤية سياسية جديدة، قال عنها بابكر: «أهم ملامحها إنها تناولت الأطراف المشاركة والقضايا الأساسية عن وحدة السودان وترابه وشعبه، إضافة إلى مطالب ثورة ديسمبر (كانون الأول)»، وتابع: «أهم ما جاء في الرؤية السياسية أنها أقرت مائدة مستديرة وحددت أطرافها بدقة شديدة؛ حرصاً على عدم إغراق المائدة بكيانات مصنوعة، وألا يشارك فيها المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية».

ووفقاً لبابكر، ترى «تقدم» أن يسير التفاوض بين طرفي الحرب ووقف العدائيات والعملية السياسية بالتزامن مع بعضها؛ حتى لا يحدث فراغ، وتابع: «هناك حديث بأن الاتحاد الأفريقي و(إيغاد) سيتبنيان العملية السياسية، ووفقاً لمعلوماتنا فإن الاتحاد الأفريقي سيدعو إلى جلسات أولية قريبة، لكن المهم بالنسبة لنا أن تسير العمليتان بالتزامن، إذا تم التوصل لوقف عدائيات تكون العملية السياسية قد وصلت للنتائج المطلوبة في الوقت ذاته».

 

من تخريج مقاتلين موالين للبرهان في القضارف (أ.ف.ب)

خروج الجيش من السياسة

 

قطع بابكربأن القوى المدنية ظلت تطالب منذ انقلاب أكتوبر الماضي، بخروج الجيش من العملية السياسية بالكامل، وترفض أي شراكة معه مرة أخرى، وأن تكون الحكومة مدنية بالكامل، وتابع: «الحرب جعلت خروج الجيش من السياسة أكثر إلحاحاً؛ لإتاحة الفرصة له للتركيز في بناء الجيش القومي الموحد، وهي عملية معقدة وتتعقد أكثر باستمرار الحرب... على الجيش الانصراف لمهامه في حماية الدستور والحدود، مثل الجيوش في البلدان الأخرى».

ويرى بابكر، «أن مشاركة الجيش في العملية السياسية ستقتصر في المرحلة المقبلة على تحديد مستقبل الجيش القومي المهني، مع ترك موضوع قيادته الحالية ودورها للشعب لينظر ويتخذ بشأنهما ما يشاء من قرارات». ويقول: «إذا رأى أن ثمن وقف هذه الحرب والحيلولة دون انزلاق البلاد نحو التقسيم والتفكيك والفوضى، هو إيجاد مخرج للبعض، فهذا سيقرر بشأنه الشعب».

ارتفعت الأصوات المطالبة بوقف الحرب كهدف في حد ذاته، وبموازاته يقول فيصل، «لذلك؛ نطالب بتزامن وقف العدائيات مع العملية السياسية من أجل التفرغ لقضايا الإعمار». ويتابع: «ستكون قضايا الإعمار معقدة ومركبة؛ لذلك هي الهم القادم».

مقاتلون موالون للبرهان في القضارف (أ.ف.ب)

وباطراد، يُطرح سؤال عن تمويل أنشطة «تقدم»، ويجيب بابكر بقوله، إنه «سؤال ابتزازي من طرف، وموضوعي من أطراف أخرى، ومن حق الجميع الحصول على رد: التمويل يتم من عضوية الأحزاب والداعمين السودانيين ورجال الأعمال، إلى جانب مساعدات لوجيستية تقدمها منظمات غربية وأفريقية متخصصة في عقد هذا النوع من المساعدات، بكل شفافية ودون إملاءات لأي أجندة خارجية... نحن نقوم بهذا الأمر من دون خجل؛ لأننا واثقون من نزاهتنا، ولن نترك التمويل يؤثر على أجندتنا السياسية الوطنية».

أمّا الرد على «الطرف المبتز»، فهو: «من الذي موّل اجتماع ما تسمى الكتلة الديموقراطية في القاهرة الأسبوع الماضي، والذي بلغت ميزانيته مليون دولار حسب أحد قادة التحالف؟ لماذا لم يسألهم أحد من أين جاء هذا المبلغ».


مقالات ذات صلة

السودانيون يخشون تهميش أزمتهم بعد اشتعال حرب إيران

تحليل إخباري الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

السودانيون يخشون تهميش أزمتهم بعد اشتعال حرب إيران

بينما تتجه أنظار العالم إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية، يتراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بحروب ضروس أخرى منها تلك الدائرة في السودان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانيون يصلّون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

تصعيد بالمسيرات في دارفور وكردفان يوقع عشرات القتلى

شهدت مناطق في إقليمي دارفور وكردفان تصعيداً عسكرياً لافتاً خلال الأيام الماضية مع تزايد هجمات الطائرات المسيّرة ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)

السودان: مخاوف من اضطراب إمدادات الوقود مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

أثارت تصريحات متباينة بين مسؤولين سودانيين مخاوف بشأن استقرار إمدادات الوقود في البلاد، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)

الحرب في السودان تخلّف جروحاً نفسية عميقة... وأزمة صامتة تهدد المجتمع

مع استمرار الحرب في السودان وتفاقم تداعياتها، لم تعد مأساة السودانيين تقتصر على سقوط قتلى أو جرحى أو جوعى ونازحين، ولاجئين، بل امتدت إلى الصحة النفسية للسكان.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان خلال مشاركته منسوبي الشرطة في ضاحية الحاج يوسف بالخرطوم إفطارهم الرمضاني يوم الأربعاء (مجلس السيادة السوداني) p-circle 02:09

البرهان يتوعد بحسم جماعة إسلامية دعت للقتال مع إيران

توعد رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بحسم جماعة «إخواني»، كانت قد دعت باسم من أسمتهم «المجاهدين» للقتال مع إيران.

أحمد يونس (كمبالا)

«الدولة» الليبي يدعو الجهات الرقابية إلى «ضبط المتورطين» في مخالفات مالية

صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لاجتماعه في طرابلس
صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لاجتماعه في طرابلس
TT

«الدولة» الليبي يدعو الجهات الرقابية إلى «ضبط المتورطين» في مخالفات مالية

صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لاجتماعه في طرابلس
صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لاجتماعه في طرابلس

أعلن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، برئاسة محمد تكالة، عزمه القيام بدوره الوطني والرقابي بكل مسؤولية، والعمل مع مختلف المؤسسات من أجل حماية مقدرات الشعب الليبي، ووضع حد لكل أشكال العبث بالمال العام، مشيراً إلى أنه يتابع بقلق بالغ ما تمر به البلاد من تحديات اقتصادية ومعيشية.

وشدّد المجلس خلال ختام جلسة تشاورية، مساء الاثنين، على ضرورة تكليف لجان مختصة لمتابعة الإجراءات والسياسات، المتخذة من قبل المصرف المركزي، بما يضمن الشفافية والانضباط المالي، ويحول دون أي ممارسات قد تسهم في زيادة معدلات التضخم، أو تعمق من أزمة سعر الصرف، موضحاً أنه كلف لجنة للتواصل مع المؤسسة الوطنية للنفط ومتابعة أعمالها، انطلاقاً من مكانتها بوصفها من أهم الركائز الاقتصادية للدولة، ومصدراً رئيساً للدخل العام، وذلك في إطار الحرص على ضمان حسن إدارة الموارد الوطنية وصيانتها، وتعزيز الشفافية في أدائها المؤسسي.

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (إ.ب.أ)

ولم يستبعد المجلس في ضوء ما تسفر عنه أعمال المتابعة والتقييم، إعادة النظر في كفاءة رئاستها، بما يحقق المصلحة الوطنية، ويصون هذه المؤسسة الحيوية من أي إخفاقات قد تمس بدورها الاستراتيجي.

كما اتفق المجلس على تشكيل لجنة مختصة لمتابعة أوضاع الشركة العامة للكهرباء، والوقوف على ما يثار حول التجاوزات الإدارية والمالية داخل المؤسسة، وعلى رأسها ما يتعلق بإدارة الموارد والإنفاق، ولا سيما في ملف الوقود والمحروقات، بما قد يشكله ذلك من هدر للمال العام، وإضرار بالمصلحة الوطنية.

وأكد المجلس ضرورة مخاطبة الجهات الرقابية والقضائية المختصة لمتابعة أعمال المؤسسات المعنية، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال أي مخالفات مالية أو إدارية، بما يضمن محاسبة المسؤولين عنها، ويعزز مبدأ سيادة القانون وحماية المال العام.

يأتي ذلك فيما اصطدمت محاولة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، لتسويق خطاب «وحدة الصف والمصالحة الوطنية» خلال لقاءات مجتمعية في طرابلس، بانتقادات حقوقية ومحلية عنيفة، أعقبت ظهوره مع شخصيات مسلحة مثيرة للجدل، تزامناً مع الإعلان عن تفاصيل جديدة في الاكتشاف المروع لمقبرة جماعية في منطقة أبو سليم في العاصمة طرابلس.

وأكد الدبيبة أهمية وحدة الصف الوطني، وتعزيز المصالحة بين مختلف المكونات، وشدد خلال لقائه مساء الاثنين في طرابلس على مائدة إفطار مع بعض أعيان وحكماء وعمداء بلديات ورشفانة، على دور هذا التواصل المباشر في ترسيخ الاستقرار، وتوحيد الكلمة لصالح التنمية والمصالحة الوطنية.

عماد الطرابلسي (أ.ف.ب)

بدوره، أدرج وزير الداخلية المكلف، عماد الطرابلسي، اللقاء في إطار تعزيز التواصل المباشر مع القيادات المجتمعية، مشيرا إلى أن ما وصفه بالأجواء الأخوية التي سادته عكست روح التقارب، ولم الشمل بين مختلف المكونات الاجتماعية، ولافتاً إلى تبادل الأحاديث الودية التي تؤكد أهمية تعزيز التلاحم الوطني، ودعم الاستقرار وترسيخ قيم التعاون بين أبناء الوطن.

لكن المؤسسة الليبية لحقوق الإنسان أدانت استقبال الدبيبة لآمر ما يسمى بـ«كتيبة 55 مشاة»، معمر الضاوي، الذي لم يذكره الدبيبة في بيانه، لكنه ظهر في صور وزعتها الحكومة للقاء، وعدّته «إخلالاً فاضحاً بالتزامات الحكومة تجاه حقوق الإنسان». واتهمت المؤسسة في بيان الضاوي بـ«المسؤولية عن سلسلة من الانتهاكات الجسيمة الموثقة خلال عامي 2024 و2025».

الدبيبة خلال استقباله معمر الضاوي آمر «كتيبة 55 مشاة» (حكومة الوحدة)

ويعد معمر الضاوي أحد أبرز القادة الميدانيين المثيرين للجدل في المشهد الأمني بالغرب الليبي، حيث يتولى قيادة «الكتيبة 55 مشاة»، المتمركزة بشكل أساسي في ورشفانة. ورغم تبعية كتيبته رسمياً للحكومة، فإن الضاوي يواجه اتهامات «التورط في شبكات تهريب المهاجرين»، ما يضع أي تقارب رسمي معه تحت مجهر الانتقاد المحلي.

انتشال جثامين من مقبرة في طرابلس (جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق)

في شأن آخر، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» انتشال جثامين لأشخاص داخل «مقبرة جماعية» بمنطقة أبو سليم، وقالت إن التعامل معها تم وفق الإجراءات الفنية والقانونية المعتمدة في مثل هذه الحالات.

وأوضحت أنها تستكمل أعمال الكشف والتمشيط بالمكان، إلى جانب استكمال الإجراءات الفنية والقانونية اللازمة، في إطار التحقيقات الجارية لمعرفة ملابسات الواقعة، وتحديد هوية الجثامين، وذلك بإشراف ومتابعة مكتب النائب العام.

وتحفظ جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق التابع لحكومة «الوحدة» على الإعلان عن أسماء الضحايا المفترضين إلى حين صدور النتائج الرسمية للتحاليل، داعياً من يملك معلومات حول هذه الجرائم إلى ضرورة الإفصاح عنها لإنصاف الضحايا، مع تعهد السلطات بالتعامل مع المبلغين وفق الأطر القانونية، وضمان كشف الحقائق كاملة للرأي العام.


ليبيا: أنصار سيف القذافي يرهنون انخراطهم في المصالحة بالكشف عن قتلته

فريق سيف القذافي للمصالحة الوطنية يوقِّع في أديس أبابا على الميثاق يوم 16 فبراير 2025 (فريق المصالحة)
فريق سيف القذافي للمصالحة الوطنية يوقِّع في أديس أبابا على الميثاق يوم 16 فبراير 2025 (فريق المصالحة)
TT

ليبيا: أنصار سيف القذافي يرهنون انخراطهم في المصالحة بالكشف عن قتلته

فريق سيف القذافي للمصالحة الوطنية يوقِّع في أديس أبابا على الميثاق يوم 16 فبراير 2025 (فريق المصالحة)
فريق سيف القذافي للمصالحة الوطنية يوقِّع في أديس أبابا على الميثاق يوم 16 فبراير 2025 (فريق المصالحة)

رهن أنصار سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، استمرارهم في مسار «المصالحة الوطنية» الذي يجريه المجلس الرئاسي الليبي بالكشف عن قتلته، ومَن يقف وراءهم. وقالوا إن زمن المصالحة «انتهى ما لم يتم تقديم الجناة إلى المحاكمة».

وتلا الإعلامي الليبي حمزة التهامي، الموالي للنظام السابق، بياناً منسوباً لمؤيدي سيف الإسلام وأنصار معمر القذافي، مساء الاثنين، خاطب فيه الليبيين كافة، قائلاً: «بعد الغدر بسيف الإسلام نُسفت المصالحة، وأصبح تجميدها أمراً إلزامياً على كل شريف وحر، وكان يجب إعلان تجميدها يوم تشييع سيف وعند قبره».

سيف الإسلام القذافي (أ.ب)

وفي الخامس من مارس (آذار) الحالي، أعلن مكتب النائب العام الصديق الصور تحديد هوية 3 متهمين بالضلوع في جريمة اغتيال سيف، وأمر بضبطهم وإحضارهم، بعدما تمكَّن المحققون من التعرُّف على هوياتهم، وتحديد المركبات الآلية التي استعملوها في انتقالهم، والطريق الذي سلكوه.

واستهل التهامي تلاوة البيان بالآية القرآنية الكريمة: «ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنت مؤمنين». وأضاف بيان عن مؤيدي سيف الإسلام وأنصار معمر القذافي، أنه «لم تعد هناك مصالحة بعد اليوم حتى يتم الكشف عن المجرمين وتقديمهم للعدالة؛ ونعرف مَن هو الطرف الذي يقف وراءهم، والذي يعدُّر عدونا الأول».

وذهب التهامي منبهاً: «مَن يمثلون سيف الإسلام في المصالحة؛ هذا التمثيل سقط بنهاية صاحبه غدراً. ومن يريد الاستمرار في هذا المسار لا يمثل إلا نفسه، ولا علاقة بأسرة القائد القذافي، صاحبة وولية الدم الشرعي بذلك».

جانب من اجتماع تحضيري للمصالحة الوطنية عُقد في زوارة الليبية خلال يناير 2024 بمشاركة أممية وأفريقية (المجلس الرئاسي)

وتفاعل كثير من أنصار سيف الإسلام على وسائل الإعلام الليبية مع البيان الذي تلاه التهامي، مطالبين السلطات القضائية بـ«الكشف السريع عن الجناة، والجهة التي ساندتهم ودعمتهم ووقفت خلفهم».

وخلال العامين الماضيين، احتضنت مدن ليبية كثيرة اجتماعات اللجنة التحضيرية لمؤتمر المصالحة، التي رعاها المجلس الرئاسي ودعمها الاتحاد الأفريقي، وظلت المساعي تُبذَل على أمل عقد «مؤتمر وطني جامع للمصالحة» في مدينة سرت، لكنها تعثرت بعد تفاقم الخلافات.

وظلَّ الفريق الممثل لسيف القذافي يتعاطى مع اجتماعات «المصالحة الوطنية» داخلياً وخارجياً، حتى المشاركة في مراسم اعتماد «الميثاق الوطني للمصالحة»، الذي نظمها المجلس الرئاسي في يناير (كانون الثاني) الماضي.

علماً بأن الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس المجلس الأعلى لقبائل ومدن منطقة فزان الليبية، هو رئيس الفريق الممثل لسيف الإسلام في «المصالحة الوطنية».

ونوه التهامي في بيانه، الذي لاقى تأييداً فورياً من أنصار سيف القذافي، إلى أن «مَن يريد الاستمرار في المصالحة وهو يعرف أن أحد الأطراف التي يجلس معها متورط في دم سيف، فقد خان كل شهيد سقط في ليبيا منذ عام 2011». وتابع قائلاً إن أي إنسان يشارك في المصالحة، مهما كانت علاقته وقرابته بسيف، «فهذا يعدّ انتهازياً ووصولياً لا يمثل إلا نفسه... المصالحة انتهت بانتهاء صاحبها؛ لا يمكن أن تكون هناك مصالحة في ليبيا إلا بعد معرفة الجناة، وتقديمهم للمحاكمة والأخذ بثأر الشهيد سيف».

وظلَّ سيف الإسلام مقيماً في الزنتان، الواقعة على بعد 160 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس، تحت حراسة مشددة، ولم يظهر للعيان طوال 10 أعوام إلى حين تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات، التي كانت مقررة عام 2021. ويقول مقرَّبون منه إنه كان يتنقل بين الزنتان وبعض مدن الجنوب الليبي.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مستقبلاً أبو سبيحة قبيل مراسم اعتماد الميثاق الوطني للمصالحة في 7 يناير الماضي (المجلس الرئاسي)

وسبق لـ«كتيبة أبو بكر الصديق»، وهي إحدى المجموعات المسلحة التي تسيطر على مدينة الزنتان، إطلاق سراح سيف في يونيو (حزيران) عام 2017، طبقاً لقانون العفو العام الصادر عن البرلمان، لكنها أبقته تحت حراستها نحو 10 أعوام، قبل أن يظهر خلال تقديم أوراق ترشحه للانتخابات عام 2021.

ودعت «رابطة شباب قبيلة القذاذفة»، الاثنين، وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» المؤقتة إلى «دعم النائب العام بشكل سريع وشفاف لضمان القبض على المجرمين، وتقديم الأدلة اللازمة لمحاكمتهم»، محذرة من أن «أي تقصير أو تعقيد يهدف إلى طمس الحقيقة سيُقابل بالمساءلة الشديدة، ليس فقط قانونياً، بل أيضاً أخلاقياً ووطنياً».

وانتهى شباب القذاذفة متعهدين بأنهم «لن ولم يتهاونوا في متابعة القضية (...) وسنكون الصوت الذي لا يهدأ، والعين التي لا تغفل، واليد التي لا تكل، في متابعة مسار العدالة».

وعقب اغتيال سيف الإسلام، انفتح المشهد العام في ليبيا على تبادل اتهامات بـ«الخيانة» و«التفريط»، بين محسوبين على قبيلته القذاذفة، وآخرين من مدينة الزنتان بشأن ملابسات مقتله.


«بحرية الجيش الوطني» الليبي تنقذ 70 مهاجراً قبالة ساحل طبرق

الهلال الأحمر الليبي فرع درنة ينتشل جثة من البحر (الهلال الأحمر)
الهلال الأحمر الليبي فرع درنة ينتشل جثة من البحر (الهلال الأحمر)
TT

«بحرية الجيش الوطني» الليبي تنقذ 70 مهاجراً قبالة ساحل طبرق

الهلال الأحمر الليبي فرع درنة ينتشل جثة من البحر (الهلال الأحمر)
الهلال الأحمر الليبي فرع درنة ينتشل جثة من البحر (الهلال الأحمر)

أنقذت قوات حرس السواحل، التابعة لرئاسة أركان القوات البرية بـ«الجيش الوطني» الليبي، مركبين كانا يحملان 70 مهاجراً غير نظامي قبالة سواحل طبرق بشرق البلاد.

وقالت رئاسة الأركان، مساء الاثنين، إن المهاجرين الذين ينتمون إلى جنسيات أفريقية وعربية عديدة، تمت إعادتهم من البحر وتسليمهم إلى «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة«؛ وذلك في إطار عملها على تأمين السواحل الليبية ومكافحة أنواع التهريب كافة.

عدد من المهاجرين بعد انتشالهم من البحر 9 مارس الجاري (حرس السواحل التابع للقيادة العامة بشرق ليبيا)

وأوضحت «مؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين والخدمات الإنسانية» أن حرس السواحل أنزل المهاجرين داخل نقطة بالقاعدة البحرية بطبرق، لافتةً إلى تقديم مساعدات عاجلة لهم من قبل الهلال الأحمر (فرع طبرق) فور وصولهم، قبل نقلهم إلى مركز إيواء «باب الزيتون» للهجرة بطبرق.

ومن حين لآخر، تتمكن سلطات شرق ليبيا من القبض على تشكيلات عصابية بتهمة «الاتجار بالبشر»، وإنقاذ مهاجرين من الغرق في عرض البحر المتوسط، كما تعلن الأجهزة الأمنية في ليبيا، بشكل شبه يومي، عن ضبط «أفواج» من المهاجرين بعد تسللهم عبر الحدود المترامية.

وكان قارب يقل مهاجرين غير نظاميين قد غرق مطلع الشهر الجاري قبالة ساحل شرق ليبيا؛ حيث تم إنقاذ عدد منهم، فيما لا يزال آخرون في عداد المفقودين، في حين بدأت الأمواج تقذف ببعض الجثث إلى الشاطئ.

في سياق متصل، قال «الهلال الأحمر الليبي» (فرع درنة) إن فريقه انتشل جثة يُرجح أنها لأحد المهاجرين، وتم نقلها إلى جهات الاختصاص لاستكمال الإجراءات القانونية والإنسانية المتبعة. وأوضح الهلال الأحمر، الثلاثاء، أن فرق شعبة «أم الرزم»، التابعة لفرع درنة، تواصل عملها الميداني استجابة للبلاغات الواردة بشأن ضحايا حادثة انقلاب قارب الهجرة، التي وقعت مؤخراً، لافتاً إلى تلقيه بلاغاً بوجود جثة في منطقة «رأس التين»، حيث تحركت الفرق فوراً وباشرت عملية الانتشال.

مهاجرون بعد انتشالهم من البحر خلال محاولتهم التسلل إلى أوروبا (حرس السواحل التابع للقيادة العامة بشرق ليبيا)

وخلال الأسبوعين الماضيين، زادت عمليات انتشال الجثث، التي تقذف بها الأمواج على شواطئ ليبيا، وذلك على خلفية زيادة نشاط عصابات الاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين عبر البحر بقصد الوصول إلى «الفردوس الأوروبي».

وفي 21 فبراير (شباط) الماضي، تمكنت جمعية الهلال الأحمر (فرع الخمس) من انتشال سبعة جثامين تعود لمهاجرين غرقوا خلال محاولات هجرة غير قانونية. وقال مسؤول في الشرطة الليبية إن هذه الجثث جرفتها الأمواج إلى شاطئ مدينة «قصر الأخيار» الساحلية الواقعة شرق العاصمة طرابلس.

الهلال الأحمر الليبي فرع درنة ينتشل جثة من البحر (الهلال الأحمر)

وتحدثت «المنظمة الدولية للهجرة»، في 27 فبراير (شباط) الماضي، عن استمرار الكوارث التي يواجهها الأشخاص أثناء تنقلهم عبر البحر المتوسط، مشيرةً إلى أن نحو 7667 مهاجراً لقوا حتفهم، أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم خلال العام الماضي، داعية إلى تكثيف الجهود الرامية لتفكيك شبكات تهريب المهاجرين، التي تستغل أوضاعهم، وتعرّض حياتهم لمخاطر جسيمة.