عقوبات صارمة تلاحق المتلاعبين في السوق المالية السعودية

محامٍ معتمد من «الهيئة» لـ«الشرق الأوسط»: الجهل بالنظام لا يعفي من المسؤولية

منذ العام الماضي وإلى اليوم عاقبت الهيئة 39 مستثمراً بغرامات فاقت 403 ملايين ريال (الشرق الأوسط)
منذ العام الماضي وإلى اليوم عاقبت الهيئة 39 مستثمراً بغرامات فاقت 403 ملايين ريال (الشرق الأوسط)
TT

عقوبات صارمة تلاحق المتلاعبين في السوق المالية السعودية

منذ العام الماضي وإلى اليوم عاقبت الهيئة 39 مستثمراً بغرامات فاقت 403 ملايين ريال (الشرق الأوسط)
منذ العام الماضي وإلى اليوم عاقبت الهيئة 39 مستثمراً بغرامات فاقت 403 ملايين ريال (الشرق الأوسط)

منذ تأسيسها في عام 2003، لا تزال هيئة السوق المالية السعودية تحرص على حماية المستثمرين وتوفير بيئة استثمارية ملائمة بهدف تعزيز ثقة المتعاملين بالأوراق المالية، وهو ما يفسر ملاحقتها المستمرة للمخالفين لنظامها وللقوانين المرعية الإجراء، الذين حققوا مكاسب استثمارية غير مشروعة.

منذ عام 2023 حتى نهاية مايو (أيار) من العام الحالي، عاقبت الهيئة 39 مستثمراً بغرامات فاقت 403 ملايين ريال (107.5 مليون دولار). علماً بأن عدد المخالفين للنظام وللوائحه التنفيذية بلغ في العام الماضي 17 مستثمراً، فيما ارتفع هذا الرقم في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام ليصل إلى 22 مخالفاً.

ولكن كيف تحصل هذه المخالفات وكيف توصّف وفق القانون؟

المحامي المعتمد من «هيئة السوق المالية» و«الهيئة السعودية للمحامين» في مجال الأوراق المالية ومؤسس شركة «المدينة للمحاماة والاستشارات القانونية»، الدكتور أحمد التميمي، شرح في حديث لـ«الشرق الأوسط» بعض طرق ارتكاب المستثمرين لهذه المخالفات، والعقوبات التي تنتظر مقترفيها.

وقال التميمي إن التلاعب للتأثير على سعر الورقة المالية بالتضليل أو نشر الإشاعات يندرج تحت المادة 49 من نظام السوق المالية والمواد 2، و3، و8 من لائحة سلوكيات السوق. والمادة 49 من نظام السوق المالية تنص على أنه يعد مخالفاً لأحكام هذا النظام، أي شخص يقوم عمداً بعمل أو يشارك في أي إجراء يوجد انطباعاً غير صحيح، أو مضللاً بشأن السوق، أو الأسعار، أو قيمة أي ورقة مالية، بقصد إيجاد ذلك الانطباع، أو لحث الآخرين على الشراء أو البيع أو الاكتتاب في تلك الورقة، أو الإحجام عن ذلك أو لحثهم على ممارسة أي حقوق تمنحها هذه الورقة، أو الإحجام عن ممارستها.

وذكر التميمي أن من صور هذه الحالة، إدخال أمر أو تنفيذ صفقة على ورقة مالية بهدف تكوين انطباع كاذب أو مضلل عن وجود نشاط تداول في الورقة أو اهتمام بشرائها أو بيعها، ويشمل ذلك القيام باستخدام الوسائل التقنية لإنشاء أوامر أو إدخالها آلياً بناء على تعليمات أو عمليات حسابية محددة مسبقاً. وبيّن أنه من صور التلاعب والتضليل، إدخال أوامر لشراء أو لبيع ورقة مالية، بهدف وضع سعر مسبق التحديد للبيع أو العرض أو الطلب، وتحقيق سعر افتتاح أو إغلاق مرتفع أو منخفض، وكذلك التأثير على السعر الافتراضي لمزاد التذبذب السعري، وإبقاء سعر البيع أو العرض أو الطلب ضمن مدى مسبق التحديد، بالإضافة إلى إدخال أمر أو سلسلة من الأوامر على ورقة مالية دون وجود نية لتنفيذها، والتأثير في سعر ورقة مالية أخرى.

وشرح التميمي أن من ضمن المخالفات التي يرتكبها المستثمرون، نشر الشائعات، وذلك بالترويج لبيان غير صحيح يتعلق بواقعة جوهرية أو لرأي، بهدف التأثير على سعر أو قيمة ورقة مالية، أو أي هدف آخر ينطوي على تلاعب أو تضليل، سواء كان البيان صرح به الشخص نفسه أو الترويج لبيان صرح به شخص آخر.

وبيّن أن التداول بناء على معلومات داخلية يندرج تحت المادة 50 من نظام السوق المالية، والمواد 4، و5، و6 من لائحة سلوكيات السوق. ويقصد بها تلك المعلومات التي لها علاقة بورقة مالية يتأثر سعرها أو قيمتها بشكل جوهري في حالة الإفصاح عن هذه المعلومات أو توفرها للجمهور. ويحظر على الشخص المطلع أن يتداول أو يفصح عن أي معلومات داخلية لأي شخص آخر، وهو يعلم أو يجدر به أن يعلم أن هذا الشخص من الممكن أن يقوم بالتداول في الورقة المالية ذات العلاقة.

وتنص المادة 50 على أنه يحظر على أي شخص يحصل بحكم علاقة عائلية، أو علاقة عمل، أو علاقة تعاقدية على معلومات داخلية، (يشار إليه بالشخص المطلع) أن يتداول بطريق مباشرة أو غير مباشرة الورقة المالية التي تتعلق بهذه المعلومات، أو أن يفصح عن هذه المعلومات لشخص آخر توقعاً منه أن يقوم ذلك الشخص الآخر بتداول تلك الورقة المالية.

وأوضح التميمي أن هيئة السوق المالية لم تكتف بحماية المواطنين والمستثمرين في السوق المالية بالتدخل المباشر فحسب، بل شكلت خطوطاً دفاعية متعددة؛ فبناءً على المادة الحادية عشرة من لائحة سلوكيات السوق، حظرت الهيئة على مؤسسات السوق المالية، والأشخاص المسجلين، قبول أو تنفيذ أمر العميل إذا كان لدى أي من هؤلاء سبب معقول عن وجود تلاعب أو تداول بناء على معلومة داخلية، كما ألزمهم بإشعار الهيئة خلال ثلاثة أيام من عدم قبول أو تنفيذ الأمر، وإذا لم يتوفر الاعتقاد بوجود المخالفة إلا بعد قبول أو تنفيذ أمر العميل فيكون إشعار الهيئة بعد ثلاثة أيام من تاريخ توافر تلك الأسباب.كما وضعت الهيئة خطاً دفاعياً آخر، يتمثل في تنظيم آلية للإبلاغ عن المخالفات وصرف المكافآت المالية للمبلغين لتوفير الحماية لهم.

عقوبات صارمة

وشرح المحامي أحمد التميمي أنه يترتب على ارتكاب المستثمر مخالفة التأثير على سعر الورقة المالية بالتلاعب، أو التضليل، أو نشر الإشاعات، أو بالتداول بناء على معلومات داخلية، وقوع العقوبات المنصوص عليها في النظام التي تبدأ بالإنذار وتصل إلى الإلزام بدفع ثلاثة أضعاف المكاسب التي حققها أو الخسائر التي تجنبها نتيجة للمخالفة، وكذلك المنع من العمل في الشركات التي تتداول أسهمها في السوق المالية، وغرامة تصل إلى 25 مليون ريال (6.7 مليون دولار) عن كل مخالفة ارتكبها. بل يمكن أن تتجاوز الغرامات والتعويضات المالية إلى العقوبة بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات. وحذر المستثمرين قائلاً إنه لا يعفي من المسؤولية الجهل بأنظمة ولوائح السوق ولا صدور تلك المخالفات، ممن يقوم بتشغيل وإدارة محافظهم من غير المرخصين.

وقال إنه يحق للمستثمرين المتضررين من المخالفات التي ارتكبها مستثمرون آخرون التقدم بشكوى إلى هيئة السوق المالية، ثم بدعوى إلى لجنة الفصل في منازعة الأوراق المالية للمطالبة للتعويض عن الأضرار.

وأضاف أن هيئة السوق المالية ملتزمة بالقيام بمسؤولياتها، ومنها أنها تقوم بحماية المواطنين والمستثمرين في الأوراق المالية من الممارسات غير العادلة، أو غير السليمة، أو التي تنطوي على احتيال، أو غش، أو تدليس، أو تلاعب.


مقالات ذات صلة

أرباح «الدريس» السعودية ترتفع 9 % نتيجة زيادة عدد المحطات

الاقتصاد إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)

أرباح «الدريس» السعودية ترتفع 9 % نتيجة زيادة عدد المحطات

ارتفعت أرباح شركة «الدريس للخدمات البترولية والنقليات السعودية» بنسبة 9 في المائة خلال الربع الأول إلى 110.1 مليون ريال على أساس سنوي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية تنتعش بآمال «مفاوضات السلام»

سجلت الأسهم الآسيوية ارتدادة قوية في تداولات يوم الثلاثاء، مدفوعة بأنباء متفائلة حول محادثات سلام بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد خزان «برايان ماوند» الاستراتيجي لتخزين النفط في تكساس (رويترز)

النفط يتراجع وسط توقعات باستئناف المحادثات الأميركية - الإيرانية

تراجعت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، عن مكاسب الجلسة السابقة، وسط توقعات بعقد محادثات سلام بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد شخص يمر أمام لافتة السوق السعودية «تداول» (رويترز)

مؤشر السوق السعودية يتراجع للجلسة الثالثة بضغط الأسهم القيادية

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الاثنين، على تراجع بنسبة 0.9 %، متراجعاً للجلسة الثالثة على التوالي بضغط من الأسهم القيادية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط طوكيو (أ.ف.ب)

«نيكي» يصعد مع تغلب تفاؤل الذكاء الاصطناعي على مخاوف الشرق الأوسط

ارتفع مؤشر نيكي الياباني للأسهم، الاثنين، مقترباً من أعلى مستوى له على الإطلاق الذي سجله الأسبوع الماضي

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

أرباح «الدريس» السعودية ترتفع 9 % نتيجة زيادة عدد المحطات

إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
TT

أرباح «الدريس» السعودية ترتفع 9 % نتيجة زيادة عدد المحطات

إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)

ارتفعت أرباح شركة «الدريس للخدمات البترولية والنقليات السعودية» بنسبة 9 في المائة خلال الربع الأول من 2026 إلى 110.1 مليون ريال (29.3 مليون دولار)، على أساس سنوي.

وعزت الشركة هذا النمو، في بيان على منصة «تداول»، إلى ارتفاع المبيعات خلال الربع الحالي نتيجة التوسع في عدد المحطات وزيادة عدد الشاحنات، بالإضافة إلى نمو مبيعات قطاعي «ناقل» و«بترول».

وأفادت الشركة بأن نتائجها المالية استفادت كذلك من ارتفاع إيرادات الودائع البنكية والإيرادات الأخرى، إلى جانب تحسن نتائج الاستثمار في المشروع المشترك والاستثمار في الصكوك، وذلك رغم ارتفاع المصروفات البيعية والمصاريف العمومية والإدارية وأعباء التمويل ومصاريف الزكاة.

في المقابل، أوضحت «الدريس» أن أرباحها سجَّلت انخفاضاً على أساس ربعي مقارنة بالربع السابق، متأثرة بتراجع المبيعات خلال الربع الحالي نتيجة موسمية الطلب المرتبطة بشهر رمضان وعيد الفطر، رغم استمرار التوسع في شبكة المحطات وزيادة عدد الشاحنات.

كما أشارت إلى أن التراجع الربعي جاء أيضاً نتيجة انخفاض إيرادات الودائع البنكية والإيرادات الأخرى، وارتفاع المصروفات البيعية وأعباء التمويل، وذلك على الرغم من ارتفاع أرباح حصة الاستثمار في المشروع المشترك وأرباح الصكوك، وانخفاض المصاريف العمومية والإدارية ومصاريف الزكاة.


هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في مكاتب الكابيتول هيل المزدحمة لم يعد الحديث يدور فقط عن هوية الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بل عن السيناتور الذي قرر فجأة أن يقلب الطاولة على الجميع. توم تيليس، السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية، تحوّل إلى «العدو اللدود» لخطط البيت الأبيض، مهدداً بمنع كيفن وارش من الوصول إلى سدة الحكم في أهم بنك مركزي في العالم، وذلك قبل ساعات فقط من مثول الأخير أمام لجنة الشؤون المصرفية في جلسة استماع وصفت بأنها «الأخطر» على مستقبل الاقتصاد الأميركي.

بينما يتجهز كيفن وارش للإدلاء بشهادته يوم الثلاثاء، يجد نفسه أمام كمين سياسي نصبه تيليس بعناية. فالسيناتور الذي اتخذ قراراً سياسياً استراتيجياً بـعدم الترشح لولاية ثالثة في مجلس الشيوخ، وهو ما منحه «قوة سياسية» غير متوقعة، يرهن صوت الحسم الذي يمتلكه داخل اللجنة بشرط وحيد وقطعي: وقف «الملاحقة الجنائية» التي تشنها إدارة ترمب ضد الرئيس الحالي جيروم باول.

ويصف زملاء تيليس موقفه بأنه «الانتحار السياسي الشريف»؛ فبما أنه لن يترشح مجدداً، لم يعد يهمه غضب ترمب أو تدويناته الهجومية على منصة «تروث سوشال». فتيليس، الذي كان يوماً حليفاً لميتش مكونيل، قرر أن يقضي شهوره الأخيرة في مجلس الشيوخ كـ«حارس للحقيقة»، رافضاً الانصياع لسياسات «الرجل الواحد». وهو يرى أن التحقيقات المتعلقة بتجاوز تكاليف تجديد مقر البنك المركزي (2.5 مليار دولار) ليست سوى «ذريعة» لكسر استقلالية المؤسسة النقدية، مؤكداً أنه لن يسمح بتمرير مرشح ترمب طالما ظل باول تحت وطأة «التهديد القضائي».

وتكتسب معارضة تيليس أهمية قصوى بسبب الحسابات الرقمية المعقدة داخل الكابيتول هيل؛ فلكي يخرج ترشيح وارش من أروقة لجنة الشؤون المصرفية بمجلس الشيوخ يحتاج إلى تأييد أغلبية أعضائها الـ23. وفي ظل الانقسام الحزبي الراهن، يسيطر الجمهوريون على اللجنة بـ12 مقعداً مقابل 11 مقعداً للديمقراطيين. وبما أن الديمقراطيين الـ11 يصطفون بجبهة موحدة ضد وارش، فإن انشقاق صوت جمهوري واحد -وهو صوت تيليس- سيؤدي إلى تعادل الأصوات مع امتناع أو معارضة تيليس، وهو ما يعني قانونياً «فشل المرشح» في نيل تزكية اللجنة.

هذا الرقم البسيط هو ما يمنح السيناتور المتمرد سلطة «الفيتو» الفعلي، ويجعل من صوته الجسر الوحيد الذي يجب أن يعبره وارش للوصول إلى التصويت العام في مجلس الشيوخ.

إرث «رجل المقطورات» في مواجهة «ثروة الـ 100 مليون»

تكتسب جلسة اليوم صبغة درامية؛ حيث يتواجه «رجل المقطورات» تيليس -الذي نشأ في فقر مدقع وحصل على شهادته في سن الـ 36- مع وارش، الذي كشفت إفصاحاته المالية اليوم عن ثروة هائلة تتجاوز 100 مليون دولار.

وتضغط اللجنة اليوم على وارش لكشف تفاصيل خطته للتخارج من أصوله المرتبطة بالملياردير ستانلي دروكنميلر، وسط مخاوف ديمقراطية من أن يكون تولي وارش للمنصب بوابة لـ«تضارب مصالح» غير مسبوق، حيث يتساءل المشرّعون: «من سيشتري أصول وارش؟ وهل سيكون دروكنميلر هو من يكتب شيك الخروج؟».

«لست ميتاً بعد»

يأتي مثول وارش اليوم في أعقاب حرب كلامية استعرت خلال الساعات الماضية؛ فبعد محاولة ترمب تهميش تيليس بوصفه «سيناتوراً منتهياً»، رد تيليس ببروده المعتاد: «لست ميتاً بعد... ونشأتي الصعبة علمتني ألا أستفز بسهولة».

هذا الإصرار يجعل من جلسة اليوم «موقعة تكسير عظام»؛ فإما أن يرضخ البيت الأبيض ويوقف تحقيقات باول لإنقاذ مرشحه، أو يواجه انتحاراً سياسياً لخطته في السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي.


بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
TT

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

في لحظة فارقة قد تغير خريطة قطاع التكنولوجيا العالمي، أعلنت شركة «أبل»، الثلاثاء رسمياً تنحي تيم كوك عن منصبه مديراً تنفيذياً في وقت لاحق من هذا العام؛ لينتقل إلى منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي. وسيشغل جون تيرنوس، المهندس الذي يقف وراء ثورة أجهزة «أبل» في السنوات الأخيرة، المنصب القيادي الأول بدءاً من مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل، ليرث تركة اقتصادية تقدر بتريليونات الدولارات، ولكنها محفوفة بتحديات وجودية لم تشهدها الشركة منذ عقود.

كوك يحضر حفل غداء توزيع جوائز معهد الفيلم الأميركي بلوس أنجليس في يناير (رويترز)

إرث تيم كوك وتوقيت «الخروج المسرحي»

يرى المحللون في «وول ستريت» أن رحيل كوك في هذا التوقيت هو «تحول مدروس»؛ فبعد قيادته للشركة لأكثر من عقد وتحويلها إلى أضخم كيان مالي في العالم، يترك كوك المنصب والشركة تمر بمخاض عسير في استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي. ويؤكد الخبراء أن الضغوط المتزايدة لتقديم رؤية واضحة في هذا المجال كانت المحرك الأساسي لضخ دماء جديدة في «الجناح التنفيذي».

جون تيرنوس يتحدث خلال مؤتمر «أبل» العالمي السنوي للمطورين (أرشيفية - رويترز)

خريطة الطريق لتيرنوس لإنقاذ العرش

لكي يتمكن تيرنوس من إسكات المشككين وبناء مصداقية سريعة في الأسواق؛ عليه حسم سبعة ملفات شائكة وصعبة:

1. معضلة الذكاء الاصطناعي: التحول من «اللحاق» إلى «السيادة»

المهمة الأولى والأكثر إلحاحاً هي جعل «ذكاء أبل» (Apple Intelligence) عنصراً حاسماً في قرار الشراء. رغم الشراكة الاستراتيجية مع «غوغل» لدمج نموذج «جيميناي» في أنظمة «أبل» مقابل مليار دولار سنوياً، فإن تيرنوس مُطالَب بتطوير قدرات سيادية للشركة تجعل «سيري» أكثر من مجرد مساعد صوتي، بل محركاً حياتياً يعتمد عليه مئات الملايين.

2. ابتكار «المستقبل»... هل انتهى زمن «الأيفون»؟

يواجه تيرنوس ضغطاً لتقديم «الشيء الكبير القادم». ومع دخول شركة «أوبن إيه آي» مجال الأجهزة من خلال استحواذها على شركة المصمم السابق لـ«أبل» جوني آيف، بات التهديد حقيقياً. تيرنوس، بخبرته الطويلة في هندسة الأجهزة، مُطالَب بابتكار جهاز ثوري يتجاوز فكرة الهاتف الذكي التقليدي؛ وهو ما قد يتخطى مجرد «أيفون قابل للطي» المنتظر.

3. جراحة مؤلمة في القوى العاملة

على غرار ما فعله عمالقة التقنية (أمازون، ميتا، وأوراكل)، قد يضطر تيرنوس إلى إعادة هيكلة ضخمة في حجم العمالة. «أبل» التي توظف أكثر من 160 ألف شخص عالمياً، قد تلجأ تحت قيادته لتقليص الأعداد في الأقسام التقليدية لإعادة تخصيص الموارد نحو استثمارات النمو المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي خطوة يترقبها المستثمرون لرفع كفاءة الأرباح.

4. مراجعة مليارات «Apple TV+»

أنفقت «أبل» ما يقارب 30 مليار دولار على المحتوى الأصلي منذ عام 2019، ورغم نيلها بعض الجوائز، فإن عدد «الضربات الكبرى» (Hits) لا يزال ضئيلاً مقارنة بالإنفاق. التحدي أمام المدير الجديد هو الحسم: هل تندفع «أبل» بقوة لمنافسة «نتفليكس» و«أمازون» عبر صفقات استحواذ ضخمة، أم تنسحب تدريجياً لتقليص الخسائر في قطاع المحتوى؟

5. إعادة تشكيل «المطبخ القيادي»

من المتوقع أن يقوم تيرنوس بتعيين فريقه الخاص في المناصب العليا. تغيير المدير التنفيذي عادة ما يتبعه تغيير في رؤساء القطاعات الرئيسية. سيبحث المستثمرون عن أسماء شابة ومبتكرة في فريق تيرنوس تعكس التوجه الجديد نحو البرمجيات والذكاء الاصطناعي بدلاً من التركيز التاريخي على التصميم الخارجي فقط.

6. دبلوماسية «البيت الأبيض»

أتقن تيم كوك فن التعامل مع التقلبات السياسية في واشنطن، وبنى علاقة قوية مع الرئيس دونالد ترمب لحماية «أبل» من الرسوم الجمركية. تيرنوس لا يمتلك هذا التاريخ الدبلوماسي، وعليه البدء فوراً في استثمار الوقت لبناء علاقة شخصية مع الإدارة الأميركية، لضمان استمرارية سلاسل التوريد العالمية للشركة دون عوائق سياسية.

ترمب يصافح تيم كوك بالبيت الأبيض في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

7. كسب ثقة «حكماء أومها»

تُعدّ شركة «بيركشاير هثاواي» أكبر مساهم منفرد في «أبل» بحصة تبلغ 62 مليار دولار. ومع انتقال القيادة فيها إلى «غريغ أبل» (خلفاً لوارن بافيت)، يحتاج تيرنوس إلى تأسيس كيمياء خاصة مع «أبل» (المستثمر)؛ لضمان استمرار هذا الدعم المالي والمعنوي الذي يمنح السهم استقراره التاريخي في الأوقات الصعبة.

في الخلاصة، تيرنوس ليس مجرد «مهندس أجهزة» يترقى، بل هو الآن يقود سفينة تعبر عاصفة تكنولوجية لم يسبق لها مثيل. نجاحه يعتمد على قدرته في دمج عبقرية «أبل» في التصميم مع الثورة القادمة في البرمجة، والأسواق لن تمنحه الكثير من الوقت قبل أن تطلب منه نتائج ملموسة.