هل تشهد جهود الوساطة بشأن «هدنة غزة» «انفراجة»؟

وفد مصري في تل أبيب لاستئناف المفاوضات

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية -  رويترز)
فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

هل تشهد جهود الوساطة بشأن «هدنة غزة» «انفراجة»؟

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية -  رويترز)
فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية - رويترز)

في محاولة لدفع مسار المفاوضات الرامية لتحقيق «هدنة» في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة «حماس»، كثفت القاهرة اتصالاتها مع الأطراف المعنية كافة، ما جدد الآمال بشأن إمكانية أن تشهد جهود الوساطة «انفراجة» خلال الأيام المقبلة، لا سيما مع تأكيدات مصرية بـ«حدوث تقدم ملحوظ» بين القاهرة وتل أبيب في هذا الصدد.

وأفادت قناة «القاهرة الإخبارية» المصرية، الجمعة، بأن «وفداً أمنياً مصرياً وصل إلى تل أبيب لبحث إطار اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة». ونقلت القناة عن مصدر وصفته بأنه «رفيع المستوى» لم تسمه، قوله: إن «الوفد يضم مجموعة من المختصين بالملف الفلسطيني لمناقشة إطار شامل لوقف إطلاق النار في قطاع غزة». وأكد المصدر أن «تقدماً ملحوظاً حدث في محاولات تقريب وجهات النظر بين الوفدين المصري والإسرائيلي بشأن الوصول إلى هدنة بغزة».

وكانت قناة «القاهرة الإخبارية» قد أشارت في وقت سابق، الجمعة، إلى أن «الاتصالات المصرية تجري مع الأطراف كافة بهدف الوصول لهدنة، ووقف الحرب وإنهاء المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني». كما نقلت القناة عن مصدر مصري تأكيده على أن «تلك الاتصالات مقتصرة على الوفود الأمنية فقط»، نافياً ما تردد عن «لقاءات مخططة لمسؤولين مصريين مع نظرائهم الإسرائيليين في هذا الشأن». وأشار المصدر إلى أن «القاهرة حذرت مراراً من التداعيات الخطيرة في حال نفذت إسرائيل تهديداتها باقتحام رفح في جنوب قطاع غزة».

وكانت القاهرة قد استضافت آخر جولة من المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحركة «حماس» في 10 أبريل (نيسان) الحالي. وأكد مصدر مصري مطلع في حينه أن المفاوضات شهدت «تقدماً ملحوظاً»، مع إشارة إلى «استئنافها خلال يومين»، لكن ذلك لم يحدث، فبعد أيام سلمت حركة «حماس» للوسطاء ردها على مقترح أميركي للهدنة عرض خلال المباحثات، وأكدت «التمسك بمطالبها التي تتمثل بوقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب الجيش من كامل قطاع غزة، وعودة النازحين، وتكثيف دخول الإغاثة والمساعدات، والبدء بالإعمار». وهو ما عدته إسرائيل بمثابة رفض للمقترح الأميركي.

دخان تصاعد عقب غارات إسرائيلية على رفح في جنوب قطاع غزة خلال وقت سابق (أ.ف.ب)

والتقى وفد أمني مصري، الجمعة، بمسؤولين إسرائيليين، «لبحث سبل استئناف المحادثات الرامية لإنهاء الحرب في غزة، وإتمام صفقة لتبادل الأسرى»، وفق ما نقلته «رويترز» عن مسؤول مطلع، تحدث شريطة عدم نشر اسمه. وقال المسؤول إن «إسرائيل ليس لديها أي مقترحات جديدة تقدمها؛ لكنها مستعدة للتفكير في هدنة محدودة يجري بموجبها إطلاق سراح 33 من النساء وكبار السن والمرضى بدلاً من 40 محتجزاً كان النقاش يدور حولهم من قبل». وأضاف: «لا محادثات عن المحتجزين حالياً بين إسرائيل وحركة (حماس)، ولا يوجد عرض إسرائيلي جديد في هذا الشأن، وما يحدث هو محاولة من القاهرة لاستئناف المحادثات باقتراح مصري».

وأكدت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، الجمعة، «وصول وفد مصري إلى إسرائيل لبحث صفقة تبادل المحتجزين». وهو ما أكده أيضاً موقع «واي نت» الإسرائيلي، الذي نقل عن مسؤول أمني، قوله إنه «قد يكون هناك تقدم في الاقتراح المصري بشأن صفقة لإطلاق سراح محتجزين مقابل وقف إطلاق نار طويل الأمد في قطاع غزة».

وبدوره، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إن «مصر تبذل جهوداً من أجل الوصول إلى حل وسط والدفع نحو تحقيق هدنة ولو مؤقتة في قطاع غزة، يجري خلالها إتمام صفقة لتبادل المحتجزين من الجانبين». وأوضح الرقب لـ«الشرق الأوسط»، أن «المباحثات تجري بشأن هدنة لمدة 40 يوماً يجري خلالها إطلاق سراح نحو 20 محتجزاً لدى (حماس) مقابل عدد من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية»، لافتاً إلى أن «هذا يختلف عن المقترح السابق الذي كان يتضمن الإفراج عن 40 محتجزاً لدى (حماس)، حيث سبق أن قالت الحركة إنه ليس لديها هذا العدد».

وأكد خبير الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، أن «مصر تبذل جهوداً مكثفة في المفاوضات وفي محاولة منع عملية عسكرية في رفح». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجهود المصرية نجحت حتى الآن في تأجيل اجتياح رفح رغم تكرار الحديث الإسرائيلي عن تحديد موعد العملية». وأضاف أن «القاهرة تمارس ضغوطاً سياسية على تل أبيب، نجحت حتى الآن في الحد من الجموح الإسرائيلي».

فلسطينيون نازحون بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة يطبخون في مخيم الخيام المؤقت بمنطقة المواصي (أ.ب)

وكان المقترح الذي جرت مناقشته في جولة المفاوضات الأخيرة في القاهرة ينص على «هدنة من 6 أسابيع يجري خلالها إطلاق سراح 42 محتجزاً إسرائيلياً في مقابل إطلاق سراح 800 إلى 900 فلسطيني تعتقلهم إسرائيل، ودخول 400 إلى 500 شاحنة من المساعدات الغذائية يومياً وعودة النازحين من شمال غزة إلى بلداتهم، لكن وسائل إعلام نقلت عن مصادر في حركة «حماس» قولها إن «الحركة لا يمكنها تحديد 40 محتجزاً لديها تنطبق عليهم شروط المرحلة الأولى من الهدنة».

ويرى عكاشة أن «إسرائيل تحاول إلقاء الكرة في ملعب (حماس) لإظهارها بأنها الطرف الذي لا يريد الاتفاق، وفي حقيقة الأمر أن كلا الطرفين يناور، وليست لديه نية حقيقية في إنهاء الحرب».

بينما قال الرقب إن «الكرة الآن في ملعب إسرائيل، التي يبدو أنها أكثر انفتاحاً على إتمام الاتفاق لأنها تحتاج الهدنة لترتيب صفوفها إذا ما كانت تريد اجتياح رفح»، لافتاً إلى أن «مصر تبذل جهوداً مكثفة لمنع تنفيذ عملية عسكرية واسعة في رفح».

وتكثف القاهرة جهودها للوساطة في المفاوضات تزامناً مع قلق مصري ودولي من مخاطر تنفيذ عملية عسكرية في رفح جنوب القطاع. ووفق ما نقلته «رويترز» عن مصدر مسؤول، الجمعة، فإن «المصريين يتولون زمام المبادرة حقاً في هذا الشأن... القاهرة تريد أن ترى تقدماً لأسباب من ضمنها قلقها بشأن عملية رفح المحتملة». وأضاف المصدر أن «قطر لا تزال تشارك في الوساطة لكن بقدر أقل». وكانت قطر قد أعلنت في وقت سابق عزمها إعادة تقييم دورها في الوساطة، إثر اتهامات إسرائيلية وأميركية لها بـ«عدم ممارسة ضغط كافٍ على (حماس)».

ومنذ نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، يسعى الوسطاء في مصر وقطر والولايات المتحدة في الوصول إلى اتفاق بين حركة «حماس» وإسرائيل، استناداً إلى «إطار اتفاق من 3 مراحل» جرى التوافق عليه في اجتماع عقد في باريس، بحضور رؤساء استخبارات مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى رئيس الوزراء القطري، ووصفت نتائجه في حينه بـ«البناءة»، لكنها لم تسفر عن اتفاق حتى الآن.

مساعدة فتاة فلسطينية جريحة بعد غارة إسرائيلية على الزوايدة وسط قطاع غزة في وقت سابق (أ.ب)

وقال الرقب إن «مصر تمارس جهوداً مكثفة لتقريب وجهات النظر يمكن أن يطلق عليها جهود اللحظات الأخيرة»، موضحاً أن «هناك مخططاً إسرائيلياً لتنفيذ عملية عسكرية في رفح بعد عطلة عيد الفصح أي بعد الـ30 من أبريل الحالي». وأشار إلى «وجود مقترحين إما بتنفيذ عملية عسكرية متدرجة وجزئية في رفح، وإما بإخلائها المدينة لتنفيذ اجتياح كامل». وأضاف أن «الوقت ضيق جداً بحسابات المفاوضات، لكن القاهرة تسعى من أجل الوصول إلى اتفاق قد يبرد الحرب، ويؤجل اجتياح رفح أو يلغيه».

وذكرت قناة «القاهرة الإخبارية»، الجمعة، أن «هناك مقترحاً مصرياً قد يجمد العملية العسكرية في رفح». بينما نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤول إسرائيلي قوله، الجمعة، إن المفاوضات التي يجريها وفد مصري مع مسؤولين أمنيين في إسرائيل «قد تكون فرصة أخيرة قبل دخول رفح».

ومن جانبه، لفت عكاشة إلى أن «الجهود المصرية تسير في اتجاهين؛ تحقيق الهدنة، وإلغاء اجتياح رفح»، مشيراً إلى أن «هناك حديثاً يتردد في إسرائيل بشأن تأثير حلحلة الأمور في مفاوضات الهدنة على عملية رفح».

ولا يعلق عكاشة آمالاً كبيرة على إمكانية حدوث انفراجة في جهود الوساطة قد تصل إلى هدنة. وقال إن «هناك نسبة لا تتجاوز 10 في المائة لاحتمال قبول (حماس) وإسرائيل بهدنة مؤقتة في غزة في ظل تمسك كل طرف بشروطه ومطالبه».

وتأتي زيارة الوفد المصري إلى إسرائيل بعد يوم من نداء وجهته الولايات المتحدة و17 دولة أخرى، الخميس، لحركة «حماس» لإطلاق سراح جميع المحتجزين لديها بوصفه سبيلاً لإنهاء الأزمة. وكانت «رويترز» قد نقلت، الخميس، عن مصدرين أمنيين مصريين قولهما، إن «القاهرة طلبت عقد اجتماع متابعة مع إسرائيل لاستئناف مفاوضات الهدنة». وأشار المصدران إلى أن «مسؤولين مصريين وإسرائيليين وأميركيين عقدوا اجتماعات مباشرة وعن بُعد، الأربعاء، سعياً للحصول على تنازلات لكسر جمود المفاوضات».


مقالات ذات صلة

تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

تحليل إخباري فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب) p-circle

تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

دخلت العلاقة بين الممثل الأعلى لمجلس السلام في قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، وحركة «حماس»، مرحلة شدّ وجذب لا تتوقف عن تبادل الاتهامات

محمد محمود (القاهرة)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس) p-circle

خاص ظاهرة «الأوراق البيضاء»... لماذا تعثر انتخاب قائد جديد لـ«حماس»؟

سألت «الشرق الأوسط» مصادر من «حماس» داخل غزة وخارجها عن أسباب تعثر انتخاب قائد جديد للحركة، وأفادوا بملابسات مختلفة، منها ظاهرة «الأوراق البيضاء»... فما سرها؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون حول حفرة كبيرة سبَّبها القصف الإسرائيلي لمنطقة خان يونس (أ.ف.ب)

مجلس السلام يؤكد وجود فجوة في تمويل خطة إعمار غزة

أكد مجلس السلام برئاسة الرئيس الأميركي ضرورة الإسراع في سد الفجوة بين التعهدات المالية وصرف الأموال في خطة ترمب لإعادة إعمار غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف - تل أبيب)
المشرق العربي نظَّم متظاهرون احتجاجاً أمام وزارة الخارجية بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)

إسرائيل تعترض 41 قارباً من «أسطول الصمود» وتعتقل ناشطين

قال منظمو أسطول المساعدات المتجه إلى غزة، الثلاثاء، إنَّ القوات الإسرائيلية اعترضت 41 قارباً في شرق البحر المتوسط، في حين لا تزال 10 قوارب تبحر باتجاه القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي 
آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم مبنى فلسطينياً قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة أمس (رويترز)

مؤشّرات «تطهير عرقي» في غزة والضفة الغربية

نددت الأمم المتحدة، أمس، بمؤشّرات تفيد بـ«تطهير عرقي» في غزة والضفة الغربية المحتلة على السواء، مطالبة إسرائيل بأن تتّخذ كلّ التدابير اللازمة لمنع وقوع أفعال

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (جنيف)

«الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
TT

«الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

نفت «قوات الدعم السريع» في السودان، إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو»، وعودته إلى ميدان القتال في إقليم كردفان؛ وقالت في بيان إن «هذه المزاعم عارية عن الصحة، وتأتي في إطار الحملات الدعائية المغرضة».

ميدانياً، وردت أنباء عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في منطقة التكمة بولاية جنوب كردفان يوم الاثنين.

ويأتي هذا بعد أيام من الهدوء النسبي، وسط تداول معلومات عن أن الجيش نجح في استعادة السيطرة على التكمة، وفتح الطريق نحو مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن الولاية.

وتواترت أنباء عن كسر الجيش الحصار المفروض على الدلنج، وإدخال تعزيزات إنسانية وعسكرية، بعد عملية انفتاح من الداخل على منطقتي التكمة وهبيلا، إثر هجمات نفذها على «الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية - شمال»، الساعية لإعادة حصار المدينة.


قواعد الطلاق في مصر... خلاف مستمر بين الأزهر ودعاة التعديل

مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
TT

قواعد الطلاق في مصر... خلاف مستمر بين الأزهر ودعاة التعديل

مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)

ينتظر مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر سجالات طويلة داخل أروقة البرلمان وخارجه، وسط خلاف نشب مؤخراً بين مؤسسة «الأزهر» والقائمين على تعديل مواد القانون، وهي تباينات عادة ما تظهر بين المؤسسات الدينية والمدنية عند طرح قوانين جديدة تُنظم أحوال الأسرة المصرية.

وقرر رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي، الثلاثاء، إحالة مشروع القانون إلى اللجان المختصة لمناقشته، تمهيداً لعرضه على الجلسة العامة للمجلس.

ويستحدث المشروع مواد عدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة، من بينها تقييد إجراء الطلاق المباشر لدى المأذون خلال الثلاث سنوات الأولى من عمر الزواج، وقصر إجراءات الطلاق في هذه المدة على محكمة الأسرة، التي ستحاول بداية الإصلاح بين الزوجين.

كما استحدث المشروع مادة تتيح للطرفين طلب فسخ عقد الزواج خلال 6 شهور - ما لم تكن الزوجة حاملاً - في حال اكتشف أي من الطرفين بالآخر عيباً كان موجوداً قبل العقد دون إخبار الطرف الثاني به ورضائه عنه، على أن يُستعان بأهل الخبرة لتحديد العيوب التي يُطلب فسخ العقد من أجلها.

وكانت الحكومة المصرية أحالت مشروع القانون إلى المجلس في الثالث من مايو (أيار) الحالي، دون عرضه على الأزهر لأخذ رأيه الشرعي في مواده، على خلاف ما جرت عليه العادة في مشاريع قوانين سابقة للأسرة لم ترَ النور، كان أبرزها في عام 2019.

المؤسسة الدينية

أستاذ الفقه المقارن والشريعة في جامعة الأزهر، أحمد كريمة، يرى أن «كثيراً من المواد المستحدثة تخالف الشريعة»، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه كان على الحكومة أخذ مشورة الأزهر في مشروع الأحوال الشخصية للمسلمين، وهو إجراء اتبعته أيضاً مع الكنائس عند إعدادها قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.

وأعلنت الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي الانتهاء من مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بعد نقاشات مع الكنائس المصرية حوله.

وردّ الأزهر في بيان، الاثنين، على تساؤلات وردت إليه بشأن موقفه من مشروع قانون الأحوال الشخصية، قائلاً إن المشروع «لم يُعرض بعد على الأزهر الشريف، ولم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال».

وأضاف البيان أن الأزهر سبق وقدَّم مقترحاً بقانون للأحوال الشخصية في أبريل (نيسان) 2019، تضمَّن رؤيته الشرعية لهذا الموضوع، من خلال لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، ولا يعلم مدى توافق هذا المقترَح مع مشروع القانون الحالي المتداول بشأنه النقاش من عدمه، مشيراً إلى أن الأزهر «سيُبدِي رأيه وفق ما جرى عليه العرف الدستوري والقانوني، عقب إحالته إليه رسمياً من مجلس النواب».

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (مجلس النواب)

وأرجع رئيس لجنة صياغة مشروع القانون الحكومي، المستشار عبد الرحمن محمد، خلال تصريحات تلفزيونية مساء الاثنين، عدم عرض مشروع القانون على الأزهر قبل إحالته إلى البرلمان إلى الأخذ بآراء الأزهر كافة في المشروع السابق، مؤكداً موافقة جميع المواد للشريعة بنسبة 100 في المائة.

لكن كريمة علَّق في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هناك مواد مستحدثة لم تعرض على الأزهر من قبل حتى يُقال إن اللجنة اعتمدت على رأي الأزهر السابق، مثل المادة الخاصة بتقييد الطلاق والأخرى الخاصة بفسخ العقد، وهما مخالفتان للشريعة من وجهة نظري».

ويفسر الباحث في الحركات الإسلامية أحمد سلطان حالة الاستياء لدى المؤسسة الدينية من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد إلى «ما أثاره القانون من لغط مجتمعي، ومحاولة الأزهر النأي بنفسه عنه على أساس أنه ليس جزءاً من المشروع حتى الآن». ووصف سلطان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ما يجري من نقاشات بالأمر الصحي، وقال إنها في صالح المشروع ككل.

أزمة «الطلاق الشفهي»

وفي مقابل الاستياء من مواد يعتقد البعض أنها مخالفة للشريعة، ثمة اعتراضات لا تستند إلى المبدأ ذاته، وإنما إلى مشكلات ظهرت في أثناء تطبيق مواد قوانين الأسرة خلال السنوات الماضية وبحاجة إلى تعديل تشريعي للتعامل معها، وفي مقدمتها قضية «الطلاق الشفهي»، حسب المحامي في مؤسسة «قضايا المرأة المصرية»، أحمد مختار.

حملة توعوية ضد الطلاق الشفهي (مؤسسة قضايا المرأة المصرية)

وقال مختار لـ«الشرق الأوسط»: «مشروع القانون الحالي لا يلبي طموحنا، ونتطلع لأن يصدر قانون جامع بمواد حاكمة واضحة لا تترك الأمر لتأويل القضاة»، مضيفاً أن مشروع القانون الحالي «أمسك بالعصا من المنتصف، في محاولة لتقليل حدة الصدام سواء مع المؤسسات الدينية أو غيرها».

وأضاف: «في ملف الطلاق الشفهي المثير للجدل، لم يحلّ مشروع القانون الأمر بالنص صراحة على عدم الاعتراف به أو وقوع الطلاق ما لم يوثق، وإنما نصّ على إلزام الزوج بالتوثيق خلال مدة 15 يوماً من وقوع الطلاق».

وتساءل: «إذا لم يوثق الزوج الطلاق في هذه المدة فسيقع عبء إثباته على الزوجة، أي أننا نظل أمام المعضلة نفسها الخاصة بوقوعه شرعاً وعدم الاعتراف به قانوناَ ما لم يوثق»، مضيفاً: «ما دام الدولة لا تعترف بالزواج إذا تم شفهياً وتشترط التوثيق، فلا بد أن يُعامل الطلاق بالمِثل».

وسبق أن اقترح الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2017 إلغاء الطلاق الشفهي، وإصدار قانون ينص على عدم الاعتداد بالطلاق ما لم يوثق، وهو ما أثار حفيظة المؤسسات الدينية آنذاك، وقوبل بحملة رفض واسعة.


ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
TT

ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)

انخرطت قوات «الجيش الوطني» الليبي بكل وحداتها العسكرية البرية والبحرية والجوية في «مناورات درع الكرامة 2»، التي انطلقت بعد ظهر الثلاثاء، بحضور دبلوماسي عربي ودولي.

وأطلق صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش، المناورة حسب «تلفزيون المسار»، بعد أخذ الإذن من القائد العام، لتبدأ وفق الخطة الموضوعة، التي تشرف عليها رئاسة الأركان العامة بقيادة الفريق خالد حفتر.

واطّلع حفتر على سير المناورة جواً، وأثنى على عزيمة جنود «الجيش الوطني» وبسالتهم خلال التدريبات، التي بدأت قبل أربعة أيام.

صدام حفتر يتفقد غرف العمليات ومواقع تمركز «فرقة 309» والوحدات المشاركة في المناورة (القيادة العامة)

وقُبيل انطلاق المناورة التي تحتضنها منطقة «رأس العلبة»، تفقّد خالد حفتر، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، سير تدريبات وحدات القوات المسلحة المشاركة في العملية، وتشمل تدريبات المشاة والدبابات، واقتحام المباني.

وقالت رئاسة الأركان إن خالد حفتر عقد اجتماعاً مع قيادات «الفرقة 309» وآمري الوحدات والألوية المشاركة في المناورة. وفيما أشاد بـ«المستوى المتقدم» الذي ظهر به منتسبو القوات المسلحة، شدّد على أن «بناء قوات مسلحة حديثة ومتطورة يرتكز على التدريب المستمر، والانضباط ورفع مستوى التأهيل العسكري».

جانب من المناورة العسكرية (القيادة العامة للجيش)

ويحرص «الجيش الوطني» على تحديث ترسانته العسكرية من خلال تطوير أنظمة الدفاع الجوي والبري، بالإضافة إلى إبرام صفقات تسليح وتدريب موسعة مع شركاء دوليين لتعزيز جاهزية قواته. ويعد من أبرز ملامح هذا التطوير تعزيز القوات البرية بمركبات من نوع «BTR-82A» الروسية، ومركبات «Spartak»، إلى جانب تطوير دبابات القتال الرئيسية.

وتضم المناورة، التي يجري التحضير لها منذ السبت الماضي في منطقة «رأس العلبة»، قرابة 25 ألف جندي وضابط، وتُوصف بأنها «الأكبر في تاريخ الجيش الوطني»، وتأتي تزامناً مع الاحتفالات التي تجريها «القيادة العامة» بذكرى «معركة الكرامة».

وتقع منطقة «رأس العلبة» في شمال شرقي ليبيا، جنوب بلدة العزيات التابعة لبلدية درنة.

وسبق أن اجتمع صدام حفتر، في الرابع من مايو (أيار) الحالي، مع قادة الألوية والوحدات المشاركة في المناورة، واطّلع على مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الوحدات المشاركة، كما جرى استعراض التصور العام للمناورة، والخطة التنظيمية لتنفيذها، وآلية التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية المشاركة.

تدريبات بواسطة الهليكوبتر (القيادة العامة)

وأكد صدام حفتر «ضرورة المحافظة على أعلى درجات الجاهزية والانضباط، وتنفيذ مراحل المناورة كافة وفق الخطة المعتمدة، بما يؤكد كفاءة وجاهزية القوات المسلحة، وقدرتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار».

و«معركة الكرامة» عملية عسكرية واسعة، سبق أن شنّتها قوات «الجيش الوطني» في 16 مايو عام 2014، في مواجهة جماعات إرهابية، من بينها «تنظيم داعش»، بسطت قبضتها على مدن ليبية، بينها بنغازي ودرنة.

وقال اللواء عمر مراجع المقرحي، القائد بـ«الجيش الوطني»، إن مناورة «رأس العلبة ليست مجرد استعراض قوة، بل رسالة واضحة بأن الجاهزية واقع، وأن الإرادة لا تُكسر، وأن من يحمل شرف المسؤولية لا يتراجع».

وعدّ المقرحي، في تصريح صحافي، هذه المناورة «تجسيداً لانضباط، وقوة تُبنى بصمت وتثبت بالفعل، ورسالة لكل من يراهن على ضعف الدولة بأن الجيش حاضر وقادر، وستبقى رأس العلبة علامة فارقة في تاريخ الجيش الليبي الحديث».

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع خليفة حفتر، في مدينة بنغازي مساء الاثنين، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا. وقالت البعثة إن تيتيه أطلعت حفتر على «التقدم المحرز» في «الحوار المُهيكل»، حيث تعمل مساراته الأربعة حالياً على استكمال وصياغة توصياتها النهائية.

خالد حفتر شدّد على أن «بناء قوات مسلحة حديثة ومتطورة يرتكز على رفع مستوى التأهيل العسكري» (القيادة العامة للجيش)

كما قدمت إحاطة بشأن المشاورات الجارية ضمن «الاجتماع المصغّر»، الذي يعمل على تجاوز العقبات، التي تحول دون التوصل إلى اتفاق بشأن أول محطتين في خريطة الطريق الأممية، والمتمثلتين في استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وقالت البعثة إن حفتر جدد تأكيد دعم «الجيش الوطني» لجهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية قدماً، بما يحفظ وحدة ليبيا، وينهي الانقسام المؤسسي، ويدعم مسار بناء الدولة.