بعد فرض عقوبات جديدة هل تعود واشنطن إلى سياسة «الضغوط القصوى»؟

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: فشل احتواء إيران فرض على بايدن تغيير مقاربته

صاروخ "عماد" الباليستي ومسيرات "شاهد 136" خلال مراسم ذكرى الثورة الإيرانية في ميدان آزادي وسط طهران في فبراير الماضي (تسنيم)
صاروخ "عماد" الباليستي ومسيرات "شاهد 136" خلال مراسم ذكرى الثورة الإيرانية في ميدان آزادي وسط طهران في فبراير الماضي (تسنيم)
TT

بعد فرض عقوبات جديدة هل تعود واشنطن إلى سياسة «الضغوط القصوى»؟

صاروخ "عماد" الباليستي ومسيرات "شاهد 136" خلال مراسم ذكرى الثورة الإيرانية في ميدان آزادي وسط طهران في فبراير الماضي (تسنيم)
صاروخ "عماد" الباليستي ومسيرات "شاهد 136" خلال مراسم ذكرى الثورة الإيرانية في ميدان آزادي وسط طهران في فبراير الماضي (تسنيم)

مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على إيران، بالتنسيق مع بريطانيا، وقرار دول الاتحاد الأوروبي الأربعاء، تشديد العقوبات عليها، بدا أن فصلاً جديداً قد فتح في مقاربة ملف العلاقة مع طهران.

فقد أعلنت الخزانة الأميركية اليوم (الخميس) فرض عقوبات على 16 فرداً وكيانين يعملان على تمكين إنتاج المسيّرات الإيرانية، بما في ذلك أنواع المحركات التي تعمل على تشغيل المسيّرات من نوع «شاهد»، والتي تم استخدامها في هجوم 13 أبريل (نيسان). وأضاف بيان الخزانة، أن هذه الجهات الفاعلة تعمل نيابة عن «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإسلامي الإيراني، وذراع إنتاج المسيّرات، وشركة «كيميا بارت سيفان» وغيرها من الشركات المصنعة الإيرانية للمسيّرات ومحركاتها.

كذلك صنّف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، خمس شركات توفر المواد المكونة لإنتاج الصلب لشركة «خوزستان» للصلب الإيرانية، أحد أكبر منتجي قطاع الصلب في إيران، الذي يدر عائدات تعادل عدة مليارات من الدولارات سنوياً. وفرض المكتب أيضاً، عقوبات على شركة «بهمن غروب» لصناعة السيارات الإيرانية وثلاث شركات تابعة لها، واصلت تقديم الدعم المادي لـ«الحرس الثوري» الإيراني والكيانات الأخرى المدرجة وفقاً لسلطات مكافحة الإرهاب، بما في ذلك وزارة الدفاع الإيرانية ولوجيستيات القوات المسلحة.

وتابع البيان أنه بالتزامن مع هذا الإجراء، فرضت المملكة المتحدة عقوبات تستهدف العديد من المنظمات العسكرية الإيرانية والأفراد والكيانات المشاركة في صناعات الطائرات من دون طيار والصواريخ الباليستية الإيرانية.

التنسيق مع الحلفاء

وأضاف البيان: «اليوم، بالتنسيق مع المملكة المتحدة وبالتشاور مع الشركاء والحلفاء، نتخذ إجراءات سريعة وحاسمة للرد على هجوم إيران غير المسبوق على إسرائيل».

وقالت وزيرة الخزانة جانيت يلين في البيان: «إننا نستخدم الأدوات الاقتصادية لوزارة الخزانة لإضعاف وتعطيل الجوانب الرئيسية لنشاط إيران الخبيث، بما في ذلك برنامج الطائرات من دون طيار والإيرادات التي يدرها النظام لدعم الإرهاب». وأكدت على مواصلة فرض العقوبات «لمواجهة إيران بمزيد من الإجراءات في الأيام والأسابيع المقبلة»، مشيرة إلى أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية، «استهدفنا أكثر من 600 فرد وكيان مرتبطين بنشاط إيران الإرهابي وانتهاكاتها لحقوق الإنسان وتمويلها لـ(حماس) والحوثيين و(حزب الله) والميليشيات العراقية. كما قمنا أيضاً بتنفيذ عقوباتنا بقوة، بما في ذلك فرض غرامات تاريخية وكشف مخططات وشبكات التهرب من العقوبات». وأشارت إلى أن «أفعالنا تجعل الأمر أكثر صعوبة وتكلفة بالنسبة لإيران لمواصلة سلوكها المزعزع للاستقرار».

منشأة «نطنز» النووية التي تبعد 322 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ب)

ترضية أم مقاربة جديدة؟

وفيما عَدّ البعض فرض تلك العقوبات «جائزة ترضية» لحض إسرائيل على تجنب الرد على الهجوم الإيراني، وعدم توسيع الصراع، اختلفت آراء أخرى حول ما إذا كانت العقوبات، تشير إلى أن إدارة الرئيس جو بايدن في طريقها لإنهاء مقاربتها السابقة للعلاقة مع طهران، والعودة إلى سياسة «أقصى الضغوط» التي كانت إدارة سلفه، دونالد ترمب، قد فرضتها، بعد انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018.

وبعدما حاولت إدارة بايدن إعادة التفاوض على الاتفاق النووي، وتخفيف العقوبات، وتحرير عشرات المليارات من الأموال المجمدة، فشلت تلك السياسة في حض إيران على التحول إلى «دولة طبيعية»، وواصلت سياساتها «المزعزعة» للاستقرار، وخصوصاً بعد هجوم «حماس».

وبحسب تحليلات صحافية أميركية، فإن الهجوم الإيراني هو عمل عدواني مفتوح، لكنه ليس بداية هذا الصراع. هو تصعيد للحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران المستمرة منذ ما قبل هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، من خلال وكلائها في الشرق الأوسط. والفرق الآن أنه أصبح في العلن وليس في الظل، وهذا من شأنه أن يغير الحسابات في واشنطن على وجه الخصوص.

المنطقة أمام سيناريو تصعيدي

ويشبه البعض ما جرى بأنه يذكّر بحقبات سابقة من الصراعات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط. فبعد حرب 1967، جرت جولات من الهجمات المتبادلة بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية، انتهت باجتياح لبنان عام 1982، وخروج تلك المنظمات منه. اليوم، ومع تبادل الهجمات مع الميليشيات الإيرانية، ومع إيران نفسها، فقد تكون المنطقة أمام سيناريو مشابه، وسط إجماع غربي على معاقبتها، وعجز الدول «الصديقة» لإيران عن التأثير على مجريات الأحداث.

ورغم ذلك، يقول برايان كاتوليس، كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إنه لا يرجح العودة إلى سياسة «الضغط الأقصى»، لسببين رئيسيين: «أولاً، كانت هذه السياسة التي انتهجها الرئيس ترمب، بمثابة (استرضاء سلبي) لتصرفات إيران الإقليمية، في أماكن مثل سوريا والعراق والمملكة العربية السعودية، بسبب أشياء مثل عدم وجود أي رد على أفعال مثل الهجوم على حقول النفط في إبقيق عام 2019. ثانياً، تريد العديد من الدول العربية تجنب المزيد من التصعيد مع إيران، كما تفعل إدارة بايدن».

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)

من جهته، يقول بهنام بن طالبلو، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن: لسوء الحظ، هذا لا يرقى إلى مستوى العودة إلى ممارسة قدر أقصى من الضغط على إيران. ويضيف في حديث مع «الشرق الأوسط»: تمثل العقوبات الجديدة نهجاً تدريجياً يهدف إلى «إدارة المشكلة» معها بدلاً من حلها. ويؤكد بن طالبلو على أنها موضع ترحيب، وتطبيق العقوبات الحالية هو ما يهم مع مرور الوقت. لكنه أضاف: «التغيير الكبير في الصورة سيكون دعم إعادة فرض العقوبات في الأمم المتحدة أو فرض عقوبات على (الحرس الثوري) الإيراني بأكمله بوصفه منظمة إرهابية».

ويعتقد بن طالبلو، أن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي يشعران بالحاجة إلى الضغط على برنامج إيران للطائرات من دون طيار والصواريخ والبرنامج العسكري بعد هجوم طهران، لكنهم يشعرون بانجراف استراتيجي من واشنطن، ومن المرجح ألّا يقدموا على خطوات أكبر قبل إدارة أميركية تضغط على إيران خلال عام انتخابات رئاسية.

إيران مأزومة ومحرجة

يبدو أن نجاح التحالف الدولي والإقليمي، الذي شكل على عجل، في إحباط الهجوم الإيراني، يقرأ كإشارة على أن الأمور قد تكون متجهة في غير مصلحة سياسات طهران المأزومة، وقد ينعكس على علاقاتها مع ميليشياتها نفسها، وخصوصاً «حزب الله» ودوره في لبنان. ويستدل على ذلك، من مسارعة إيران، قبل تنفيذ هجومها على إسرائيل، وبعده، تأكيد حرصها على عدم توسيع الصراع، وعدم رغبتها في الدخول في حرب مع أحد، بحسب تصريحات وزير خارجيتها، وسحب خبرائها وعناصر «الحرس الثوري» من سوريا والعراق، وطلبها من ميليشياتها «أخذ الحيطة والحذر» تخوفاً من الرد الإسرائيلي، الذي عدّ أقرب إلى الاعتراف بانسحابها من المواجهة.

ويقول كاتوليس: «بالفعل لقد غيرت إدارة بايدن نهجها في الشرق الأوسط بشكل كبير عما كانت عليه في عام 2021، وهذا انعكاس للاعتراف بحقيقة أن إيران تواصل لعب دور سلبي في تقويض أمن الشرق الأوسط ككل». لكنه أضاف، أن هذا التحول في سياسة الولايات المتحدة، ينبغي أن ينعكس في نهج مختلف في علاقتها مع دول مثل المملكة العربية السعودية، التي وقعت اتفاقاً توسطت فيه الصين العام الماضي، لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

وقال كاتوليس: لقد أظهرت إيران مدى ضعفها مقارنة بالولايات المتحدة وإسرائيل والعديد من شركاء أميركا. كان هجومها على إسرائيل فاشلاً في معظمه، وهي الآن تتراجع وسط إحراج كبير.

ويرى بن طالبلو أن إيران في حالة تأهب قصوى خوفاً من رد إسرائيلي ضدّها، ومع عدم امتلاكها قدرات ردّ جديد، تعوض عن ذلك، بإغراق وسائل الإعلام بالتعليقات حول استعدادها للرد والتهديد بمزيد من الهجمات، على أمل أن تكبح واشنطن تل أبيب.


مقالات ذات صلة

«بهارات بتروليوم» الهندية تشتري مليوني برميل نفط من الشرق الأوسط

الاقتصاد موظف يسير داخل مبنى مصفاة لتكرير النفط في فادينار بولاية غوجارات الغربية بالهند (رويترز)

«بهارات بتروليوم» الهندية تشتري مليوني برميل نفط من الشرق الأوسط

أفاد متعاملون، يوم الثلاثاء، بأن ​شركة التكرير الحكومية الهندية «بهارات بتروليوم» اشترت مليوني برميل من خام عمان وخام الشاهين من «فيتول».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام.

«الشرق الأوسط» (هافانا)
الاقتصاد صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 % التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا  رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (د.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يقترح عقوبات جديدة على روسيا تشمل الطاقة والتجارة والبنوك

اقترح الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على روسيا تستهدف قطاعي الطاقة والبنوك، وتشمل حظر تقديم خدمات بحرية لناقلات النفط الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية المستشار الألماني فريدريش ميرتس يحضر اجتماعاً في زغرب بكرواتيا يوم 30 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ميرتس يهدد طهران بعقوبات جديدة «ما لم توقف العنف» ضد الشعب الإيراني

هدد المستشار الألماني فريدريش ميرتس بفرض عقوبات جديدة على إيران، ما لم توقف طهران «ممارسة العنف ضد شعبها»، وتنهي العمل على برنامجها النووي العسكري.

«الشرق الأوسط» (برلين)

نتنياهو: سأعرض على ترمب مبادئنا بشأن المفاوضات مع إيران

ترمب يجيب عن سؤال في ختام مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمنتجع مارالاغو - ولاية فلوريدا 29 ديسمبر (أ.ب)
ترمب يجيب عن سؤال في ختام مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمنتجع مارالاغو - ولاية فلوريدا 29 ديسمبر (أ.ب)
TT

نتنياهو: سأعرض على ترمب مبادئنا بشأن المفاوضات مع إيران

ترمب يجيب عن سؤال في ختام مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمنتجع مارالاغو - ولاية فلوريدا 29 ديسمبر (أ.ب)
ترمب يجيب عن سؤال في ختام مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمنتجع مارالاغو - ولاية فلوريدا 29 ديسمبر (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن مشاوراته المرتقبة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ستركز على عدد من القضايا، في مقدمتها المفاوضات مع إيران، إلى جانب ملف الحرب في غزة، وذلك قُبيل توجهه إلى واشنطن في زيارة تستمر حتى الأربعاء.

وتأتي زيارة نتنياهو في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى دفع الإدارة الأميركية لتوسيع نطاق المحادثات النووية عالية المخاطر مع إيران، والتي استؤنفت الأسبوع الماضي في عُمان على خلفية حشد عسكري أميركي متزايد في المنطقة، وسط تلويح باستخدام القوة.

وأضاف نتنياهو، في تصريحات أدلى بها قبل مغادرته: «سأعرض على الرئيس دونالد ترمب وجهة نظرنا بشأن مبادئ المفاوضات مع إيران»، عادَّاً أن هذه المبادئ «مهمة ليس فقط لإسرائيل، بل لكل من يسعى إلى السلام والأمن» وفقاً لموقع «واي نت».

وأشار إلى أن لقاءاته المتكررة مع ترمب تعكس «تقارباً فريداً» بين إسرائيل والولايات المتحدة، وكذلك على المستوى الشخصي بينه وبين الرئيس الأميركي، لافتاً إلى أن هذا الاجتماع سيكون السابع بينهما منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي.

إنهاء التخصيب

وفي وقت سابق، أفاد موقع «واي نت» بأن نتنياهو سيشدد خلال محادثاته في واشنطن على إصرار إسرائيل على القضاء الكامل على المشروع النووي الإيراني. ونقل الموقع عن مصدر مطلع قوله إن الموقف الإسرائيلي يقوم على «القضاء التام على البرنامج النووي الإيراني، ووقف تخصيب اليورانيوم، وإنهاء القدرة على التخصيب، وإزالة اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية».

وأضاف المصدر أن إسرائيل تطالب أيضاً بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، بما في ذلك إجراء زيارات مفاجئة للمواقع المشتبه بها، مؤكداً أن أي اتفاق محتمل يجب أن يتضمن كذلك تحديد مدى الصواريخ الإيرانية بـ300 كيلومتر، بما يضمن عدم قدرتها على تهديد إسرائيل.

وتطالب إسرائيل منذ سنوات بوقف إيران الكامل لتخصيب اليورانيوم، وتقليص برنامجها للصواريخ الباليستية، وقطع علاقاتها مع الجماعات المسلحة في المنطقة. غير أن طهران ترفض هذه المطالب، وتؤكد أنها لن تقبل سوى قيود محدودة على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، كما تصرّ على حصر المفاوضات بالملف النووي دون التطرق إلى برنامجها الصاروخي أو نفوذها الإقليمي.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحملة الأمنية الواسعة التي شنتها السلطات الإيرانية لقمع الاحتجاجات الجماهيرية الشهر الماضي، أو نقل أصول عسكرية أميركية رئيسية إلى المنطقة، قد دفعت القيادة الإيرانية إلى إبداء مرونة أكبر، أو ما إذا كان ترمب نفسه مهتماً بتوسيع مفاوضات توصف أصلاً بأنها شديدة التعقيد.

وعلى مدى عقود من مسيرته السياسية، ضغط نتنياهو باتجاه تبني الولايات المتحدة موقفاً أكثر تشدداً حيال إيران. وقد تُوجت هذه الجهود العام الماضي عندما انضمت واشنطن إلى إسرائيل في حملة ضربات استمرت 12 يوماً استهدفت مواقع عسكرية ونووية إيرانية، في حين يُرجح أن تُطرح خلال محادثات هذا الأسبوع احتمالات القيام بخطوات عسكرية إضافية.

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)

قرارات قيد التشكل

وتأتي زيارة نتنياهو بعد أسبوعين فقط من لقاء المبعوث الخاص لترمب، ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس، وذلك عقب إجراء المبعوثين محادثات غير مباشرة في عُمان مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وكان مكتب نتنياهو قد قال، خلال عطلة نهاية الأسبوع، إن «أي مفاوضات يجب أن تشمل فرض قيود على الصواريخ الباليستية وإنهاء الدعم للمحور الإيراني»، في إشارة إلى الجماعات المسلحة المدعومة من طهران، مثل حركة «حماس» الفلسطينية و«حزب الله» اللبناني.

ولم تُحرز سنوات من المحادثات النووية سوى تقدم محدود منذ انسحاب ترمب من اتفاق عام 2015 مع إيران، بدعم قوي من إسرائيل. ولم تُبدِ طهران استعداداً يُذكر لمعالجة الملفات الأخرى، رغم تعرضها لانتكاسات متكررة، غير أن اللقاء المرتقب مع ترمب يمنح نتنياهو فرصة للتأثير في مسار التفاوض، وقد يعزز في الوقت نفسه موقعه السياسي داخلياً.

وقال يوهانان بليسنر، رئيس «معهد الديمقراطية الإسرائيلي» في القدس، إن «هذه أيام تُتخذ فيها قرارات»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «تستكمل حشد قواتها، وتحاول في الوقت نفسه استنفاد فرص المفاوضات»، عادَّاً أن التأثير في هذا المسار «لا يمكن تحقيقه عبر الاجتماعات الافتراضية».

مخاوف إسرائيلية من اتفاق محدود

وكان ترمب قد هدَّد الشهر الماضي بتوجيه ضربة عسكرية لإيران على خلفية مقتل متظاهرين ومخاوف من إعدامات جماعية، بالتزامن مع نقل أصول عسكرية أميركية إلى المنطقة. وأسفرت حملة القمع عن مقتل الآلاف واعتقال عشرات الآلاف، في ظل احتجاجات اندلعت بسبب أزمة اقتصادية خانقة.

ومع تراجع الاحتجاجات، أعاد ترمب تركيزه على البرنامج النووي الإيراني، الذي تشتبه الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى بأنه يستهدف في نهاية المطاف تطوير أسلحة نووية، في حين تصر طهران على أن برنامجها سلمي بالكامل، وتؤكد حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.

وقالت سيما شاين، الخبيرة في الشأن الإيراني والعضوة السابقة في جهاز «الموساد»، إن إسرائيل تخشى أن تتوصل واشنطن إلى اتفاق ضيق مع إيران يقضي بوقف تخصيب اليورانيوم مؤقتاً. وأضافت أن اتفاقاً من هذا النوع قد يسمح لترمب بإعلان النصر، لكنه من وجهة نظر إسرائيل لا يعالج جوهر التهديد؛ إذ لا يُنهي البرنامج النووي الإيراني ولا يُقلّص ترسانته الصاروخية، ما قد يفضي في النهاية إلى موجة جديدة من الضربات الإسرائيلية.

وقد تكون إيران غير قادرة حالياً على استئناف التخصيب نتيجة الضربات التي تعرضت لها منشآتها العام الماضي؛ ما يجعل خيار الوقف المؤقت أكثر جاذبية.

وأشار عدد من أعضاء حكومة نتنياهو إلى أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بخيار التحرك الأحادي حتى في حال التوصل إلى اتفاق تصفه واشنطن بالناجح. وقال وزير الطاقة إيلي كوهين لإذاعة الجيش، الثلاثاء، إن الصواريخ الباليستية الإيرانية تمثل «تهديداً خطيراً»، مؤكداً أن إسرائيل «تحتفظ بحق التحرك» إذا لم يلبِّ أي اتفاق احتياجاتها الأمنية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران لم تعد تخصّب اليورانيوم بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآتها خلال حرب العام الماضي. وأسفرت الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية عن مقتل نحو ألف شخص في إيران، بينما أدت الصواريخ الإيرانية إلى مقتل ما يقرب من 40 شخصاً في إسرائيل.

ولا يزال حجم الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني غير محسوم؛ إذ لم يتمكن مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارة المواقع التي تعرضت للقصف، في حين أظهرت صور الأقمار الاصطناعية نشاطاً في اثنين منها.

انتخابات تلوح في الأفق

ويواجه نتنياهو انتخابات في وقت لاحق من هذا العام، وهو لطالما روّج لعلاقاته الوثيقة مع قادة العالم، ولا سيما ترمب، الذي وصفه بأنه «أفضل صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض». ويتيح لقاء واشنطن لنتنياهو الظهور أمام الرأي العام الإسرائيلي بوصفه لاعباً محورياً في ملف إيران.

وقالت شاين إن العلاقة بين نتنياهو وترمب ستكون «محور الحملة الانتخابية»، مضيفة أنه يبعث برسالة مفادها: «أنا الوحيد القادر على إدارة هذا الملف».

ويُعدّ نتنياهو أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في المنصب؛ إذ شغله لأكثر منذ 18 عاماً. ومن المتوقع أن تصمد حكومته، التي تُعدّ الأكثر قومية وتديناً في تاريخ إسرائيل، حتى انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) أو قريباً منها.

وكان من المقرر أن يزور نتنياهو واشنطن الأسبوع المقبل للمشاركة في إطلاق «مجلس السلام» الذي اقترحه ترمب في 19 فبراير (شباط)، وهي مبادرة طُرحت بدايةً لإعادة إعمار غزة بعد الحرب مع «حماس»، قبل أن تتوسع لتشمل معالجة أزمات دولية أوسع. وقد وافق نتنياهو على الانضمام إلى المبادرة، لكنه يبدي تحفظات عليها؛ لأنها تضم تركيا وقطر، وهما دولتان لا يرغب في أن يكون لهما دور في غزة بعد الحرب بسبب علاقاتهما مع «حماس».

وقال بليسنر إن تقديم موعد الزيارة قد يوفر «حلاً أنيقاً» يسمح لنتنياهو بتفادي حضور إطلاق المبادرة من دون إغضاب ترمب، في حين امتنع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التعليق.


إيران تحذّر من «تأثيرات مدمّرة» على الجهود الدبلوماسية قبل زيارة نتنياهو لواشنطن

 أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني (رويترز)
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني (رويترز)
TT

إيران تحذّر من «تأثيرات مدمّرة» على الجهود الدبلوماسية قبل زيارة نتنياهو لواشنطن

 أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني (رويترز)
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني (رويترز)

بينما وصل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى سلطنة عُمان، حذّرت طهران من «ضغوط وتأثيرات مدمّرة» على الجهود الدبلوماسية، وذلك قبيل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لإجراء محادثات يُتوقع أن تركز على المفاوضات الأميركية-الإيرانية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، في المؤتمر الصحافي الأسبوعي اليوم (الثلاثاء): «الطرف الذي نتفاوض معه هو الولايات المتحدة، ويعود إليها القرار في أن تعمل بشكل مستقل عن الضغوط والتأثيرات المدمرة التي تضر بالمنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية». وأضاف: «لقد أظهر النظام الصهيوني مراراً، لكونه مخرباً، معارضته أي عملية دبلوماسية في منطقتنا تؤدي إلى السلام».

ونقل التلفزيون الإيراني عن بقائي قوله إن بلاده تخوض المفاوضات مع الولايات المتحدة للتوصل سريعاً لنتيجة ولا تريد المماطلة.

وأضاف أن المحادثات النووية التي جرت مع أميركا الأسبوع الماضي كانت لتحديد «جدية» الطرف الآخر، مشيراً إلى أنه لا يمكن التكهن بالفترة الزمنية التي قد تستمر أو تنتهي فيها المفاوضات الحالية مع الولايات المتحدة.

ومن المقرر أن يلتقي لاريجاني في مسقط، سلطان عُمان هيثم بن طارق، ووزير الخارجية بدر بن حمد البوسعيدي، وفق «إرنا».

وقال لاريجاني، الاثنين، إن الزيارة تتناول آخر المستجدات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي بين إيران وعُمان.

وتأتي هذه الزيارة بعد أيام على جولة مفاوضات بين واشنطن وطهران عُقدت في ظل تلويح أميركي باستخدام القوّة.

وترغب طهران في أن تقتصر المفاوضات على برنامجها النووي، من دون التطرق إلى مسائل أخرى، من بينها برنامجها الصاروخي.

إلى ذلك، أفاد بيان لوزارة الخارجية المصرية، اليوم (الثلاثاء)، بأن الوزير بدر عبد العاطي بحث هاتفياً مع نظيره الإيراني عباس عراقجي المستجدات الإقليمية، في إطار الجهود الرامية إلى خفض التصعيد واحتواء حالة التوتر في المنطقة.

وأضاف البيان أن عراقجي أطلع عبد العاطي على تطورات جولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، التي استضافتها سلطنة عمان مؤخراً، حيث عبّر الوزير المصري عن دعم بلاده الكامل لهذه المفاوضات وجميع المساعي التي تستهدف خفض التصعيد وتُسهم في دعم الحوار.

وأكد عبد العاطي أهمية مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية، وضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة، مشدداً، حسب البيان، على أن الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة.


خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.