ما خيارات مصر للتعامل مع اجتياح إسرائيلي محتمل لـ«رفح»؟

في ظل «تهديدات» تل أبيب المتكررة بتنفيذ عملية عسكرية

فلسطينية مع أطفالها تخرج من مخيم جنين للاجئين في وقت سابق متجهة إلى مكان أكثر أماناً (إ.ب.أ)
فلسطينية مع أطفالها تخرج من مخيم جنين للاجئين في وقت سابق متجهة إلى مكان أكثر أماناً (إ.ب.أ)
TT

ما خيارات مصر للتعامل مع اجتياح إسرائيلي محتمل لـ«رفح»؟

فلسطينية مع أطفالها تخرج من مخيم جنين للاجئين في وقت سابق متجهة إلى مكان أكثر أماناً (إ.ب.أ)
فلسطينية مع أطفالها تخرج من مخيم جنين للاجئين في وقت سابق متجهة إلى مكان أكثر أماناً (إ.ب.أ)

في ظل تهديدات إسرائيلية متكررة بتنفيذ عملية عسكرية في مدينة رفح الفلسطينية، تتجدد التساؤلات عن خيارات مصر في التعامل مع تبعات اجتياح «رفح» حال تنفيذه. وتحذّر القاهرة باستمرار من «خطورة ذلك وتداعياته على سكان قطاع غزة». كما تشدد من وقت إلى آخر على «رفضها تهجير الفلسطينيين داخل أراضيهم أو خارجها».

وباتت رفح الفلسطينية الملاذ الأخير لسكان قطاع غزة، حيث يقطنها ما يقرب من 1.5 فلسطيني فرّوا من ويلات الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وسبق أن حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أكثر من مرة من تنفيذ عملية عسكرية في رفح، مؤكداً «رفض بلاده المخطط الإسرائيلي الساعي لتنفيذ عملية عسكرية في رفح الفلسطينية؛ لما له من تداعيات إنسانية على سكان القطاع».

وأشار موقع «أكسيوس» الإخباري، إلى «عقد الولايات المتحدة وإسرائيل، اجتماعاً افتراضياً، الخميس؛ لبحث عملية عسكرية محتملة في رفح». ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين «نفيهما بشكل قاطع إعطاء الرئيس الأميركي جو بايدن (الضوء الأخضر) لتنفيذ العملية، حال أحجمت إسرائيل عن مهاجمة إيران رداً على الهجوم الذي شنّته الأخيرة عليها». وذكر الموقع أن «الاجتماع هو الثاني في الأسابيع الأخيرة»، مشيراً إلى أن «اجتماعاً كان مقرراً عقده في واشنطن هذا الأسبوع تأجل بسبب الهجوم الإيراني». وأوضح أن «الاجتماع الجديد يُعقد عن بُعد ويشارك فيه من الجانب الأميركي مستشار الأمن القومي، جايك سوليفان، ومن الجانب الإسرائيلي مستشار الأمن القومي، تساحي هنغبي، ووزير الشؤون الاستراتيجية، رون ديرمر».

ونقل «أكسيوس» عن مسؤول أميركي قوله إن «الخطط التي قدمها الجيش الإسرائيلي شملت عملية تدريجية وبطيئة في أحياء محددة برفح سيتم إخلاؤها قبل بدء العمليات، وذلك بدلاً من تنفيذ عملية اجتياح شامل للمدينة بأكملها».

فلسطينيون خلال تجمعهم في وقت سابق بموقع غارة إسرائيلية على منزل في غزة (رويترز)

وسبق أن حثّ الرئيس الأميركي، إسرائيل، على عدم شن هجوم واسع النطاق في رفح؛ لتجنب سقوط مزيد من القتلى بين المدنيين الفلسطينيين في غزة، حيث تقول السلطات الصحية الفلسطينية إن «أكثر من 33 ألف شخص قُتلوا في الهجوم الإسرائيلي».

ويثير اجتياح «رفح» مخاوف من «تنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء»، وهو الأمر الذي أكدت مصر، ودول عربية رفضه «أكثر من مرة». وعدّ الرئيس المصري «التهجير» بمثابة «تصفية للقضية الفلسطينية». وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، الأسبوع الماضي، إن «الهجوم على رفح قد يجعل نزوح سكان غزة إلى مصر، الخيار الوحيد المتاح لسلامتهم». وأضاف: «هذه المعضلة غير مقبولة وتقع مسؤولية تجنبها بشكل مباشر على عاتق إسرائيل، قوة الاحتلال في غزة».

ورداً على سؤال عما إذا كان من الممكن أن تفتح مصر أبوابها على «أساس مؤقت» للسماح بدخول اللاجئين الفلسطينيين من غزة، في أعقاب العمل العسكري المحتمل في «رفح»، قال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، الثلاثاء، خلال حوار مع قناة «سي إن إن»، إن «مصر ستواصل العمل بما يحقق مصلحة الشعب الفلسطيني»، مضيفاً أن «الطريقة التي سيُفعل بها ذلك ستعتمد على الظروف».

وجدّد شكري حينها التأكيد على «أهمية حل الدولتين الذي يصبّ في المصلحة العليا للجميع». وقال: «لا يجب أن نروج أو نتكهن بأي بديل آخر، لكننا سنتعامل مع أي ظروف بالأسلوب المناسب وبالإنسانية». كما أضاف شكري أن «أي تهجير جماعي ناجم عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في رفح سيكون بمثابة جريمة حرب»، مستطرداً أن «النزوح وأي نشاط يساعد على النزوح أو يشجع عليه يعد جريمة حرب ويجب عدّه كذلك».

وكان شكري قد قال في تصريحات لـ«رويترز»، فبراير (شباط) الماضي، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، رداً على سؤال مماثل: إن «تهجير الفلسطينيين أمر غير مقبول»، وأضاف: «لا نعتزم توفير أي مناطق أو منشآت آمنة، لكن إذا اقتضت الضرورة ذلك فسنتعامل بالإنسانية اللازمة».

جاءت تصريحات شكري وقتها عقب أنباء عن «قيام مصر بتمهيد منطقة على حدودها مع غزة يمكن أن تؤوي الفلسطينيين حال أدى هجوم عسكري إسرائيلي على رفح إلى نزوح جماعي عبر الحدود». وقال شكري: «هذا أمر افتراضي تماماً. نجري دوماً أعمالاً للصيانة على حدودنا؛ لذا أعتقد أن ذلك بمثابة قفز إلى الاستنتاجات بخصوص ما تمثله تلك الأنشطة».

امرأة فلسطينية نزحت بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطبخ في مخيم الخيام المؤقت بمنطقة المواصي (أ.ب)

وبينما تبذل مصر جهوداً دبلوماسية لحشد المجتمع الدولي ضد تنفيذ عملية عسكرية في «رفح»، فإنها «تترقب»، كيف ستتعامل إسرائيل مع التحذيرات الدولية؟

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، على «ضرورة التفرقة بين أمرين، الأول يتعلق بالتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، والآخر مرتبط بالعلاقات المصرية - الإسرائيلية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إذا تسبب اجتياح رفح في دفع الفلسطينيين إلى مصر، سيتم التعامل مع الأمر وفقاً للاعتبارات الإنسانية والقومية». وأضاف أنه «في الشق الثاني وعلى المدى الطويل، فإن الاجتياح قد يكون له تبعات على العلاقات المصرية - الإسرائيلية، من المُفضل عدم التطرق لها الآن انتظاراً لما ستتطور إليه الأمور، وحتى تتضح على وجه الدقة حقيقة الأهداف الإسرائيلية».

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أوضح أن «مصر في حالة ترقب لما ستسفر عنه الأيام المقبلة»، مشيراً إلى أن «القاهرة أرسلت رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى إسرائيل بشأن مخطط اجتياح رفح، ومحور صلاح الدين».

وفي وقت سابق، حذّر رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ضياء رشوان، من أن إعادة احتلال «محور فيلادلفيا» (صلاح الدين) سيؤدي إلى «تهديد خطير وجدِّي للعلاقات المصرية – الإسرائيلية»، عادّاً ذلك «خطاً أحمر يضاف إلى الخط المعلن سابقاً بخصوص تهجير الفلسطينيين من غزة». وشدد على أن «مصر قادرة على الدفاع عن مصالحها والسيادة على أرضها وحدودها، ولن ترهنها في أيدي مجموعة من القادة الإسرائيليين المتطرفين، ممن يسعون لجر المنطقة إلى حالة من الصراع وعدم الاستقرار».

وهنا أشار هريدي إلى أن «(محور صلاح الدين) يقع ضمن المنطقة (د) التي يحدّد ملحق الدفاع في (معاهدة السلام) عدد القوات بها؛ ما يجعل أي زيادة في القوات انتهاكاً للمعاهدة». ولفت إلى أن «الأمور لم تتضح بعد، ولا يعلم أحد السقف الزمني الذي حددته إسرائيل لبقائها في رفح؛ إذا نفدت مخطط الاجتياح».

صورة عامة قرب مستشفى الشفاء بغزة تظهر الدمار الناجم عن القصف الإسرائيلي مطلع أبريل الحالي (أ.ب)

بدوره، رأى خبير الشؤون الإسرائيلية في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، أن «مصر تنظر لاجتياح رفح بوصفه أمراً شديد الخطورة، وهو ما أكده الرئيس المصري خلال مؤتمر صحافي، الأربعاء، عقب لقائه والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة».

وقال عكاشة لـ«الشرق الأوسط»: «يبدو أن هناك تجهيزاً من جانب إسرائيل لتنفيذ عملية في رفح، لا سيما أن تل أبيب لم تكن جادة في منع عودة سكان جنوب قطاع غزة إلى الشمال». ورجّح عكاشة أن «تعتمد إسرائيل على أسلوب العمليات المحدودة، أو الكرّ والفرّ في رفح، من دون تنفيذ عملية واسعة النطاق؛ حفاظاً على علاقتها بكل من مصر والولايات المتحدة».

وبشأن كيفية تعامل مصر مع تداعيات الاجتياح حال تنفيذ إسرائيل تهديدها، قال عكاشة إن «القاهرة استعدت بتأمين حدودها مع قطاع غزة، إضافة إلى تجهيزات للتعامل مع الوضع الإنساني حال تدفق نازحين إلى أراضيها»، مشيراً إلى أن «مصر ستعتمد إجراءات التعامل السلبي مع تطورات الأحداث».


مقالات ذات صلة

شاهد... بن غفير يشارك في عملية هدم مبنى سكني يضم 70 فلسطينياً بالقدس

المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في المحكمة العليا الإسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

شاهد... بن غفير يشارك في عملية هدم مبنى سكني يضم 70 فلسطينياً بالقدس

شارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير اليوم في اقتحام بلدة الطور شرق القدس المحتلة، بالتزامن مع هدم قوات الاحتلال بناية سكنية يسكنها نحو 70 مواطناً.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جثمان فلسطيني داخل كيس أزرق عقب مقتله برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل فلسطيني وإصابة اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً وأصابت آخرَين، الاثنين، بإطلاق النار على سيارة كانوا يستقلونها بجنوب الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت هيئة فلسطينية حكومية

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقومون بدورية في أحد الشوارع عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون في قرية عورتا (أوسارين) جنوب نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)

إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «هجوم 7 أكتوبر»

قررت السلطات الإسرائيلية اليوم (الأحد)، فرض إغلاق على الضفة الغربية وإغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة يومي الاثنين والأربعاء المقبلين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تأبين بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«الصحة العالمية» تندد بتأخر دخول المساعدات إلى غزة

كشفت منظمة الصحة العالمية الجمعة عن أن إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر إسرائيل يشهد «تأخيراً تلو الآخر»، منددة بـ«نقص مزمن» في الإمدادات الطبية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص  شقة سكنية مدمرة تظهر عقب غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

خاص إسرائيل تتحدث عن محاولة اغتيال علي العامودي بغزة... و«حماس» تشكك

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلاً عن مصادر أمنية، بوقوع غارة جوية الليلة الماضية في مدينة غزة، استهدفت القادي البارز في حركة «حماس»، علي العامودي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مصر تؤكد استنكارها لـ«الاعتداءات السافرة» على السعودية

مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
TT

مصر تؤكد استنكارها لـ«الاعتداءات السافرة» على السعودية

مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)
مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)

أكدت مصر إدانتها الشديدة لاستمرار الهجمات على أراضي المملكة العربية السعودية الشقيقة. وشددت على استنكارها البالغ لتلك الاعتداءات السافرة والتصرفات غير المسؤولة وما تحمله من انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي والاستهتار بسلامة المدنيين من مختلف الجنسيات.

ونعت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الأحد، وفاة المواطنة عزة رمزي جراء الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي بالرياض.

وحسب وزارة الخارجية المصرية، أصدر وزير الخارجية بدر عبد العاطي، بناءً على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، تكليفات للسفارة والقنصلية بالرياض بالتواصل مع أسرة الفقيدة ومتابعة إجراءات نقل الجثمان إلى مصر في أسرع وقت ممكن.

كما وجّه عبد العاطي كلاً من السفير والقنصل بالرياض بزيارة المصابين المصريين بالمستشفيات البالغ عددهم خمسة مواطنين وإجراء الاتصالات مع أسرهم وتقديم جميع سبل الرعاية اللازمة لهم حيث قاما بزيارة المصابين والاطمئنان على حالتهم الصحية.

ووفق «الخارجية»، الأحد، تتابع السفارة والقنصلية في الرياض التنسيق مع مختلف السلطات في المملكة العربية السعودية الشقيقة والتي تقدم جميع أشكال الدعم للمصابين المصريين، سواء فيما يخص الرعاية الطبية أو أي تسهيلات أخرى.


حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

حذّر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، من أن انتشار الميليشيات والقوات الموازية خارج مؤسسات الدولة يهدد وحدة السودان ويحوّله إلى مناطق نفوذ متنازعة، مؤكداً ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون وبناء جيش وطني موحد.

وقال مناوي، الذي يتزعم «حركة تحرير السودان»، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الجيش يمتلك اليد العليا في الميدان، وإن ميزان القوى يميل لمصلحته، رغم استمرار الكرّ والفرّ، وأوضح أن «القوة المشتركة» التي ينتسب إليها، تقاتل بالتنسيق مع القوات المسلحة، بينما يتطلب استكمال الترتيبات الأمنية إصلاح المؤسسات ودمج القوات وإعادة هيكلتها.

وربط مناوي أي هدنة مقبلة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تكريس الانقسام، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي حتى تتوافر ظروف تضمن مشاركة السودانيين بحرية وتكافؤ. كما حذّر من قيام سلطات موازية، وشدّد على صون سيادة البلاد ووحدتها في مواجهة التدخلات الخارجية والمصالح الإقليمية.

ودعا مناوي إلى معالجات تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته، مؤكداً أن الحرب اتسعت وتداخلت أطرافها، ولم تعد مجرد مواجهة بين قيادتين عسكريتين. واستشهد بتجارب النزاعات في الصحراء وليبيا واليمن والصومال، محذراً من هدنة تثبّت نتائج الحرب وتكرّس الانقسام، بدلاً من حماية المدنيين واستعادة الأمن والاستقرار للبلاد.


حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

رفض حاكم إقليم دارفور، مَنِّي أركو مناوي، إنشاء ميليشيات أو قوات «دروع» خارج مؤسسات الدولة، محذراً من أن تعدد التشكيلات العسكرية وتحول القبائل إلى قوى مسلحة مستقلة يهددان وحدة السودان ويكرّسان تنازع مناطق النفوذ. وربط، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أي هدنة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تثبيت الانقسام الذي فرضته الحرب، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي الجاري حالياً، حتى تتوافر ظروف تتيح للسودانيين المشاركة بحرية وتكافؤ.

وقال مناوي إن بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة يمثل أساساً لاستقرار البلاد، وإن الترتيبات الأمنية لا تقتصر على دمج القوات وتسريحها، بل تشمل إصلاح المؤسسات العسكرية والشرطية وإعادة هيكلتها. وفيما رأى أن ميزان القوى الميداني يميل لمصلحة الجيش، حذّر من اختزال الحرب في صراع بين قيادتين عسكريتين، مؤكداً أن اتساعها وتداخل أطرافها وأبعادها الإقليمية يفرضان معالجة تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته.

السلاح ومؤسسات الدولة

وشدد مناوي على ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون والمؤسسات الوطنية المختصة، قائلاً: «لا نؤيد إنشاء ميليشيات أو قوات دروع تحت أي مسمى خارج المنظومة الرسمية. فالدولة التي لا يحتكر فيها الجيش الوطني السلاح المنظم، وتتحول فيها القبائل إلى تشكيلات عسكرية مستقلة، لا يمكن أن تكون دولة مستقرة، بل تصبح أقرب إلى مناطق نفوذ وحواكير متنازعة».

أنصار حاكم دارفور يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك 3 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويرأس مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، (منشقة عن حركة عبد الواحد نور) وهي إحدى أبرز الحركات المكونة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، وتضم أيضاً حركة «العدل والمساواة»، بزعامة وزير المالية جبريل إبراهيم.

وأوضح أن «القوة المشتركة» تعمل بتنسيق وانسجام مع القوات المسلحة في ميادين القتال، رغم عدم اكتمال الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام. وقال إنها رفضت، منذ اندلاع الحرب، ما وصفه بإغراءات قدمتها إليها «قوات الدعم السريع» للانضمام إلى صفوفها، واختارت الوقوف إلى جانب الجيش ضمن المنظومة الوطنية.

وأضاف أن الحرب غيّرت الأوضاع وأخلّت بالترتيبات السابقة، ما يستدعي معالجة الفجوات التي تعترض استكمال المسار الأمني. وشدد على أن هذا المسار يشمل إصلاح المؤسسات الأمنية، ومراجعة منظومتي الكلية الحربية وكلية الشرطة، ووضع أسس واضحة للاستيعاب والتسريح وإعادة الهيكلة، إلى جانب دمج القوات.

وفي تقييمه للوضع الميداني، رأى مناوي أن القوات المسلحة تمتلك اليد العليا عند النظر إلى مجمل التطورات منذ بداية الحرب، رغم ما تشهده المعارك من كرّ وفرّ. وقال إنه سمع، قبل اندلاع القتال بأيام، أن قائد «الدعم السريع» قدّر عدد مقاتليه بنحو 120 ألفاً، معتبراً أن هذه القوات تراجعت منذ ذلك الحين، وفقدت عدداً من القيادات التي كانت تدير عملياتها.

وأضاف: «طبيعة العمليات العسكرية الآن تختلف تماماً عما كانت عليه في بداية الحرب»، معرباً عن اعتقاده بأن ميزان القوى يرجّح كفة الجيش، وأن الحرب ستصل، مهما طال أمدها، إلى نهايتها.

حوار لا يكرّس الأمر الواقع

وفي الملف السياسي، دعا مناوي إلى إرجاء الحوار السوداني حتى تتوافر الظروف التي تضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع، محذراً من أن تتحول تهيئته إلى وسيلة لتكريس الأمر الواقع الذي فرضته الحرب.

وأوضح أن لقاءه لجنة تهيئة الحوار السوداني، الذي عُقد بدعوة منها، تناول طبيعة مهمتها والوجهة التي تسعى إليها، وأن النقاش مع أعضائها لا يزال مستمراً. وقال إنه أبلغ اللجنة بضرورة مراعاة الأوضاع الميدانية والإنسانية، في ظل استمرار سيطرة «قوات الدعم السريع» على مناطق واسعة، وما يواجهه السكان من نزوح ومعاناة تحدّ من قدرتهم على المشاركة السياسية.

وقدّر مناوي عدد سكان دارفور بنحو 12 مليون نسمة، قائلاً إن من تبقوا في مناطقها المختلفة، وفق تقديراته، أقل من مليوني شخص. وأشار إلى نزوح أعداد كبيرة إلى مناطق أخرى، بينها تخوم الخرطوم وأم درمان، بينما يعيش آخرون أوضاعاً تحول دون مشاركتهم الفعلية في النقاشات والتعبير عن آرائهم بحرية.

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

وشدد على الربط بين مساري الحوار الداخلي والخارجي، بما يتيح الاستماع إلى مختلف الآراء والمواقف، مع تفضيله عقد الحوار داخل السودان متى تهيأت الظروف. ورأى أن نجاحه يتطلب بيئة تتوافر فيها مساحة معقولة من الحرية والتكافؤ، بعيداً عن تأثير تفاوت مناطق السيطرة العسكرية.

ضمانات للهدنة ووحدة السودان

وأكد مناوي أنه لا يرفض الهدنة من حيث المبدأ، لكنه يحذّر من تحولها إلى أداة لتثبيت نتائج الحرب وإدامة الانقسام. وقال إن الصراع تجاوز المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي طبعت ساعاته الأولى، بعدما اتسعت المعارك وتداخلت فيها أطراف وقوى متعددة.

وبحسب مناوي، فإن جهود وقف القتال ينبغي أن تتجاوز مصالح القيادات العسكرية إلى حماية المدنيين ومعالجة القضايا التي تهم السودانيين، مستشهداً بتجارب النزاعات في الصحراء الغربية وليبيا واليمن والصومال.

وتوقف عند أوضاع الفاشر، قائلاً إن أعداداً كبيرة من سكانها غادرت المدينة، وإن المدنيين تعرضوا لانتهاكات خطيرة. وطالب بضمانات حقيقية تتيح عودة المواطنين إلى ولايات شمال دارفور وغرب دارفور وجنوب دارفور، وتكفل أمنهم وحمايتهم.

كما أثار مسألة وجود مقاتلين أجانب في صفوف «قوات الدعم السريع»، زاعماً أن نسبتهم تبلغ، وفق تقديراتهم، نحو 60 في المائة، ومطالباً بمعالجة هذه القضية ضمن أي ترتيبات للهدنة.

مستشفى الفاشر إثر إصابته بالمعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (صفحة حاكم دارفور- فيسبوك)

وحذّر من مشروع «تأسيس» وإعلان مؤسسات موازية، معتبراً أن قيام سلطة موازية يهدد بتكريس الانقسام السياسي والمؤسسي ووجود حكومتين في بلد واحد. وشدد على ضرورة توفير ضمانات تحول دون تقسيم السودان بالقوة العسكرية أو بفعل طموحات خارجية.

وقال إن أي تغيير في شكل الدولة أو نظام الحكم يجب أن يستند إلى إرادة شعبية حرة، عبر برلمان منتخب، وإن الهدنة ينبغي أن تكون مدخلاً لحماية المدنيين واستعادة الاستقرار ووحدة البلاد، وألا تصبح غطاءً لإدامة الانقسام.

أبعاد إقليمية وتدخلات خارجية

ورأى مناوي أن الحرب تجاوزت إطارها الداخلي وأصبحت ذات أبعاد إقليمية، بفعل تداخل المصالح والتدخلات الخارجية وحركة المقاتلين والسلاح بين دول المنطقة.

وفي حديثه عن العلاقة مع تشاد، قال إنه يتواصل شخصياً مع عدد من مسؤولي حكومتها، لكن بصورة غير رسمية. واعتبر أن موقف النظام التشادي ربما تأثر بمواقف الدول الراعية أو الداعمة لأطراف الحرب، مع تشديده على التمييز بين الموقف السياسي للحكومة والدور الإنساني الذي أدته تشاد في استقبال اللاجئين السودانيين.

وأضاف أن عجز الدولة السودانية عن بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها وحدودها أتاح مجالاً للتدخلات الخارجية. وقال إن البلاد لا تعيش وضعاً طبيعياً يمكّن حكومة مستقرة من ضبط الحدود والموارد وحماية السيادة، مشيراً إلى ما وصفه بانكشاف المجال الجوي وتحركات الميليشيات عبر الحدود، وارتباط بعضها بدول تدعم أطراف الحرب.

مناوي خلال لقائه أعضاء من الجالية السودانية في موسكو ديسمبر 2024 (صفحته على فيسبوك)

وأكد أن الجهود تتركز على تقليل آثار هذه التدخلات وتجنب تداعياتها، مشدداً على أن مصلحة السودان ووحدته وسيادته يجب أن تشكل أساس التعامل مع المبادرات والضغوط الخارجية.

اتفاق جوبا قابل للمراجعة

وفي شأن اتفاق جوبا للسلام (وقعته الحركات المسلحة عام 2020)، قال مناوي إنه ليس نصاً مقدساً، وإن تعديله أو إلغاءه يظل ممكناً إذا اتفقت الأطراف الموقعة عليه، وفق مقتضيات المصلحة الوطنية.

وأوضح أن تلك الأطراف أصبحت جزءاً من الواقع السياسي والحكومي، وتتحمل مسؤولياتها تجاه البلاد شأنها شأن بقية المكونات. ورفض تصويرها بوصفها مجموعات حصلت على امتيازات خاصة، أو التعامل معها باعتبارها أقل مكانة من غيرها.

وشدد على أن المشاركين في الاتفاق سودانيون يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، وتترتب عليهم واجبات تجاه الدولة، وأنهم جزء من حكومة واحدة ودولة واحدة، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية أو أصحاب حقوق منقوصة.

الإسلاميون وحدود الإقصاء

وعن خلافه السابق مع تحالف «قوى الحرية والتغيير»، قال مناوي إن من أسبابه طريقة التعامل مع حزب «المؤتمر الوطني» (الحكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير) والإسلاميين، موضحاً أنه اعترض على ما وصفه بالاندفاع نحو مهاجمتهم، رغم أنه من أكثر المتضررين منهم.

وأضاف أنه دعا إلى الفصل بين الخلاف السياسي وحقوق المواطنة، معتبراً أن معارضة الإسلاميين لا تبرر تجريد أي سوداني من جنسيته أو مصادرة جواز سفره. وقال إنه فضّل معالجة القضية تدريجياً، والعمل على إنهاء نفوذ التنظيمات التي تهدد التحول الديمقراطي، بدلاً من تبني إقصاء شامل.

وأوضح أن موقفه عرّضه لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، ووصفه بأنه من «الفلول»، لكنه تمسك برأيه. وشدد على أن المرحلة الانتقالية ينبغي ألا تبقى مفتوحة بلا نهاية، بل تفضي إلى انتخابات وحكومة منتخبة ودستور ينظم الحياة السياسية.

وأشار إلى استمرار وجود عناصر «المؤتمر الوطني» داخل الجيش والشرطة والخدمة المدنية، معتبراً أن إنهاء نفوذ الحزب لا يتحقق بمجرد معاداة جميع المنتمين إليه. ودعا إلى إتاحة المشاركة في العملية الانتقالية لكل من لم تصدر بحقه أحكام قضائية، مع إخضاع الجميع للقانون والمساءلة، والاحتكام إلى الدستور والانتخابات لتحديد من يحكم السودان.

المساءلة والحق في العلاج

وفي شأن الرئيس المعزول عمر البشير، فصل مناوي بين المساءلة القضائية والحق في العلاج، مؤكداً أن الوضع القانوني لأي شخص لا يبرر حرمانه من الرعاية الصحية، حتى إذا كان محكوماً عليه ويقضي عقوبة بالسجن.

الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير خلال محاكمته بتهم فساد 31 أغسطس 2019 (رويترز)

وقال إنه سبق أن ناقش مع وزير العدل السابق نصر الدين عبد الباري العقبات التي تحول دون تسليم أشخاص صدرت بحقهم مذكرات توقيف إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأضاف أن الوزير شرح له خمسة عوائق قانونية وإجرائية، إلى جانب مسارات بديلة في حال تعذر التسليم، بينها إنشاء محكمة خاصة وفق القانون.

ورأى مناوي أن المحكمة تواجه تحديات سياسية دولية، في ظل المواقف الأميركية والتحركات المعارضة لها في بعض الدول الأفريقية. لكنه شدد على أن تنفيذ الأحكام القضائية لا يتعارض مع ضمان الحقوق الصحية، وأن البشير، إذا كان يعاني مرضاً يستدعي العلاج، ينبغي أن يتلقى الرعاية اللازمة.