بيانات التضخم المربكة للاقتصاد تعكر مسار سعر الفائدة لدى «الفيدرالي»

مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شارع الدستور بواشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شارع الدستور بواشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

بيانات التضخم المربكة للاقتصاد تعكر مسار سعر الفائدة لدى «الفيدرالي»

مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شارع الدستور بواشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شارع الدستور بواشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)

كان آخر تقرير للاستقرار المالي الصادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بمثابة أخبار جيدة لأي شخص يخشى من أن يؤدي اللجوء إلى سلسلة قياسية من زيادات أسعار الفائدة إلى إرهاق النظام المصرفي، أو إحداث ركود بسبب دفع الشركات والأسر إلى التخلف عن سداد ديونها نتيجة لإجراءات تقليص ائتمانية واسعة النطاق.

لكن لم يحدث أي من ذلك.

وبدلاً من ذلك، يصارع الاحتياطي الفيدرالي اقتصاداً تخلص من السياسة النقدية المتشددة، إلى درجة أن مسؤولي المصرف المركزي ليست لديهم رؤية واضحة لما يمكن توقعه وهم منقسمون حول قضايا مثل الإنتاجية والإمكانات الأساسية للاقتصاد، وحتى إذا كان سعر الفائدة الحالي على السياسة تقييدياً، كما تصوروه عندما ألغوا مزيداً من الزيادات، وفق «رويترز».

ويبدو أن تخفيضات أسعار الفائدة التي كان من المؤكد أنها ستبدأ في أوائل عام 2024 معلقة الآن حتى سبتمبر (أيلول) على الأقل، مع احتمال الانزلاق إلى وقت لاحق من هذا العام أو حتى عام 2025 حيث يبقى التضخم ثابتاً.

ويبدو أيضاً أن موجة الائتمان مزدادة الشدة جاءت ثم ذهبت - القروض المصرفية آخذة في الازدياد، والفروق الائتمانية للشركات ضيقة، والميزانيات العمومية للأسر سليمة إلى حد كبير - مع استمرار الاقتصاد في النمو بوتيرة أعلى من إمكاناته الطبيعية وخلق فرص عمل جديدة.

وأظهر مؤشر «الاحتياطي الفيدرالي» المحدث مؤخراً للظروف المالية العامة أنه لم يكن هناك أي تأثير يذكر على النمو الاقتصادي حالياً من السياسة النقدية للمركزي أو الظروف الائتمانية الأوسع التي يهدف إلى التأثير عليها.

وعلى عكس تقييم مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» بأن السياسة تقييدية، فإن الظروف الائتمانية الحالية في الاقتصاد «متسقة مع النمو الذي يتجاوز الاتجاه التصاعدي»، وفقاً لكبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «نيد ديفيس للأبحاث»، جوزيف كاليش.

وأضاف: «هذا يخبرني بأن انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي في الولايات المتحدة كان أقل فاعلية بكثير» مقارنة بأماكن أخرى.

ويعتري مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» أنفسهم عدم اليقين بشأن ما إذا كانوا لا يزالون بحاجة إلى تباطؤ الاقتصاد لخفض التضخم، أو ما إذا كان التأثير «الرائع» للإنتاجية وعوامل أخرى سيفي بالغرض. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن هناك وجهة نظر تدعو إلى تشديد السياسة النقدية، بينما تدعو أخرى إلى التيسير. ومن المتوقع أن يُظهر إصدار بيانات التضخم الرئيسية يوم الجمعة، أن مقياس التضخم المفضل لدى «الاحتياطي الفيدرالي» لا يزال أعلى بكثير من هدف المركزي البالغ 2 في المائة، مما قد يكون علامة على تعثر التقدم.

وقد تكون هذه الحالة قد دفعت «الاحتياطي الفيدرالي» إلى الاعتماد على البيانات بشكل علني، ولكنه يعمل إلى حد كبير على الحدس والغريزة في تحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة قد وجدت توازناً جديداً يتمثل في نمو أعلى وبطالة أقل، أو تحتاج إلى مزيد من الضغط من «المركزي» للتأكد من انخفاض التضخم.

ومع الشك حول دور الأجور في دفع التضخم، وما إذا كانت هناك حاجة إلى سحب مزيد من الطلب من الاقتصاد، والجدل حول مستوى أسعار الفائدة التي قد تؤدي المهمة إذا لزم الأمر، يقول كبير المحللين في فريق أسعار الفائدة والعملات العالمية لدى «كولومبيا ثريدنييدل للاستثمارات»، إد الهوسيني: «لا يوجد إطار عمل واضح للتضخم ولا توجد مجموعة واضحة من المعايير لتقييم موقف السياسة النقدية. إن الحكم بأن السياسة تقييدية يجب أن يأتي من مكان ما... لقد واجهوا صعوبة حقيقية في صياغته».

وشهدت السنوات الأخيرة صدمات فكرية عميقة؛ بدءاً من التعزيز المفاجئ للهجرة الذي عزز العمالة الأميركية إلى التفكيك الجزئي للعولمة وإعادة تخصيص الإنفاق الاستهلاكي نحو الخدمات. وعلى عكس فترات التشديد الائتماني السابقة، فإن سوق الإسكان لن تنهار وكانت دافعة للتضخم في الآونة الأخيرة. وهناك قلق متجدد بشأن تأثير عجز الموازنة الفيدرالية الضخمة على الأسواق المالية، وتساؤلات حول الإنتاجية ومعدل الفائدة «المحايد» المستخدم لتحديد ما إذا كانت السياسة مشددة أم لا.

وتكمن الحيرة في: هل الإمكانات الاقتصادية أعلى مما كان يُعتقد، مع إمكانية تحقيق نمو قوي مستمر دون تضخم مرتفع؟ أم أن النمو في السنوات الأخيرة مدعوماً بسلسلة من الهزات «المؤقتة» - من التخفيضات الضريبية في عهد إدارة ترمب، على سبيل المثال، أو التحويلات الفيدرالية والإنفاق على البنية التحتية في عهد الرئيس جو بايدن - قد يعني ذلك زيادات أسرع في الأسعار وارتفاع أسعار الفائدة؟

ووفقاً لكبير الاقتصاديين العالميين في «فانغارد»، جوزيف دايفيس، فقد أشارت دراسة حديثة إلى أن الدين الفيدرالي وتقدم السكان في السن قد رفعا المعدل المحايد للفائدة بنسبة مئوية تقريباً، مما يعني أن سياسات «الاحتياطي الفيدرالي» ليست مشددة بالقدر الذي يعتقدونه، وهذا من شأنه أن يساعد في تفسير النمو المستمر للاقتصاد، لكنه أيضاً يجعل من الصعب خفض التضخم.

وقال دايفيس، الذي يتوقع حالياً أن المصرف المركزي لن يخفض أسعار الفائدة على الإطلاق هذا العام: «عند التمعن جيداً، تزداد الأدلة على أن (الاحتياطي الفيدرالي) ليس بتلك القيود التي يعتقدونها. يمكنك الاستدلال من خلال الظروف المالية وسوق العمل والتضخم - عندما تنظر إلى كل هذه الأمور الثلاثة، تجد أن المعدل المحايد أعلى».

ويقول مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في الوقت الحالي إنهم يكتفون بالانتظار لنرى ما إذا كان النطاق الذي تم تحديده في يوليو (تموز)، وهو 5.25 - 5.50 في المائة، يحث التضخم على العودة إلى المستهدف البالغ 2 في المائة، ولا يفكرون في مزيد من الرفع لسعر الفائدة الأساسي. ومع احتمال بقاء السعر ثابتاً مرة أخرى في اجتماع السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» الأسبوع المقبل، سينتظر المراقبون أي إشارة في بيان «الفيدرالي» الأخير أو في المؤتمر الصحافي لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول حول وجهة الأمور.

وقد يكون باول أول من يعترف بأنه غير متأكد. وقال كبير الاقتصاديين في «ويلمنغتون تراست»، لوك تيلي: «في مرحلة ما، رفعوا أيديهم نوعاً ما وتخلوا إلى حد ما عن فكرة أنهم سيكونون قادرين على التنبؤ» بمسار التضخم والاقتصاد بالنظر إلى كم التغيرات الجارية.

وأضاف تيلي: «لقد قالوا إنه يجب أن يكون هناك ألم... ثم قالوا إن الوظائف جيدة والنمو جيد، كل ما نريده هو أرقام تضخم جيدة. إنهم يواجهون صعوبة كبيرة في فهم الأمر».


مقالات ذات صلة

عوائد سندات اليورو تتراجع للجلسة الثانية مع آمال باستئناف المحادثات

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو تتراجع للجلسة الثانية مع آمال باستئناف المحادثات

تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو للجلسة الثانية على التوالي، يوم الأربعاء، مع تصاعد الآمال باستئناف محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يسير الناس على طول أحد الشوارع التجارية في العاصمة الرياض (أ.ف.ب)

التضخم السنوي في السعودية يسجل 1.8% في مارس

سجل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في السعودية ما نسبته 1.8 في المائة خلال مارس مقارنة بـ1.7 في المائة في فبراير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ صورة لمحطة وقود تابعة لشركة «لوك أويل» في نيوآرك بولاية نيو جيرسي الأميركية 3 مارس 2022 (رويترز)

أميركا تمدّد إعفاء شركة النفط الروسية «لوك أويل» من العقوبات

أعلن مسؤولون أميركيون، الثلاثاء، تمديد إعفاء شركة النفط الروسية العملاقة «لوك أويل» من العقوبات بما يشمل محطات الوقود التابعة لها خارج روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوستن غولسبي خلال ندوة جاكسون هول الاقتصادية 2025 في الولايات المتحدة (رويترز)

رئيس «فيدرالي شيكاغو»: خفض الفائدة قد يُرجأ حتى 2027

قال أوستن غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، يوم الثلاثاء، إن خفض أسعار الفائدة قد يتأجل حتى عام 2027.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)
الاقتصاد رفوف مكدّسة بالبضائع داخل مركز توزيع تابع لشركة «وول مارت ستورز إنك» في مدينة بينتونفيل بولاية أركنساس (أرشيفية - رويترز)

تضخم المنتجين الأميركيين يقفز 4 % في أكبر زيادة سنوية منذ 3 سنوات

سجّل التضخم في أسعار المنتجين في الولايات المتحدة ارتفاعاً ملحوظاً خلال الشهر الماضي، في ظل صعود تكلفة الطاقة المرتبط بتطورات الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد


الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
TT

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد


الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)

أقرّ مجلس إدارة «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الصندوق، استراتيجية جديدة للأعوام 2026 – 2030، في تحوّل نوعي من مرحلة «التوسّع السريع» إلى تركيز جوهري على تحقيق القيمة المستدامة وتعظيم الأثر الاقتصادي.

وترتكز الاستراتيجية الجديدة على ثلاث محافظ رئيسية: الأولى «محفظة الرؤية» لتطوير منظومات اقتصادية تشمل السياحة، والصناعة، والطاقة المتجددة، والتطوير الحضري، و«نيوم»، بينما تركز «محفظة الاستثمارات الاستراتيجية» على تعظيم عوائد الأصول ودعم تحوّل شركات الصندوق لكيانات عالمية رائدة. أما «محفظة الاستثمارات المالية» فتهدف إلى تحقيق عوائد مستدامة وتنويع الاستثمارات عالمياً.


صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر الذي يبلغ 8 مليارات دولار، والمُبرم منذ عامين، وذلك على الرغم من التأثير الشديد للحرب في الشرق الأوسط على اقتصاد البلاد.

وأوضحت في مؤتمر صحافي أن الصندوق قد ينظر في تقديم مزيد من المساعدات لمصر إذا ساءت الأوضاع أكثر. وأشادت بجهود السلطات المصرية في مجال الإصلاحات والسياسات.


وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
TT

وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

دعا وزراء مالية من نحو 12 دولة، بقيادة بريطانيا، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يوم الأربعاء، إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار. وأكد الوزراء أن الصراع سيظل يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي والأسواق حتى لو تم حله قريباً.

جاء هذا البيان المشترك، الذي وقّعه وزراء من أستراليا واليابان والسويد وهولندا وفنلندا وإسبانيا والنرويج وآيرلندا وبولندا ونيوزيلندا بالإضافة إلى بريطانيا، بعد يوم واحد من قيام صندوق النقد الدولي بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بسبب الحرب. ووصف البيان الخسائر في الأرواح الناجمة عن الحرب بأنها «غير مقبولة».

التهديدات الاقتصادية وأمن الطاقة

وجاء في البيان: «إن تجدد الأعمال العدائية، أو اتساع نطاق الصراع، أو استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز من شأنه أن يشكل مخاطر إضافية جسيمة على أمن الطاقة العالمي، وسلاسل التوريد، والاستقرار الاقتصادي والمالي».

وأشار الوزراء في البيان الصادر خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، إلى أنه «حتى مع وجود حل دائم للصراع، فإن التأثيرات على النمو والتضخم والأسواق ستستمر».

الالتزام بالمسؤولية المالية ورفض الحمائية

واستحضاراً لذكرى الارتفاع الهائل في الديون العامة خلال جائحة «كوفيد-19» والغزو الروسي لأوكرانيا، تعهَّد الوزراء بالتزام المسؤولية المالية في أي دعم جديد، على أن يكون موجهاً فقط إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه. كما دعوا جميع الدول إلى تجنب الإجراءات الحمائية، بما في ذلك ضوابط التصدير غير المبررة وتخزين السلع والعوائق التجارية الأخرى في سلاسل توريد الهيدروكربونات المتضررة من الأزمة.

التوترات السياسية

واصلت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، انتقاداتها للاستراتيجية الأميركية في حرب إيران، واصفةً إياها بـ«الحماقة»، ومؤكدةً ضرورة إنهاء الصراع الذي لم تدعمه لندن. وقالت ريفز في تصريح منفصل: «إن وقف إطلاق النار المستدام وتجنب ردود الفعل المتهورة هما المفتاح للحد من التكاليف على الأسر».

من جانبه، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الثلاثاء، من انتقاداته الحكومة البريطانية لعدم انضمامها إلى الحرب، ملمحاً إلى أن الاتفاق التجاري بين البلدين «يمكن دائماً تغييره». ومع ذلك، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم الأربعاء، أنه لن يرضخ لضغوط ترمب للانخراط في الصراع.