جدل مصري حول كليات «الآداب والتجارة والحقوق»

بعد انتقاد السيسي استمرار الإقبال عليها رغم أزمة توظيف خريجيها

جامعة القاهرة أعرق الجامعات المصرية
جامعة القاهرة أعرق الجامعات المصرية
TT

جدل مصري حول كليات «الآداب والتجارة والحقوق»

جامعة القاهرة أعرق الجامعات المصرية
جامعة القاهرة أعرق الجامعات المصرية

جدل واسع شهدته مصر، خاصة في الأوساط التعليمية، حول زيادة كليات «الآداب والحقوق والتجارة»، وذلك عقب انتقاد الرئيس عبد الفتاح السيسي، استمرار الإقبال عليها، رغم أزمة توظيف خريجيها، الذين يقدرون بمئات الآلاف سنوياً.

ووسط مطالبات برلمانية بإعادة النظر في وضع تلك الكليات النظرية بشكل عام، سواء عن طريق إلغاء بعضها أو إعادة هيكلتها، يرى خبراء تربويون أن قصور الحل على إلغاء بعض هذه الكليات أو دمجها يحمل «فهماً خاطئاً» لمفهوم التعليم، الذي يهدف بالأساس إلى بناء مجتمع وثقافة، وليس فقط إعداد موظفين لسوق العمل.

وفي مصر، يتخرج كل عام أكثر من 700 ألف خريج من الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية والخاصة، وبحسب بيانات النشرة السنوية لخريجي التعليم العالي الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن أعداد الخريجين خلال عام 2022، ارتفعت بنسبة 10.6 في المائة، حيث شهد هذا العام تخرج 738.1 ألف شاب.

ويمثل طلاب الكليات النظرية 68 في المائة من نسبة طلاب الجامعات، وفق الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي.

وخلال افتتاحه مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية، الأحد، انتقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، استمرار الإقبال على كليات «الآداب والحقوق والتجارة»، ناصحاً الأهالي بإلحاق أبنائهم بالكليات التكنولوجية التي يحتاجها سوق العمل، وقال السيسي مخاطباً أولياء الأمور: «قاعدين كلكم تدخلوا ولادكم (كليات) آداب وتجارة وحقوق، مع كل التقدير... هيشتغل إيه؟». وأضاف: «الابن يبقى زعلان مني وزعلان من الحكومة يقول ما بتشغلوناش ليه؟».

وطلب السيسي من أولياء أمور الطلبة في المراحل التعليمية المختلفة ابتدائية أو إعدادية أو ثانوية، أن يشجعوا أبناءهم على الالتحاق بالمجالات التكنولوجية الحديثة التي تدر على ذويها وعلى الدولة مليارات الدولارات سنوياً.

السيسي يفتتح مراكز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية (الرئاسة المصرية)

وقال الرئيس المصري: «هناك دول سكانها قليل، لكن عدد من يعملون فيها من أبنائها في مجالات الحوسبة والتكنولوجيا يفوق الـ750 ألف شخص... كل واحد بيعمل (يربح) 100 ألف دولار في السنة يعني 70 مليار دولار». وتابع: «مصر جامعات وكليات وبرامج بعدد ضخم نستهدف أرقاماً طموحة جداً لنخرج مما نحن فيه ونلحق بركب العالم المتقدم».

وأثارت تصريحات السيسي جدلاً جديداً حول الكليات النظرية، انتقل إلى ساحة البرلمان، حيث شهدت الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الاثنين، نقاشاً حول التعليم النظري، وقال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن بمجلس الشيوخ حسام الخولي، إن «كليات الآداب بها تخصصات لا نحتاج إليها، وتخصصات نحتاجها، والباقي غير مطلوب»، متسائلاً: «ما هذا الكم في الكليات النظرية؟ (أعداد طلابها)، وماذا نفعل به؟».

وفي مجلس النواب، طالب العضو عبد المنعم إمام، بـ«إغلاق بعض الكليات النظرية، ومنها كليتا الآداب والحقوق»، ودعا في تصريحات صحافية، الاثنين، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى «وضع استراتيجية كاملة، بشأن إعادة هيكلة بعض الكليات لتواكب سوق العمل والوظائف المطلوبة، في ظل التطور التكنولوجي وعصر الذكاء الاصطناعي».

https://twitter.com/mayasweetrose/status/1784609698223706141

في المقابل، ترى الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبد الرؤوف أن «الحديث عن جدوى الكليات النظرية يعكس فهماً خاطئاً لمفهوم التعليم»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يوجد قصر نظر لدى الذين يطالبون بإغلاق الكليات النظرية عبر ربطها بحاجة سوق العمل، وفهم خاطئ لفلسفة التعليم التي تهدف بالأساس إلى بناء مجتمع وتطوير الثقافة، وليس فقط إعداد موظفين لسوق العمل، فلا يوجد مجتمع من دون علم اجتماع أو تاريخ أو جغرافيا».

وبحسب عبد الرؤوف فإنه «يمكن حل مشكلة عدم وجود فرص عمل لخريجي الكليات النظرية عبر دمج التعليم النظري مع الوسائل والمهارات التكنولوجية التي يحتاجها سوق العمل».

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً حول الانتقادات لزيادة أعداد خريجي الكليات النظرية، ما بين مؤيدين ومعارضين. وعلق عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، الحقوقي نجاد البرعي عبر منصة «إكس» بقوله: «بشكل عام موجز ما قاله الرئيس ينصب بالكامل على تحديث التعليم، سواء في الكليات النظرية أو العملية، وسواء في الدراسات التقليدية أو الجديدة...».

ودعم مؤيدون لدعوة السيسي، بضرورة تراجع الإقبال على الكليات النظرية، بالنظر إلى تجارب دول شرق آسيا في التعليم.

فيما انتقد عدد من المتابعين الهجوم على الكليات النظرية وخريجيها، وتعامل البعض معهم بأنهم تخصصات غير مطلوبة للمجتمع.

ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي ينتقد فيها السيسي زيادة الإقبال على الكليات النظرية، ففي أبريل (نيسان) 2019، قال السيسي، خلال احتفالية عيد العمال: «يجب أن نجهز أبناءنا وبناتنا بشكل صحيح لسوق العمل، خلال السنوات المقبلة... لا يجوز أن يكون لدينا كل عام 100 ألف خريج من كلية الحقوق ومثلهم من كلية التجارة».

وفي مايو (أيار) 2018، انتقد زيادة أعداد خريجي الآداب، قائلاً إن «كلية الآداب بها 100 ألف طالب، ومئات الآلاف من مختلف التخصصات».

ويوجد الكثير من الأساليب العلمية للتعامل مع عدم وجود فرص عمل لخريجي الكليات النظرية، وفق الخبير التربوي الدكتور حسن شحاتة، «منها ما يسمى (التدريب التحويلي)، وهو يعني أن يدرس الطالب بجانب تخصصه النظري مهارات تكنولوجية وتقنية، تؤهله لسوق العمل».

وقال شحاتة لـ«الشرق الأوسط»: «من الخطأ الترويج لفكرة أن خريجي الكليات النظرية غير مهمين أو لا يحتاجهم سوق العمل، هذا غير صحيح، إذ يوجد خريجو كليات عملية كبيرة مثل الطب والهندسة لا يجدون عملاً».


مقالات ذات صلة

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

العالم الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

«الشرق الأوسط» (يريفان)
علوم العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية. غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

تساعد في جمع وتنظيم ومشاركة وعرض المواد بطريقة إبداعية

جيريمي كابلان (واشنطن)
علوم الأدوات الذكية تدخل المدارس

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدامه، وتحليل وظائفه، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي له، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

ناتاشا سينغر (نيويورك)
علوم استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية. تضاعف…

ناتاشا سينغر (نيويورك)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
TT

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

هزّ انفجار عنيف، ليل الجمعة، وسط العاصمة السودانية الخرطوم، وأثار حالة من الذعر والترقب بين السكان، بعدما ارتجّت على أثره حوائط المنازل في عدد من الأحياء، فيما سُمع دويه في مناطق بعيدة داخل ولاية الخرطوم وخارجها.

ووقع الانفجار في ضاحية «البراري» القريبة من مبنى القيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، في وقت متأخر من ليل الجمعة، وفقاً لشهود عيان، قالوا إن جسماً مجهولاً انفجر داخل المنطقة، مخلفاً ألسنة لهب كثيفة وسحابة من الدخان، إلى جانب حفرة عميقة في موقع الحادث.

وقال سكان إن صوت الانفجار سُمع في أنحاء واسعة من ولاية الخرطوم، ووصل كذلك إلى أطراف ولاية الجزيرة المجاورة، الأمر الذي أثار تكهنات واسعة بشأن طبيعته، في ظل وقوعه بالقرب من مواقع استراتيجية وحساسة.

روايات متضاربة

وتباينت الروايات الرسمية والفنية بشأن سبب الانفجار. ففي حين أعلنت الشرطة أن الحادث نجم عن انفجار «لغم أرضي» من مخلفات الحرب، أشعل مواطنون النار بالقرب منه أثناء حرق نفايات، نفى المركز القومي لمكافحة الألغام أن يكون الجسم المتفجر لغماً أرضياً. فيما رجحت مصادر أخرى أن ما حدث كان بسبب هجوم بمسيّرة كانت تستهدف القيادة العامة أو المطار، وتم التشويش عليها فأخطأت الهدف.

وقالت الشرطة، في بيان، إن عدداً من المواطنين أشعلوا النيران لحرق النفايات في الموقع، ما أدى إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض، بالقرب من القيادة العامة ومطار الخرطوم.

لكن المركز القومي لمكافحة الألغام رجّح، في تقرير فني، أن يكون الجسم المتفجر عبارة عن مقذوف مدفعي من عيار 130 أو 155 ملليمتراً، أو صاروخ تابع لطائرة مسيّرة كان مدفوناً تحت الأرض، مشيراً إلى أن الحرارة الناتجة عن حرق جذع نخلة مع النفايات قرب الموقع تسببت في تفجيره.

وأكد المركز، في بيان صحافي، أن معاينته الميدانية وفحص الشظايا والحفرة الناجمة عن الانفجار لا يدعمان فرضية أنه «لغم أرضي»، مضيفاً أن وصف الجسم المتفجر بهذه الصفة غير دقيق.

وأشار إلى أن فرق المركز تواصل عمليات المسح الميداني في المنطقة، بهدف إزالة مخلفات الحرب وتأمين الموقع، بالتنسيق مع السكان المحليين، داعياً إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء المعلومات غير المؤكدة.

صورة متداولة لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة

من جانبه، قال والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، خلال تفقده موقع الحادث، إن الصوت الذي سمعه سكان الولاية أثار كثيراً من التساؤلات، ورافقته معلومات غير دقيقة. وأوضح أن فرقاً فنية من المركز القومي لمكافحة الألغام، والدفاع المدني، والشرطة الجنائية، والأجهزة الفنية في القوات النظامية، إضافة إلى جهاز المخابرات العامة، باشرت التحقيق في الموقع، وعثرت على حفرة في مكان الانفجار.

وأضاف الوالي أن الحادث، على الرغم من قوة الانفجار، لم يسفر عن خسائر في الأرواح أو الممتلكات، ناقلاً عن مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان، أن الجسم الذي انفجر كان مدفوناً تحت الأرض ولم يكن مرئياً.

وفي المقابل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات تحدثت عن احتمال أن يكون الانفجار ناجماً عن قصف بطائرة مسيّرة مجهولة كانت تستهدف مطار الخرطوم أو مبنى القيادة العامة، قبل أن تخطئ هدفها نتيجة التشويش وتسقط داخل الحي السكني. غير أن والي الخرطوم نفى هذه الفرضية، مؤكداً أن الانفجار لا يرتبط بأي عملية عسكرية أو استهداف جوي أو تدخل من الدفاعات الأرضية، ومشدداً على أن سببه يعود إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض. ورغم النفي الرسمي، فإن تضارب الروايات بين الجهات المختصة، إلى جانب شدة الانفجار واتساع نطاق سماع دويه، أبقى على حالة من الشك والتساؤل في أذهان كثير من السكان.


رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
TT

رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)

تبدأ إثيوبيا، الثلاثاء، رئاسة مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لشهر أبريل (نيسان) الحالي، وسط خلافات عميقة مع مصر وإريتريا في ملف السد الإثيوبي، والمنفذ البحري على البحر الأحمر، وصراعات معقدة بالقارة.

وتتولى إثيوبيا رئاسة «مجلس السلام» للمرة الأولى منذ انضمامها إليه، ومن المقرر أن تبدأ رسمياً رئاسة جدول أعمال المجلس في 7 أبريل الحالي، بحسب ما ذكرت وكالة «الأنباء الإثيوبية».

وخلال فترة رئاستها «ستقود إثيوبيا المداولات حول مجموعة واسعة من قضايا السلام والأمن الحاسمة في جميع أنحاء القارة، وستغطي هذه المناقشات كلاً من الأوضاع الخاصة بكل دولة والقضايا الأوسع التي تؤثر على أفريقيا»، وفق الوكالة. وتأتي قيادة إثيوبيا في «وقتٍ لا تزال فيه الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في جميع أنحاء أفريقيا»، بحسب الوكالة الإثيوبية.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن «إثيوبيا ستبدأ اختباراً صعباً لإدارة (قضايا حاسمة)، خصوصاً وهي ستواجه مجموعة من التحديات والمشكلات التي تقتضي أن تبدي مواقف مغايرة لما سلكته في معظم القضايا السابقة بالقارة».

ويوضح حليمة لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجهات الإثيوبية تخرج عن إطار المواثيق والاتفاقية الدولية مثل التصرفات الأحادية في السد الإثيوبي، ونهجها في الوجود على البحر الأحمر رغم أنها دولة غير مشاطئة بخلاف خلافاتها العميقة مع مصر وإريتريا». ويتوقع أنها ستواجَه عند تناول هذه القضايا وغيرها بموقف صعب، وعليها أن تتغير في مواقفها لترعى مصالح الدول كافة باعتبار أن المصالح المشتركة هي أساس عمل مجلس السلم وغيره، وليس المصالح الذاتية.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، ما جعلها تعتمد على موانئ جيرانها، ولا سيما ميناء جيبوتي الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وسط رفض مصري - إريتري - صومالي لمساعي الحصول على منفذ باعتبارها دولة غير مشاطئة على البحر الأحمر.

وأشار نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» إلى أن الأوضاع المشتعلة في الصومال، وإثيوبيا طرف فيها، ومحاولتها إيجاد منفذ بحري وتهديداتها لإريتريا باستخدام القوة، ومطالب إقليم تيغراي الإثيوبي التي تتنصل منها أديس أبابا، بخلاف انغماسها في تطورات السودان، تعد قضايا ذات أهمية بالغة، مثل السد الإثيوبي، ولن تستطيع إثيوبيا طرحها بأسلوب يعبر عن مصالح الجميع.

وفي 2 مارس (آذار) الماضي، اتهمت الحكومة السودانية، إثيوبيا، بانتهاك سيادتها، قائلة إنها «ظلت تتابع خلال الشهر الأخير دخول طائرات من جانب الأراضي الإثيوبية تتعامل مع أهداف داخل السودان»، مؤكدة حينها أن «هذا السلوك العدائي مستنكر ومرفوض، ويمثل انتهاكاً سافراً وعدواناً صريحاً لسيادة السودان».

في المقابل، قال المحلل الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، إن اختيار الدول لهذه الرئاسة تكليف ومسؤولية، وعادة الدول لا توظف أجندتها الخاصة بهذه الفترة، وبالتالي «لا يتوقع أن تستغل أديس أبابا هذا الظرف ضد دول الجوار أو القارة بشكل نهائي».

وأوضح عبد الصمد لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون بين الدول في «مجلس السلم» يتم وفق آليات وضوابط، ومصر سبق أن ترأست هذا المجلس ولم يحدث شيء، وإثيوبيا أيضاً لن تقوم بموقف أو إجراء يحسب عليها، خاصة وهي حريصة على نجاح الاتحاد الأفريقي الذي تستضيفه.

ويُعد مجلس السلام والأمن، الذي تأسس عام 2004 في إطار الاتحاد الأفريقي، الهيئة المركزية للاتحاد الأفريقي المعنية بمنع النزاعات وإدارتها وحلها، وانضمت إثيوبيا إلى المجلس منذ تأسيسه، وشغلت عضوية المجلس لأربع دورات سابقة قبل انتخابها مجدداً عام 2025.


أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

عاد شبح الانقسام ليخيّم مجدداً على المؤسسة القضائية في ليبيا، منذراً بأزمة جديدة، على وقع تحذير أحد الطرفين المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء مما وصفه بتداول قرارات تتعلق بنقل وإنهاء انتداب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، مؤكداً أنها صادرة عمّن لا يملك حق إصدارها قانوناً، وتُعد منعدمة ولا يترتب عليها أي أثر.

ويعكس هذا السجال حالة من الارتباك المؤسسي، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على تمثيل المجلس الأعلى للقضاء في كل من طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، مما يفاقم المخاوف من انقسام الجهاز القضائي، على غرار ما شهدته مؤسسات سيادية أخرى خلال السنوات الماضية.

وأصدر «المجلس الأعلى للقضاء» بياناً شديد اللهجة، مساء الجمعة، من مدينة بنغازي، جاء فيه أن القرارات المتعلقة بنقل وإنهاء انتداب أعضاء الهيئات القضائية «وصلت إلى مستوى غير مسبوق من العبث، وتعد دعوة صريحة للمساس بوحدة الجهاز القضائي، وتقسيمه والإساءة إلى سمعته».

وأوضح المجلس أنه كان عازماً على عدم الرد بقرارات مضادة، لكنه اضطر إلى التحذير «للمرة الأخيرة»، مطالباً بوقف هذه القرارات، التي تهدف فقط إلى الإرباك والتقسيم.

يأتي هذا البيان في سياق أزمة قضائية حادة تعصف بليبيا منذ نهاية العام الماضي، تعكس الانقسام السياسي العميق بين الشرق والغرب، في بلد يعاني تشظّياً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وبدأت الشرارة الأولى للأزمة القضائية العام الماضي، حين أصدر مجلس النواب سابقاً عدة قوانين لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه صلاحية تعيين رئيسه، وإنشاء محكمة دستورية مستقلة في بنغازي، في حين عدَّت طرابلس هذه الخطوات محاولة للسيطرة على القضاء، مما أدى إلى إصدار أحكام بإبطال عدة قوانين تتعلق بالسلطة القضائية، أثارت ردود فعل غاضبة من السلطات في الشرق.

وازداد المشهد القضائي الليبي تأزماً مع محاولات اقتحام مقر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، من جهات مرتبطة بالمحكمة العليا، التي يرأسها عبد الله بورزيزة، فيما أعلن المجلس برئاسة مفتاح القوي، المدعوم من مجلس النواب، نقل بعض الإدارات مؤقتاً إلى بنغازي لما وصفها بالظروف القاهرة، وأدان الاقتحام.

وقاد هذا الوضع، حسب مراقبين، إلى ازدواجية مؤسسية، وصدور قرارات متضاربة، ومخاوف من انقسام الجهاز القضائي، الذي ظل موحداً نسبياً طوال سنوات الصراع السياسي منذ 2014. وحذرت الأمم المتحدة وجهات قضائية ونقابية من أن أي انقسام قد يُفقد الأحكام القضائية مصداقيتها، ويهدد وحدة الدولة.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)

في ملف آخر، تواصلت تداعيات تقرير مسرّب للجنة الخبراء الأممية، تحدث عن «وقائع فساد» طالت مسؤولين سابقين وحاليين وقيادات عسكرية، وزعماء كتائب مسلحة، في ملف مرتبط بجدل حول شركة «أركنو» النفطية الخاصة.

وفي هذا السياق، وجّه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج، أو ترتيبات مماثلة للحقول المنتجة حالياً، مع طلب تزويده بجميع التفاصيل القانونية والفنية والاقتصادية لاتخاذ القرارات المناسبة، حسب رسالة تداولتها وسائل إعلام محلية.

وسبق أن وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، بإنهاء ما سمّاها «اتفاقية التطوير» مع شركة «أركنو»، بعد أن كشف التقرير عن أن الشركة حوَّلت نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات بنكية خارج ليبيا، بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

على صعيد آخر، شددت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على أن الألغام ومخلفات الحروب تشكل تهديداً مستمراً للمدنيين، مع تسجيل 63 ضحية عام 2025، بينهم 21 طفلاً. وأوضحت البعثة أن الصراعات السابقة، والانفجارات العرضية في المخازن، تزيد من خطورة التلوث، مما يعوق التعافي والتنمية.

وبمناسبة «اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام»، جددت البعثة الأممية، السبت، التزامها بدعم جهود السلطات الليبية في إدارة المخزونات، وتطهير المخلفات المتفجرة، داعيةً المجتمع الدولي والمدني إلى تكثيف الدعم المنسق والمستدام، حمايةً للمدنيين، وتعزيزاً للأمن والسلام في مختلف أنحاء ليبيا.