بعد فرض عقوبات جديدة هل تعود واشنطن إلى سياسة «الضغوط القصوى»؟

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: فشل احتواء إيران فرض على بايدن تغيير مقاربته

صاروخ "عماد" الباليستي ومسيرات "شاهد 136" خلال مراسم ذكرى الثورة الإيرانية في ميدان آزادي وسط طهران في فبراير الماضي (تسنيم)
صاروخ "عماد" الباليستي ومسيرات "شاهد 136" خلال مراسم ذكرى الثورة الإيرانية في ميدان آزادي وسط طهران في فبراير الماضي (تسنيم)
TT

بعد فرض عقوبات جديدة هل تعود واشنطن إلى سياسة «الضغوط القصوى»؟

صاروخ "عماد" الباليستي ومسيرات "شاهد 136" خلال مراسم ذكرى الثورة الإيرانية في ميدان آزادي وسط طهران في فبراير الماضي (تسنيم)
صاروخ "عماد" الباليستي ومسيرات "شاهد 136" خلال مراسم ذكرى الثورة الإيرانية في ميدان آزادي وسط طهران في فبراير الماضي (تسنيم)

مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على إيران، بالتنسيق مع بريطانيا، وقرار دول الاتحاد الأوروبي الأربعاء، تشديد العقوبات عليها، بدا أن فصلاً جديداً قد فتح في مقاربة ملف العلاقة مع طهران.

فقد أعلنت الخزانة الأميركية اليوم (الخميس) فرض عقوبات على 16 فرداً وكيانين يعملان على تمكين إنتاج المسيّرات الإيرانية، بما في ذلك أنواع المحركات التي تعمل على تشغيل المسيّرات من نوع «شاهد»، والتي تم استخدامها في هجوم 13 أبريل (نيسان). وأضاف بيان الخزانة، أن هذه الجهات الفاعلة تعمل نيابة عن «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإسلامي الإيراني، وذراع إنتاج المسيّرات، وشركة «كيميا بارت سيفان» وغيرها من الشركات المصنعة الإيرانية للمسيّرات ومحركاتها.

كذلك صنّف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، خمس شركات توفر المواد المكونة لإنتاج الصلب لشركة «خوزستان» للصلب الإيرانية، أحد أكبر منتجي قطاع الصلب في إيران، الذي يدر عائدات تعادل عدة مليارات من الدولارات سنوياً. وفرض المكتب أيضاً، عقوبات على شركة «بهمن غروب» لصناعة السيارات الإيرانية وثلاث شركات تابعة لها، واصلت تقديم الدعم المادي لـ«الحرس الثوري» الإيراني والكيانات الأخرى المدرجة وفقاً لسلطات مكافحة الإرهاب، بما في ذلك وزارة الدفاع الإيرانية ولوجيستيات القوات المسلحة.

وتابع البيان أنه بالتزامن مع هذا الإجراء، فرضت المملكة المتحدة عقوبات تستهدف العديد من المنظمات العسكرية الإيرانية والأفراد والكيانات المشاركة في صناعات الطائرات من دون طيار والصواريخ الباليستية الإيرانية.

التنسيق مع الحلفاء

وأضاف البيان: «اليوم، بالتنسيق مع المملكة المتحدة وبالتشاور مع الشركاء والحلفاء، نتخذ إجراءات سريعة وحاسمة للرد على هجوم إيران غير المسبوق على إسرائيل».

وقالت وزيرة الخزانة جانيت يلين في البيان: «إننا نستخدم الأدوات الاقتصادية لوزارة الخزانة لإضعاف وتعطيل الجوانب الرئيسية لنشاط إيران الخبيث، بما في ذلك برنامج الطائرات من دون طيار والإيرادات التي يدرها النظام لدعم الإرهاب». وأكدت على مواصلة فرض العقوبات «لمواجهة إيران بمزيد من الإجراءات في الأيام والأسابيع المقبلة»، مشيرة إلى أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية، «استهدفنا أكثر من 600 فرد وكيان مرتبطين بنشاط إيران الإرهابي وانتهاكاتها لحقوق الإنسان وتمويلها لـ(حماس) والحوثيين و(حزب الله) والميليشيات العراقية. كما قمنا أيضاً بتنفيذ عقوباتنا بقوة، بما في ذلك فرض غرامات تاريخية وكشف مخططات وشبكات التهرب من العقوبات». وأشارت إلى أن «أفعالنا تجعل الأمر أكثر صعوبة وتكلفة بالنسبة لإيران لمواصلة سلوكها المزعزع للاستقرار».

منشأة «نطنز» النووية التي تبعد 322 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ب)

ترضية أم مقاربة جديدة؟

وفيما عَدّ البعض فرض تلك العقوبات «جائزة ترضية» لحض إسرائيل على تجنب الرد على الهجوم الإيراني، وعدم توسيع الصراع، اختلفت آراء أخرى حول ما إذا كانت العقوبات، تشير إلى أن إدارة الرئيس جو بايدن في طريقها لإنهاء مقاربتها السابقة للعلاقة مع طهران، والعودة إلى سياسة «أقصى الضغوط» التي كانت إدارة سلفه، دونالد ترمب، قد فرضتها، بعد انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018.

وبعدما حاولت إدارة بايدن إعادة التفاوض على الاتفاق النووي، وتخفيف العقوبات، وتحرير عشرات المليارات من الأموال المجمدة، فشلت تلك السياسة في حض إيران على التحول إلى «دولة طبيعية»، وواصلت سياساتها «المزعزعة» للاستقرار، وخصوصاً بعد هجوم «حماس».

وبحسب تحليلات صحافية أميركية، فإن الهجوم الإيراني هو عمل عدواني مفتوح، لكنه ليس بداية هذا الصراع. هو تصعيد للحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران المستمرة منذ ما قبل هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، من خلال وكلائها في الشرق الأوسط. والفرق الآن أنه أصبح في العلن وليس في الظل، وهذا من شأنه أن يغير الحسابات في واشنطن على وجه الخصوص.

المنطقة أمام سيناريو تصعيدي

ويشبه البعض ما جرى بأنه يذكّر بحقبات سابقة من الصراعات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط. فبعد حرب 1967، جرت جولات من الهجمات المتبادلة بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية، انتهت باجتياح لبنان عام 1982، وخروج تلك المنظمات منه. اليوم، ومع تبادل الهجمات مع الميليشيات الإيرانية، ومع إيران نفسها، فقد تكون المنطقة أمام سيناريو مشابه، وسط إجماع غربي على معاقبتها، وعجز الدول «الصديقة» لإيران عن التأثير على مجريات الأحداث.

ورغم ذلك، يقول برايان كاتوليس، كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إنه لا يرجح العودة إلى سياسة «الضغط الأقصى»، لسببين رئيسيين: «أولاً، كانت هذه السياسة التي انتهجها الرئيس ترمب، بمثابة (استرضاء سلبي) لتصرفات إيران الإقليمية، في أماكن مثل سوريا والعراق والمملكة العربية السعودية، بسبب أشياء مثل عدم وجود أي رد على أفعال مثل الهجوم على حقول النفط في إبقيق عام 2019. ثانياً، تريد العديد من الدول العربية تجنب المزيد من التصعيد مع إيران، كما تفعل إدارة بايدن».

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)

من جهته، يقول بهنام بن طالبلو، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن: لسوء الحظ، هذا لا يرقى إلى مستوى العودة إلى ممارسة قدر أقصى من الضغط على إيران. ويضيف في حديث مع «الشرق الأوسط»: تمثل العقوبات الجديدة نهجاً تدريجياً يهدف إلى «إدارة المشكلة» معها بدلاً من حلها. ويؤكد بن طالبلو على أنها موضع ترحيب، وتطبيق العقوبات الحالية هو ما يهم مع مرور الوقت. لكنه أضاف: «التغيير الكبير في الصورة سيكون دعم إعادة فرض العقوبات في الأمم المتحدة أو فرض عقوبات على (الحرس الثوري) الإيراني بأكمله بوصفه منظمة إرهابية».

ويعتقد بن طالبلو، أن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي يشعران بالحاجة إلى الضغط على برنامج إيران للطائرات من دون طيار والصواريخ والبرنامج العسكري بعد هجوم طهران، لكنهم يشعرون بانجراف استراتيجي من واشنطن، ومن المرجح ألّا يقدموا على خطوات أكبر قبل إدارة أميركية تضغط على إيران خلال عام انتخابات رئاسية.

إيران مأزومة ومحرجة

يبدو أن نجاح التحالف الدولي والإقليمي، الذي شكل على عجل، في إحباط الهجوم الإيراني، يقرأ كإشارة على أن الأمور قد تكون متجهة في غير مصلحة سياسات طهران المأزومة، وقد ينعكس على علاقاتها مع ميليشياتها نفسها، وخصوصاً «حزب الله» ودوره في لبنان. ويستدل على ذلك، من مسارعة إيران، قبل تنفيذ هجومها على إسرائيل، وبعده، تأكيد حرصها على عدم توسيع الصراع، وعدم رغبتها في الدخول في حرب مع أحد، بحسب تصريحات وزير خارجيتها، وسحب خبرائها وعناصر «الحرس الثوري» من سوريا والعراق، وطلبها من ميليشياتها «أخذ الحيطة والحذر» تخوفاً من الرد الإسرائيلي، الذي عدّ أقرب إلى الاعتراف بانسحابها من المواجهة.

ويقول كاتوليس: «بالفعل لقد غيرت إدارة بايدن نهجها في الشرق الأوسط بشكل كبير عما كانت عليه في عام 2021، وهذا انعكاس للاعتراف بحقيقة أن إيران تواصل لعب دور سلبي في تقويض أمن الشرق الأوسط ككل». لكنه أضاف، أن هذا التحول في سياسة الولايات المتحدة، ينبغي أن ينعكس في نهج مختلف في علاقتها مع دول مثل المملكة العربية السعودية، التي وقعت اتفاقاً توسطت فيه الصين العام الماضي، لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

وقال كاتوليس: لقد أظهرت إيران مدى ضعفها مقارنة بالولايات المتحدة وإسرائيل والعديد من شركاء أميركا. كان هجومها على إسرائيل فاشلاً في معظمه، وهي الآن تتراجع وسط إحراج كبير.

ويرى بن طالبلو أن إيران في حالة تأهب قصوى خوفاً من رد إسرائيلي ضدّها، ومع عدم امتلاكها قدرات ردّ جديد، تعوض عن ذلك، بإغراق وسائل الإعلام بالتعليقات حول استعدادها للرد والتهديد بمزيد من الهجمات، على أمل أن تكبح واشنطن تل أبيب.


مقالات ذات صلة

بغداد تحصل على سماح أميركي محدود للطيران الإيراني

المشرق العربي طائرة من طراز «إيرباص A340-600» تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

بغداد تحصل على سماح أميركي محدود للطيران الإيراني

تمكنت حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، من انتزاع موافقة أميركية تسمح بتسيير 40 رحلة جوية يومياً من وإلى مطار النجف الأشرف الدولي لشركات الطيران الإيرانية.

فاضل النشمي (بغداد)
شؤون إقليمية موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان» للطيران الإيرانية في أربيل بالعراق في 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

العراق: السماح بتسيير 40 رحلة إيرانية يومياً من وإلى مطار النجف

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ​إنه سيُسمح لشركات الطيران الإيرانية بتسيير 40 رحلة يومياً من مطار النجف الدولي وإليه باستثناء شركة «ماهان إير».

أوروبا كلمة عقوبات أمام علما أميركا وروسيا (رويترز)

بعد عقوبات أميركية... منصة «إيه7» الروسية للتحويلات المالية تنفي صلتها بإيران

نفت منصة «إيه7» الروسية للتحويلات المالية أي صلات بإيران، بعدما فرضت واشنطن عقوبات عليها متهمة إياها بمساعدة طهران و«الحرس الثوري» على الالتفاف على العقوبات.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية ناقلتا نفط راسيتان في مضيق هرمز قبالة ميناء بندر عباس الإيراني - 2 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

حملة ضغط أميركية تترك ناقلات نفط إيرانية عالقة في المياه الآسيوية

على بُعد نحو 24 كيلومتراً من ساحل جنوب غرب سريلانكا، يقف نحو 20 ناقلة نفط إيرانية فارغة عالقة، تنجرف بمحركاتها المتوقفة بينما تنفد منها المواد الغذائية.

«الشرق الأوسط» (كولمبو)
المشرق العربي عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)

فصائل لكسر حصار إيران بـ«إسقاط حكومة بغداد»

تُظهر بغداد حتى الآن موقفاً متماسكاً بشأن عدم السماح لشركات الطيران الإيرانية بالهبوط في المطارات العراقية استجابة لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
TT

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية ​اليوم الأحد بأن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد قد استقال، وأن حامد بوفارد، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية المملوكة ‌للدولة، سيتولى ‌منصب ​القائم ‌بأعمال ⁠الوزير. ولم ​تكشف وسائل ⁠الإعلام عن سبب الاستقالة، بحسب رويترز.وتولى محسن باك نجاد وزارة النفط في إيران، عضو منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، ⁠في أغسطس (آب) 2024، ‌وتأتي ‌استقالته في ​ظل ضغوط الحرب ‌الدائرة بين إيران ‌والولايات المتحدة منذ سبعة أشهر على اقتصاد البلاد.ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن مسؤول ‌بمكتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قوله: «بعد قبول ⁠الدكتور ⁠بزشكيان استقالة محسن باك نجاد، تم تعيين حامد بوفارد وزيرا للنفط بالوكالة».وقبل إعلان استقالته، نقلت وسائل الإعلام الرسمية عن باك نجاد قوله: «لا تزال عائدات النفط الذي بعناه ​مستمرة، ​وستستمر بإذن الله».


بعد واقعة «فلاي دبي»... نتنياهو يأمر بمراجعة الإجراءات الأمنية على متن الرحلات الجوية

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
TT

بعد واقعة «فلاي دبي»... نتنياهو يأمر بمراجعة الإجراءات الأمنية على متن الرحلات الجوية

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)

أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، بمراجعة الإجراءات الأمنية للرحلات الجوية الدولية المتجهة إلى إسرائيل، عقب مهاجمة مساعد طيار قبطان طائرة عائدة لشركة «فلاي دبي» متجهة من دبي إلى تل أبيب هذا الأسبوع.

وقال مكتب رئيس الوزراء، في بيان، إن نتنياهو «أوعز إلى رئيس مجلس الأمن القومي، شموئيل بن عزرا، بتعيين مُدقّق لإجراء مراجعة شاملة لجميع الجوانب الأمنية المتعلقة بالطيران المدني الأجنبي المتجه إلى إسرائيل»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وكانت الرحلة المتجهة من دبي إلى تل أبيب قد اقتربت من كارثة صباح الأربعاء، عندما طعن المهاجم قائده.

وقال أشخاص كانوا على متن الطائرة في مقابلات معهم، إن القائد، الذي أصيب بجروح بالغة، تمكن من فتح باب قمرة القيادة، ما سمح لمجموعة من الركاب وأفراد الطاقم بالسيطرة على المهاجم، فيما تمكن طياران احتياطيان كانا على متن الرحلة من استعادة السيطرة على الطائرة وتثبيتها، ثم الهبوط بها بسلام.

وكشفت شبكة «سي إن إن»، نقلاً عن مصادر، أن مساعد قائد الطائرة يدعى همام الهمامي.


إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «7 أكتوبر»

عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «7 أكتوبر»

عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)

قررت السلطات الإسرائيلية، الأحد، فرض إغلاق على الضفة الغربية وإغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، يومي الاثنين والأربعاء المقبلين، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لهجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في بيان، إنه أقر توصية الجيش بفرض الإغلاق في الخامس والسابع من الشهر الحالي، في ضوء ما وصفه بـ«تقييم الوضع الأمني»، وبمناسبة إحياء ذكرى أحداث السابع من أكتوبر 2023.

وينص القرار على استثناء حالات محددة في الضفة الغربية بعد الحصول على موافقة منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، إلى جانب السماح بمرور العاملين الأساسيين في القطاع الصحي وحالات مرتبطة بالتزامات قدمتها إسرائيل أمام المحكمة العليا، واحتياجات تتعلق بمنطقة التماس.

ويشمل القرار كذلك إغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة خلال اليومين المحددين؛ ما يفرض قيوداً إضافية على حركة الفلسطينيين عبر نقاط العبور.

الجيش الإسرائيلي يغلق الطريق في حين يحتج فلسطينيون على الاستيطان قرب الخليل بالضفة الغربية المحتلة في يونيو الماضي (رويترز)

وربط البيان الإسرائيلي قرار الإغلاق بتقييم الوضع الأمني، وبمناسبة إحياء ذكرى هجمات السابع من أكتوبر 2023، دون الإشارة إلى حادث أمني محدد وراء القرار.

وتفرض إسرائيل إغلاقات على الضفة الغربية في مناسبات وأوقات تقول السلطات إنها تتطلب تشديد الإجراءات الأمنية، وتشمل القيود حركة الفلسطينيين عبر الحواجز والمعابر، مع السماح باستثناءات تحددها السلطات الإسرائيلية.

ويتزامن الإغلاق المقرَّر، الأسبوع الحالي، مع تنظيم مراسم في إسرائيل لإحياء الذكرى الثالثة للهجمات، من بينها مراسم مقررة، الاثنين، في القدس لعائلات قتلى الهجمات والحرب.

المسؤولية عن الإخفاق في «فلاي دبي»

في غضون ذلك، تحول ملف محاولة إسقاط طائرة «فلاي دبي»، الذي وقع، الأسبوع الماضي، في أثناء تحليقها من دبي إلى تل أبيب، إلى مادة للجدل السياسي، وتحميل المسؤولية عن «إخفاق أمني» إسرائيلي.

وتواكب ذلك السجال مع قرب الانتخابات الإسرائيلية المقررة، نهاية الشهر. ونقلت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل تلقت مسبقاً قائمة بأسماء أفراد طاقم وركاب رحلة «فلاي دبي». وبحسب مصادر أمنية فإن «الجهات في المؤسسة الأمنية المسؤولة عن مراقبة وفحص أطقم الرحلات الخارجية في إسرائيل، والتي كان يُفترض أن تفحص القائمة هي قسم الأمن في وزارة المواصلات وجهاز (الموساد)».

ووفق المصادر الأمنية، «يُفترض بالجهتين المذكورتين أن تتلقيا قوائم أطقم الرحلات من الخارج القادمة إلى إسرائيل، قبل 48 ساعة من موعد الرحلة، وأن تبلغا عن وجود شبهات بشأن أي من أفرادها».

وجاء في موقع قسم الأمن والطوارئ والأمن السيبراني في وزارة المواصلات، أن من ضمن مهام القسم الأمني «تحديد وتطوير وتكييف وتوجيه إجراءات الأمن لخدمات النقل الجوي من إسرائيل وإليها، بما يضمن خلوها من التهديدات الإرهابية، ومن بينها إجراء فحص أمني للرحلات الأجنبية التي تعبر إسرائيل أو تصل إليها».

ركاب من رحلة تابعة لشركة «فلاي دبي» (كانت قد حَوَّلت مسارها سابقاً) بعد هبوطهم في مطار بن غوريون الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وقال جهاز الأمن العام (الشاباك) في هذا السياق، إنه مسؤول عن أمن شركات الطيران الإسرائيلية فقط، إلى جانب توجيهات الأمن في مطار «بن غوريون»، وليس عن شركات الطيران من الخارج.

وتوافق ذلك مع تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس» عمن وصفته بـ«مسؤولين إقليميين»، الأحد، أن «السلطات الإماراتية كانت قد شاركت مع إسرائيل قائمة بأسماء الركاب وطاقم العمل قبل انطلاق رحلة (فلاي دبي)»، وأضافت أن تل أبيب لم تبلغ عن أي ملاحظات أمنية حول الركاب أو طاقم الرحلة.

وكان النائب العام الإماراتي حمد الشامسي، قد أعلن السبت، أن التحقيقات كشفت عن شروع مساعد قائد طائرة «فلاي دبي» في تنفيذ «عملية إرهابية». وبحسب الشامسي، فإن «التحقيقات لا تزال جارية لكشف جميع ملابسات الواقعة ودوافعها والصلات المرتبطة بها، إلى جانب استكمال الفحوص الفنية، وفحص الأدلة المادية والرقمية، على أن تُعلن النتائج النهائية فور استكمال الإجراءات اللازمة».

نتنياهو يكرس الاحتفالات

ويسعى المسؤولون الأمنيون والسياسيون الإسرائيليون إلى التهرب من المسؤولية عن واقعة «فلاي دبي». بينما يعمل رئيس الوزراء نتنياهو على تكريس مسار الاحتفالات بنجاة الركاب «بفضل الطيار الهندي والركاب الإسرائيليين»، بينما سعى فريقه الانتخابي إلى الترويج بأن الحادث يثبت أهمية دوره في قيادة إسرائيل.

وقد علق الكاتب الإسرائيلي البارز، بن كسبيت بالقول، في منشور على «إكس»: «والآن، يمكننا أن نحدد بشكل مؤكد: كان هنا تقصير. إخفاق من النوع الكبير. الطيار (...)، وجد نفسه يقود طائرة تضم 174 إسرائيلياً إلى إسرائيل. وهذه ليست المرة الأولى. الإخفاق هو أولاً لدى المستوى المهني: (الموساد) و(الشاباك) ووزارة المواصلات، رومان غوفمان ودافيد زيني وغيرهما من المسؤولين في (الليكود)، ووزيرة المواصلات ميري ريغف، الذين قاموا بتعيينهم في مناصبهم. في دولة طبيعية سليمة كان يتحمل مسؤولية إخفاق كهذا أيضاً القيادة السياسية، ولكن ليس عندنا؛ فهنا ستواصل ريغف شم الهواء في الخارج، بينما نتنياهو يستطيع الاستمرار في التقاط الصور، وتسجيل الأفلام مع الأبطال الناجين، وتجاهل حقيقة أنهم اضطروا إلى إنقاذ أنفسهم؛ لأنه فشل. فشل للمرة المائة في أداء واجبه».

وذكر بن كسبيت أن «إسرائيل مرت بتجربة شبيهة في سنة 2002؛ ففي حينه حاول مسلحان من كينيا تفجير طائرة مدنية إسرائيلية بواسطة صاروخي كتف من طراز (ستريلا)، بعد أن أقلعت. وبناءً على ذلك، أجريت دراسات ومشاورات عدة، ووضعت سلسلة قوانين وإجراءات جديدة، تستند إلى القناعة بأنه حيثما يوجد إسرائيليون وطائرات متجهة إلى إسرائيل يوجد خطر تفجير».

وكان الكنيست الإسرائيلي قد صادق في عام 2023، على مشروع قانون نص على إنشاء مركز يفحص مسبقاً قوائم أسماء الركاب وأفراد الطواقم القادمين إلى إسرائيل. وأنشئت وحدة فحص قوائم الركاب داخل سلطة الضرائب، ومن المفترض أن تنقل المعلومات التي تصل إليها أيضاً إلى ممثلي «الشاباك» والشرطة و«الموساد» لفحص القوائم. وفي سنة 2024، أصدر مراقب الدولة متنياهو إيغلمان، تقريراً حذر فيه من إن إجراءات الأمن في الطائرات الإسرائيلية من جهة، وفي الطائرات الأجنبية المتجهة إلى إسرائيل غير كافية لتوفير الأمن.

وأمام كل هذه المعطيات، لا تتحمل الحكومة المسؤولية، والإعلام باشر اتهام نتنياهو ووزيرته ريغف، لكن مصادر مقربة منه اتهمت أجهزة الأمن بالتقصير - كما في 7 أكتوبر - والتهرب من المسؤولية، وإلقائها على القيادة السياسية.

ونشرت وسائل إعلام عبرية أن «مصادر سياسية في أبوظبي أبلغتها بأن الإمارات غاضبة بسبب تسرع الحكومة الإسرائيلية في إصدار الأحكام، واستغلالها القضية في المعركة الانتخابية، بينما هي قضية أمنية ضخمة تتعلق بمكافحة الإرهاب، وتحتاج إلى تغليب كل المصالح وإخضاعها لهذه المصلحة».