بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

تحوّلات دراماتيكية حملته من السجن إلى قصر الرئاسة

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال
TT

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

عندما وقف السياسي الشاب بسيرو (بشير) ديوماي فاي، ليؤدي اليمين الدستورية رئيساً جديداً للسنغال مطلع الشهر الحالي، لم يكن يتصور أنه قبل سنة واحدة فقط كان يقف في مكان وظروف مختلفة تماماً، ففي أبريل (نيسان) من العام الماضي لم يكن فاي سوى سجين متهم بالتشهير والقيام بأعمال من شأنها «تعريض السلام العام للخطر». ولكن ما بين أبريل 2023، وأبريل 2024 جرت في نهر الحياة السياسية السنغالية مياه كثيرة، قادت سفينة مفتش الضرائب السابق، الآتي من إحدى القرى النائية بريف السنغال، إلى قصر الرئاسة، لتدور حياة فاي في بضعة أيام دورة كاملة.

قبل 10 أيام فقط من انطلاق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية السنغالية لم يكن ذلك، بسيرو (بشير) ديوماي فاي، السياسي ابن الـ44 سنة، سوى سجين يترقب مصيره خلف الأسوار، فإذا به يخرج من السجن ليتصدر قائمة المرشحين، ويحظى بفوز حاسم من الجولة الأولى في مواجهة مرشح الائتلاف الحاكم. ولقد جاء هذا الفوز بمثابة لحظة فارقة في تاريخ السنغال، ليس بوصول أصغر رئيس في تاريخ البلاد إلى القصر الرئاسي فقط، أو لأنه آتٍ من صفوف المعارضة، بل باعتبار ما حدث تحولاً جوهرياً للإرث السياسي للبلاد الذي استقر طيلة 6 عقود.

فاي عام 1980 في قرية ندياجانياو، وهي قرية زراعية صغيرة في غرب السنغال، تتبع إقليم تييس، ثاني أكبر أقاليم البلاد، وموطن رئيسها الأول ليوبولد سيدار سونغور، في هذه المنطقة الفقيرة، عاش جزءاً من طفولته ومراهقته، قبل أن يحصل على الثانوية العامة (البكالوريا) عام 2000، بعد صعوبات تعليمية ومجموع متوسط مكّنه من الالتحاق بـ«المدرسة الوطنية للإدارة» في جامعة الشيخ أنتا جوب بالعاصمة داكار، حيث تخرّج عام 2007، حاصلاً على «المتريز» (الإجازة) في القانون. بعدها انضم إلى الإدارة العامة للضرائب والممتلكات، وعمل مفتشاً للضرائب. غير أن تلك الوظيفة شكّلت نقطة تحول حقيقية في حياة ذلك الشاب الذي لم يكن حتى تلك اللحظة لديه طموحات سياسية كبيرة، بل ربما اقتصر الأمر على رغبته في الترقي المهني.

التعرّف إلى سونكو

تمثلت نقطة التحوّل في لقاء فاي بشاب يكبره بـ5 سنوات، لكنه كان شغوفاً بالسياسة، ومفعماً بأحلام التغيير، وسيصبح لاحقاً صديق عمره وقائده في دروب العمل السياسي. ذلك الشاب هو عثمان سونكو، الذي كان يتردد على النادي الرياضي نفسه الذي كان يتردد عليه فاي. وكذلك، عمل أيضاً مفتشاً للضرائب في تلك الفترة.

وهكذا، انطلقت رحلة صعود الصديقين، سونكو وفاي، من رحم المعاناة المهنية. إذ سعى الأول إلى تأسيس نقابة للوكلاء الضريبيين والماليين، لينضم إليه الأخير ويتشاركا العمل على كشف التجاوزات وسوء الإدارة في كثير من مجالات العمل الحكومي بالبلاد. لكن يبدو أن العمل في الضرائب ما كان كافياً لإشباع تطلّعات الشابين الطامحين للتغيير، فخلال عام 2014 شارك فاي رفيق رحلة الكفاح سونكو في تأسيس «حزب الوطنيين الأفارقة السنغاليين من أجل العمل والأخلاق والأخوة» - أو «الحزب الوطني السنغالي» - في قاعة صغيرة بجامعة داكار، وهو الحزب الذي ترأسه عثمان سونكو، وأصبح فاي أمينه العام في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2022.

برزت قدرات فاي في إطار التنظيم الحزبي الجديد، عندما تحوّل إلى «العقل المدبّر» لتوسع الحزب في الخارج، ولا سيما أوروبا. في حين صار سونكو، بخطابه الراديكالي، مصدر إزعاج للسلطات الحاكمة، التي لم تحاول فقط تقليص نشاط السياسي الشاب، عبر سجنه، بل سعت إلى حرمانه من المنصة السياسية التي ينطلق منها، أي الحزب الذي يتزعمه. وهكذا، جاء قرار حلّ الحزب في يوليو (تموز) 2023 تالياً لاعتقال عدد من قياداته، ومنهم فاي يوم 14 أبريل من العام ذاته بتهم الإساءة إلى قاضٍ، والتشهير، وارتكاب أعمال من شأنها تعريض السلام العام للخطر. كل هذا، لانتقاده عبر منشور على صفحته بموقع «فيسبوك» طريقة تعامل القضاء مع قضية عثمان سونكو الذي سبقه إلى السجن، ومُنع من الترشح لانتخابات الرئاسة، فاختار فاي بديلاً له ليخوض الانتخابات التي كادت تتحول إلى نهاية للديمقراطية السنغالية.

من السجن إلى القصر

لقد تضاعفت المخاوف من أن تنجرف السنغال إلى المسار «الانقلابي» عندما أعلن الرئيس المنتهية ولايته ماكي سال، يوم 3 فبراير (شباط) الماضي، تأجيل الانتخابات التي كانت مقرّرة في 25 من الشهر ذاته. إذ انفجر الشارع السنغالي غضباً، ووقعت صدامات في الشارع راح ضحيتها قتلى ومصابون، وقاطع معظم الأحزاب السياسية والمرشحون الـ19 لتلك الانتخابات دعوات الرئيس سال للحوار.

عندها، تراجع الرئيس رغم موافقة البرلمان الذي تسيطر عليه غالبية من الائتلاف الحاكم على قرار التأجيل، لكن «المجلس الدستوري» (أعلى سلطة قانونية في السنغال) أبطل تلك القرارات، ودعا إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن، وهنا أيضاً اضطر الرئيس سال إلى إعلان إجراء الانتخابات في 24 مارس (آذار) الماضي.

في هذه الأثناء، كان الصديقان سونكو وفاي لا يزالان خلف أسوار السجن، وإن بدا الأخير في وضع أفضل نسبياً. إذ غاب اسم رئيس الحزب السجين عثمان سونكو عن قائمة مرشحي الرئاسة التي أعلنها «المجلس الدستوري» يوم 13 يناير (كانون الثاني) الماضي، رغم كل التقديرات التي كانت تشير إلى أنه أبرز المرشحين المؤهلين لمنافسة أمادو با، المرشح المدعوم من الرئيس ماكي سال، بينما استطاع فاي دخول القائمة، كمرشح بديل. أما السبب فهو أن سونكو المحكوم قضائياً بالسجن لمدة سنتين لا يحق له خوض الانتخابات، في حين لم يخضع فاي للمحاكمة، وبالتالي، لم يصدر ضده أي حكم قضائي.

لعبت الأقدار إذاً لعبتها، وأصبح فاي مرشحاً للانتخابات الرئاسية رغم كونه موقوفاً في سجن كاب مانويل، بضواحي العاصمة داكار، من دون محاكمة. وللعلم، لم تكن أكثر التوقعات تفاؤلاً ترشّحه للفوز من الجولة الأولى، لكن قبل 10 أيام من الانتخابات الرئاسية تبدّلت الأمور، وأطلق سراح كل من فاي وسونكو بموجب قانون عفو.

لم يكن أمام الصديقين فسحة من الوقت لتنظيم حملة انتخابية بالمعايير المعتادة، لمنافسة مرشحين ينتمون إلى أحزاب معارضة أخرى، وفي مواجهة قوى الائتلاف الحاكم، التي كان يمثلها المرشح الذي اختاره الرئيس سال ليخلفه، أي أمادو با، الذي شغل كثيراً من المناصب الوزارية ويتمتع بخبرة طويلة في دهاليز السياسة والحكم.

استفاد فاي من حالة التعاطف الشعبي التي تسببت فيها فترة سجنه لمدة سنة من دون محاكمة، إضافة إلى تركيز خطاباته على مشكلات الطبقات الهشة والمهمشة

توظيف الغضب

استعان تحالف سونكو وفاي، بما برع فيه الصديقان منذ دخولهما عالم السياسة، وهو اللعب على مشاعر الغضب والإحباط المتراكمة لدى قطاعات واسعة من الشباب السنغالي، كما استطاعا توظيف غضب المجتمع السنغالي جراء ارتفاع الأسعار، وتدني فرص التشغيل، واختلال سياسات التوازن الاقتصادي.

أيضاً، استفاد فاي من حالة التعاطف الشعبي التي تسببت فيها فترة سجنه لمدة سنة من دون محاكمة، إضافة إلى تركيز خطاباته على مشكلات الطبقات الهشة والمهمشة. ومن ناحية أخرى، استفاد من دعم المرشح المُستبعد كريم واد، نجل الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد، المدعوم من عدد من الأحزاب السياسية. وبالنهاية، استطاع الشاب الذي لم يتولّ أي منصب رسمي في البلاد، الفوز في الانتخابات حاصلاً على أكثر من 54 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، مقابل 35 في المائة لمرشح الائتلاف الحاكم أمادو با ، ليغدو الرئيس الخامس في سلسلة رؤساء السنغال منذ الاستقلال، والأصغر سناً على الإطلاق.

ما يعرف عن الرئيس الجديد أنه لا يفصح بشكل علني عن تبنيه آيديولوجيا سياسية محددة، بل يركز في معظم خطبه على قضايا اجتماعية ورغبة عميقة في تأكيد الاستقلال عن الهيمنة الفرنسية، بجانب التركيز على قضايا الإصلاح والحريات. إلا أن كثيراً من التقارير تشير إلى أنه كان مقرباً خلال دراسته الجامعية من الحركات الطلابية ذات النزعة الإسلاموية والمرتبطة بجماعة «عباد الرحمن»، وهي حركة سنغالية تتبنى فكر تنظيم «الإخوان المسلمين»، وأسست في أواخر سبعينات القرن الماضي. ولعل ذلك ما دفع صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى نشر تقرير عن «فاي» ادعت فيه أنه «امتداد لـ(الإخوان المسلمين)، وسيشكل قطيعة مع ما درج عليه النظام السياسي في السنغال». ومع أن الرئيس الجديد لم يُبد انحيازاً واضحاً لتيار سياسي محدد، نجد أن كثيرين من المراقبين يرون أن عثمان سونكو «جزء من الظاهرة الإسلاموية» التي تتمدد في السنغال.

 

وعود بإدارة «أخلاقية»

في أي حال، يراهن فاي على أنه سيقدم وجها مختلفاً للحاكم القادم من مقاعد المعارضة، إذ تعهد عقب إعلان فوزه بأن «السنغال ستكون بلد الأمل والسلام، مع نظام قضائي مستقل وديمقراطية أقوى»، كما وعد بإدارة الأمور بـ«طريقة أخلاقية» وبناء الاقتصاد.

وخلال حملته الانتخابية قال فاي أنه «مرشح تغيير النظام» و«الوحدة الإفريقية»، ووعد بمكافحة الفساد وتوزيع الثروات بصورة أفضل ومعاودة التفاوض بشأن اتفاقات المناجم والغاز والنفط المبرمة مع الشركات الأجنبية. وأيضاً، تعهد بـ«تطهير الطبقة السياسية من خلال إبعاد المفسدين من السلطة واستعادة سيادة السنغال»، وفق تعبيره.

طموحات فاي تبدو عالية السقف، فهي تتراوح من مراجعة اتفاقيات الصيد مع الدول المجاورة، حيث تتضاءل الموارد السمكية التي تدعم نحو 600 ألف أسرة سنغالية، لتصل إلى مراجعة اتفاقيات الدفاع مع فرنسا بهدف «استعادة السيادة»، وهو التعبير الذي استخدمه ما لا يقل عن 18 مرة في خطاب الفوز بالانتخابات. لكن هذه الوعود الصاخبة التي قد تستهوي الناخبين وتجتذب الأصوات، غالباً ما تخبو عندما تصطدم بحقائق الواقع، فضلاً عما يمكن أن تثيره من مخاوف ما يسمى بمؤسسات «الدولة العميقة» التي غالباً ما تنظر بقلق إلى شعارات كـ«التطهير» و«إعادة بناء المؤسسات».

ثم إن التحديات التي سيواجهها الرئيس السنغالي الجديد لا تقتصر على الإصلاح السياسي فقط. إذ إن النمو السكاني السريع في السنغال يشكل تحدياً كبيراً للحكومة، فنحو 20 في المائة من الشباب عاطلون عن العمل، ويشكل الفقر نسبة 36.6 في المائة من إجمالي تعداد السكان البالغ 18 مليون نسمة. ومع أن السنغال تمتلك أراضي زراعية شاسعة، فإنها تستورد 70 في المائة من احتياجاتها الغذائية، ولا تزال الزراعة تعتمد على الطرق البدائية، وبحسب «الأمم المتحدة»، تصنف البلاد كواحدة من أقل الدول نمواً، رغم الخطوات التي قامت بها لتحقيق التنمية الاقتصادية. وبالتالي، سيكون على فاي أن يتعامل مع تحديات اقتصادية متراكمة مع تجاوز حجم الدين الخارجي للسنغال 13.5 مليار دولار، وذهاب 36 في المائة من صادرات البلاد لسداد الديون. وأيضاً، هناك واقع اعتماد الدولة السنغالية على القروض والمنح، ما يبقيها رهينة لضغوط قوية من الشركاء الخارجيين، وقد تجد صعوبات في تمويل الوعود الانتخابية الطموحة التي أطلقها فاي خلال حملته الرئاسية.

تحديات... بالجملة

الواقع أن التحديات لا تقتصر على الداخل السنغالي، بل تمتد إلى خارج الحدود. فعدد من مواقف فاي وتصريحاته لا تبدو ودية تجاه فرنسا، المستعمر القديم للبلاد، وصاحبة النفوذ التاريخي في منطقة الغرب الأفريقي، وتعهده بإصدار عملة وطنية للبلاد بديلاً عن «الفرنك الأفريقي» لن يكون موضع ترحيب من جانب باريس، التي يتهاوى نفوذها في المنطقة، نتيجة صعود نخب شابة إلى الحكم في كثير من مستعمرات فرنسا القديمة.

ورغم اختلاف مسارات وصول «الحكام الجدد» إلى السلطة، سواء عبر انقلابات عسكرية - كحال كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا والغابون - أو من خلال صناديق الاقتراع كالسنغال، فإن النخب الجديدة تتشارك عداءً واضحاً تجاه الهيمنة الفرنسية.

ولن تكون فرنسا وحدها من يترقب سياسات الرئيس السنغالي الجديد، بل سيكون على الجيران في موريتانيا أيضاً متابعة نيات فاي، وبخاصة ما يتعلق بمراجعة اتفاقيات الغاز المشترك بين البلدين، وهو المطلب الذي طالما كرّره عثمان سونكو، الذي يرى أن رؤساء السنغال تنازلوا لموريتانيا عن أراضٍ ومصالح سنغالية متعددة. هذا الأمر يثير مخاوف عميقة في نواكشوط، خاصة أن الجارين اختبرا على مدى عقود تقلبات العلاقة من الحرب إلى السلام ومن التوتر إلى التقارب، كما توجد في موريتانيا جالية سنغالية كبيرة، معظم أبنائها من الصيادين والعمال اليدويين. ولقد تسجّل 27 ألف ناخب سنغالي في نواكشوط عام 2024... صوّت منهم قرابة 10 آلاف شخص، وحصد منها فاي نسبة 55 في المائة.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.