كيف تحول حذاء الـ«غومينو» في «بينالي البندقية» إلى تحفة فنية؟

هدف دييغو ديلا فالي صاحب مجموعة «تودز» كان تجميل الحِرف اليدوية لإغراء الشباب

استعرضت ورشات محلية حرفيتها المتجذرة في التاريخ مثل صناع الجندول والزجاج والخشب والموزاييك (تودز)
استعرضت ورشات محلية حرفيتها المتجذرة في التاريخ مثل صناع الجندول والزجاج والخشب والموزاييك (تودز)
TT

كيف تحول حذاء الـ«غومينو» في «بينالي البندقية» إلى تحفة فنية؟

استعرضت ورشات محلية حرفيتها المتجذرة في التاريخ مثل صناع الجندول والزجاج والخشب والموزاييك (تودز)
استعرضت ورشات محلية حرفيتها المتجذرة في التاريخ مثل صناع الجندول والزجاج والخشب والموزاييك (تودز)

في نهاية الأسبوع الماضي، حطّت العشرات من العلامات التجارية الفاخرة في مدينة البندقية. كعادتها، تريد أن يكون لها «في كل عُرس قرص». المناسبة هذه المرة كانت النسخة الستين لـ«بينالي البندقية 2024». بيد أن حضور دار «تودز» كان له ما يُبرّره ويمنحه صبغة شرعية. فهو هنا شريك ومموِل للجناح الإيطالي، والأهم من هذا مُنظّم لفعالية مهمة بعنوان: فن الحرفيّة اليدوية... مشروع من توقيع كبار حرفي البندقية Venetian Masters.

شارك في الفعالية 11 ورشة منها صناع الأقنعة لأهميتهم وكونهم جزءاً من ثقافة مدينة البندقية (سيرجيو بولدرين)

يحتفل هذا المشروع، كما يشير عنوانه، بالحرفية الإيطالية وتقاليدها الفنية المتوارثة. أيقونة دار «تودز»، وهو حذاء الـ«غومينو» ذو النعل المزين بحبيبات، كانت المحور. 11 ورشة محلية متخصصة في مجالات متنوعة شاركت في هذه الفعالية، مستعملة أدواتها وموادها الخاصة في صياغته من دون المساس بأساسياته. كانت النتيجة استعراضاً مثيراً لمهارات وتقنيات تعكس روح وشخصية مدينتهم المتجذرة في التاريخ، شارك فيها صناع الجندول والزجاج والخشب والموزاييك وأيضاً صناع الأقنعة والقبعات وغيرهم.

دييغو ديلا فالي الرئيس والمدير التنفيذي وأندريا ديلا فالي نائب رئيس مجموعة «تودز» مع التينور أندريا بوتشيللي في حفل خاص بمناسبة افتتاح «بينالي البندقية» ومشروع «تودز» (خاص)

دييغو ديلا فالي، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «تودز» هو العقل المُدبّر لهذا المشروع. كان حاضراً في كل الفعاليات. يتفقد كل صغيرة وكبيرة، وكأنه جنرال يتفقد ثكناته العسكرية. يُوزِع الابتسامات والقبلات على ضيوفه، ويتجول بينهم وهو يشرح بلكنته الإيطالية وصوته الخافت تفاصيل المشروع ومدى إيمانه بكل ما هو مصنوع باليد في إيطاليا. لا يُخفي أنه يُدرك، كرئيس مجلس إدارة ورئيس تنفيذي، أن تحقيق الأرباح من أوليات أي شركة «لكن هذا لا يأتي على حساب مسؤوليتانا نحو المجتمع، وهذه ما تعكسه هذه المبادرة بتركيزها على الجودة والحِرف اليدوية واهتمامها بحياة الحرفيين ومستقبلهم»، حسب تصريحه.

يعدّ ديلا فالي نفسه أحد حُراس الفنون الإيطالية. في عام 2011 تبرّع بنحو 28 مليون دولار لترميم الكولوسيوم. في العام نفسه، أصبحت «تودز» عضواً دائماً في مؤسسة مسرح لا سكالا بميلانو، ساهم فيها في تغطية تكلفة الكثير من الإنتاجات الأوبرالية. هذا عدا عن تمويل مدارس جديدة وترميم قصور قديمة وما شابه.

يشكل حذاء الـ«غومينو» لـ«تودز» ما تمثله حقيبة «البيركين» لدار «هيرميس» لحرفيته وتميزه (تودز)

كل هذا بفضل ما يحققه من مبيعات الإكسسوارات، وتحديد حذاء الـ«موكاسان» المعروف بحبيبات تزين نعله. أقبل عليه الرجال والنساء من الطبقات الأرستقراطية والمالكة والنجوم على حد سواء، ليُشكّل اليوم لـ«تودز» ما تُشكله حقيبة الـ«بيركين» لدار «هيرميس» أو الجاكيت الأسود لـ«شانيل» أو ساعة «سابمارينر» لـ«روليكس. يشرح ديلا فالي: «هذه المنتجات تثير الحلم ولم تفقد بريقها في أي مرحلة من المراحل لأنها أيقونات». حذاء الـ«غومينو» نجح في ترسيخ مكانته العالمية لما «يختزنه من تقاليد حرفية عمرها عشرات السنين».

بالنسبة لديلا فالي، مهما تطورت الأفكار وتقدمت الصناعات، لا شيء يقارن بمفهوم «صُنع باليد». «هذه الحرفية اليدوية فن قائم بذاته، ومن الواجب علينا الحفاظ عليه والاحتفال بها كأي فن آخر» حسب قوله. لا يفرق إذا كانت العملية تتعلق بترميم آثار ومعالم تاريخية ضخمة، أم دعم ورشة صغيرة تتخصص في صناعة أدوات صغيرة تساعد الفنانين على رسم أو نحت أعمالهم. «هذه الأدوات مهمة وأساسية، لكن لا يمكن أن تؤدي مهمتها من دون أيادٍ خبيرة وماهرة تُطوِعها».

وهذا ما أثبتته فعاليته: «الحرفيّة اليدوية... مشروع من توقيع كبار حرفي البندقية Venetian Masters التي استعمل فيها كل من الـ11 من الحرفيين المشاركين الأدوات والمواد التي يُتقنونها.

لم تكن صياغة حذاء الـ«غومينو» من الزجاج سهلاً... لكنه كان تحدياً فنياً لصناع زجاج المارينو (روبرتو بيلترامي)

يصل الزائر إلى «أرسينالي» بواسطة تاكسي مائي. ليس ببعيد عن الجناح الإيطالي، يتراءى مبنى بمساحة لا يستهان بها يحتضن مشروع «تودز»، وتوزع بداخله 11 حرفياً، كل حول طاولة يستعرض فيها تخصصه، فيما توزعت صور لحذاء الـ«غومينو» في كل المكان. ثلاثة أحذية من هذا التصميم على الأقل توسطت المكان. واحد منها من الجلد باللون الأحمر والثاني مُغلف بالذهب والثالث من الزجاج. روبرتو بلترامي، وهو صانع الزجاج من جزيرة مورانو، علّق على عمله قائلاً إن «صُنع حذاء من الزجاج واستنساخ كل التفاصيل بما في ذلك الحبيبات التي تميز نعله، لم يكن سهلاً، لكن صعوبته هي ما جعلت العمل تحدياً لذيذاً وممتعاً... فالأمر بالنسبة لنا جديد وغير مسبوق... إنه بمثابة عمل فني».

من بين المشاركين ورشة إنتاج ورق ذهبي يستعمل في الديكورات والأعمال الفنية وأيضاً في الإكسسوارات (ماريو بيرتا باتيلورو)

على بُعد أمتار منه، انكبّت سارة مينيغازو، وهي من العائلة الوحيدة التي لا تزال تمارس الضرب التقليدي على الذهب في البندقية. تعلمت من والدها مارينو مينيغازو كيف تُقطّع وتُرص صفائح من أوراق الذهب. جلست على طاولة تُقطِع أوراقاً ذهبية ناعمة جداً تتطاير مع نسمات هواء باردة كانت تتسلل بين الفينة والأخرى. تُرتّبها على شكل مربعات صغيرة بدقة وبصبر قبل أن تضعها جانباً. فهي هنا أصبحت جاهزة للاستعمال في الديكورات المنزلية، مثل ورق الجدران، أو لإبداع تحف ولوحات فنية، وأيضاً في تغليف علب لحفظ الأحذية وغيرها. بالقرب منهما كان حذاء «غومينو» يلمع ذهباً ويدور حول نفسه داخل إطار زجاجي لوقايته من الغبار. غني عن القول أنه كانت ثمرة هذا العمل.

استعرض فنان طباعة الشاشة جيانباولو فالاني مهارته في رسم ملصقات تجسّد الأدوات المستخدمة في صنع حذاء الـ«غومينو» بألوان آندي وارهول المتوهجة (جيانباولو فالاني)

من جهته، استعرض جيانباولو فالاني، الفنان في الطباعة، مهارته في رسم ملصقات تُجسّد الأدوات التي تُستخدم في صناعة الإكسسوارات، مثل حذاء الـ«موكاسان» وحقائب اليد. استعمل أسلوب الـ«بوب آرت» المستمد من ألوان آندي وارهول المتوهجة، مثل اللون الأصفر والأزرق المائي والوردي الساخن والبنفسجي؛ الأمر الذي جعل مطبوعاته تبدو وكأنها لوحات تهافت عليها الضيوف في نهاية اليوم. كانت بالنسبة لهم مكسباً للذكرى. أما سيرجيو بولدرين، الذي صنع أقنعة فيلم ستانلي كوبريك «Eyes Wide Shut»، فنجح في صناعة ثمانية أقنعة باستخدام قصاصات وعينات من الجلد وفّرتها له «تودز».

تم خلال الفعالية تقديم عرض حي في صناعة مجذاف خشبي يعمل كنقطة الارتكاز العمودية لمجداف الجندول (دري باستور)

ولأن الجندول مثل الأقنعة، جزء لا يتجزأ من الحياة في مدينة البندقية، كان لا بد أن يكون لصناعه مكان بين هؤلاء الحرفيين العمالقة. وهكذا قدّم سافيريو باستور وبييرو دري، اللذان يعملان في ورشة محلية متخصصة، عرضاً حياً شمل صناعة مجذاف خشبي، يعمل كنقطة الارتكاز العمودية لمجداف الجندول.

ما أكده هذا المشروع ليس فقط مدى اهتمام «تودز» وحرصها على استعمال تقاليد قديمة بأسلوب معاصر، بل أيضاً تطلعها للإبقاء على الحرفية ونقلها إلى المستقبل. يشير ديلا فالي إلى أن هذه التقاليد استمرت لحد الآن بفضل آباء توارثوها عن الأجداد، إلا أن عزوف الشباب عنها وتفضيلهم وظائف أخرى، يُهدد استمراريتها. مجرّد التفكير في هذه الاحتمالية يثير مخاوف الإيطاليين. دييغو ديلا فالي واحد منهم. يفرُق عنهم أنه لا يقف مكتوف اليدين. يعمل كل جهده لتجميل صورة هذه الحرف التقليدية على أمل إغراء الأحفاد لدخول مجالاتها. يشرح: «هذه الحرف تحتاج منا إلى دعم لجذب الشباب، لهذا كان مهماً أن يتضمّن المشروع رسالة مفادها أن العمل الحرفي مهنة نبيلة، وليس خياراً من الدرجة الثانية».

ستبقى كل الترجمات التي صاغها هؤلاء الحرفيون شاهداً على قدراتهم في متحف دار «تودز» بما في ذلك هذا الحذاء المصنوع من زجاج مورانو (روبرتو بيلترامي)

تجدر الإشارة إلى أن القطع التي تم صُنعها بالتعاون مع هؤلاء الحرفيين الـ11، ستبقى شاهداً تاريخياً على هذه المبادرة، حيث ستُنقل إلى مقر «تودز» الرئيسي أو على الأصح إلى متحفها الواقع بالقرب من مصنعها في منطقة «ماركي». هناك سيستمتع بها الموظفون. لكن دييغو يريد أكثر من ذلك. يريدهم في كل مرة تقع أعينهم عليها، أن يتأكدوا أنه من الممكن الجمع بين العمل كوظيفة وكثقافة وفن.


مقالات ذات صلة

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

سجَّلت المصمِّمة السورية منال عجاج حضوراً لافتاً ضمن فعاليات أسبوع الموضة في باريس لموسم ربيع وصيف 2026، الذي انطلق في 26 يناير (كانون الثاني)، حيث قدّمت رؤية…

«الشرق الأوسط» (باريس)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.


خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.