شرارة المعركة الانتخابية المبكرة في إسرائيل تنطلق... ونتنياهو يستنفر

غانتس بدأ حرب الجنرالات في مواجهة اليمين

عضو مجلس قيادة الحرب الإسرائيلي بيني غانتس متحدثاً الاثنين الماضي أمام جنود إسرائيليين بمناسبة ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية (مكتب غانتس)
عضو مجلس قيادة الحرب الإسرائيلي بيني غانتس متحدثاً الاثنين الماضي أمام جنود إسرائيليين بمناسبة ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية (مكتب غانتس)
TT

شرارة المعركة الانتخابية المبكرة في إسرائيل تنطلق... ونتنياهو يستنفر

عضو مجلس قيادة الحرب الإسرائيلي بيني غانتس متحدثاً الاثنين الماضي أمام جنود إسرائيليين بمناسبة ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية (مكتب غانتس)
عضو مجلس قيادة الحرب الإسرائيلي بيني غانتس متحدثاً الاثنين الماضي أمام جنود إسرائيليين بمناسبة ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية (مكتب غانتس)

توضح القراءة المتأنية لخطاب الوزير عضو مجلس قيادة الحرب في الحكومة الإسرائيلية، بيني غانتس، ليلة السبت - الأحد، أنه كان الشرارة الأولى في المعركة الانتخابية المبكرة التي يتهرب منها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ويحاول الجنرالات فرضها عليه.

ويتضح من الرد السريع لنتنياهو أنه رغم تمسكه بكل قوته للبقاء في الحكم وتمديد الحرب في غزة بشكل مصطنع كي يحافظ على حكومته، فإنه يشعر بأنه لن يصمد طويلاً في التملص، وسيضطر مرغماً إلى تبكير موعد الانتخابات. وقد جاء رده هو أيضاً انتخابياً.

غانتس، كما هو معروف، وضع شرطاً «على مجلس قيادة الحرب، هو صياغة والموافقة بحلول 8 يونيو (حزيران) المقبل، على خطة عمل شاملة ذات 6 أهداف»، مهدداً بالاستقالة من الحكومة إذا لم تتم صياغة الخطة في الموعد المحدد. وترتيب الأهداف الستة، كما وضعها، مهم وذو مغزى: إعادة المختطفين، وإحباط حكم «حماس» ونزع سلاح القطاع وضمان سيطرة عسكرية إسرائيلية، وتحديد بديل للحكم في غزة من دون «حماس» ولا عباس، وإعادة سكان الشمال الإسرائيلي إلى منازلهم بحلول 1 سبتمبر (أيلول) وترميم بلدات غرب النقب، والدفع إلى الأمام في التطبيع مع السعودية (متجاهلاً بذلك موقف الرياض)، واعتماد مسار للخدمة العسكرية الإسرائيلية يؤدي إلى انخراط كل الإسرائيليين في خدمة الدولة.

وأضاف غانتس بخصوص اليوم التالي في قطاع غزة: «يجب إنشاء إدارة أميركية - أوروبية - عربية - فلسطينية، تتولى إدارة القطاع بشكل مدني وتضع الأساس لبديل مستقبلي غير (حماس) أو عباس (السلطة الفلسطينية). لا يمكن أن نسمح لأي طرف، صديقاً كان أو معادياً، أن يفرض دولة علينا نحن الإسرائيليين».

الشرطة الإسرائيلية تستخدم خراطيم المياه السبت لتفريق متظاهرين متعاطفين مع عائلات الإسرائيليين الذين تحتجزهم «حماس» في غزة (أ.ف.ب)

ووجه غانتس رسالة مباشرة إلى نتنياهو قائلاً: «كان نتنياهو قبل عقد من الزمن سيفعل الشيء الصحيح. يجب عليك الاختيار بين الصهيونية والسخرية، بين الوحدة والانقسام، بين المسؤولية والخروج على القانون، وبين النصر والكارثة». وأضاف: «من واجبي أن أقول الحقيقة للجمهور، فقد بدأت الاعتبارات الشخصية والسياسية تتغلغل في أمن إسرائيل».

وقد رد مكتب نتنياهو فوراً على غانتس، قائلاً: «في الوقت الذي يحارب فيه جنودنا الأبطال كي يبيدوا كتائب (حماس) في رفح، اختار غانتس أن يضع شروط تهديد لرئيس الحكومة نتنياهو، بدلاً من شروط تهديد لـ(حماس). الهدف واضح: إنهاء الحرب وهزيمة إسرائيل، وإهدار غالبية المخطوفين. والإبقاء على (حماس) بقوتها والدفع لإقامة دولة فلسطينية. جنودنا لم يسقطوا هباء، وبالتأكيد ليس لاستبدال (فتحستان) بـ(حماستان)».

عضو مجلس قيادة الحرب في الحكومة الإسرائيلية، بيني غانتس

وأضاف بيان المكتب: «إذا كان غانتس يفضل المصلحة الوطنية ولا يفتش عن حجج يتذرع بها لتفكيك الحكومة، فليجب عن 3 أسئلة: هل هو مستعد لإكمال العملية في رفح لإبادة كتائب (حماس)؟ وإذا كان جوابه إيجابياً فكيف يهدد بتفكيك حكومة الطوارئ ونحن في عز المعركة؟ وهل يعارض حقاً السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية بلا عباس؟ هل هو مستعد لتقبل دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية كجزء من التطبيع مع السعودية؟».

مكتب غانتس رد على البيان قائلاً: «لو كان رئيس الحكومة أنصت لغانتس، لكنا دخلنا رفح قبل شهرين وأنهينا المهمة. علينا أن نتم المهمة ونخلق الشروط المطلوبة لذلك. السلطة الفلسطينية لن تستطيع حكم غزة لكن قوى فلسطينية أخرى تستطيع، فقط بغطاء من دول عربية معتدلة ودعم أميركي. يكون مجدياً أكثر أن ينشغل رئيس الحكومة بذلك، ولا يخرب على الجهود المبذولة في هذا الاتجاه».

نشطاء يساريون إسرائيليون يرفعون لافتات وأعلاماً خلال مظاهرة مناهضة للحكومة ورئيسها في تل أبيب 18 مايو (أ.ف.ب)

كان واضحاً إذن أن خطاب غانتس موجه للأذن اليمينية في المجتمع الإسرائيلي. وليس صدفة أنه يزايد على نتنياهو في رفض الدولة الفلسطينية ويتهم نتنياهو بأنه هو الذي منع اجتياح رفح قبل شهور، ويتحدث عن سيطرة أمنية إسرائيلية على القطاع بعد الحرب.

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد يحضر مظاهرة مناهضة للحكومة في تل أبيب 18 مايو 2024 (أ.ف.ب)

المعروف أن حزب غانتس فاز في الانتخابات الأخيرة بـ12 مقعداً، وانشق عنه جدعون ساعر وبقي مع 8 نواب، لكن الاستطلاعات أعطته في مرحلة معينة 40 مقعداً وأكثر وتعطيه اليوم 28 - 30 مقعداً. الزيادة وصلت إليه من مصوتي لبيد (الذي يهبط من 24 إلى 12 في الاستطلاعات)، ومن مصوتي «الليكود» (له اليوم 32 ويهبط في الاستطلاعات إلى 17 - 19 مقعداً).

غير أن هذه الزيادة غير مضمونة، بل إن الاستطلاعات تشير إلى أن نزول حزب يميني جديد قد يجعل غانتس يصبح ثانياً، ويخسر نصف قوته. لذا، لكي يحافظ على هذه الزيادة، يحتاج إلى مخاطبة اليمين. والأهم أن النقاط الست التي اختارها غانتس تبدأ بوضع المخطوفين على رأس الأولوية، وتنتهي بقضية خدمة المتدينين، وكلاهما موضوع يهم اليمين الليبرالي الذي يبدي استعداداً للتخلي عن نتنياهو.

وقد رد نتنياهو من جهته بأنه جاء ليجعل موضوع الدولة الفلسطينية أمراً مركزياً في حربه على غانتس بالانتخابات. فالجمهور الإسرائيلي تراجع بشكل كبير عن تأييد حل الدولتين بسبب الحرب. وتحدث عن عملية رفح كقضية أساسية، وفي هذا أيضاً ينسجم مع موقف اليمين.

المهم أن هذا التوجه هو الذي سيظهر في المعركة الانتخابية، وبغض النظر عن النتيجة في صناديق الاقتراع، فإن توجه نتنياهو يدل على أنه لن يستطيع منع الانتخابات المبكرة.

لقاء سابق بين وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت 9 مارس 2023 (رويترز)

لكن اللافت أن غانتس تعرض إلى انتقاد من اليسار والوسط وهجوم من اليمين على تصريحاته. ففي اليسار والوسط، عاتبوه على تأخره وطالبوه بألا ينتظر حتى 8 يونيو، وأن ينسحب فوراً من الحكومة.

أما هجوم اليمين فتميز بأنه ترافق مع التلميح إلى أن الأميركيين هم الذين يقفون وراء هذا التهديد من غانتس. فقد قال الوزير بن غفير إن زيارة غانتس إلى واشنطن واتصالاته مع الإدارة الأميركية، جعلتها معادية لإسرائيل. وقال سموتريتش إن غانتس ورفاقه من مؤيدي السياسة التي جلبت 7 أكتوبر (تشرين الأول)، يسعون لوقف الحرب وإقامة دولة فلسطينية بدعم أميركي. وقالت النائب من «الليكود»، غاليت ديستر، إن «العالم على طريقة غانتس هو أن الصهيونية تساوي رضوخاً للضغوط الأميركية الهادفة إلى هزيمتنا، هذا التوجه مشبع بالأجواء السائدة في مقر نتنياهو، وبين المقربين إليه الذين يكثرون الحديث عن خطة أميركية للإطاحة بالحكومة، ويرفض علناً ما يسميه (الضغوط الأميركية)».

وفقط قبل أيام جرى حديث عن أن واشنطن مارست ضغوطاً على غالانت وغانتس وآيزنكوت كي لا ينسحبوا من الحكومة خشية أن تنهار. ويقولون اليوم إن تهديدات غانتس تؤكد هذه الحقيقة ولكن واشنطن تدرك أن وجودهم في الحكومة لم يعد يؤثر، وهي تريد منهم «هزة رسن» قوية لنتنياهو، بدأها غالانت بمطالبته نتنياهو بوضع خطة لليوم التالي من دون حكم عسكري، ويكملها غانتس اليوم بشرارته الانتخابية.

ويلاحظ المراقبون أن مضمون كلام غانتس وغالانت يلائم خطاب قادة الجيش، ولذلك يعدّون تصرفهما أنه تعبير عن «انتفاضة الجنرالات ضد اليمين الحاكم».


مقالات ذات صلة

مودي ينهي زيارة إسرائيل باتفاقيات تتجاوز 10 مليارات دولار... ووسام مزعوم

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظيره الهندي ناريندرا مودي (أ.ب) p-circle

مودي ينهي زيارة إسرائيل باتفاقيات تتجاوز 10 مليارات دولار... ووسام مزعوم

أنهى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي زيارته إلى إسرائيل، بعد توقيع اتفاقيات بقيمة 10 مليارات دولار، في حين أثيرت شكوك حول قيمة «وسام الكنيست» الذي تلقاه.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يحذّر المتحمسين للحرب مع إيران

 كشفت نقاشات جرت «خلف أبواب مغلقة» داخل قيادة الجيش الإسرائيلي أن حرباً كهذه تنطوي على مخاطر مرتفعة على إسرائيل وقد تؤدي إلى سقوط عدد كبير من القتلى.

«الشرق الأوسط» ( تل أبيب)
آسيا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستقبل نظيره الهندي ناريندرا مودي (أ.ف.ب)

مودي: الهند وإسرائيل متفقتان أنه «لا مكان للإرهاب في العالم»

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الخميس إن بلاده وإسرائيل اتفقتا أنه «لا مكان للإرهاب في العالم» وذلك خلال مؤتمر صحافي بالقدس

«الشرق الأوسط» (القدس)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الهندي يستمع إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال جلسة استثنائية لـ«الكنيست» الأربعاء (إ.ب.أ) p-circle

مودي يكسر عزلة نتنياهو وإسرائيل بـ16 اتفاقية تعاون

كسر رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، عزلة دولية نسبية تعيشها إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو جرّاء حربها على غزة، بزيارة شهدت توقيع 16 اتفاقية ثنائية.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل يناير 2026 (رويترز) p-circle

نشطاء «الليكود» يحاصرون منزل صحافية عربية انتقدت نتنياهو

بعد أسبوعين من التهديدات، وصل عدد من نشطاء اليمين الإسرائيلي إلى بيت الصحافية العربية لوسي هريش في تل أبيب وحاولوا اقتحام بيتها، بعد انتقادها لسياسة الحكومة.

نظير مجلي (تل أبيب)

إيران تحضّ أميركا على التخلي عن «المطالب المبالغ فيها» للتوصل إلى اتفاق

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
TT

إيران تحضّ أميركا على التخلي عن «المطالب المبالغ فيها» للتوصل إلى اتفاق

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

حضّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، الولايات المتحدة على التخلي عن «مطالبها المبالغ فيها» من أجل التوصل إلى اتفاق، غداة محادثات بين الجانبين عُقدت في جنيف.

وقال عراقجي في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن «نجاح هذا المسار يتطلب جديّة وواقعية من الجانب الآخر وتجنّب أي خطوات غير محسوبة والمطالب المبالغ فيها»، بحسب ما أعلنت الخارجية الإيرانية.

اختتمت الجولة الثالثة من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، الخميس، بعد إحراز «تقدم ملحوظ» في مسار التفاوض، حسبما أعلن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي الذي يقوم بدور الوسيط.

وأجرى مبعوثا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.


تقرير: المعلومات المخابراتية لا تدعم زعم ترمب عن الصواريخ الإيرانية

الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

تقرير: المعلومات المخابراتية لا تدعم زعم ترمب عن الصواريخ الإيرانية

الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

قالت ثلاثة مصادر مطلعة على تقارير مخابراتية أميركية إن هذه التقارير ليس فيها ما يدعم زعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران ستمتلك قريباً صاروخاً قادراً على ضرب الولايات المتحدة، ويبدو أنها مبالغ فيه، وهو ما يلقي بظلال من الشك على جانب من المبررات التي ساقها لشن هجوم محتمل على طهران.

بدأ ترمب في خطابه عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس يوم الثلاثاء في طرح مبررات أمام الرأي العام الأميركي لإمكانية شن الولايات المتحدة هجمات ضد إيران، قائلاً إن طهران «تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريباً» إلى الولايات المتحدة.

إيرانيات يسرن بجانب صواريخ من طراز «خيبر شكن» معروضة في ميدان آزادي خلال مراسم ذكرى الثورة (إ.ب.أ)

لكن مصدرين قالا إنه ليست هناك أي تغييرات في تقييم رُفعت عنه السرية لوكالة المخابرات العسكرية الأميركية لعام 2025، والذي يفيد بأن إيران قد تحتاج حتى 2035 لتطوير «صاروخ باليستي عابر للقارات يكون صالحاً للاستخدام العسكري» من مركبات الإطلاق الفضائية التي لديها حالياً.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي: «الرئيس ترمب محق تماماً في تسليط الضوء على القلق البالغ الذي تمثله إيران، البلد الذي يهتف (الموت لأميركا)، بامتلاكها صواريخ باليستية عابرة للقارات».

وقال مصدر إنه حتى لو قدمت الصين أو كوريا الشمالية، اللتان تتعاونان بشكل وثيق مع إيران، مساعدة تقنية، فمن المرجح أن تحتاج إيران ثماني سنوات على الأقل لإنتاج «شيء يكون بالفعل على مستوى صاروخ باليستي عابر للقارات وجاهز لتنفيذ عمليات».

وقالت المصادر، التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هوياتها لتناولها معلومات مخابراتية حساسة، إنها لم تر أي تقييمات مخابراتية أميركية تفيد بأن إيران تطور صاروخاً قادراً على الوصول إلى الأراضي الأميركية قريباً، لكنها لم تستبعد احتمال وجود تقرير مخابراتي جديد لم تكن على علم به.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» أول من نشر تقريراً عن أن أجهزة المخابرات الأميركية تعتقد أن إيران ربما لا تزال على بعد سنوات من امتلاك صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة.

وجاء زعم ترمب بشأن قدرات إيران الصاروخية في وقت يتفاوض فيه ممثلون عن الولايات المتحدة وإيران بشأن برنامج طهران النووي، دون أي مؤشرات على انفراجة تحول دون تعرض إيران لضربات أميركية محتملة وسط تعزيزات عسكرية ضخمة في المنطقة.

صورة مركّبة من لقطات أقمار اصطناعية تُظهر قاعدة شيراز الجنوبية للصواريخ في إيران قبل إعادة الإعمار (يمين) وبعدها (يسار) (رويترز)

ولم يعلن الرئيس الأميركي ما يكفي لتوضيح أسباب دفعه الولايات المتحدة نحو أكثر تحركاتها عدوانيةً ضد طهران منذ ثورتها في 1979.

وفي خطابه يوم الثلاثاء، أشار ترمب إلى دعم طهران للجماعات المسلحة وقتلها المتظاهرين وبرامجها الصاروخية والنووية كونها تهديدات للمنطقة والولايات المتحدة.

ودون تقديم أي دليل، قال ترمب إن طهران بدأت في إعادة بناء البرنامج النووي الذي زعم «تدميره» جراء غارات جوية أميركية في يونيو (حزيران) الماضي على ثلاثة مواقع رئيسية لتخصيب اليورانيوم.

وأشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوم الأربعاء، إلى برنامج إيران للصواريخ الباليستية بعبارات أقل وضوحاً من تصريحات ترمب، قائلاً إن طهران «على مسار امتلاك أسلحة قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية».

وتنفي إيران سعيها لامتلاك ترسانة نووية، وتقول إن تخصيب اليورانيوم يقتصر على الاستخدامات المدنية.

وفي مقابلة مع قناة «إنديا توداي» التلفزيونية بثت يوم الأربعاء، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إيران تعمل على زيادة قدراتها الصاروخية.

وقال: «لا نطور صواريخ بعيدة المدى. حددنا المدى عند أقل من ألفي كيلومتر. لا نريد أن نشكل تهديداً عالمياً. لدينا هذه الصواريخ للدفاع عن أنفسنا فقط. صواريخنا تعزز قدرة الردع».

تقول أجهزة المخابرات الأميركية والوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة إن إيران أوقفت برنامجها لتطوير الأسلحة النووية في 2003.

لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت إن طهران واصلت في السنوات القليلة الماضية تخصيب اليورانيوم، وهو ما شمل تخصيبه إلى مستويات قريبة من المستوى الذي يمكنها من صنع أسلحة.

وهدد ترمب بمهاجمة إيران إذا أعدمت المعتقلين خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اجتاحت البلاد في يناير (كانون الثاني)، أو إذا فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي في المحادثات مع الولايات المتحدة.

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي «القبة الحديدية» يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

وقال ديفيد أولبرايت، الذي كان في السابق من مفتشي الطاقة النووية لدى الأمم المتحدة، إن إيران لا تزال بعيدة كل البعد عن القدرة على تحميل صاروخ بمثل هذه الكبسولات وبداخلها رؤوس نووية قادرة على تحمل الحرارة الشديدة والقوى الهائلة الناتجة عن اختراق الغلاف الجوي للأرض.

وأضاف أولبرايت الذي يرأس المركز البحثي «معهد العلوم والأمن الدولي»: «تستطيع إيران إطلاق صاروخ بعيد المدى جداً بفضل مركبات الإطلاق الفضائي التي تمتلكه... يعد هذا البرنامج واعداً، لكنه يحتاج إلى الكثير من العمل لتطوير مركبة إعادة إدخال مناسبة».

وأشار أولبرايت وخبراء آخرون إلى أن الغارات الجوية الإسرائيلية في العام الماضي، وفي 2024، ألحقت أضراراً بالغة بمنشآت رئيسية تنتج فيها طهران صواريخ باليستية تعمل بالوقود السائل والصلب.


التوسع الإسرائيلي في القرن الأفريقي... توترات جديدة بمنطقة مأزومة

رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

التوسع الإسرائيلي في القرن الأفريقي... توترات جديدة بمنطقة مأزومة

رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)

تواجه منطقة القرن الأفريقي متغيرات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مع تعيين الإقليم سفيراً له في تل أبيب، وزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لإثيوبيا، وسط توتر مع القاهرة.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التطورات المتلاحقة ستؤدي إلى زيادة التوتر في منطقة القرن الأفريقي وسط صراع على النفوذ، مستبعدين حدوث صدام مباشر، إلا إذا أضرت التحركات الإسرائيلية بمصالح طرف في المنطقة.

وأفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، الخميس، بأن زيارة هرتسوغ لأديس أبابا، التي جرت الأربعاء، تمثل «محطة جديدة في مسار الشراكة المتنامية بين البلدين، وتجسّد التزامهما المشترك بتعميق التعاون وتعزيز الحوار السياسي بما يخدم مصالح الشعبين».

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال في دافوس (حساب هرتسوغ على منصة إكس)

ووصف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد المحادثات مع هرتسوغ بأنها «مثمرة»، مشيراً إلى أنها «تناولت سبل تطوير العلاقات الإثيوبية - الإسرائيلية، والعمل على الارتقاء بها إلى آفاق أوسع من التعاون الدبلوماسي والاستراتيجي وبحث فرص توسيع التعاون في مجالات الاهتمام المشترك وتعزيز الشراكة في القطاعات الحيوية»، وذلك في بيان نشره عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي.

«منطقة متأزمة»

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير صلاح حليمة، أن نشاط إسرائيل يندرج في إطار محاولاتها للوجود بمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، واستغلال الصراعات القائمة في الشرق الأوسط، بما في ذلك قطاع غزة والقضية الفلسطينية، بهدف توسيع نفوذها وانتشارها.

ولفت إلى أن مفهوم «الشرق الأوسط الجديد» بالنسبة لإسرائيل لا يقتصر على ضم أراض، بل يهدف إلى تحقيق نوع من الهيمنة والنفوذ والسيطرة.

وقال: «تحركات إسرائيل الأخيرة محاولة للوجود بممر ملاحي حيوي، وستثير مقداراً كبيراً من القلق والاضطرابات بالمنطقة المتأزمة بالأساس، سواء داخل الدول أو بين الجوار مثل إثيوبيا وإريتريا».

وتزامن مع الزيارة الإسرائيلية لإثيوبيا إعلان رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، تعيين محمد عمر حاجي محمود سفيراً فوق العادة ومفوضاً «لأرض الصومال» لدى إسرائيل، وسط توقعات بتوسيع التعاون في مجالات السياسة والتجارة والابتكار وإدارة المياه والأمن الإقليمي، حسب الإعلام الصومالي.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع، أن إثيوبيا تريد استثمار تلك الزيارة في دعم تحركاتها للبحث عن منفذ بحري استراتيجي بعد فقدانها ساحلها منذ استقلال إريتريا، بينما يبحث إقليم «أرض الصومال» عن مزيد من الاعتراف والوجود الشرعي الدولي.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة البر من دون أي منفذ مائي عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، ما جعلها تعتمد على مواني جيرانها، لا سيما «ميناء جيبوتي» الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية.

احتمالات المواجهة

ويرى الأكاديمي والباحث في شؤون أفريقيا محمد تورشين أن تحركات إسرائيل تأتي ضمن مساعيها من أجل تعزيز حضورها الجيوسياسي وتوسيع نطاق شراكتها في المنطقة، ولترسيخ نفوذها وتأمين البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وتطويق النفوذ التركي والمصري في القرن الأفريقي، وكذلك محاولة لإعادة رسم التوازنات ونسج تحالفات جديدة والانخراط في تحالفات قائمة.

ومع وجود إسرائيل المرفوض عربياً في إقليم «أرض الصومال»، تعرف منطقة القرن الأفريقي حضوراً لافتاً لدول كثيرة من بينها تركيا التي لها قاعدة عسكرية في مقديشو.

وعن تداعيات ذلك، قال تورشين إن الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي سيخلق حالة من الارتباك في المنطقة، وحروباً بالوكالة دون الوصول إلى صدام مباشر، لافتاً إلى أن هناك «تحالفاً موازياً يشمل مصر وتركيا وإريتريا والصومال وجيبوتي هو الأكبر حالياً ومن مصلحته عدم توسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، لأن ذلك يشكل تهديداً له وللمنطقة، ومن ثم سيعمل على استقطاب دول جديدة لتوسيع النفوذ».

ويرى السفير صلاح حليمة أن التحالفات بين مصر وتركيا ستتشكل سريعاً في القرن الأفريقي لمجابهة التدخل الإسرائيلي، موضحاً أن زيادة وتيرة الوجود الإسرائيلي قد يتحول إلى صدام عندما يؤدي إلى الإضرار بمصالح طرف آخر.

بينما يرجح المحلل الصومالي بري أن الحديث عن صدام في القرن الأفريقي لا يزال مبكراً، لافتاً إلى أن المنطقة تشهد بالفعل تنافس نفوذ شديداً، «لكن حتى الآن المؤشرات الأقوى تميل إلى إدارة تنافس سياسي وأمني أكثر من اندلاع مواجهة مباشرة».