«مفاوضات غزة»... المشكلة في الوسطاء أم في «طموحات» طرفَي الصراع؟

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية بحضور مسؤولين من تركيا والحركة في إسطنبول السبت (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية بحضور مسؤولين من تركيا والحركة في إسطنبول السبت (أ.ف.ب)
TT

«مفاوضات غزة»... المشكلة في الوسطاء أم في «طموحات» طرفَي الصراع؟

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية بحضور مسؤولين من تركيا والحركة في إسطنبول السبت (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية بحضور مسؤولين من تركيا والحركة في إسطنبول السبت (أ.ف.ب)

في ظل «تعثر» المفاوضات الرامية لتحقيق «هدنة» في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة «حماس»، أثيرت تساؤلات بشأن سبب عدم الوصول إلى اتفاق حتى الآن. رغم جولات تفاوض ماراثونية في باريس والقاهرة والدوحة مستمرة منذ عدة أشهر، زاد الجدل عقب حديث قطر عن «إعادة تقييم دورها كوسيط»، الذي تزامن مع تكهنات بشأن إمكانية دخول تركيا على خط الوساطة. مع إشارة خبراء إلى أن الوسطاء في قطر ومصر والولايات المتحدة، بذلوا «جهوداً مكثفة»، ومارسوا «ضغوطاً» على كل من حركة «حماس» وإسرائيل، «لكن تشبث كل طرف بشروطه ورفضه تقديم تنازلات حال دون الوصول إلى اتفاق».

لم تسفر ست جولات من المفاوضات الماراثونية بدأت نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، عن اتفاق حتى الآن، وكانت القاهرة استضافت آخر هذه الجولات، بداية الشهر الحالي، وخلالها عرض مدير المخابرات المركزية الأميركية، ويليام بيرنز، مقترحاً أميركياً للتهدئة يبدو أنه «لم يرضِ طرفي الصراع».

الدخان يتصاعد فوق الأراضي الفلسطينية خلال قصف إسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

واعتمدت جولات المفاوضات على إطار اتفاق من ثلاث مراحل، تم التوافق عليه في اجتماع باريس، نهاية يناير الماضي، بحضور رؤساء استخبارات مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى رئيس الوزراء القطري، وُصفت نتائجه في حينه بـ«البنّاءة».

ومن باريس انتقلت المفاوضات إلى القاهرة والدوحة، وباريس مرة ثانية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، آملة في التوصل إلى «هدنة» خلال شهر رمضان الماضي، ثم في العيد، لكنها حتى الآن لم تسفر عن اتفاق.

رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان في مؤتمر صحافي مشترك بالدوحة 17 أبريل (أ.ف.ب)

في الأسبوع الماضي، لوحت قطر بإمكانية «تجميد دورها كوسيط في المفاوضات». وأعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أن «بلاده تقوم بعملية تقييم شامل لدور الوساطة الذي تقوم به»، مؤكداً أن «الدوحة ستأخذ القرار المناسب في الوقت المناسب بشأن مواصلة جهود الوساطة أو وقفها». وكانت الدوحة قد تعرضت لانتقادات إسرائيلية بشأن دورها كوسيط.

وفي ظل التهديد القطري، برز الحديث عن تركيا كوسيط محتمل، لا سيما عقب زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، إسماعيل هنية، لإسطنبول، السبت الماضي، ولقائه مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

خبير الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن «التلويح بدور ممكن لتركيا في الوساطة كبديل لقطر، هو من قبيل الضغط على الدوحة ليس أكثر». وأشار عكاشة إلى «وجود اتهامات إسرائيلية وأميركية لقطر بعدم الضغط بما يكفي على حركة (حماس) من أجل القبول بالهدنة». وقال عكاشة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أنقرة حاولت من قبل الدخول على خط الوساطة بين إسرائيل وحركة (حماس) خلال الصراع بينهما عام 2014، لكنها كانت طوال الوقت تؤكد أن ذلك لن يكون على حساب الدور المصري».

وأوضح أن «تركيا وقطر ليستا منطقة احتكاك مع إسرائيل، فالدوحة ليس لها علاقات مع تل أبيب، في حين تتميز العلاقات بين أنقرة وإسرائيل بالتوتر المستمر، لا سيما مع انتقادات إردوغان المتكررة لنتنياهو»، مستبعداً دخول «أنقرة على خط الوساطة»، مؤكداً أن «تركيا أبعد ما تكون عن حلحلة الصراع، والوصول إلى اتفاق».

فلسطينيون يتفحصون الدمار الذي لحق بسيارة بعد غارة إسرائيلية على رفح بقطاع غزة (أ.ب)

لكن أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، الدكتور جهاد الحرازين، لفت إلى أن «تركيا تحاول لعب دور إقليمي، وقد تتدخل كوسيط في الهدنة، عبر دفع (حماس) للتخلي عن سلاحها»، لكنه في الوقت ذاته أشار إلى «توتر العلاقات بين تركيا وإسرائيل، ما يجعل قدرتها كوسيط مشكوكاً فيها، في ظل انتقادات إردوغان لتل أبيب». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بينما تدعم بعض الأطراف استمرار قطر في الوساطة، فإنها في ظل الاتهامات الموجهة إليها، ربما تعمد إلى تجميد دورها، ما يفتح الباب لدخول أنقرة».

صورة وزَّعتها «حماس» للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين في 24 نوفمبر ضمن هدنة لوقف إطلاق النار (رويترز)

تجدر الإشارة إلى أن جهود الوساطة المصرية - القطرية نجحت في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في انتزاع هدنة لأسبوع، غير أن كل المساعي لإحلال هدنة ثانية فشلت منذ ذلك الحين.

وأكد عكاشة أن «تحميل الوسطاء في مصر وقطر والولايات المتحدة مسؤولية عدم الوصول إلى اتفاق، أمر فيه قدر كبير من المبالغة، لا سيما أن الوسطاء بذلوا جهوداً كبيرة ومارسوا ضغوطاً على (حماس) من جانب، وعلى إسرائيل من الجانب الآخر، لكن تمسك طرفي الصراع بشروطهما، وطموحات كل طرف في تحقيق أكبر قدر من المكاسب، حال دون الوصول إلى اتفاق حتى الآن».

ولفت إلى أن «المعركة بين إسرائيل و(حماس) معركة صفرية؛ إذ لا يوجد أمامهما سوى النصر، وأي تنازل في المفاوضات يعني خسارة الحرب، ما يجعل مهمة الوسطاء صعبة جداً، ويقلل من فاعلية أي ضغوط من جانب الوسطاء»، مضيفاً أن «أي وسيط لن يستطيع دفع الطرفين إلى التنازل؛ فكلاهما يبحث عن النصر».

فلسطينيون يسيرون في منطقة مدمرة في مخيم النصيرات للاجئين بقطاع غزة (إ.ب.أ)

كما شدد الحرازين على أن «تمسك طرفي الصراع (إسرائيل وحماس) بشروطهما، هو السبب وراء عدم التوصل لاتفاق حتى الآن». وقال: «لو كانت هناك جدية منهما لتمت الهدنة؛ إذ لم يستجب أي منهما لمقترحات وضغوط الوسطاء الذين بذلوا جهوداً كبيرة في هذا الصدد».

وهو ما أكده أيضاً أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة العلوم التطبيقية بالأردن، الدكتور عبد الحكيم القرالة، قائلاً إن «مفاوضات الهدنة شهدت موجات من المد والجزر بسبب تعنت الطرف الإسرائيلي وعدم جديته في تحقيق التهدئة». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «تل أبيب تعمد إلى عرقلة المفاوضات واستغلالها كوسيلة لإظهار انفتاحها على السلم، في حين أنها لا تريد ذلك حقاً».

وأكد القرالة أن «الوسطاء في مصر وقطر بذلوا جهوداً مضنية لتقريب وجهات النظر في مفاوضات ماراثونية، لكن التعنت الإسرائيلي وانحياز الولايات المتحدة لتل أبيب، أثر على مسار المفاوضات». وأوضح أن «المشكلة هنا تكمن في أن أي مكسب لطرف يعني خسارة للطرف الآخر، ما يجعل احتمالات التقدم في المفاوضات ضعيفة».


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وسط استمرار التوترات الميدانية

العالم العربي سيدة تبكي خلال تشييع محمد وهبي عبد العزيز حنني (17 عاماً) الذي قُتل بعد إطلاق قوات إسرائيلية النار عليه في بيت فوريك بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

مقتل فلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وسط استمرار التوترات الميدانية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية وفاة فتى فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص الجيش الإسرائيلي شرق مدينة نابلس شمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ) p-circle

شبكة المنظمات الأهلية في غزة: البيوت المتنقلة لم تدخل إلى القطاع

قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، إن أيا من البيوت المتنقلة (الكرفانات) لم تدخل إلى قطاع غزة حتى الآن رغم الاحتياجات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي المصلون الفلسطينيون متجمعون في باحة المسجد الأقصى لأداء صلاة الجمعة (إ.ب.أ) p-circle 00:26

عشرات الآلاف يؤدون صلاة الجمعة الأولى من رمضان في المسجد الأقصى (فيديو)

عبر نحو 8500 فلسطيني من الضفة الغربية المحتلة نقاط التفتيش الإسرائيلية إلى القدس لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى اليوم، وفقاً للسلطات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي أقارب شاب فلسطيني أميركي قتله مستوطن إسرائيلي في قرية مخماس بالقرب من رام الله بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

الصحة الفلسطينية: مستوطن إسرائيلي يقتل فلسطينياً أميركياً في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن شاباً فلسطينياً يحمل الجنسية الأميركية توفي متأثراً بجراحه بعد أن أطلق عليه مستوطن إسرائيلي النار في ​الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي رجل فلسطيني يرفع يديه أثناء اعتقاله من قبل القوات الإسرائيلية خلال مداهمة عسكرية في جنين بالضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

الأردن يدعو لتحرك دولي لوقف التصعيد الإسرائيلي في الضفة

دعا العاهل الأردني خلال استقباله الرئيس الألماني، الأربعاء، إلى تحرك دولي من أجل وقف التصعيد في الضفة الغربية مع تكثيف إسرائيل الإجراءات التي تثير مخاوف من ضمها

«الشرق الأوسط» (عمان)

العثور على جثث 7 مهاجرين غير شرعيين على شاطئ ليبي

عناصر من الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مجهولة من على شاطئ البحر في مدينة الزاوية (الهلال الأحمر الليبي عبر «فيسبوك»)
عناصر من الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مجهولة من على شاطئ البحر في مدينة الزاوية (الهلال الأحمر الليبي عبر «فيسبوك»)
TT

العثور على جثث 7 مهاجرين غير شرعيين على شاطئ ليبي

عناصر من الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مجهولة من على شاطئ البحر في مدينة الزاوية (الهلال الأحمر الليبي عبر «فيسبوك»)
عناصر من الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مجهولة من على شاطئ البحر في مدينة الزاوية (الهلال الأحمر الليبي عبر «فيسبوك»)

عُثر على جثث سبعة مهاجرين غير شرعيين من دول جنوب الصحراء على شاطئ شرق العاصمة الليبية طرابلس، حسبما أفاد عامل في الهلال الأحمر الليبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الأحد.

ومن بين الضحايا ثلاثة أطفال، وفق ما أضاف المصدر، مرجحاً وجود مهاجرين آخرين لم يُعثر عليهم بعد. ولم يُفصح الهلال الأحمر الليبي عن ملابسات الوفاة.

وقال المنظمة، في بيان: «قام متطوعو الهلال الأحمر الليبي - فرع الخمس بانتشال 7 جثث من على شاطئ منطقة قصر الأخيار تعود لمهاجرين ضمن محاولات الهجرة غير الشرعية».

وتقع بلدة قصر الأخيار الساحلية على بعد نحو 73 كيلومتراً شرق طرابلس.

وليبيا دولة عبور رئيسية لآلاف المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا سنوياً، فيما تُسجّل وفيات بين المهاجرين بشكل متكرر.

ولقي أكثر من 2100 مهاجر غير شرعي حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط إلى أوروبا العام الماضي، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.


«معبر رفح» يستقبل دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى غزة

فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
TT

«معبر رفح» يستقبل دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى غزة

فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)
فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر أمام معبر رفح (هيئة الاستعلامات المصرية)

استقبل «معبر رفح» دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى قطاع غزة، تضم نساءً وأطفالاً وكبار سن، حسبما أفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأحد.

وقالت القناة إن فرق «الهلال الأحمر المصري» تنتشر داخل المعبر لتسهيل إجراءات العبور، بالتنسيق مع الجهات المختصة؛ مؤكدة أن «الهلال المصري» حاضر على الحدود منذ بدء الأزمة، وأن «معبر رفح لم يُغلق من الجانب المصري نهائياً، مع استمرار الجهود الإنسانية والإغاثية المصرية لدعم الأشقاء الفلسطينيين».

وتؤكد مصر دوماً ضرورة «ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية».

ومع تواصل إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة من الجانب المصري، أطلق «الهلال الأحمر المصري»، الأحد، قافلة «زاد العزة الـ143» حاملة أكثر من 5.220 طن من المساعدات الإنسانية الشاملة، وذلك في إطار جهوده الإنسانية المتواصلة لدعم الفلسطينيين.

كما أشار «الهلال المصري»، الأحد، إلى استقبال وتوديع الدفعة الـ16 من الجرحى والمرضى والمصابين الوافدين والمغادرين عبر معبر رفح.

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل مرضى ومصابين فلسطينيين (هيئة الاستعلامات المصرية)

ووفق «هيئة الاستعلامات المصرية» تنتشر فرق «الهلال المصري» أمام معبر رفح من الجانب المصري، لتقديم الخدمات الإغاثية للفلسطينيين، وتشمل الدعم النفسي للأطفال، وخدمات إعادة الروابط العائلية، وتوزيع وجبات سحور وإفطار، وتوفير الملابس الثقيلة ومستلزمات العناية الشخصية، وتوزيع «حقيبة العودة» على العائدين إلى القطاع.

وسبق أن قررت مصر، في منتصف فبراير (شباط) الحالي، تقديم مليون وجبة يومياً لفلسطينيي غزة خلال شهر رمضان من خلال المطبخ التابع لـ«الهلال الأحمر المصري» في الشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء.

وقال مجلس الوزراء المصري إن ذلك يأتي في إطار حملة «هلال الخير 2026» التي أطلقها «الهلال الأحمر المصري» تأكيداً على التزام الدولة المصرية بمواصلة رسالتها الإنسانية تجاه الأشقاء الفلسطينيين، خصوصاً خلال رمضان».


«الدعم السريع» السودانية تسيطر على بلدة حدودية مع تشاد

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
TT

«الدعم السريع» السودانية تسيطر على بلدة حدودية مع تشاد

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

أعلنت «قوات الدعم السريع» السودانية أنها سيطرت على بلدة الطينة الحدودية مع تشاد. وكانت البلدة تحت سيطرة القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش الذي يخوض حرباً ضد «قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023.

ونشرت «قوات الدعم السريع» بياناً على وسائل التواصل الاجتماعي، تعلن فيه السيطرة على بلدة الطينة الاستراتيجية في ولاية شمال دارفور غرب السودان، إضافة إلى مقطع فيديو لبعض مقاتليها يحتفلون تحت لافتة تحمل اسم البلدة. ومنذ سيطرتها على الفاشر، نفذت «قوات الدعم السريع» عدة عمليات بالقرب من الحدود التشادية.

وكانت اشتباكات عنيفة قد دارت بين الطرفين في المنطقة منذ يوم السبت، وفي وقت لاحق، أعلنت «قوات الدعم السريع» بسط سيطرتها الكاملة على البلدة، وقالت إن قواتها تواصل «تنفيذ الخطط التأمينية لبسط الأمن وحماية المدنيين في الطينة والمناطق المجاورة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والمساهمة في استعادة الخدمات الأساسية».

حاكم دارفور

حاكم إقليم دارفور وقائد «حركة جيش تحرير السودان» مني أركو مناوي يزور مخيم نازحين بشمال السودان - 26 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

من جانبه، أدان حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، الانتهاكات التي قامت بها «قوات الدم السريع» في البلدة، و«السلوك الإجرامي المتكرر الذي يجسد أبشع صور الانتهاكات بحق الأبرياء»، مضيفاً أن «سلوكيات (قوات الدعم السريع) تؤكد بجلاء النوايا المبيتة في تهجير بعض القبائل من إقليم دارفور وفرض واقع ديمغرافي بالقوة والسلاح».

كما وصف مناوي تصريحات قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي» في أوغندا بـ«الخطيرة»، مشيراً إلى أن حميدتي أقر بجلب مرتزقة أجانب إلى البلاد. وحذر من أن مبدأ استدعاء قوة خارجية في نزاع داخلي يفتح الباب أمام فوضى لا يمكن السيطرة عليها. وأضاف أن «السودان اليوم بحاجة إلى خطاب يُطفئ النار لا يُغذّيها، ويؤسس لدولة مواطنة لا دولة سلاح».

وكان قائد «الدعم السريع» أقر خلال لقائه مع عدد من السودانيين في أوغندا، قبل يومين، بمشاركة مرتزقة كولومبيين في القتال إلى جانب قوّاته داخل السودان، مشيراً إلى أنهم فنيون مسؤولون عن سلاح المسيّرات.

عاصمة قبيلة الزغاوة

وتعدّ بلدة الطينة آخر جيوب القوات الموالية للجيش المعروفة بـ«القوة المشتركة»، وتقع على الحدود السودانية - التشادية مباشرة، وتنقسم إلى بلدتين باسم «الطينة السودانية» و«الطينة التشادية»، وتُعرف بأنها عاصمة قبيلة «الزغاوة» المشتركة بين البلدين.

وخلال الأشهر الماضية، استولت «قوات الدعم السريع» على بلدات أبو قمرة، وأم برو، وبير سبيل كرنوي، ولم يتبقَّ على الحدود المشتركة بين تشاد والسودان سوى بلدة الطينة.

وفي بيان ثانٍ، نفى المتحدث الرسمي باسم «قوات الدعم السريع»، الفاتح قرشي، بشكل قاطع، ما تم تداوله من مزاعم بشأن التجنيد القسري أو الاتجار بالبشر، أو استجلاب مقاتلين أجانب للقتال في صفوفها، وفق تصريحات منسوبة لجنرال متقاعد من الجيش التشادي يدعى محمد نور عبد الكريم.

وقال قرشي في بيان على منصة «تلغرام»، إن «هذه الادعاءات عارية تماماً عن الصحة، ولا تستند إلى أي دليل موثوق»، مشيراً إلى أن قواتهم لا تلجأ إلى أساليب التجنيد القسري أو الاستعانة بالمرتزقة.

صراع طائفي وقبلي

نازحون يستقلون عربات تجرها حيوانات عقب هجمات من «الدعم السريع» على مخيم زمزم بدارفور (رويترز)

وتزايدت عمليات القصف على أساس طائفي قبلي في الصراع الدائر بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشكل يحصد عشرات المدنيين، حيث يتبادل الطرفان الاتهام بـ«تعمد الاستهداف العرقي العنصري» بغرض «تهجير» القبائل المناوئة للطرف الآخر.

واتهم حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، «قوات الدعم السريع»، باستهداف السكان على أسس عرقية، معتبراً أن ما جرى في الطينة يعكس «محاولات لفرض واقع ديمغرافي بالقوة». جاء ذلك بعد ساعات من إعلان «قوات الدعم السريع» سيطرتها على بلدة الطينة، في ظل تركيبة اجتماعية معقدة وحساسية جغرافية ناتجة عن موقعها الحدودي.

وكان تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «قوات الدعم السريع»، قد اتهم الجيش بمحاولة بث الفرقة وإشعال نار العنصرية والقبلية بين أبناء الشعب السوداني من خلال «سياسة الفصل العنصري التي ينتهجها الجيش وميليشياته وكتائبه، عبر استهداف المدنيين في البوادي والحضر في إقليمي كردفان ودارفور».

وقال تحالف «تأسيس»، الذي أعلن عن تدشينه في يوليو (تموز) الماضي، في بيان صحافي، إن «العالم تحدث كثيراً عن سياسات الفصل العنصري في أماكن مختلفة، لكنه يلوذ بالصمت تجاه ما يرتكبه جيش جماعة الإخوان المسلمين في السودان من ممارسات تعد من الأسوأ على الإطلاق».

بدورها، قالت «الحركة الشعبية لتحرير السودان» شمال، المتحالفة مع «قوات الدعم السريع» إنه تم استهداف الضحايا في مدينة السنوط «بصورة إثنية»، مشيرة إلى أن مسيرة حربية تابعة للجيش شنت في 6 فبراير (شباط)، غارات جوية على مدينة شالي الفيل الواقعة بمقاطعة الكرمك، في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان.

وخلّف الصراع بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، نحو 40 ألف قتيل، وتسبب في نزوح أكثر من 12 مليون شخص (نحو 30 في المائة من السكان) داخلياً وخارجياً، ودمار هائل وانتشار المجاعة، بحسب منظمة «الصحة العالمية»، مما تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة.