الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

نشأ في كنف العزلة والإفقار والتهميش السياسي والاجتماعي

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب
TT

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

قلّ أن لفتت ظاهرة من الظواهر أنظار النقاد والدارسين، كما كان شأن ظاهرة الحب العذري عند العرب، التي انتشرت في بوادي الحجاز في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، وفي العصرين الراشدي والأموي على وجه الخصوص. فهذا الضرب من الحب الذي يجعل من المرأة المعشوقة قِبلة العاشق ومحور حياته كان قادراً منذ انطلاقته الأولى على استدراج الباحثين إلى ملعبه المغوي. وقد توزعت المقاربات المتصلة بهذا الشأن، بين من ربطه بعوامل اقتصادية واجتماعية بحتة، ومن ربطه بالدعوة الإسلامية التي وضعت الجانب الروحي من الحياة في رأس أولوياتها، وبين من رده إلى مؤثرات وافدة، بينها الحب الأفلاطوني والأساطير والديانات المشرقية ذات النزوع التطهري.

كما أن الخلاف حول ماهية الحب العذري وطبيعته قد شمل التسمية نفسها، بحيث ربطه البعض بالعذرية المرادفة للعفة والتبتل، فيما آثر آخرون نسبته إلى بني عذرة، القبيلة العربية المعروفة. والأرجح أن تكون الحقيقة مقسومةً بالتساوي بين الرأيين. فربط التسمية بالتعفف الجسدي وحده لا يتطابق مع المرويات المتعلقة بسيَر العذريين الذين لم يتردد بعضهم في الإغارة على مخدع حبيبته المتزوجة، كما حدث لجميل بثينة، فيما ظفر بعضهم الآخر بالزواج من حبيبته قبل تطليقها مكرهاً، كما في حالة قيس بن ذريح. فضلاً عن أن أشعارهم المدونة تقدم لنا ما يكفي من الشواهد الدالة على نزعاتهم الشهوانية، واحتفائهم بما هو دون الوصال الجسدي الكامل مع المرأة المعشوقة.

أما ربط التسمية ببني عذرة، فيحول دون التسليم به كون العديد من الشعراء العشاق لا ينتمون إلى هذه القبيلة، بل إلى قبائل وجغرافيات مختلفة توزعت بين الحجاز ونجد وغيرها من الأصقاع. ففي حين كان عروة بن حزام وجميل بثينة وكثيّرعزة ينتمون إلى قبيلة عذرة، كان قيس بن الملوح ينتمي إلى بني عامر بن صعصعة القاطنين في نواحي نجد، فيما كان قيس بن ذريح ينتمي إلى بني كنانة الحجازيين. والأرجح أن اقتران التسمية ببني عذرة ساعد على ترسيخه الجناس اللغوي بين النعت واسم العلم، إضافة إلى ما تمتع به عروة بن حزام وجميل بن معمر من مكانة إبداعية، فرضت نفسها على هذا النوع الأدبي برمته.

وإذا كان طه حسين أحد أكثر الباحثين الذين أخضعوا الظاهرة العذرية لمبضع الشكوك والمساءلة العقلية، ساخراً أحياناً من شطط شعرائها ومبالغاتهم الطفولية، ومشككاً أحياناً أخرى بصحة وجودهم نفسه، فإن الجانب الأهم في مقاربته للظاهرة العذرية، هو ما يتصل بالتحليل الاجتماعي لهذه التجربة الفريدة في التاريخ العربي. فقد ميّز حسين بين الإسلام الذي قدم لمعتنقيه، حضراً وبدواً، مُثُلاً للحياة الروحية ونموذجاً للتآلف، وبين أولياء الشأن السياسي الذين تركوا العديد من القبائل البدوية في عهدة مصير بائس. وهو مصير زاد من قتامته حرمان قبيلة عذرة من مداخيلها السابقة المتأتية من الغزو والسلب وغنائم الحروب، كما فاقمته فروض الزكاة والخُمْس والضرائب المستحدثة. وإذا كانت الدولة الأموية التي اتخذت من الشام عاصمة لها، قد عمدت إلى إقصاء سكان الحجاز المعارضين عن مركز القرار السياسي، فإن ما أغدقته من أموال وتقديمات على سكان مكة والمدينة والطائف، بهدف صرفهم عن السياسة، لم يشمل سكان البادية الذين تم تهميشهم بالكامل.

وحيث بدا ذلك النوع من الغزل العفيف مرآةً صادقةً لطموح أهل البادية إلى المثل الأعلى للحب، ولبراءتهم الموازية من ألوان الفساد التي كانت تغمر سكان الحواضر المدينية، فقد ذهب عميد الأدب العربي بعيداً في التأويل، فعقد مقارنة متعددة الأوجه بين الوضع المأزوم الذي أعقب وفاة الرسول وشطراً من الخلافة الراشدية، بما عكسه من مظاهر العنف والانشقاق الأهلي، وبين الحقبة التي أعقبت قيام الثورة الفرنسية، وما صاحبها من خيبات أمل وصخب دموي وعودة إلى الاستبداد. وإذ أنتجت الأولى ظاهرة الحب العذري المثخن بالألم وتعذيب النفس، فقد أنتجت الثانية الحركة الرومانسية التي بدت مثالية روادها وانسحابهم باتجاه الطبيعة بمثابة احتجاج رمزي على نتائج الثورة ومآلاتها المأساوية.

وقد ركز الطاهر لبيب من جهته على الأبعاد السياسية والاجتماعية للظاهرة العذرية، حيث رأى في كتابه اللافت «سوسيولوجيا الغزل العربي»، أن ما حرصت الخلافة الراشدية على الحفاظ عليه، بالحد المعقول من العدالة وتوزيع الثروة بين قريش وغيرها من القبائل، ما لبث أن تحول إلى فجوة طبقية واسعة بين المكونات المختلفة للمجتمع العربي الإسلامي، خصوصاً وأن انشغال الأمويين بالفتوحات الخارجية قد رافقه إهمال الكثير من مناطق الدولة المترامية وبيئاتها، بخاصة بيئة الجزيرة العربية المعارضة للسياسة الأموية. وقد كانت قبيلة عذرة التي لم تبرز فيها أي شخصية ذات وزن في تاريخ الاسلام، إحدى أكثر القبائل العربية عرضة للإفقار وتغييب الدور، وهي التي عانت من عزلة جغرافية شبه تامة، ومن شح غير مسبوق في مواردها الاقتصادية. وقد بدا جنوح أبنائها نحو الحب العفيف واليائس بمثابة نقلٍ للألم الناجم عن التهميش إلى مكان آخر، حيث يحل «جبروت» الحبيبة محل جبروت السلطة، وحيث التخلي عن الفحولة الذكورية والتعذيب المازوشي للنفس المنسحقة هما الثمرة الطبيعية للشعور بالإحباط والعجز عن التغيير.

على أن العاملين الاقتصادي والاجتماعي لم يكونا بالنسبة لباحثين آخرين كافيين لتفسير ما حدث عند مفترق الحقبتين الراشدية والأموية. فقد عدَّ محمد حسن عبد الله في كتابه «الحب في التراث العربي» أن ظاهرة الحب العذري لم تكن وليدة اللحظة التي انبثقت عنها، ولم تكن منبتة بالقطع عن سياق تاريخي قبل إسلامي، جسده بعض شعراء العصر الجاهلي مثل عبد الله بن عجلان النهدي والمرقّشين الأكبر والأصغر، الذين سلكوا سبيل الحب غير المتحقق، وقضوا نحبهم على دروبه المهلكة.

ولم تكن الأهواء الغرضية والإثنية بعيدة تماماً عن أذهان العديد من دارسي الظاهرة العذرية ومتابعيها. ففي حين كان بعض النقاد العرب يبحثون عن مصادر قومية ومحلية بحتة للحب العذري، كان عدد من المستشرقين يبحثون عن مصادر لهذا الحب في دوائر أخرى، تتوزع بين اليونانية والفارسية والمسيحية وغيرها. فقد عدَّ المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون أن الحب العذري مقتبسٌ من الحب اليوناني الأفلاطوني ومشتق منه. وهو إذ يرى فيه ضرباً من ضروب الانفصال عن الواقع للإقامة في متخيل أسطوري محض، يضيف قائلاً إن هذا الغرض الأسطوري يمجد قبيلة بدوية مثالية، يموت فيها المحبون حفاظاً على رقة العواطف وعلى الوفاء لعفةً غير مقدسة، ولكي لا يمدوا أيديهم إلى المحبوب. ومع موافقته التامة على قراءة ماسينيون للظاهرة العذرية، يضيف المستشرق الهولندي رينهارت دوزي عنصراً آخر متمثلاً بالديانة المسيحية، التي كانت سائدةً في بعض مناطق الجزيرة العربية وحولها، والتي كان لتعففها الجسدي أثر يصعب إغفاله في نشوء هذا الحب وتذكية نيرانه. لا بل إن دوزي يذهب أبعد من ذلك، فيشير إلى أن العرب الذين تعوزهم الاختبارات الروحية والماورائية، كانوا مختصين بالحب الحسي والشهواني دون سواه.

تغليب العوامل الخارجية في مقاربة الحب العذري عند العرب يحمل قدراً غير قليل من الغرضية والتعسف

وفيما يلح محمد غنيمي هلال على ربط الوفاء العذري بمؤثرات إسلامية ومحلية بحتة، يشاطره الطاهر مكي النظرة نفسها، عاداً أنه «لو كانت المسيحية وراء هذه الظاهرة، لكان الأوْلى أن تكون قد نشأت وتبلورت في نجران أو الحيرة أو مناطق الغساسنة، حيث استقرت هذه الديانة وباشرت سلطانها على النفوس، وأصبحت دين الأسرة الحاكمة ردحاً من الزمن».

ومع وجاهة الحجة التي يطرحها مكي في هذا الشأن، إلا أننا لا نستطيع استبعاد تفاعل بني عذرة المحتمل مع الطهرانية المسيحية، بحكم موقعهم الجغرافي الحساس على طرق القوافل، خصوصاً وأن الإسلام قد أفرد لهذه الديانة مكانةً خاصةً في العديد من المناحي. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تكون مريم العذراء، بما تمثله من إعلاء تامٍ للجسد الأنثوي البتولي، محل احتفاء القرآن الكريم، وصولاً إلى تخصيصه لها بسورة كاملة تحمل اسمها بالذات.

على أن تغليب العوامل الخارجية في مقاربة الحب العذري عند العرب يحمل قدراً غير قليل من الغرضية والتعسف. فبنو عذرة الذين لم تتجاوز مضاربهم حدود البادية الحجازية، قلّ أن توفرت لهم مصادر الاتصال المعرفي بالفلسفة اليونانية، سواء ما تعلق منها بالحب الأفلاطوني أو بسواه. والأمر نفسه ينسحب على الأساطير والديانات المشرقية والمذاهب الصوفية المختلفة. والواقع أن شعور هذه القبيلة الممض بأن حاضر الأمة ومآلها يتم رسمهما بمعزل عنها، هو الذي دفع شبانها إلى البحث عن معنى لوجودهم مغاير للسائد السياسي والاجتماعي، بقدر ما أكسب طريقتهم في الحب طابعها الاحتجاجي الصارخ.

ولا بد أخيراً من الإشارة إلى دور الفضاء المكاني في نشوء الحب العذري وتبلور صوره ومعالمه. فخيمة العرب الرحَّل أسهمت بشكل أو بآخر في إنتاج الحضورات الهاربة واللغة المترحلة لهذا الحب، بقدر ما حدد حيزه المكاني الهش والمفتقر إلى الثبات، طبيعة الكلام العذري ووتائره وسياقاته، حيث اختلطت الوقائع بالرموز و«الآنتروبولوجيا بالألسنية»، وفق تعبير المستشرق الفرنسي جاك بيرك. أما الجانب الآخر من المعادلة المكانية، فيحتله الخلاء الصحراوي المثخن بالقلق والخوف وهاجس التشتت والإمحاء. وإذ كانت الأعراف القبلية تقضي بتهريب المرأة المعشوقة نحو أماكن بعيدة عن مرمى ذراعيه، فإن الشاعر الواقف بذهول إزاء المعالم المهجورة لحبه الضائع، ومن بينها الأوتاد والحبال والأثافي، لم يجد من وسيلة ناجعة لاسترداد فردوسه الآفل، سوى ما تيسره له مخيلته الجامحة من القصائد والمقطوعات وترجيعات الفقدان.


مقالات ذات صلة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون فوكوياما

فوكوياما وتهافت «النهاية»

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة

ندى حطيط

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
TT

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026؛ وذلك تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال حوار مرِح مع التقاليد الكلاسيكية»، وفق ما أعلنت الجهة المانحة للجائزة، يوم الخميس، وفقاً لوكالة «رويترز».

تُمنح الجائزة من قِبل الأكاديمية السويدية، وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).

وغالباً ما تمزج أعمال كارسون - وهي شاعرة وكاتبة مقالات كندية - بين الشعر والنثر والحوار والترجمة في مزيج يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية.

وتشتهر كارسون، على نطاق واسع، بترجماتها للأدب اليوناني الكلاسيكي، الذي يترك أثراً كبيراً في أعمالها المتنوعة؛ إذ تتراوح هذه الأعمال بين نصوص الأوبرا (الليبريتو) والنقد الأدبي والروايات الشعرية.

ويتجلى أسلوبها بوضوح في عملها «نورما جين بيكر من طروادة»» (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادر عام 2019، وهو عمل أدائي يمزج بين قصتي هيلين الطروادية - كما وردت في مسرحية «هيلين» للكاتب يوريبيديس - ومارلين مونرو.

نُسخ من كُتب آن كارسون الحائزة جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 (رويترز)

وبهذا الفوز، تنضم كارسون إلى قائمة من العمالقة الأدبيين حائزي الجائزة، أمثال ألكسندر سولجينتسين وأليس مونرو وإرنست همنغواي؛ وهي جائزة كثيراً ما تثير انقساماً في الآراء بين عشاق الأدب.

وقد واجهت الأكاديمية انتقادات لاذعة لتجاهُلها بعض عمالقة الأدب على مدار المائة وعشرين عاماً الماضية، مثل ليو تولستوي وفيرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس، كما انتُقدت لتجاهلها الكُتاب الأميركيين، رغم منحها الجائزة للمُغني وكاتب الأغاني بوب ديلان في عام 2016، واتُّهمت أيضاً بأن خياراتها تتسم بالغموض الشديد.

في المقابل، يرى المدافعون عن الأكاديمية أنها اختارت أسماءً تحظى بشعبية واسعة، مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1982، ودوريس ليسينغ عام 2007، مؤكدين أن جزءاً من مهمتها يتمثل في تسليط الضوء على تقاليد أدبية أقل شهرة وتشجيع القراء على توسيع آفاقهم.

وتُمنح جوائز الإنجازات في مجالات الأدب والعلوم والسلام، التي أُسست بموجب وصية رجل الأعمال السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل، منذ عام 1901.

وقد فاز بجائزة العام الماضي الكاتب المجري لازلو كراسنـاهوركاي.


من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون
TT

من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون

من جديد، يعود موسم جوائز نوبل وتعود معه التخمينات حول من يفوز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2026؛ إذ حددت الأكاديمية السويدية، كالعادة، يوم الخميس، للإعلان عن اسم الفائز/ أو الفائزة.

ومنذ أيام، والتكهنات تتبارى في الملاحق الثقافية لكبريات الصحف الصادرة في السويد ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتخمين اسم الأديب، أو الأديبة. لكنها تبقى تكهنات فحسب، وإن كانت قوية؛ ذلك لأن شروط نيل الجائزة صارمة فيما يتعلق بكتمان سر الأسماء المرشحة والتي لا يجوز الكشف عنها إلا بعد مرور خمسين عاماً على تأريخ الترشح لها.

لكن المهتمين بهذه الجائزة بإمكانهم استقراء بعض المؤشرات التي ربما تعين على الاستدلال على من سينال هذه الجائزة، ومن هذه المؤشرات اتباع ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية تبنيها في السنوات العشر الأخيرة، بمنحها بالتناوب بين كاتب وكاتبة، ابتداءً من عام 2017، حيث منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى كازوو إيشيغورو، وهو كاتب بريطاني من أصل ياباني. وفي السنة التي تلتها منحت جائزة نوبل في الآداب إلى الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك.

واستمرت الأكاديمية السويدية على هذا التناوب حتى العام الماضي 2025، حيث مُنحت الجائزة إلى الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، وبناء على هذه القاعدة فمن المرجح أن تُمنح جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى كاتبة. الأكاديمية السويدية لا تعيش ضمن حدود دائرتها المغلقة، بل هي في تماس وقراءات متواصلة طوال العام لما يجري على الساحة الثقافية في السويد والعالم، فهناك بعض الكاتبات والكتّاب ممن حصدوا جوائز أخرى قيمة أيضاً، مثل جائزة مان بوكر العالمية، وجائزة غونه الألمانية، وجائزة ستيغ داغرمان السويدية، والتي بإمكانها أن تفتح طريقاً نحو جائزة نوبل.

جوخة الحارثي

 

ووفق لذلك، بإمكاننا القول إن من بين المفترضين لنيل جائزة نوبل للأدب هذا العام، العمانية جوخة الحارثي، التي حصدت جائزة مان بوكر العالمية في عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر» (2010): وهي أول كاتبة عربية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تميزت برصدها المتأني وبلغة سلسة، تحولات المجتمع العُماني عبر أجيال مختلفة. ومن مؤلفاتها الأخرى «منامات» الصادرة في عام 2004، و«نارنجة» (2016)، وهي رواية تستكشف بأسلوب عميق تفاصيل النفس البشرية والذكريات والعلاقات الإنسانية. و«حرير الغزالة» (2021): عمل روائي بارز يتواصل فيه السرد باستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية. ونيلها الجائزة ليس بالمستبعد.

ومن بين الكاتبات اللواتي فزن بجائزة بوكر ويرجح أن يخطرن على بال الأكاديمية السويدية جيتانجالي شري، وهي كاتبة هندية، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الهند. عُرفت أعمالها بالتجريب اللغوي وجرأتها في السرد وبانشغالها بأسئلة الهوية، والذاكرة، والجسد، والحدود، مع اهتمام خاص بتفكيك السرديات السائدة وإعادة النظر في أشكال الرواية التقليدية.

وهي أول كاتبة هندية تحصل على جائزة «بوكر» الدولية، في عام 2022، وذلك عن روايتها «ضريح الرمل» التي تدور أحداثها في شمال الهند، وتتناول فيها حياة امرأة تبلغ 80 عاماً، تبدأ حياة جديدة غير تقليدية بعد وفاة زوجها.

ويرد أيضاً اسم الكاتبة الهندية الثانية التي فازت ببوكر، العام الماضي، 2025 عن مجموعتها القصصية «هارت لامب... مصباح القلب»، التي تتناول الحياة اليومية لنساء مسلمات في جنوب الهند. وتكتب بلغة الكانادية، هي لغة محلية في الهند.

ومن الأسماء المتداولة جداً هذا العام، آن كارسون، وهي كاتبة كندية ولغوية، وشاعرة، ومترجمة، وناقدة أدبية،، وباحثة في الأدب القديم، كما هو الحال في كتابها «السيرة الذاتية الحمراء».

ويمزج أسلوب كارسون في الكتابة بين الشعر والمقالات والنقد الأدبي وأشكال أخرى من النثر، وأسلوبها فريد ومبتكر وعلمي في آن واحد. حصلت آن كارسون على العديد من الجوائز الأدبية ورُشِّحت لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها الشعرية «المعيار الخاطئ» في عام 2021، وجائزة PEN/Nabokov للتميز في الأدب العالمي. وتقيم كارسون في نيويورك.

ومن الأسماء النسوية البارزة كان شويه، أو تسان شيويه، كاتبة صينية، وُلدت خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات، كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ويقارن النقاد أعمالها الأدبية بكتابات كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير؛ ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية في عرضها للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، يحول الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن كتبها المترجمة إلى السويدية، «أعيش في الأحياء الفقيرة»، وهي مجموعة قصصية تتناول فيها الحياة على هامش المجتمع، و«الحب في الألفية الجديدة» ترصد حيوات مجموعة من النساء في مجتمع تتربص فيه المؤامرات والشكوك في كل زاوية، كما يتربص السحر، وتعرضت الكثيرات منهن للاستغلال في مصنع القطن المحلي، لكنهن تمكنّ من الفرار.

ثم يأتي اسم جامايكا كينكيد، وهي روائية أميركية وكاتبة مسرحية نشأت في منطقة الكاريبي على جزيرة أنتيغوا الكاريبية. وقد وُلدت عام 1949 باسم إيلين بوتر ريتشاردسون، ونشأت مع والدتها في الجزيرة التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وفي سن السادسة عشرة، انتقلت إلى نيويورك للعمل مربيةَ أطفال، وبعد عشر سنوات أصبحت كاتبة دائمة في مجلة «نيويوركر».

واتخذت اسم جامايكا كينكيد؛ لأنها أرادت إخفاء حقيقة كونها كاتبة عن والدتها. كان أول ظهور لها بوصفها كاتبة مع مجموعة قصص قصيرة عنونتها بـ«في قاع النهر» عام 1983. وفي عام 1985، أصدرت روايتها «آني جون»، وتدور حول والدتها.

ومن بين الكاتبات المميزات أيضاً، المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، التي اشتهرت برواياتها ومذكراتها. حازت العديد من رواياتها على أرفع جوائز أدبية في المكسيك وتكريمات دولية. من مؤلفاتها: «لن يراني أحد أبكي»، ومذكراتها الصادرة عام 2023 بعنوان «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، والتي توثق حياة شقيقتها ومقتلها عام 1990 على يد حبيبها وهي في العشرين من عمرها.

ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «الكتاب الوطني» لعام 2023 عن فئة الأعمال غير الروائية، وفازت بجائزة «بوليتزر» عن فئة المذكرات أو السيرة الذاتية. ووصفت أعمال ريفيرا غارزا بأنها «ممتعة ومُقلقة في آن». بصفتها كاتبة، تسعى إلى إضفاء طابعٍ مُظلم على الأشياء وإثارة الشكوك لدى القراء، إيماناً منها بأن «العالم مليءٌ بالنور والوضوح» ولكنها لا تعتقد أن غاية الأدب هي التثقيف، فهناك طرق أخرى لتحقيق ذلك، بل تنظر إلى الكتابة على أنها تجسيدٌ ماديٌّ للتفكير.

وتؤمن ريفيرا غارزا بأن الأدب من الوسائل القليلة التي يُمكن للناس من خلالها استكشاف حدود التجربة الإنسانية عبر اللغة. وهي تمزج بين السرد والشعر والقصة القصيرة والرواية وعناصر من خيالها مع أخرى من الواقع، بما في ذلك الوثائق التاريخية، بل أدرجت نفسها في إحدى رواياتها. وغالباً ما ركزت أعمالها على المهمشين، مثل المرضى النفسيين والعاملات في الدعارة.

مارغريت آتوود

ومن الكاتبات المتداولة أسماؤهن على لائحة التكهنات لنيل جائزة نوبل في الآداب، أليكسيس رايت، المولودة عام 1950، وتنتمي إلى شعب وانجي في المرتفعات جنوب خليج كاربنتاريا في شمال أستراليا. تُعدّ من أبرز الكاتبات الأستراليات، وتتميز كتبها بالإبداع والابتكار، فضلاً عن كونها حائزة على جوائز. وهي تكتب روايات واقعية تتناول مشاكل السكان الأصليين الأستراليين في التكيف مع القوانين والقيم السائدة. من إصداراتها رواية «كاربنتاريا» والتي توصف بملحمة آسرة، وتدور أحداثها حول عائلة فانتوم القوية في بلدة ديسبيرانس الساحلية الصغيرة، وقادة شعب بريكلبوش وصراعهم الدائر ضد عصابة جوزيف ميدنايت المتمردة، وضد سلطات البيض في أبتاون، والمنجم المدمر بيئياص واجتماعياً. كشفت هذه الرواية عن براعة أليكسيس رايت الزاخرة بشخصياتٍ رائعة، ومنبوذةٍ من المجتمع.

هناك ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية على تبنيها في السنوات العشر الأخيرة بمنح الجائزة بالتناوب بين كاتب وكاتبة

بالطبع، هذه ليست كل الأسماء التي يرجح أن تكون مستوفية لشروط الحصول على جائزة نوبل في الأدب؛ فهناك أسماء كثيرة أخرى، ومنها من ظل يتردد في كل عام سواء من الكاتبات الكلاسيكيات مثل، مارغيت أتوود أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، والبيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وإذا لم تسر الأكاديمية السويدية على ما دأبت عليه في السنوات العشر الأخيرة، أي التناوب، بين سنة وأخرى، وقررت منحها هذا العام أيضاً لكاتب أو أديب رجل، فهناك وفرة بأسماء من يتوقع نيلهم جائزة نوبل في الآداب لعام 2026، ومن بينهم: هاروكي موراكامي من اليابان. والفرنسي ميشيل هولبيك، والأميركي توماس بينشون، والأرجنتيني سيزار أيرا، ومن الهند أميتاش غوش، والأسترالي جيرالد مورنان.


هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».