يوميات جراح في غزة: ظروف مزرية... كل شيء ملوث

امرأة تحمل طفلاً مصاباً في مستشفى «الأقصى» وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة تحمل طفلاً مصاباً في مستشفى «الأقصى» وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

يوميات جراح في غزة: ظروف مزرية... كل شيء ملوث

امرأة تحمل طفلاً مصاباً في مستشفى «الأقصى» وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة تحمل طفلاً مصاباً في مستشفى «الأقصى» وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

عاد الجراح البريطاني في كلية لندن الجامعية، خالد دواس، لتوه من علاج المرضى لمدة أسبوعين في مستشفى «الأقصى» وسط قطاع غزة. ووفق تقرير نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية، كانت هذه زيارته الثانية للمستشفى، بتسهيل من جمعيتي المساعدة الطبية للفلسطينيين ولجنة الإنقاذ الدولية، بعد رحلة سابقة في أواخر العام الماضي. خلال فترة وجوده هناك، احتفظ بيومياته عما رآه وأولئك الذين عالجهم في واحد من آخر مستشفيات غزة العاملة. إليكم يوميات دواس كما كتبها:

اليوم الأول

أول يوم لي في غزة. لقد تغير القليل منذ أن غادرت في يناير (كانون الثاني) الماضي. هناك المئات من المرضى محشورون في أجنحة وممرات المستشفى، جميعهم متناثرون على أسرّة قذرة. قبل الحرب، كان المستشفى يتسع لـ140 مريضاً فقط.

اليوم هناك كثير. البعض يتألم بعد الخضوع لعملية جراحية كبرى – لعلاج الأعضاء المثقبة والنزف، وإصلاح العظام المكسورة وحتى لإزالة الأورام – ولكن لا يستطيع أي منهم الحصول على مسكنات الألم أو المضادات الحيوية المناسبة.

يقع على عاتق العائلات، المتجمعة حول أحبائها، تقديم ما تستطيع من رعاية ما بعد الجراحة. أحد التغييرات الملحوظة هو انتشار السرطان في مراحله المتأخرة لدى العديد من المرضى. لقد عالجت اليوم مريضين مصابين بسرطان من المحتمل أن يكون عضالاً.

كان أحدهما بسام، وهو رجل يبلغ من العمر 45 عاماً ويعاني من سرطان القولون. كان القولون مسدوداً بسبب الورم لدرجة أنه لم يتمكن من الذهاب إلى المرحاض لمدة خمسة أيام. كان بطنه منتفخاً مثل البالون وكان يتألم. لم يكن هناك ماسح مقطعي لتحديد موقع الورم أو حجمه بدقة. كان علينا إزالة جزء من الأمعاء بطول 30 سم. وبعد أن أغلقنا بطنه، كان ينبغي نقله إلى العناية المركزة. بدلاً من ذلك، ونظراً لعدم وجود مكان له، تم نقل بسام إلى غرفة جانبية صغيرة، يتقاسمها مع عدة أشخاص آخرين.

الظروف قذرة. كل شيء ملوث، كل جرح، كل سطح، كل مريض. هذه الظروف تجعل البقاء على قيد الحياة بعد العملية الجراحية أكثر صعوبة.

اليوم الثاني

تعرفت اليوم على رجل في العشرينات من عمره يُدعى محمد، وقد أصيب بجروح خطيرة في بطنه وساقيه جراء انفجار. تم بتر ساقيه. لكن جرح بطنه ظل مفتوحاً، وأمعاؤه ظاهرة بوضوح، رغم عدة محاولات فاشلة لإغلاقها. ومما زاد الطين بلة أنه كان يعاني من ثقب غير قابل للشفاء في أمعائه، ما أدى إلى تساقط البراز على جلده.

بدا الأمر فظيعاً، وكانت رائحته سيئة، ومع ذلك ابتسم لي والده؛ ابتسامة كانت أكثر من نداء يائس للمساعدة. كان علينا تخديره وتغيير ضماداته مرتين خلال 24 ساعة.

رأيت أيضاً ثلاثة مرضى مصابين بطلقات نارية من طائرات دون طيار، يقول الناس إنها تقوم بدوريات في مخيمات اللاجئين غير البعيدة عن المستشفى. كان أحدهم رجلاً يبلغ من العمر 75 عاماً، وكان مصاباً بالخرف جزئياً، والثاني رجل يبلغ من العمر 40 عاماً، والثالث امرأة تبلغ من العمر 25 عاماً. أخبرني المرضى أن هذا يحدث طوال الوقت. لقد كانوا قدريين بشأن حياتهم.

اليوم الرابع

يوم مفجع. بسام، مريضي بسرطان القولون، توفي الليلة الماضية. منذ العملية، اتصلت بي العائلة مراراً وتكراراً للحصول على مسكنات الألم والمساعدة، لكن لم يكن بوسعي فعل أي شيء. ليست لدينا السوائل والمضادات الحيوية والتغذية اللازمة. وقال زملائي إن وفاته كانت مفاجئة. يمكن أن يكون السبب انسداداً رئوياً [جلطة في الرئتين] أو جفافاً أو تعفن الدم. لا نعرف، ولكن كل شيء معقول هنا.

اليوم الخامس

عالجت اليوم طفلة أخرى، فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً، كانت رئتاها مملوءتين بالقيح، نتيجة التهاب بسيط في الصدر تطور. في غضون خمسة أيام، واجهت ثلاث حالات منفصلة، جميعها لدى أطفال صغار. أحد المرضى، وهو صبي في سن المراهقة، كان يعاني من خروج أكثر من ثلاثة لترات من القيح من رئتيه. واحتاجت فتاة أخرى تبلغ من العمر 12 عاماً إلى إجراء عملية جراحية لتنظيف رئتيها. بعد ذلك، كانت خائفة جداً لدرجة أنها لم تسمح لي بإزالة أنبوب التصريف الذي تم إدخاله في صدرها. كان عليّ أن ألعب معها لعبة حين أخبرتها أنها لن تؤذى إذا حبست أنفاسها. وبعد عدة محاولات فاشلة، تمكنت من إخراج الأنبوب. لم تشعر بشيء وابتسمت. لقد كانت لحظة نادرة من الدفء والسعادة لم أشهدها كثيراً حتى الآن.

اليوم السادس

قبل أسبوع، تم نقل جثث عمال الإغاثة في «المطبخ المركزي العالمي» الذين قُتلوا على يد الجيش الإسرائيلي إلى مشرحة المستشفى وتم لفها قبل أن يأخذها «الصليب الأحمر». لقد علمت بهذا الأمر من شاب يبلغ 19 عاماً وتتمثل مهمته في لف الموتى. أخبرني أنه في غضون شهر واحد فقط، أصبح معتاداً على رؤية الجثث، بعضها مشوه بشكل فظيع. وقال إنهم غالباً ما يأتون على شكل موجات، بعد مقتل أسر بأكملها في غارة جوية واحدة. ويتم إحضار آخرين بشكل فردي بعد أيام من وفاتهم، حيث يتم اكتشاف جثثهم بين الركام. وأضاف أن هذه الجثث غالباً ما تكون متحللة ولا يمكن التعرف على وجوهها.

اليوم الثامن

وقع قصف عنيف خلال الليل. ويبدو أن القصف قد اشتد منذ نهاية شهر رمضان وبداية العيد. وهذا يعني عدداً أكبر بكثير من المرضى خلال الـ48 ساعة الماضية. أحد الأشخاص الذين عالجتهم كان شاباً يبلغ من العمر 19 عاماً يُدعى أنس، أصيب بقذيفة دبابة تابعة للجيش الإسرائيلي في أثناء استرجاع ممتلكات من منزل عائلته المدمر في الزهرة، شمال القطاع. لقد كان مع صديق ووالدة صديقه. اخترقت الشظية عظم صدره تاركة ثقباً صغيراً. كان يعاني من دكاك في القلب، وهو أمر يحصل عندما يملأ الدم والسوائل الكيس المحيط بقلبك، مما يضغط عليه ويمنعه من ضخ الدم بشكل صحيح. كان على وشك الموت؛ لذا أخذوه إلى الجراحة. لم يكن هناك جراحو قلب في المستشفى، لذا كان من مسؤوليتي قيادة العملية. فتحنا صدره، من اليسار إلى اليمين، ووجدنا ثقباً صغيراً في شريانه الأورطي. أصلحناه وأغلقناه وخيطنا جروحه. سواء أكان سينجح في ذلك أم لا، فهي الآن مسألة صدفة. أدعو الله ألا يلتقط عدوى خطيرة.

اليوم العاشر

بقي يوم كامل لي في المستشفى وبدأت أتوتر. نقص الأدوية هنا يعني أن هناك كثيراً من الألم. نحن نفعل ما في وسعنا لإنقاذ المرضى من الموت، لكن الظروف في المستشفى تعمل ضدنا. بطريقة ما أشعر بالقلق من أنني كنت بلا مشاعر، وروبوتي للغاية. ولمواجهة ذلك، حاولت قدر الإمكان التحدث مع مرضاي وعائلاتهم. لقد التقيت الأغنياء والفقراء. الجميع يتحدثون عن مدى شعورهم بالإهانة، حيث يضطرون إلى تقاسم الخيام والمراحيض مع مئات آخرين. بالنسبة للنساء، الأمر صعب بشكل خاص. ومع ذلك، لا تتدهور حالة جميع مرضاي. الشاب المصاب بالشريان الأورطي الممزق يتعافى ويجلس ويبتسم في السرير. يجب أن أذكر نفسي بأنني هنا من أجل أشخاص مثله.


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

خاص هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

تظهر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة والعديد من المراقبين والمعنيين أنهم لم يتوقعوا أن تنجح عملية استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب) p-circle

«صحة غزة»: ما تبقى من مستشفيات يصارع لاستمرار تقديم الخدمة

كشفت وزارة الصحة في غزة اليوم (السبت) أن ما تبقى من مستشفيات في القطاع يصارع من أجل استمرار تقديم الخدمة، وأصبح مجرد محطات انتظار قسرية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

صرّح عباس عراقجي وزير خارجية إيران اليوم السبت بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ ترمب وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس (أ.ف.ب - أرشيفية) p-circle

«أكسيوس»: البيت الأبيض يعقد اجتماعاً لقادة «مجلس السلام» لغزة في 19 فبراير

​ذكر موقع «أكسيوس» أن البيت الأبيض يعتزم عقد أول اجتماع ‌للقادة ‌في «مجلس ⁠السلام» ​بغزة ‌في 19 فبراير (شباط)

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

في الوقت الذي يتباهى فيه الجيش الإسرائيلي بتشكيل 5 فرق ميليشيات فلسطينية تعمل ضد حركة «حماس» في قطاع غزة، حذرت أوساط في اليمين الحاكم من دورها، ومن صرف الأموال الطائلة عليها من منطلق أن هذا النوع من التنظيمات يعمل بدافع الجشع إلى المال في أحسن الأحوال، ومن غير المستبعد أن ينقلب على مشغليه، ويصبح معادياً لإسرائيل فيما لو وجد من يدفع له أكثر.

وحاول الجيش الرد على هذه الأقوال، فأكد أنه حذر ويراقب هذه القوات جيداً، وامتدحها قائلاً إنها اليوم تقوم بمهام على «الخط الأصفر» ضد خلايا «حماس»، لو قام بها الجيش لكان سيضع حياة جنوده في خطر.

وأشار الجيش إلى أن هذه الميليشيات تقوم اليوم باغتيال عناصر «حماس» وإذلالها أمام الجمهور.

لكن قوى اليمين تتحفظ وتؤكد أن هذه الميليشيات مبنية على مصالح ذاتية، وعلى صراعات بين عشائر وعلى تنافس بين عصابات الإجرام، ولا يوجد أي مكان للثقة بها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة ولقي مصرعه (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

وكانت مصادر إسرائيلية قد أكدت أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل في غزة حالياً: الأولى في الشمال بمنطقة بيت لاهيا، ويقودها أشرف المنسي؛ والثانية بالقرب من حي الشجاعية بمدينة غزة في الشمال، بقيادة رامي عدنان حلس؛ والثالثة في الوسط بالقرب من دير البلح بقيادة شوقي أبو نصيرة؛ والرابعة في خان يونس بقيادة حسام الأسطل؛ والخامسة كانت بقيادة ياسر أبو شباب وتعمل في منطقة رفح، ومنذ اغتيال أبو شباب حل محله غسان الدهيني، الذي انتشرت إشاعة في غزة بأنه أصيب مؤخراً في محاولة اغتيال.

وتقول عناصر أمنية لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الميليشيات التي تعمل في الشمال والجنوب تنتمي إلى عشائر ويسيطر عليها أناس معروفون بتاريخ جنائي، وأما المجموعتان في الوسط فقادتهما معروفون بارتباط سابق بـ«منظمة التحرير»، ولذلك فمن غير المستبعد أن تكون دوافعهما وطنية، ويكون الجيش الإسرائيلي هو الذي يُستخدم من قبلهما لغرض خدمة المصالح الفلسطينية.

وأشارت الصحيفة إلى وجود مخاوف داخل الأوساط الإسرائيلية من احتمال فقدان السيطرة على هذه الأسلحة لاحقاً، واستخدامها ضد جيش الاحتلال نفسه، سواء بعد ضياعها من قادة الميليشيات، أو وقوعها في أيدي جهات أخرى داخل القطاع.

حسام الأسطل الذي يقود ميليشيا موالية لإسرائيل في خان يونس (صفحة شبكة الصحافة الفلسطينية)

وتطرقت الصحيفة إلى مقطع الفيديو الذي نشره المتعاون مع الاحتلال غسان الدهيني، وظهر فيه وهو يهدد «حماس» وقوى المقاومة، ويوجه إهانات للقائد الميداني في «كتائب القسام»، أدهم العكر، الذي جرى أسره في رفح جنوب قطاع غزة، بغطاء وحماية جوية إسرائيلية. وقالت الصحيفة إن الفيديو أظهر الدهيني مرتدياً زياً عسكرياً مموهاً ودرعاً واقية لم تكن متوافرة سابقة في قطاع غزة، وهو يدخن سيجارة تُعد سلعة نادرة وباهظة الثمن في القطاع، بينما ظهرت في الخلفية مركبات «بيك أب» حديثة، وعلى مسافة قريبة مبنى يُرجّح أنه موقع عسكري إسرائيلي.

من جهة ثانية، نشرت شبكة «سي إن إن» وصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركيتان، نقلاً عن مصادر إسرائيلية، أن سلطات الاحتلال تسلّح هذه الميليشيات بعدد كبير من البنادق والذخائر، في مشهد يعيد إلى الأذهان اتفاقيات «أوسلو»، حين سمحت السلطات الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية بالحصول على أسلحة، وهو ما قوبل حينها بمعارضة شديدة من اليمين الإسرائيلي تحت شعار: «لا تعطوهم بنادق». كما نقلت «وول ستريت جورنال» عن ضباط احتياط، أن إسرائيل تزيد من استثماراتها في هذه الميليشيات التي تنشط ضد «حماس»، وتزوّدها بمعدات عسكرية، وتوفر لعناصرها العلاج في مستشفيات داخل إسرائيل، إلى جانب تقديم دعم لعائلاتهم، لافتة إلى أن بعض هؤلاء العناصر مرتبط بالسلطة الفلسطينية، فيما يمتلك آخرون، لا سيما في رفح، سجلات إجرامية.

طفل فلسطيني يقف خلفه مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» في مخيم جباليا (أرشيفية - إ.ب.أ)

وبيّنت «وول ستريت جورنال» أن الإمدادات الإسرائيلية تشمل الوقود والغذاء والمركبات وحتى السجائر، وتساعد هذه المجموعات في التمركز بمنطقة «الخط الأصفر» بين مواقع الجيش الإسرائيلي وبالقرب من الجنود، مرجحة أن تصل تكلفة هذا الدعم إلى عشرات ملايين الشواقل من ميزانية الأمن الإسرائيلية.

وأشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى التباين في وجهات النظر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن دعم هذه الميليشيات؛ إذ يرى مؤيدو هذا النهج أن مهامها توفّر فائدة تكتيكية في استهداف «حماس» وتقليل المخاطر على الجنود، بينما يحذّر المعارضون من خطر انقلاب محتمل، سواء بسقوط السلاح في أيدي جهات أخرى، أو بتوجّه بعض العناصر لاستخدامه ضد إسرائيل، في محاولة للاندماج مجدداً في المجتمع الفلسطيني. وأكدت الصحيفة أن هذه الميليشيات تفتقر إلى إطار تنظيمي موحّد قادر على تحدي حركة «حماس» وذراعها العسكرية، وتعمل عملياً تحت إشراف الجيش الإسرائيلي وجهاز «الشاباك» فقط.

وخلصت «يديعوت أحرونوت» إلى أن استخدام هذه المجموعات قد يشكّل حلاً تكتيكياً قصير الأمد، عبر الدفع بها للبحث عن عناصر «حماس» داخل الأنفاق، أو بين الأنقاض في منطقة «الخط الأصفر» قبل تنفيذ عمليات نسف واسعة، بهدف تقليل المخاطر على الجنود، لكنها شددت على أن هذه المجموعات، في ظل غياب تنظيم جامع، لا تملك أي فرصة حقيقية لحلّ محل «حماس»، التي تواصل - وفق تقديرها - استعادة عافيتها وتعزيز سيطرتها خلال فترة وقف إطلاق النار.

وقال مصدر سياسي يميني في تل أبيب لـ«يديعوت أحرونوت»، إن هذه الميليشيات تذكره بحرب لبنان الأولى، حيث تورطت إسرائيل في تفعيل ميليشيات لبنانية ضد «منظمة التحرير» الفلسطينية، وفيما بعد ضد «حزب الله»، فقد نفذت تلك الميليشيات مجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا قرب بيروت. وحملت إسرائيل وزر جرائمها، ولذلك يجب الانتباه والامتناع عن المبالغة في التعاطي معها، وبالتأكيد لا يجوز البناء عليها.


هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
TT

هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

لم يتوقف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال تصريحاته المتكررة عن قطاع غزة في الآونة الأخيرة، عن الإشادة بحركة «حماس»، ودورها في إعادة المختطفين الأحياء والأموات الإسرائيليين، بما في ذلك بذلها جهداً كبيراً لإعادة جثة آخر مختطف ران غويلي، بعد تعقيدات كبيرة تخللت عملية العثور على جثمانه.

وتظهر تصريحات ترمب المتكررة أن أشد المتفائلين في الإدارة الأميركية، وكذلك الحكومة الإسرائيلية، وحتى المراقبين للشأن الفلسطيني، لم يتوقعوا أن تنجح عملية استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات بهذه الفترة القصيرة، في ظل حرب إسرائيلية استمرت عامين، وطالت اليابس والأخضر في قطاع غزة.

رجل وولد يمران قرب صور الرهائن الإسرائيليين لدى «حماس» في أحد شوارع تل أبيب 21 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

ولفترات عدة كانت التقديرات الأميركية والإسرائيلية تظهر أنه قد لا يتم الوصول إلى 4 جثث، أو جثتين على الأقل من المختطفين، في ظل حالة التدمير الشديدة، والعمليات العسكرية الكبيرة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وقد ازدادت هذه التقديرات مع صعوبة التوصل إلى ران غويلي، آخر مختطف عثر على جثته بعد أسابيع من تسليم الجثث السابقة.

تقول مصادر من «حماس» وفصائل فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إن عملية الحفاظ على المختطفين الإسرائيليين الأحياء والأموات كانت مهمة صعبة، وشاقة للغاية، ولم تكن سهلة أبداً، مبينةً أنه صدرت تعليمات مشددة من قبل قيادة المستوى الأول في الجناحين السياسي والعسكري بضرورة العمل المكثف للحفاظ عليهم، بما في ذلك الأموات.

وتكشف المصادر أن قيادة «كتائب القسام» (الجناح العسكري لـ«حماس») بعد أيام من هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أجرت سلسلة اتصالات مباشرة وغير مباشرة مع قيادات ميدانية من فصائل أخرى كان لديها مختطفون من الأحياء والأموات، ورتبت معها عملية الاحتفاظ معهم بالمختطفين، وكذلك حصر هوياتهم، وأعدادهم، ونقل بعضهم للحماية تحت قيادة «القسام»، وبعضهم تحت قيادة «سرايا القدس» الجناح المسلح لـ«الجهاد الإسلامي».

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة كان يجري فيها البحث عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحسب المصادر، فإن قيادة «القسام» كانت تتابع عملية الاحتفاظ بالمختطفين الأحياء والجثث، سواء لديها، أو مع الفصائل الأخرى، وأنه بعد هدنة الأيام الأولى السبعة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، أجرت لقاءات مباشرة وجهاً لوجه مع قيادات عسكرية من الفصائل الأخرى، لترتيب هذا الملف، وإعادة حصر من هم على قيد الحياة، والأموات منهم، ونقل إليها المزيد من المختطفين ليكونوا تحت حمايتها، باعتبارها الجهة الأكثر قدرةً على ذلك.

ووفقاً للمصادر، فإن قيادة «القسام» وبالتعاون مع المستوى السياسي في «حماس» وفصائل أخرى اتخذت خلال وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 إجراءات تنسيق مشترك وموسع، لإبقاء هذا الملف تحت رعايتها الكاملة، وكانت تعتمد على التعاون المشترك مع «سرايا القدس» لمساعدتها في هذا الملف، باعتبار أن الأخيرة تمتلك قدرات عسكرية أفضل من فصائل أخرى، ولديها إمكانيات -مثل الأنفاق وغيرها- يمكن أن تساعد وتساهم في عملية الاحتفاظ بأولئك المختطفين.

والدة أحد المحتجَزين لدى «حماس» تجلس قرب مجسّم لتابوت خلال احتجاج بتل أبيب للمطالبة بإنهاء حرب غزة وإطلاق الرهائن في 12 أغسطس 2025 (أ.ب)

وجرى حينها إعادة حصر أعداد الأحياء والأموات، وتحديد أماكنهم، لتسليمهم ضمن الاتفاق الذي وقع حينها بتحديد أعداد معينة كل عملية تسليم كانت تجري أسبوعياً مرة أو مرتين، وفق الظروف الميدانية، وتفاصيل الاتفاق.

ونجحت إسرائيل على فترات في استعادة بعض جثث المختطفين خلال عمليات عسكرية، إما كانت بالصدفة، وأخرى كانت بعد اعتقالها لنشطاء من «القسام» أو فصائل فلسطينية أخرى، كما استعادت 6 مختطفين أحياء في عمليتين منفصلتين نتيجة جهد استخباراتي مكثف، لكن غالبية المختطفين من الأحياء والأموات استعادتهم عبر صفقات تبادل خلال الحرب مقابل وقف إطلاق نار مؤقت، واستعادت آخرين بعد اتفاق وقف إطلاق النار الشامل الذي تم التوصل إليه في أكتوبر 2025.

وتوضح المصادر أن المختطفين الأحياء كان يتم نقلهم باستمرار من مكان إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، وفق الظروف الميدانية، وتحت حراسة مشددة من دون أن يتم لفت الانتباه إلى ذلك، إلى جانب أنهم تنقلوا ما بين أنفاق وشقق سكنية فوق الأرض، وأماكن أخرى، بينما تم الاحتفاظ بالجثث إما في قبور داخل الأنفاق، أو في محيط مقابر، أو في نقاط مخصصة للفصائل توجد بها مقومات الاحتفاظ بالجثث.

فلسطينيون يراقبون آليات وفرقاً من مصر خلال عمليات البحث عن جثث الرهائن بمدينة حمد في خان يونس جنوب قطاع غزة 27 أكتوبر 2025 (أ.ب)

ولفتت إلى أن أمر حماية هؤلاء المختطفين من الأحياء والأموات لم يقتصر على عمل وحدة الظل التابعة لـ«القسام»، بل امتد لوحدات أخرى لتقديم الدعم لها في ظل الحرب الشرسة التي كانت تقوم بها إسرائيل، وأنه تم نقل العديد من المختطفين من مناطق شمال القطاع إلى جنوبه، في ظروف أمنية مشددة، ولم تنجح إسرائيل في فك شيفرتها، في وقت كانت تنفذ فيه عمليات كبيرة داخل مناطق متفرقة من القطاع.

وتكشف المصادر أنه في بعض المرات كان الجيش الإسرائيلي يبعد عن بعض المختطفين أمتاراً محدودة، وكان من يشرف على حمايتهم ينجح في تضليل تلك القوات في الوصول إليهم، أو إخراجهم من هناك بطرق مختلفة لم تكشف، وبعضهم كانوا في أنفاق أسفل تمركز القوات الإسرائيلية ولم يتم كشفهم، وفي النهاية أجبرت إسرائيل على استعادتهم ضمن صفقات التبادل التي جرت.


«صحة غزة»: ما تبقى من مستشفيات يصارع لاستمرار تقديم الخدمة

خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب)
خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب)
TT

«صحة غزة»: ما تبقى من مستشفيات يصارع لاستمرار تقديم الخدمة

خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب)
خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب)

كشفت وزارة الصحة في غزة اليوم (السبت)، أن ما تبقى من مستشفيات في القطاع يصارع من أجل استمرار تقديم الخدمة، وأصبح مجرد محطات انتظار قسرية لآلاف المرضى والجرحى «الذين يواجهون مصيراً مجهولاً».

وأضافت في بيان، أن ما تركته «الإبادة الصحية» من تأثيرات كارثية، جعل من استمرار تقديم الرعاية الصحية معجزة يومية، وتحدياً كبيراً أمام جهود التعافي، واستعادة كثير من الخدمات التخصصية.

وتابعت أن «الأرصدة الصفرية» من الأدوية والمستهلكات الطبية جعلت من أبسط المسكنات «ترفاً لا يملكه من يواجهون الموت كل دقيقة»، موضحة أن 46 في المائة من قائمة الأدوية الأساسية رصيدها صفر، و66 في المائة من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، وكذلك 84 في المائة من المواد المخبرية وبنوك الدم.

وقالت الوزارة إن ما يصل إلى مستشفيات القطاع من أدوية، كميات محدودة لا يمكنها تلبية الاحتياج الفعلي لاستمرار تقديم الخدمة الصحية، وجددت المناشدة العاجلة والفورية إلى كل الجهات المعنية بالتدخل لتعزيز الأرصدة الدوائية.