هوية الأغنية اللبنانية خاصة أم تابعة لتراث بلاد الشام؟

خليل أبو عبيد أمضى سنوات يُعالج الإشكالية الجدلية

وديع الصافي وفيلمون وهبي كانا الألمع في الجيل الذي وُلدت معه إرهاصات الأغنية اللبنانية الخاصة
وديع الصافي وفيلمون وهبي كانا الألمع في الجيل الذي وُلدت معه إرهاصات الأغنية اللبنانية الخاصة
TT

هوية الأغنية اللبنانية خاصة أم تابعة لتراث بلاد الشام؟

وديع الصافي وفيلمون وهبي كانا الألمع في الجيل الذي وُلدت معه إرهاصات الأغنية اللبنانية الخاصة
وديع الصافي وفيلمون وهبي كانا الألمع في الجيل الذي وُلدت معه إرهاصات الأغنية اللبنانية الخاصة

3 سنوات تطلَّب التصدّي لتعميم بدا غير منصف، جرَّد الأغنية اللبنانية من هويتها الفريدة. فبعضٌ روَّج لمقولة إنه «ليس ثمة موسيقى لبنانية في الأصل؛ بل تراث مشترك لبلاد الشام»، مُنطلقاً من أنّ «القرى الزراعية في سوريا وفلسطين ولبنان، جميعها، تُغنّي (الميجانا) وترقص (الدلعونا)».

لـ3 سنوات، عمل الفنان والملحّن خليل أبو عبيد على إثبات العكس. ومن خلال أطروحة دكتوراه، واجه الأسئلة وسعى إلى إجابات.

شغله الموضوع وقرَّر الإبحار. أيامٌ بلياليها، بحث عن إحاطة كاملة لإشكالية جدلية. رسالة الدكتوراه وسيلة لهذا العبور من الاستفهام إلى المعرفة الدقيقة. وضع المادة قيد البحث بإطارها التاريخي، مُقسَّمة على 5 مراحل زمنية، وتساءل: ما الأغنية اللبنانية؟ وما هويتها؟ هل قوامها مدارس أشخاص، منهم الرحابنة ووديع الصافي؟ أم لها هوية خاصة بذاتها؟

يُشارك «الشرق الأوسط» رحلة الوصول إلى نتيجة. ففي الحقبة الأولى الممتدّة بين الأعوام 1900 و1938، لمعت أسماء بمقام سامي الصيداوي وعمر الزعنّي، عملت على ولادة أغنية لبنانية مميّزة، وإنما منبثقة من التراث الفلكلوري. يقول أبو عبيد إنّ انتهاء المرحلة عند عام 1938 مردُّه ظهور الإذاعة اللبنانية في ذلك العام، أو ما عُرف بـ«راديو الشرق». ثم أتى جيل طوَّر التراث ومعه وُلدت إرهاصات الأغنية اللبنانية الخاصة؛ من ألمعياته: وديع الصافي وفيلمون وهبي.

شهدت مرحلة الأعوام من 1957 إلى 1975 عزّ مهرجانات لبنان، وانفتاح التوزيع الموسيقي على الغرب، فشكّلا الحقبة الذهبية للأغنية اللبنانية. كرَّس ذلك تبلوُر هويتها المستقلَّة عن زميلتها المصرية، بأثر من مناخ الانتداب الفرنسي، والإرساليات، واحتضان بيروت فرقاً موسيقية وافدة من أوروبا. إلى أن اشتعل الاقتتال الداخلي عام 1975 وعمَّ التدهور. مثل مرايا لا تنجو من مشهدية الوجوه المشوَّهة وهي تُعاينها، عكَسَ الخراب فوضاه على الأغنية. يضيف أبو عبيد: «تحوّلت أغنيات مهرجانات مثل بعلبك، الوجدانية والوطنية والتاريخية، إلى السياسة والثورة. في تلك الحقبة، كفَّت الأغنية اللبنانية عن محاكاة الطبيعة والموضوع المُوسَّع، وقلَّصت موضوعها، فطغى الجوُّ الثوري، ومن روَّاده: زياد الرحباني، ومارسيل خليفة، وخالد الهبر».

خلال المناقشة أمام اللجنة (صور خليل أبو عبيد)

​استوقفته الرقمنة في المرحلة الزمنية الخامسة الممتدَّة من منتصف التسعينات إلى اليوم. الكومبيوتر استُبدل بالعزف الحيّ، وبرز أثر الغرب الكبير على الأغنية اللبنانية. شكّل التماهي مع الغناء الغربي وأساليبه خطراً على التراث؛ وبدخول أنماط مثل «البوب» و«الهيب هوب» ومواقع التواصل، درَجَ تنميط الأغنية اللبنانية بما يتماشى مع المناخ العالمي. فتلك التيارات فرَّغتها من سياقات التميُّز الأصيل. يتوصَّل أبو عبيد إلى هذه الخلاصة بعد دراسة مفصَّلة للمراحل الخمس منذ تبلوُر الأغنية اللبنانية إلى لحاقها بالرواج المتشابِه.

أفرد الصفحات لفصل عنوانه: كيفية تأثُّر الأغنية اللبنانية بالموسيقى السريانية، والبيزنطية، والتجويد، والكلاسيكية الغربية، والألوان الغربية المعاصرة. كل صنف من هذه الجماليات، حلَّله وقرأ في خفاياه باحثون موسيقيون، وعلماء موسيقى، ونقَّاد، وموزِّعون، وشعراء أغنية؛ وظَّف أبو عبيد آراءهم ضمن استبيانات علمية، توصَّلت إلى شبه الإجماع هذا: «96.8 في المائة من المجتمع الموسيقي يؤكد وجود هوية فريدة خاصة للأغنية اللبنانية التي تطوَّرت استجابة لأحداث تاريخية وسياسية واجتماعية شهدها لبنان».

لـ3 سنوات سعى الفنان خلف إجابات (صور خليل أبو عبيد)

اتَّخذ البحث في كل مرحلة زمنية 3 أغنيات نماذجَ للدراسة، للإجابة على إشكالية تتعلَّق بتطوُّر الموسيقى اللبنانية من «أغنية فلكلورية إلى تكرار للأغنية المصرية التي غزت لبنان منذ الثلاثينات حتى الخمسينات، على أثر انتشار الإذاعة المصرية والسينما»، وصولاً إلى تشكُّلها بذاتها. توصَّلت الأطروحة إلى أنَّ «هوية الأغنية اللبنانية الخاصة تتكثَّف بجمعها السرياني، والبيزنطي، والتجويد، والكلاسيكي الغربي، والألوان الغربية المعاصرة، وصهرها في وحدة بنيوية».

لتأكيد ما خلُص إليه، بيَّن البحث أنَّ الأغنية العربية عموماً «ليست وليدة هذا المزيج الآسر من التراثات الثقافية المتعدِّدة»، ويُشدِّد مُعدُّه على أنَّ الخلاصة ما تجلَّت إلا «بالدلائل والمراجعات التاريخية، والدراسات المقارنة، والتحليل الموسيقي».

ينسب للأغنية اللبنانية أيضاً أنها «الأكثر انتشاراً في المنطقة». مردُّ القول إن حضورها ساطع في معظم الأعراس العربية، وتُشكِّل المساحة الكبرى ضمن مختارات الغناء والدبكة. يصل به بحثه إلى تأكيد أنَّ «الأغنية اللبنانية سبَّاقة في الانتشار عربياً، وإنْ طغى المناخ المصري وتمدَّد». وبلسان مصريين، كان لافتاً الاعتراف بانتشارها «بما يفوق أي انتشار آخر، لصُنعها مزاجاً خاصاً، ولمرورها بعصر ذهبي كرَّسته المهرجانات العريقة». يُكمل بأنه أورد كتابات ونصوصاً رسمية تنقل عن مصريين قولهم إنَّ «المهرجانات اللبنانية والثورة الغنائية ألهما مصر في هذا المجال، لمكانة لبنان ضمن هذا المستوى الفني المرموق».

يعلم خليل أبو عبيد حساسية الموضوع، فالتاريخ دائماً حمَّال أوجه، والحقيقة أحياناً متعدِّدة. وضع أمام لجنة «جامعة الروح القدس- الكسليك» بحثاً جريئاً عنوانه «الأغنية اللبنانية تاريخ وهوية؛ من بداية القرن العشرين إلى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين»، وهو يدرك أنه مشرَع على حدَّة النقاش، ومنفتح على الآراء المتضاربة. يقول: «لستُ أتكلَّم عن آلة العود مثلاً وتاريخها، ولا عن مدرسة فنية. إنني أمام سؤال الهوية». نال «مشرِّف جداً» على الجهود.


مقالات ذات صلة

نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

يوميات الشرق الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)

نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

دعم عدد كبير من نجوم الفن المصريين والعرب المطرب هاني شاكر برسائل مؤثرة في ظل الساعات الحرجة التي يمر بها حالياً بعد تدهور حالته الصحية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج بفرنسا.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.