تونس: «استبعاد السياسيين» وتعيين «التكنوقراط» على رأس مؤسسات الأمن السياسي والاجتماعي

ترفيع الشراكة الأمنية والعسكرية مع واشنطن وأوروبا

وزير الداخلية الجديد القاضي خالد النوري يؤدي القسم أمام الرئيس سعيّد (موقع رئاسة الجمهورية)
وزير الداخلية الجديد القاضي خالد النوري يؤدي القسم أمام الرئيس سعيّد (موقع رئاسة الجمهورية)
TT

تونس: «استبعاد السياسيين» وتعيين «التكنوقراط» على رأس مؤسسات الأمن السياسي والاجتماعي

وزير الداخلية الجديد القاضي خالد النوري يؤدي القسم أمام الرئيس سعيّد (موقع رئاسة الجمهورية)
وزير الداخلية الجديد القاضي خالد النوري يؤدي القسم أمام الرئيس سعيّد (موقع رئاسة الجمهورية)

أدخل الرئيس التونسي، قيس سعيد، تعديلاً سياسياً على تركيبة الحكومة، شمل بالخصوص وزارات الداخلية والشؤون الاجتماعية وتكنولوجيا الاتصالات؛ أي الوزارات المكلفة ملفات الأمن السياسي والإرهاب والهجرة غير النظامية، والعلاقات مع نقابات العمال ورجال الأعمال والأمن الاجتماعي.

وأسفر هذا التعديل عن إقالة وزير الداخلية والناشط السياسي السابق كمال الفقي، وتعيين القاضي خالد النوري المحافظ السابق لولاية أريانة شرق العاصمة، وزيراً جديداً.

في الوقت نفسه، أحدث التعديل منصب «كاتب دولة للأمن الوطني» معتمد لدى وزير الداخلية، (وكيل وزارة)، أسند إلى القاضي سفيان بن الصادق، الذي سبق له أن تولى مسؤوليات قضائية؛ بينها رئاسة «الدائرة الجناحية السادسة»، كما تولى مسؤوليات أمنية وإدارية وقانونية في وزارة تكنولوجيا الاتصالات.

وزير الداخلية التونسي المُقال كمال الفقي (أ.ف.ب)

ووفق مصادر مطلعة، فإن تغيير وزير الداخلية وإعادة مؤسسة «كتابة الدولة للأمن الوطني» تقررا في سياق إصلاحات جاءت بعد «أخطاء» سجلت في تسيير القطاع الأمني وبعض مؤسسات الدولة والإدارة.

ومن المقرر الإعلان رسمياً عن تعديلات على رأس عدد من المحافظات وإدارات الأمن المركزية والجهوية والمؤسسات المكلفة ملفات الهجرة غير النظامية والإرهاب والشرطة.

في سياق متصل، أسفر التعديل الحكومي الجزئي عن إبعاد وزير الشؤون الاجتماعية؛ السياسي الذي لعب أدواراً سياسية وأمنية من الدرجة الأولى خلال الأعوام الثلاثة الماضية، مالك الزاهي.

والوزير الزاهي، هو نجل قيادي سابق في «مركزية» أكبر نقابة تونسية (الاتحاد العام التونسي للشغل)، وكان يعدّ من بين أكثر المتدخلين في ملفات الأمن السياسي والاجتماعي والهجرة والعلاقات مع نقابات العمال ورجال الأعمال، التي شهدت في المدة الماضية «تصعيداً غير مسبوق»، تطور إلى إحالة نقابيين إلى التحقيق الأمني والمحاكم بسبب شبهات خطرة بعضها له علاقة بـ«قطب الإرهاب» و«قطب مكافحة الفساد».

الرئيس سعيّد مستقبلاً وزير الداخلية الجديد (موقع رئاسة الجمهورية)

وقد عين على رأس وزارة الشؤون الاجتماعية الخبير في الأمن الاجتماعي كمال المدوري. والوزير الجديد «تكنوقراط» حمل خلال الأعوام الماضية مسؤوليات كثيرة على رأس مؤسسات «الأمن الاجتماعي» خلال توليه منصب المدير العام في الوزارة، ورئاسة «الصندوق الوطني للتأمين على المرض»، و«صندوق التقاعد»، اللذين يشرفان على ملايين الموظفين والمتقاعدين.

وجاءت خطوة «استبعاد السياسيين» وتعيين «التكنوقراط» على رأس مؤسسات الأمن السياسي والاجتماعي، بعد أسابيع من إقالة وزير التربية والتعليم محمد علي البوغديري، الذي سبق له أن تصدر المشهدين السياسي والنقابي من خلال تحمله مسؤولية الأمين العام المساعد لاتحاد نقابات العمال، والمشاركة في الحراك السياسي الوطني مع حزب «حركة الشعب القومي العروبي».

وجاءت التغييرات على رأس قطاعي الأمن السياسي والاجتماعي بعد أيام قليلة من زيارات عدد من موفدي الحكومات الغربية إلى تونس؛ بينهم مسؤولون أمنيون وعسكريون من أميركا وأوروبا مثل وزير العدل والشرطة المستشار الفيديرالي السويسري بيت جانز.

وقد التقى هؤلاء المسؤولون نظراءهم في وزارتي الداخلية والدفاع لمتابعة «التنسيق» في مجال الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، وبرامج التدريب المشتركة.

وزير الدفاع التونسي عماد مميش (الشرق الاوسط)

كما أعلنت وزارة الخارجية التونسية أن وزير الخارجية، نبيل عمار، التقى وزير العدل والشرطة السويسري وعدداً من السفراء الأجانب المعتمدين لدى تونس، بينهم السفير الأميركي، وبحث معهم ملفات أمنية وقضائية وسياسية؛ بينها تحركات السلطات التونسية منذ أكثر من 13 عاماً للمطالبة باسترجاع الأموال والأصول المصادرة في سويسرا وبلدان غربية عدة، التي كان يملكها مقربون من الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.

طائرات نقل

في سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع التونسية، في بلاغ رسمي، عن تنظيم الدورة الـ36 للجنة العسكرية المشتركة التونسيّة - الأميركيّة في تونس يومي 23 و24 من الشهر الحالي بحضور أعضاء المجلس الأعلى للجيوش في تونس ونائبة السفير الأميركي لدى تونس وقيادات عسكريّة رفيعة المستوى من الجانبين.

كما حضر الأشغال وزير الدفاع التونسي عماد مميش ومساعدة وزير الدفاع الأميركي المكلّفة الشّؤون الأمنية سيليست وولدنر.

وتوج الاجتماع بتوقيع محضر اتفاق حول «الشراكة بين تونس والولايات المتحدة العام القادم» في مجالات التعاون الأمني والعسكري وبرامج التدريب وتبادل المعلومات وتطوير التجهيزات.

من الاجتماعات التونسية - الأميركية (موقع رئاسة الجمهورية)

في السياق نفسه، أعلنت السفارة الأميركية أن وفداً عسكرياً أمنياً يقوده اللواء غريغوري بورتر من «الحرس الوطني» في وايومينغ، ونائب عميد جامعة وايومينغ المكلفة البرامج الدولية، إيزادورا هلفغوت، زار تونس قبل أيام «للاحتفال بالذكرى العشرين لبرنامج الشراكة العسكرية والأمنية والعلمية».

وأورد البلاغ أن الوفد الأميركي بحث في تونس «مجالات التعاون القائمة والمستجدة في مجالات الأمن، والتعليم العالي، والفلاحة، والسياحة».

كما أعلن بلاغ السفارة الأميركية لدى تونس عن مشاركة مسؤولين عسكريين وأمنيين تونسيين وأميركيين في حفل نظم في «القاعدة العسكرية التونسية الجوية»، في العوينة شمال مطار تونس - قرطاج الدولي، وقع خلاله تسليم تونس سادس طائرة نقل عسكرية من طراز «C-130» جرى اقتناؤها في إطار برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية.

طائرة النقل العسكرية من طراز «C-130»... (موقع رئاسة الجمهورية)

وستدخل هذه الطائرة العسكرية الخدمة ضمن أسطول تونس العسكري قريباً.

وأوضح أن تونس استخدمت هذا النوع من الطائرات، الذي تبلغ قيمته 588 مليون دينار تونسي (190 مليون دولار)، في مجموعة من المهام الإنسانية؛ بما في ذلك توصيل المساعدات إلى المناطق التي غمرتها الفيضانات في ليبيا، وتقديم الدعم الطبي لضحايا الزلزال في تركيا، ودعم عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومكافحة الحرائق في تونس.


مقالات ذات صلة

القضاء التونسي يفرج عن نائب انتقد رئيس الدولة بتدوينات ساخرة

شمال افريقيا الرئيس التونسي قيس سعيّد (أ.ف.ب)

القضاء التونسي يفرج عن نائب انتقد رئيس الدولة بتدوينات ساخرة

اعتمدت المحكمة في معاقبة السعيداني على مجلة «قانون الاتصالات» التي تجرم «الإساءة للغير» عبر أنظمة الاتصال، وتعاقب مرتكبيها بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وسنتين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا ألقت الرئاسة التونسية باللوم على شبكات المضاربة بسبب الارتفاع الكبير للأسعار الذي ازداد وطأة بمناسبة عيد الأضحى (أ.ف.ب)

الرئيس التونسي يلقي باللوم على شبكات المضاربة في ارتفاع الأسعار

ألقت الرئاسة التونسية باللوم على شبكات المضاربة بسبب الارتفاع الكبير للأسعار، الذي ازداد وطأة بمناسبة عيد الأضحى.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

بدأ المحامون في تونس، اليوم (الثلاثاء)، سلسلة احتجاجات وإضرابات بالمحاكم، للمطالبة بإصلاحات في القطاع والاحتجاج ضد قيود على ممارسة المهنة وعلى استقلالية القضاء.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، اليوم (الخميس)، سلسلة إضرابات عامة في المحاكم بولايات الجمهورية كافة، بدءاً من يوم الثلاثاء المقبل.

شمال افريقيا جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)

«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

ندد اتحاد الشغل التونسي «بالوضع الصعب الذي يعيشه العمّال والمتقاعدون على حدّ سواء، جرّاء الارتفاع الجنوني لتكلفة المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية».

«الشرق الأوسط» (تونس)

حفتر والدبيبة لاحتواء سيول الجنوب الليبي

آثار السيول في غات بجنوب ليبيا الجمعة (الهلال الأحمر الليبي)
آثار السيول في غات بجنوب ليبيا الجمعة (الهلال الأحمر الليبي)
TT

حفتر والدبيبة لاحتواء سيول الجنوب الليبي

آثار السيول في غات بجنوب ليبيا الجمعة (الهلال الأحمر الليبي)
آثار السيول في غات بجنوب ليبيا الجمعة (الهلال الأحمر الليبي)

دفعت السيول والأمطار الغزيرة، التي اجتاحت مناطق الجنوب الغربي الليبي منذ أيام، سلطات شرق وغرب البلاد إلى تكثيف جهودها الإغاثية لاحتواء تداعيات الأزمة، في وقت تتصاعد فيه انتقادات محلية لما يوصف ببطء الاستجابة، وضعف الإمكانات المتاحة لمواجهة الكوارث الطبيعية.

وشهدت مدن غات وتهالة والبركت، قرب الحدود الليبية - الجزائرية، حالة استنفار واسعة منذ يوم الأربعاء الماضي، بعدما غمرت المياه أحياء سكنية، وأجبرت عدداً من العائلات على مغادرة منازلها كإجراء احترازي، فيما أكدت السلطات الصحية عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن.

وفي شرق البلاد، أصدر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، المشير خليفة حفتر، السبت، تعليمات إلى نجله ونائب القائد العام للجيش، صدام حفتر، بمتابعة الأوضاع الميدانية وحصر الأضرار وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

وقال صدام حفتر، في بيان، إن القوات التابعة للقيادة العامة ولجنة الأزمة تواصل عملها الميداني للتعامل مع آثار التقلبات الجوية، مؤكداً تسخير الإمكانات المتاحة لدعم السكان المتضررين.

كما أعلنت وزارة الصحة التابعة للحكومة، المكلفة من البرلمان في شرق البلاد، رفع درجة الجاهزية في المناطق المنكوبة، وتسيير قوافل طبية وإمدادات دوائية، وتعزيز المرافق الصحية بالكوادر اللازمة لضمان استمرار الخدمات العلاجية.

طائرة محملة بالمساعدات للمتضريين من السيول لدى وصولها مطار أوباري في جنوب البلاد الجمعة (رئاسة أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا)

وفي غرب البلاد، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مساء الجمعة، حزمة إجراءات عاجلة شملت توفير الاحتياجات الأساسية للأسر المتضررة، ودعم العائلات النازحة، وإرسال معدات وآليات لسحب المياه من الأحياء السكنية المتضررة.

كما أوفدت السلطات الصحية التابعة لحكومة «الوحدة» فرقاً طبية وسيارات إسعاف، وإمدادات دوائية إلى مناطق الجنوب، بينما طلب الدبيبة تقارير عاجلة بشأن حجم الأضرار والاحتياجات المطلوبة لمتابعة التدخلات الحكومية.

لكن هذه التحركات لم تبدد مخاوف المسؤولين المحليين ومنظمات الإغاثة، حيث حذر الهلال الأحمر الليبي من أوضاع إنسانية صعبة في غات والبركت وتهالة، مشيراً إلى نزوح عدد من الأسر من المناطق الأكثر تعرضاً لخطر السيول.

وقال المتحدث باسم فرع الهلال الأحمر في غات، نصر أمغار سلامة، إن فرق الطوارئ بدأت عملها منذ الساعات الأولى للأزمة، موضحاً أن السيول وصلت إلى داخل المدينة، وأجبرت بعض العائلات على مغادرة أحياء سكنية حفاظاً على سلامتها.

وزادت المخاوف بعد تحذيرات بلدية غات من تدفق سيول قادمة من بلدية البركت باتجاه مناطق مأهولة بالسكان، مع احتمال ارتفاع منسوب المياه إذا استمر جريان الأودية خلال الأيام المقبلة.

وفي مؤشر على تنامي الاستياء المحلي، أعرب عميدا بلدية غات أحمد السوقي وبلدية البركت، أبو بكر الطاهر، عن عدم رضاهما عن مستوى التنسيق والاستجابة الحكومية، مطالبين بدعم عاجل وإمكانات إضافية لمواجهة تداعيات الأزمة، بحسب بيان لبلدية غات.

وقال السوقي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن «السكان غير راغبين في ترك منازلهم لعدم وجود أماكن تؤويهم في حال النزوح، وسئموا من تكرار تجربة السيول عام 2024».

وسبق أن دعا مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة، محمد علي مختار، إلى تبني حلول وقائية طويلة الأمد، تشمل إنشاء سدود وتحويل مجاري الأودية، بعيداً عن التجمعات السكنية، وحذر من تكرار المخاطر نفسها مستقبلاً في ظل غياب مشاريع الحماية.

وراهناً، زادت أزمة انقطاع الكهرباء والاتصالات من صعوبة عمليات الإنقاذ والإغاثة، بعدما أدى تضرر كابل للألياف البصرية وخط كهرباء رئيسي إلى تعطيل التواصل في بعض المناطق المتأثرة.

ولم تكن السيول الحالية الأولى التي تضرب المنطقة. ففي أغسطس (آب) قبل عامين، شهدت تهالة سيولاً قوية أودت بحياة ثلاثة أطفال، كما غمرت المياه الشوارع والمزارع، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والبنية التحتية.

وتعيد السيول الحالية إلى الواجهة هشاشة البنية التحتية في الجنوب الليبي، في وقت يرى فيه مسؤولون محليون أن قدرات البلديات ما زالت محدودة أمام الكوارث الطبيعية المتكررة، بسبب نقص المعدات والوقود والكوادر المدربة، والاعتماد الكبير على جهود المتطوعين.


لماذا يثير تعديل قانون «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر؟

مجلس النواب المصري خلال انعقاده في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية (مجلس النواب المصري)
مجلس النواب المصري خلال انعقاده في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية (مجلس النواب المصري)
TT

لماذا يثير تعديل قانون «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر؟

مجلس النواب المصري خلال انعقاده في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية (مجلس النواب المصري)
مجلس النواب المصري خلال انعقاده في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية (مجلس النواب المصري)

نفت الحكومة المصرية، الجمعة، سحب مشروع قانون «الأحوال الشخصية» من مجلس النواب (البرلمان) بعدما أثار عدم عرضه على الأزهر قبل الإحالة للمجلس في 3 مايو (أيار) الحالي جدلاً واسعاً، مؤكدة انفتاحها على كافة الآراء والمقترحات التي ستطرح من جميع الجهات والمؤسسات المعنية خلال جلسات المناقشة.

وجاء البيان الحكومي رداً على ما نقلته وسائل إعلام محلية عن عضو في مجلس النواب يفيد بسحب الحكومة مشروع القانون، وإحالته إلى لجنة من الأزهر والأوقاف لصياغة مشروع آخر.

ونفى عدد من أعضاء مجلس النواب ذلك، مؤكدين أن سحب القوانين له إجراءات لم يحدث أي منها، ثم حسم وزير الشؤون النيابية، هاني حنا، الأمر بالتأكيد على أن «الحكومة لم تقم بسحب مشروع القانون بأي شكل من الأشكال».

وفجر بيان للأزهر في 20 مايو الحالي «حالة الاستياء المكتوم لدى المؤسسة لعدم عرض مشروع القانون عليها قبل إحالته إلى البرلمان، كما جرت العادة في مشاريع قوانين أخرى تخص الأحوال الشخصية»، وفق الباحث في الجماعات الإسلامية عمرو فاروق، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن «الأمور تم تصعيدها من قبل البعض، وتصوير الأمر على أنه أزمة، لكن في النهاية لا أتوقع أن يصدر القانون سوى بتوافق جميع المؤسسات الدينية عليه».

وقال الأزهر في بيانه آنذاك إنه رداً على تساؤلات عن مشروع قانون الأحوال الشخصية، فإن المشروع «لم يُعرض بعد على الأزهر الشريف، ولم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال»، مضيفاً أن «الأزهر سبق وقدَّم مقترحاً بقانون للأحوال الشخصية في أبريل (نيسان) 2019، تضمَّن رؤيته الشرعية لهذا الموضوع، ولا يعلم مدى توافق هذا المقترَح مع مشروع القانون الحالي المتداول بشأنه النقاش من عدمه».

شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب (الأزهر الشريف)

واستبعد فاروق في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نظرية «الخلاف بين الحكومة والأزهر، أو تعمد تجاهل الأزهر في المشروع الجديد، خصوصاً أن رأيه وإن كان استشارياً وفق لوائح البرلمان، لكنه يرتقي لدرجة الإلزام وفق الدستور الذي ينص على أن الشريعة المصدر الأساسي للتشريع، وأن الأزهر الجهة المنوط بها تفسير ما يتعلق بالأحكام الإسلامية، ومن ثم لا بد أن تأتي المواد متوافقة مع رأي الأزهر الشرعي، وإلا فتح ذلك باباً للطعن على دستورية القانون بعد صدوره».

وأكد بيان الحكومة بالأمس على المعنى نفسه، قائلاً إن «الحكومة قد استوفت دورها بتقديم مشروع القانون رسمياً إلى مجلس النواب؛ ليصبح حالياً في حوزته، وتحت ولايته التشريعية»، لافتاً إلى أنها وافقت على مشروع القانون باعتباره «لبنة أولى للحصول على صياغات متوازنة تحقق الغايات النهائية لمثل هذه القوانين، وأخصها التوافق مع المحددات الدستورية».

وأضاف فاروق أن «عدم عرض مشروع القانون مسبقاً على الأزهر، وإحالته للبرلمان، قد يعود إلى التعجل في إصداره، خصوصاً أن البرلمان سيعرض الأمر على الأزهر والأوقاف خلال المناقشات»، متوقعاً أن تدخل العديد من التعديلات على المشروع بشكله الحالي.

وكان رئيس لجنة صياغة مشروع القانون الحكومي، المستشار عبد الرحمن محمد، أرجع خلال تصريحات تلفزيونية سابقة عدم عرض مشروع القانون على الأزهر قبل إحالته للبرلمان إلى الأخذ بآراء الأزهر كافة في المشروع السابق، مؤكداً موافقة جميع المواد للشريعة بنسبة 100 في المائة.

ويجمع مشروع القانون الجديد كافة القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية، بين زواج وطلاق وميراث، في قانون واحد، واستحدث العديد من المواد التي أثارت نقاشات وجدلاً حولها؛ مثل تقييد إجراء الطلاق المباشر لدى المأذون خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الزواج، وقصر إجراءات الطلاق في هذه المدة على محكمة الأسرة التي ستحاول بداية الإصلاح بين الزوجين.

ورفض العديد من علماء الشريعة هذه المادة، ومن بينهم الدكتور أحمد كريمة، في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط».

داخل محكمة جنوب الجيزة الابتدائية (الشرق الأوسط)

واستحدث المشروع مادة تتيح للطرفين طلب فسخ عقد الزواج خلال 6 شهور -ما لم تكن الزوجة حاملاً- في حال اكتشف أي من الطرفين بالآخر عيباً كان موجوداً قبل العقد من دون إخبار الطرف الثاني به، ورضائه عنه، على أن يُستعان بأهل الخبرة لتحديد العيوب التي يُطلب فسخ العقد من أجلها.

كما تطرق المشروع إلى «الطلاق الشفهي»، بإلزام الزوج بتوثيق الطلاق خلال 15 يوماً، وهو ما يعتبره مراقبون «إمساكاً للعصا من المنتصف» إذ سبق وأثار هذا الأمر أزمة في العام 2017، حين اقترح الرئيس عدم الاعتداد به، ورفض الأزهر ذلك.

ويرى الباحث في الجامعة الأميركية بالقاهرة المتخصص في أبحاث الدين والسياسة في منطقة الشرق الأوسط، محمد جمال علي، أن التخوف عند مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد ليس من الأزهر، بقدر ما هو من تيار تتحالف فيه قوى دينية مع برلمانيين وسياسيين، لافتاً إلى أن الأزهر نفسه سبق وتصدى لهذا التيار، ووقف جنباً إلى جنب من قبل مع التيار المدني في دعمه قانون الخلع.

وقال محمد جمال علي لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزهر يقف في مسافة متوسطة بين تيارات متشددة وقوى مدنية، وإن كان ذلك لا يمنع من تنوع التيارات داخل الأزهر نفسه، وهي تباينات من الممكن أن تنعكس على طبيعة القانون الجديد».

وتنص المادة السابعة من الدستور على أن «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية، والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة، ونشر علوم الدين، واللغة العربية في مصر، والعالم».

وتبدأ اللجان المختصة في البرلمان مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية بعد إجازة عيد الأضحى، على أن تتولى هذه اللجان إجراء حوار مجتمعي حوله.


البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

صعَّد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، من لهجته تجاه «قوات الدعم السريع»، مؤكداً أنَّ الجيش السوداني يمضي بخطوات متسارعة وحاسمة للقضاء على ما وصفه بـ«التمرد»، وإنهائه بصورة نهائية، واستعادة دارفور.

وخلال مخاطبته كبار قادة القوات المسلحة بمقر القيادة العامة في العاصمة الخرطوم، مساء الخميس، شدَّد البرهان على أنَّ السودان يتجه بثبات نحو حسم المعركة عسكرياً، قائلاً إنَّ القوات المسلحة لن تسمح لـ«قوات الدعم السريع» أو لأي جهة تساندها أو ترفع راية التمرد بالعودة مجدداً إلى المشهد السوداني.

ونفى البرهان بشكل قاطع صحة ما تداولته بعض الوسائل الإعلامية بشأن وجود تفاهمات أو مصالحات جرت في البحرين أو رواندا بين طرفَي النزاع، مؤكداً أنَّ تلك الأنباء لا تستند إلى أي أساس من الصحة. وقال إن ما يتم تداوله حول وجود مفاوضات في المنامة أو كيغالي «مجرد شائعات»، مشيراً إلى أن «أي خطوات من هذا النوع سيتم الإعلان عنها رسمياً عبر مؤسسات الدولة المختصة».

لقاء البرهان كبار قادة الجيش في مقر القيادة بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

وجاءت تصريحات البرهان بعد يومين من إعلانه ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان؛ بهدف استكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي، مؤكداً أنَّ الحكومة ستوفِّر كل ما يلزم لإنجاح هذا الحوار بمشاركة مَن وصفهم بـ«أصحاب الوجعة»، في إشارة إلى القوى الوطنية المعنية بمستقبل البلاد.

وفيما يتعلق بالعناصر المنشقة أو الراغبة في الانسحاب من صفوف «قوات الدعم السريع»، جدَّد البرهان تأكيده أنَّ أبواب القوات المسلحة والدولة السودانية مفتوحة أمام مَن يرغب في العودة، لكنه أوضح أنَّ المؤسسة العسكرية تميِّز بين مَن تورطوا في ارتكاب جرائم، ومَّن تمَّ التغرير بهم.

وأكد أنَّ الحديث عن فتح الباب للجميع دون تمييز لا يعكس حقيقة الموقف، موضحاً أنَّ القوات المسلحة تدرك مَن المجرم ومَن الذي يمكن الاستفادة منه مستقبلاً، ومَن ينبغي تحييده أو محاسبته.

كما نفى البرهان ما يشاع حول أنَّ البلاد باتت تستقبل الجنجويد، في إشارة إلى قوات من «الدعم السريع»، مؤكداً أن ذلك «لم يحدث، ولن يحدث أبداً». كما أشار إلى أن الانفتاح الحالي يقتصر على القوى السياسية التي لم تتخذ مواقف عدائية تجاه القوات المسلحة أو الدولة السودانية، مشيراً إلى أن مَن ناصبوا الجيش العداء لا مكان لهم ضمن أي ترتيبات مستقبلية ما لم يغيروا مواقفهم ويعلنوا دعمهم للمؤسسة العسكرية.

وأكد أن الجيش سيواصل العمل مع القوى السياسية والمدنية الموجودة داخل البلاد من أجل تحقيق تطلعات الشعب السوداني.

البرهان يسلم على مساعده في شؤون التخطيط شمس الدين كباشي (إعلام مجلس السيادة)

وكان البرهان قد أعلن، في وقت سابق، أنَّ أبواب المصالحة الوطنية مفتوحة أمام كل مَن يرغب في الانضمام إلى الدولة، والوقوف في مواجهة «قوات الدعم السريع»، مؤكداً استمرار القوات المسلحة في القتال حتى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية.

وقال إنَّ العمليات العسكرية التي بدأت في الخامس عشر من أبريل (نيسان) 2023 - وهو التاريخ الذي وصفه بأنه يوم «العدوان على الشعب السوداني» - ستتواصل حتى استعادة جميع المناطق التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع»، وإنهاء وجود ما وصفهم بالمرتزقة والمتمردين. كما أشار إلى وجود مجموعات تقاتل إلى جانب الجيش داخل إقليم دارفور، مؤكداً أن الوقت سيأتي لتوسيع نطاق المواجهة هناك، واستعادة إقليم دارفور.

وشدَّد البرهان على أنَّ القوات المسلحة تمضي بخطوات مدروسة للخروج من الحرب عبر بناء جيش حديث يتمتع بكفاءة أعلى، وتنظيم أكثر تطوراً، وتسليح متقدم مقارنة بالماضي.

وأوضح أنَّ القدرات العسكرية للقوات المسلحة تشهد تطوراً متسارعاً، وأنَّ الروح المعنوية للمقاتلين تزداد قوة وثباتاً مع استمرار العمليات العسكرية الرامية إلى حسم ما أطلق عليها «معركة الكرامة».

وشهد اللقاء حضور أعضاء القيادة العسكرية العليا، بينهم مساعدا القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، والفريق أول ياسر العطا، وعدد من كبار الضباط.

البرهان ورئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا (إعلام مجلس السيادة - «فيسبوك»)

وفي تطور ميداني متزامن، قُتل ما لا يقل عن 28 مدنياً، وأُصيب العشرات جراء هجمات نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» استهدفت بلدات بولاية شمال كردفان.

وأعلنت «شبكة أطباء السودان»، في بيان نشرته عبر موقع «فيسبوك»، أن قوة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» نفَّذت هجوماً في ثاني أيام عيد الأضحى على منطقتَي أم سعدون والمَرّة؛ ما أدى إلى مقتل 28 مدنياً وإصابة عشرات آخرين.

وأكدت الشبكة أنَّ المنطقتين المستهدفتين لا تضمان أي وجود عسكري، عادّةً أن استهداف القرى والمناطق المدنية وقتل المدنيين العزّل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي.

من جانبه، أدان «حزب الأمة القومي»، أحد أبرز الأحزاب المنضوية تحت مظلة «تحالف صمود»، الهجمات المتكرِّرة التي تنفِّذها «قوات الدعم السريع» في المناطق الواقعة على أطراف محلية بارا في شمال إقليم كردفان.

وقال الحزب، في بيان رسمي، إنَّ تصاعد الهجمات ضد المدنيين في إقليم كردفان خلال الحرب المستمرة في السودان يحمّل قيادة «قوات الدعم السريع» المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات.

وأضاف أنَّ استمرار تمركز «قوات الدعم السريع» داخل المدن والقرى المأهولة بالسكان لا مبرِّر له، ويعرِّض حياة المدنيين لمخاطر جسيمة، كما يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات والخسائر الأمنية والإنسانية.