نمو الإيرادات وارتفاع عدد المشتركين يعززان عوائد شركات الاتصالات السعودية

حققت 6 % نمواً في الربع الأول... وإيراداتها وصلت إلى 7 مليارات دولار

سجلت «موبايلي» المدرجة في «تداول» أرباحاً وإيرادات هي الأعلى في تاريخ الشركة منذ نحو 10 سنوات (أ.ف.ب)
سجلت «موبايلي» المدرجة في «تداول» أرباحاً وإيرادات هي الأعلى في تاريخ الشركة منذ نحو 10 سنوات (أ.ف.ب)
TT

نمو الإيرادات وارتفاع عدد المشتركين يعززان عوائد شركات الاتصالات السعودية

سجلت «موبايلي» المدرجة في «تداول» أرباحاً وإيرادات هي الأعلى في تاريخ الشركة منذ نحو 10 سنوات (أ.ف.ب)
سجلت «موبايلي» المدرجة في «تداول» أرباحاً وإيرادات هي الأعلى في تاريخ الشركة منذ نحو 10 سنوات (أ.ف.ب)

حققت شركات الاتصالات المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) نمواً في إيراداتها خلال الربع الأول من عام 2024 بنسبة 6 في المائة، لتصل إلى 26.17 مليار ريال (7 مليارات دولار) خلال الربع الأول من 2024، مقارنةً بـ24.66 مليار ريال (6.6 مليار دولار) خلال الربع نفسه من 2023، في حين وصلت أرباح شركات القطاع إلى نحو 4 مليارات ريال، بتراجع طفيف مقارنةً بالربع نفسه من 2023 الذي سجلت فيه نحو 4.7 مليار ريال.

ويأتي هذا النمو بفعل زيادة ونمو الإيرادات في القطاعات كافة وارتفاع أعداد المشتركين في الخدمات، وتحسين الكفاءة التشغيلية وانخفاض النفقات غير التشغيلية.

ويضم القطاع 4 شركات، منها 3 ينتهي عامها المالي في ديسمبر (كانون الأول)، وهي: الاتصالات السعودية (إس تي سي)، واتحاد اتصالات (موبايلي)، والاتصالات المتنقلة (زين السعودية)، في حين ينتهي العام المالي لشركة اتحاد عذيب للاتصالات (جو)، في نهاية مارس (آذار) من كل عام.

وحسب إعلاناتها نتائجها المالية في السوق المالية السعودية (تداول)، سجلت شركة اتحاد اتصالات (موبايلي) أرباحاً وإيرادات هي الأعلى في تاريخ الشركة منذ نحو 10 سنوات. كما حققت أعلى نسبة نمو في أرباح شركات القطاع بنسبة وصلت إلى 37 في المائة، لترتفع أرباحها من 638 مليون ريال بنهاية الربع الأول 2024 مقارنةً بـ465 مليون ريال تم تحقيقها خلال الفترة نفسها من 2023، كما حققت الشركة نمواً في الإيرادات بنسبة 12 في المائة لتصل إلى 4.55 مليار ريال، مقارنةً بـ4.07 في الربع المماثل من العام الماضي.

وبينما حققت «شركة الاتصالات السعودية» أعلى صافي أرباح بين شركات القطاع، بنحو 3.3 مليار ريال في الربع الأول من عام 2024، مقابل 3.1 مليار ريال في الربع نفسه من 2023، حققت نمواً في الإيرادات 5.1 في المائة بعد تحقيقها نحو 19.1 مليار ريال في الربع الأول 2024 مقارنةً بـ18.2 مليار ريال في الربع نفسه من 2023.

في المقابل، ارتفعت إيرادات شركة الاتصالات المتنقلة السعودية (زين السعودية) بنسبة وصلت إلى نحو 4.7 في المائة، حيث حققت 2.53 مليار ريال خلال الربع الأول من عام 2024، مقارنةً بـ2.42 مليار ريال في الربع نفسه من 2023. في حين تراجعت أرباحها بنحو 94 في المائة، حيث سجلت صافي ربح قدره 67 مليون ريال خلال الربع الأول من عام 2024.

اختلافات متفاوتة في النمو

وتعليقاً على نتائج القطاع، قال محلل الأسواق المالية، عبد الله الكثيري، خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط»، إن شركات القطاع شهدت نمواً في الأرباح وباختلافات متفاوتة في نسب النمو، وذلك بسبب النمو في قطاع الأعمال والتوسع في الخدمات والمشاريع لدى الشركات الثلاث، لافتاً إلى أن شركة «موبايلي» حققت أعلى نسبة نمو مدعومة بالتوسع في قطاع الأعمال، والنقطة الأهم هي قدرة الشركة على خفض القروض مما أسهم في خفض تكلفة التمويل بمقدار 170 مليون ريال، وهو ما انعكس على خفض الفوائد الناتجة من هذه القروض وتحسن هوامش الربح، وكذلك نجاح الشركة في التحكم في المصروفات التشغيلية والإدارية.

وأضاف أن النتائج المالية لشركة الاتصالات السعودية تدعمها الشركات الفرعية التابعة لها أكثر من الشركة الرئيسية، حيث أسهم توسعها في الاستحواذات في قارة أوروبا في استهلاك جزء من أرباح التشغيل في البداية، لكنها ستؤتي ثمارها على المدى البعيد وتسهم بشكل أكبر في دعم نمو أرباح الشركة. وأشار إلى أن نتائج الشركة تأثرت بارتفاع مصروفات التمويل، مما قلّل من نسب النمو خلال الربع الأول.

وأضاف أن نتائج شركة «زين» نَمَت بفعل نمو إيرادات قطاع الأعمال لخدمات الجيل الخامس وكذلك النتائج المالية لشركة «تام» الذراع التمويلية للشركة. وسوف تستفيد الشركة من تركيزها على تقديم خدمات الجيل الخامس، وفي تخارجها من تكاليف كبيرة بعد إتمامها بيع البنية التحتية لأبراجها، وربما تساعدها على تحقيق نتائج إيجابية وأفضل في الأرباع القادمة.

وحول توقعه النتائج المالية لشركات القطاع، قال الكثيري إن مقدرة الشركات على خفض حجم التمويل لديها سيسهم في استمرار نمو أرباحها أو استقرار تسجيل الإيرادات وصافي الأرباح، وكذلك تركيزها على التميز في مواكبة التقنيات الجديدة وتقديم خدمات الجيل الخامس، مضيفاً أن القطاع شهد في الربع الأول تنافساً على استقطاع حصص من قطاع الأعمال، وهو ما أسهم في نمو أرباح «موبايلي» بشكل كبير على حساب تراجع حصة شركة الاتصالات في قطاع الأعمال.

نمو الأرباح التشغيلية والتحسن في الخدمات

من جهته، قال أستاذ المالية والاستثمار مدير عام شركة «إثمار» المملوكة لجامعة الإمام محمد بن سعود، الدكتور محمد مكني، خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط»، إن النتائج المالية لشركات الاتصالات تأثرت بارتفاع الإيرادات مستفيدةً من نمو الأرباح التشغيلية والتحسن في الخدمات خلال السنوات الأخيرة، مما أسهم في تنوع باقات الخدمات المطروحة وزيادة أعداد المشتركين.

وفي تفاصيل أرباح شركات القطاع، قال مكني إن شركة «موبايلي» حققت نمواً كبيراً في صافي أرباحها خلال الربع الأول من 2024 بفضل ارتفاع الأرباح التشغيلية بنسبة 18.4 في المائة، لتصل إلى 753 مليون ريال، مقارنةً مع 636 مليون ريال في الربع نفسه من العام السابق.

وأضاف أن نمو إيرادات شركة الاتصالات السعودية بأكثر من 5 في المائة جاء نتيجة ارتفاع إيرادات وحدة العملاء بنسبة 7 في المائة تقريباً، وفي ارتفاع وحدة النواقل والمشغلين بنسبة تقترب من 6 في المائة، فضلاً عن ارتفاع إيرادات الشركات التابعة للاتصالات السعودية بنسبة 13 في المائة، مما أسهم بشكل إجمالي في ارتفاع صافي أرباح الشركة ومواصلة النمو في الأرباح.

وحول تراجع صافي أرباح «زين» بنحو 94 في المائة، عزاه مكني إلى إتمام الشركة صفقة بيع البنية التحتية للأبراج خلال الربع الأول من 2023 بمبلغ 1.144 مليار ريال، وهو ما أثَّر في مقارنة النتائج بين الربعين، بالإضافة إلى تأثير نتائج الشركة خلال الربع الرابع من العام الماضي 2023 وتسجيلها خسائر بنحو 54 مليون ريال.


مقالات ذات صلة

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

يوميات الشرق رسالة عابرة للمحيط فتحت للإنسان صوتاً يصل بعيداً (متحف ماركوني)

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

قبل قرن، غيَّرت رسالةٌ أُرسلت عبر المحيط الأطلسي إلى مقاطعة سومرست، طريقة التواصل في العالم...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد المُخطَّط الرئيسي لمعرض «إكسبو 2030» (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

ترسية عقدين جديدين للبنية التحتية في «إكسبو 2030 الرياض»

أعلنت «إكسبو 2030 الرياض» ترسية عقدين جديدين لأعمال البنية التحتية والمرافق الأساسية على شركة «اليمامة»، وذلك استمراراً للتقدم في موقع المشروع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)

خاص «إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

تظهر دراسة «إريكسون» أن المستهلك السعودي بات يمنح الأداء المضمون وزناً أكبر في اختيار الشبكة مع فرص نمو مدفوعة بالجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
شمال افريقيا مصريون يسيرون بوسط القاهرة في الشهر الحالي قبل إغلاق المحال التجارية (أ.ف.ب)

بعد الوقود والكهرباء... زيادة مرتقبة لأسعار الاتصالات في مصر

يترقب المصريون زيادة على أسعار الاتصالات بعدما طلبت شركات الاتصالات الأربع العاملة في مصر رفع أسعار خدماتها.

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
عالم الاعمال شعار مجموعة «stc» (الشرق الأوسط)

مجموعة «stc» تسجل نمواً قياسياً في الحرمين الشريفين خلال رمضان

كشفت «stc» عن تحقيق نمواً قياسي في حجم استخدام خدماتها الرقمية والاتصالية في الحرمين الشريفين خلال منتصف شهر رمضان المبارك

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
TT

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)

أسهمت جهود الحكومة السعودية مستندةً إلى برنامج الإسكان، أحد برامج «رؤية 2030»، في تسريع وتيرة التملك، بعدما اختُصرت فترات الانتظار الطويلة إلى إجراءات ميسّرة مدعومة بحلول تمويلية مبتكرة، ومنصات رقمية متكاملة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة تملّك الأسر بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 66 في المائة خلال عقد واحد، في مؤشر واضح على فاعلية السياسات المتبعة، وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وتعزيز جودة الحياة.

وشهد القطاع العقاري والإسكاني في المملكة تحولاً نوعياً خلال السنوات الماضية، مدفوعاً بمستهدفات «رؤية 2030»، وتدخلات الحكومة الأخيرة التي وضعت تملّك المواطنين للمساكن في صدارة أولوياتها التنموية، مع حزمة واسعة من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، إلى جانب تطوير منظومة التمويل العقاري، وتوسيع الخيارات السكنية، وتمكنت الدولة خلالها من إعادة تشكيل السوق العقارية لتصبح أكثر توازناً وكفاءة في تلبية الطلب المتزايد.

ومهدت «رؤية 2030» الطريق لإصلاح البيئة التنظيمية والتشريعية للقطاع العقاري والإسكان، بهدف إيجاد حلول للتحديات التي مرَت على هذه المنظومة، في إدراك للقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعقار.

ووضعت مستهدفاً طموحاً، وهو رفع نسبة تملك الأسر السعودية لمنازلهم، لتنتج خلال 5 أعوام فقط من رفع النسبة من 47 في المائة إلى 60 في المائة بنهاية 2020.

ضبط العلاقة الإيجارية

نجحت «رؤية 2030» في إعادة صياغة المشهد العقاري والإسكاني بالمملكة، محولة القطاع من مرحلة التحديات الهيكلية المتمثلة في فجوة العرض والطلب وطول فترات الانتظار، إلى منظومة متينة ومبتكرة تواكب المتغيرات المتسارعة. وبحلول عام 2025، أثبتت السياسات الإسكانية كفاءتها عبر اختصار رحلة المستفيد من انتظار دام لسنوات إلى دعم فوري مكن أكثر من 851 ألف أسرة من امتلاك منازلها.

كما أن محدودية الحلول والخيارات العقارية بطأت نمو المعروض، الأمر الذي استدعى تدخلاً تشريعياً وتنظيمياً يستفيد من التحول الرقمي، ورغبة الناس في بذل الخير، والمساهمة الاجتماعية.

مشروع «نساج تاون» في ضاحية الواجهة بالدمام وهو أحد مشاريع برنامج سكني بالشراكة مع القطاع الخاص (واس)

وبرز الاهتمام بمعالجة التشوهات في السوق العقارية عبر مجموعة من التوجيهات، بهدف تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، ومن ذلك التوجيهات الصادرة للمنظومة في الرياض، والتي شملت توجيهاً بمضاعفة مشروعات الإسكان شمال العاصمة للضعفين، ورفع الإيقاف عن تطوير أكثر من 81 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في شمال المدينة، والعمل على توفير أراضٍ سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنوياً خلال الـ5 سنوات بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

وأصدرت الموافقة على الأحكام النظامية الخاصة بضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر بالرياض، بالإضافة إلى التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتوجيه برصد ومراقبة أسعار العقار في العاصمة، والمدن الأخرى، والرفع بتقارير دورية.

واستمر تنفيذ القطاع العقاري خلال العام الماضي، بما يسهم في إيجاد سوق حيوية وجاذبة، عبر التوسع في العمل على ضمان شمولية وتكامل بيانات الأراضي، والممتلكات، ليتخطى مؤشر «نسبة تغطية الأراضي والممتلكات في المملكة» مستهدفه البالغ 45 في المائة، محققاً ما نسبته 53 في المائة.

القروض العقارية

ونتيجةً لهذه الإجراءات المتتالية وجهود الـ10 أعوام الماضية منذ إطلاق «رؤية 2030»، تمكنت السعودية من تحقيق 66.24 في المائة نسبة تملّك المواطنين للمساكن خلال العام السابق، ووصول إجمالي قيمة القروض العقارية القائمة للأفراد أكثر من 907 مليارات ريال (241 مليار دولار) في الربع الثالث من 2025، وبلوغ عقود المنتجات السكنية لأكثر من مليون عقد، ومنتج الأراضي بما يزيد عن 74 ألف عقد.

وبالنسبة لعقود منتج البناء الذاتي فقد تجاوزت 286 ألفاً في العام المنصرم، ومنتج الوحدات الجاهزة بما يزيد عن 534 ألف عقد، أما نصيب عقود منتج البيع على الخريطة فقد تجاوز 114 ألف عقد.

البيئة التنظيمية والتشريعية

وازدادت قدرة المنظومة الإسكانية والعقارية على توفير الحلول المتنوعة، مستفيدة من البيئة التنظيمية والتشريعية، لتصبح هناك منتجات متنوعة شملت الأراضي، والبيع على الخريطة، والوحدات الجاهزة، والبناء الذاتي، ويحفز ذلك منصات رقمية تسهل تجربة الوصول إليها، إلى جانب منظومة تمويلية تعمل وفق ضوابط متوازنة، لتقليل الأعباء المالية على الأسر.

وأصبح أثر السياسات في الإسكان والعقار واضحاً، بتمكين الأسر السعودية من تسهيلات غير مسبوقة، إذ اختصرت رحلة المؤهلين للاستفادة من الدعم السكني المتمثل في التمويل العقاري، من انتظار يستغرق عدة سنوات إلى دعم يحصل عليه المواطن في غضون وقت قصير، ليشهد عدد الأسر التي امتلكت منازلها زيادة ملحوظة وصلت إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية العام الفائت لترتفع بدورها نسبة امتلاك المنازل.


«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.