تُعدّ سينما «الكوليزه» في شارع الحمراء العريق قرب مستشفى الجامعة الأميركية، واحدة من بين 29 صالة سينمائية كانت تحتضنها العاصمة بيروت؛ بيد أنها كغيرها من دور السينما، أقفلت أبوبها في زمن الحرب، وأُهملت حدّ النسيان.
يملك أهالي بيروت مشاعر الحنين للسينما التي شُيّدت في عام 1945 لتكون فيما بعد عنواناً مشهوراً، لعرض أهم الأفلام الأجنبية، وبقيت شاهداً على مراحل من حياتهم منذ الطفولة.
واليوم ها هي «الكوليزه» تُعيد فتح أبوابها بعد سنوات طويلة من الغياب، وقرّرت جمعية «تيرو للفنون» ومسرح «إسطنبولي» بإدارة مؤسسهما قاسم إسطنبولي ضخ الحياة فيها من جديد. ومعها سيتمدد «المسرح الوطني اللبناني» ليصل بيروت. فهو سبق وأعاد افتتاح صالات سينما تتوزع بين مدن صور وطرابلس. وبينها «ريفولي» و«أمبير» و«ستارز». وحالياً يعمل إسطنبولي على إعادة ترميم «الكوليزه» كي تستطيع استقبال ورش عمل فنية، ولتشكل محطة لفنانين شباب يبحثون عمّن يدعم أعمالهم المسرحية والسينمائية.

ويشير إسطنبولي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الهدف الأساسي من إعادة افتتاح هذه الصالة هو إقامة صالة فنية وطيدة ما بين مدن لبنان. ويتابع: «مسارح لبنان وصالاته السينمائية هي جزء من تراثه الفني. ومن واجبنا الحفاظ عليه والعمل على إعادة إحيائه. سبق وقدمنا تجارب مشابهة لدور سينما مقفلة بين مدن صور وطرابلس، وحولناها إلى مساحات ثقافية مستقلة ومجانية. وجميعها تصبّ في رؤية واحدة ألا وهي (المسرح الوطني اللبناني)».
هذه المساحات تشهد منذ ترميمها حتى اليوم نشاطات مختلفة ثقافية وفنية، كما تنظم على مسارحها ورش تدريب ومهرجانات وعروض فنية، وتحتوي على مقاهٍ ومكتبات عامة، وتُوضع جميعها في تصرّف كلّ من يرتادها كي تصقل تجاربه الفنية. ويعلق إسطنبولي: «(الكوليزه) هي تكملة لحلمنا الذي بدأ مع تأسيس (المسرح الوطني اللبناني) في مدينة صور منذ 7 أعوام. واليوم وبناء على اتفاق عقدناه مع أصحاب المبنى سنحاول الاستفادة قدر الإمكان من شبك فنون مدن لبنانية مع بعضها بعضاً».
تميّزت «الكوليزه» قديماً، بهندستها المعمارية وديكوراتها اللافتة، وهي تتألف من 3 طوابق وتتضمن إلى جانب صالة العرض مقهى عند مدخلها. وكانت في أيام العز تتّسع لنحو 400 شخص، يجلسون على مقاعدها الفاخرة ويستمتعون بمتابعة أجمل الأفلام الغربية. يومها كانت تابعة لشركة «أمبير» السينمائية. وكانت شركة «توب تن» الموسيقية تملك مركزاً فيها. وارتادها الناس وقتها من كلّ حدب وصوب. بعضهم يتذكر أفلاماً للكوميدي الفرنسي لوي دي فينيس شاهدها على شاشتها العملاقة، وآخرون عندما تسألهم عن ذكرياتهم حول هذه الصالة، يردون بحماس: «لقد كانت السّباقة في عرض أفلام للاندو بوزانكا وكلينت ايستوود وبيار ريشار نجم الكوميديا في السبعينات».

ويقول قاسم إسطنبولي إن المارة الذين يلفتهم اليوم عملية إعادة ترميم الصالة، يتوقفون أمامها يسترجعون ذكرياتهم، «فبعضهم يمسك بيد حفيده يدله على واحدة من أقدم الصالات السينمائية في بيروت. أفرح لرؤية البيروتيين سعداء بهذه الخطوة. فعودة الصالة إلى الحياة تحيي عندهم الحنين لذكريات جميلة».
بدأت عملية ترميم «الكوليزه» منذ نحو شهرين، وقد تستمر لغاية منتصف الصيف بسبب الحالة المزرية التي تعاني منها؛ فمقاعد صالتها غير موجودة فقد بيعت منذ زمن. وأسقفها تعاني من نشّ المياه ومن التصدع كما جدرانها. ويغطّي الركام مساحتها بعد أن أُهملت وهُجرت لزمن. وتحتاج لإعادة ترميم طويلة خارجية وداخلية.
ويختم إسطنبولي بالقول: «هذا المثلث الفني بين مدن طرابلس وصور وبيروت من شأنه أن يساهم في نهضة فنية عارمة. وحالياً بدأت التدريبات وورش العمل فيها بفضل طلاب متطوعين من الجامعة الأميركية. كما نلجأ إلى جاليات عربية نستفيد من خبراتها في هذا الشأن لتوسيع نشاطاتنا. فإعادة فتح وتأهيل المساحات الثقافية إضافة إلى تأمين معارض وأنشطة فنية محلية، تنسج شبكات تبادل مع مهرجانات دولية. هذه الصالات التي فتحناها تعرّف جمهورها إلى تاريخ السينما في لبنان والعالم، وتقدم عروضاً أخرى للمكفوفين والصّم والبكم. وتفتح الفرص أمام مخرجين شباب لعرض أعمالهم».





