أميركا البروتستانتية قمعت انتشار اليسار لمصلحة الليبراليين

انتخابات 2016 و2020 أثبتت فشل تيار الاشتراكيين الديمقراطيين

لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
TT

أميركا البروتستانتية قمعت انتشار اليسار لمصلحة الليبراليين

لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)

إذا كان الإيفانجيليون البروتستانت الذين بنوا الولايات المتحدة الأميركية، هم أكبر كتلة سكانية (25 في المائة)، ويُعدّون القوة التصويتية الأكبر التي تدعم الحزب الجمهوري، لكونهم «ملتزمين أكثر دينياً»، فهل هذا يعني أن تأثيرهم على الحزب الديمقراطي انحسر لمصلحة كتلة أخرى، كالتيار اليساري على سبيل المثال؟ يجيب العديد من القراءات والدراسات بما فيها تلك الصادرة عن هيئات حكومية أميركية، بأن الدين، والإيفانجيليون على وجه الخصوص، لم يلعب فقط دوراً كبيراً في تشكل الحزبين، بل دوراً محورياً في تكوين، «هوية» أميركا و«رأسماليتها»... وحتى يسارها المنضوي الآن تحت عباءة الحزب الديمقراطي الحديث.

صورة أرشيفية للرئيس فرانكلن روزفلت (أ ب)

يقول كتاب التاريخ الرسمي الأميركي، في البداية، إنه لم يكن لدى الحزبين الديمقراطي والجمهوري دائماً المُثُل نفسها التي لديهما اليوم. بل ما حصل هو أن الحزبين غيّرا و«قلبا» آيديولوجياتهما على مدى عشرات العقود منذ تأسيسهما. وبينما يُعد الحزب الديمقراطي الذي أسّس عام 1828، أقدم حزب سياسي قائم على نظام الاقتراع في العالم، وأقدم حزب سياسي في أميركا، يعود تاريخ الحزب الجمهوري إلى عام 1854.

في سنواته الأولى، كان الحزب الجمهوري، الذي يعد حزب الرأسمالية الجديدة المسيطرة على الصناعات والبنوك في المدن... ليبراليا تماماً، وفي المقابل كان الديمقراطيون، المدافعون عن المزارعين وسكان الأرياف، معروفين بمحافظتهم القوية.

عند اندلاع الحرب الأهلية، سيطر الجمهوريون على غالبية الولايات الشمالية الأكثر تصنيعاً. وسعوا إلى توسيع الولايات المتحدة، وتشجيع الاستيطان في الغرب، وساعدوا في تمويل السكك الحديدية العابرة للولايات وتأسيس الجامعات الحكومية. وإضافة إلى ذلك، وبسبب الجدل المتوتر المتزايد حول العبودية، صار العديد من الجمهوريين - وعلى رأسهم زعيمهم إبراهام لنكولن - من معارضي العبودية (الرقّ) ودعاة إلغاء عقوبة الإعدام.

في المقابل، كان الديمقراطيون يتشاركون في الالتزام بقيم المجتمع الزراعي والريفي، وينظرون إلى الحكومة المركزية وقاعدتها المدينية على أنها معادية للحرية الفردية. ولأن معظم الديمقراطيين كانوا في الولايات الجنوبية الزراعية، فقد سعوا بعناد من أجل إبقاء العبودية قانونية.

دور الحرب الأهلية

ومع اقتراب الحرب من نهايتها، سيطر الحزب الجمهوري على الحكومة، واستخدم سلطته لحماية الأشخاص المستعبدين سابقاً وضمان حقوقهم المدنية. وشمل ذلك التعديلات بعد تسوية عام 1877 التي انتهت بإعادة الإعمار، التي أكسبت الجمهوريين ولاء السكان السود في أميركا وتصويتهم، وهو ما رفضه معظم الديمقراطيين.

لكن بعد الحرب الأهلية، بدأ التغيير البنيوي في الحزب الجمهوري، مع تعاظم ثروة الصناعيين الشماليين، ودخول العديد منهم ميدان السياسة؛ إذ لم يجد هؤلاء الساسة الأثرياء الجدد أي معنى في دعم حقوق الأميركيين السود، حين كان البيض هم الغالبية. وبحلول سبعينات القرن التاسع عشر، شعر الجمهوريون أنهم فعلوا ما يكفي للمواطنين السود، وأوقفوا كل الجهود «لإصلاح» الولايات الجنوبية، التي تُركت للديمقراطيين البيض وسياساتهم القمعية تجاه المواطنين السود. ومع انتهاء عملية إعادة الإعمار، صوّت «الجنوب الصلب» لصالح المرشحين الرئاسيين الديمقراطيين للسنوات الـ44 التالية.

«الكساد الكبير» بداية التحول

بعد 52 سنة، أصبح «الكساد الكبير» الذي هز أميركا عام 1929، حافزاً لتغيير سياسي هائل. وفي حين ظل رجال الأعمال الأثرياء يهيمنون على الحزب الجمهوري، فضل هؤلاء سياسات اللا تدخل الحكومي دعماً للشركات الكبرى، التي كانت سياسة فعالة عندما كان الاقتصاد مزدهراً، لكنها أضحت كارثية مع الانهيار الاقتصادي الذي حصل.

وبالتالي، عندما تبنّى الرئيس الجمهوري هربرت هوفر سياسة اللا تدخل تعرّض لسخط الرأي العام الأميركي عليه وحزبه، وهذا بينما كان منافسه الديمقراطي فرانكلن روزفلت مؤمناً بالحاجة إلى التغيير. وبالفعل نظّم روزفلت حملته على التعهد بالتدخل الحكومي لإنقاذ الاقتصاد وتقديم المساعدة المالية والاهتمام برفاهية الناس. وبفضل هذه السياسة اكتسح روزفلت انتخابات عام 1932 بغالبية ساحقة. وكانت سياسات حملته - التي تبلورت يومذاك بما يعرف بـ«الصفقة الجديدة» - هي التي أدت إلى تحول كبير في آيديولوجيات الحزب الديمقراطي.

ولم يطل الوقت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عاد العرق والمساواة بالعودة إلى مركز السياسة في الخمسينات والستينات.

لم يكن العرق بالضرورة ضمن وجهة نظر الحزبين في هذه المرحلة، بل كان الأمر أقرب إلى قضية تخصّ الولايات، والجنوبية تحديداً؛ إذ عارض كل من الديمقراطيين والجمهوريين الجنوبيين «حركة الحقوق المدنية» المبكّرة، بينما بدأ الديمقراطيون والجمهوريون الشماليون في دعم التشريعات مع تزايد قوة الحركة.

وفي عام 1964، وقّع الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون على قانون الحقوق المدنية. وفي انتخابات ذلك العام، عارض المرشح الجمهوري باري غولدووتر القانون الجديد علناً بحجة أنه وسّع سلطة الحكومة الفيدرالية إلى مستوى خطير.

كان ذلك هو ما أدى إلى التحوّل النهائي والحاسم؛ إذ بعدما كان الناخبون السود موالين للحزب الجمهوري بسبب «قانون الحقوق المدنية لعام 1866»، تحوّل هؤلاء بالفعل إلى الحزب الديمقراطي عندما رأوا أنه مناصر للمساواة والعدالة، في حين كان الجمهوريون مهتمين بالحفاظ على الوضع الراهن في أميركا.

وحقاً، مع مواصلة الديمقراطيين السير بالسياسات «الإصلاحية»؛ كالحق في الإجهاض في بداية السبعينات، وإلغاء تعليم الدين في المدارس الحكومية، أخذ الديمقراطيون الجنوبيون البيض - بخلفيتهم الريفية والدينية المحافظة - يتضايقون من مدى تدخل الحزب فيما يرونه حقوق الناس. وبحلول الثمانينات، أصبح الديمقراطيون الجنوبيون البيض جمهوريين، وغالبية الجنوب جمهوريين. والآن، نرى أن الحزب الجمهوري غدا الملاذ الحصين للمحافظين، مقابل تحول الحزب الديمقراطي إلى معقل لليبراليين والراديكاليين و«اليساريين».

هوية الحزب الديمقراطي

على الرغم من أن المجموعات التي تشكل ما يسمى بائتلاف التحالف الديمقراطي، خضعت لتحولات عدة، منذ حسم الحزب الديمقراطي استدارته السياسية، يتساءل كثيرون: هل تحول الحزب بالفعل إلى حزب يساري؟

وما موقع هذا التيار ضمن الائتلاف الديمقراطي؟

وما أفكاره؟ وما مدى تأثيره اجتماعياً وسياسياً؟

في الحقيقة، لم يكن الرئيس السابق دونالد ترمب، الجمهوري الأول الذي عد حركات الاحتجاج على ممارسات النظام الأميركي، حركات تنتمي إلى «الجماعات اليسارية» الأميركية. غير أن تزايد استخدام الجمهوريين لهذه المصطلحات بهدف «شيطنة» الاحتجاجات، وبصورة غير مسبوقة منذ حركة الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي، كشف عن عمق الانقسام السياسي والاستقطاب الذي تعيشه البلاد اليوم.

بحسب مركز «بيو» الأميركي المرموق، هناك أربع مجموعات تشكل التحالف الديمقراطي، هي: اليسار التقدمي، والليبراليون المؤسسيون، والديمقراطيون الأساسيون، واليسار الخارجي.

هذه المجموعات متوافقة إلى حد كبير على دعم الدور القوي الذي تلعبه الحكومة وشبكة الأمان الاقتصادية والاجتماعية القوية، فضلاً عن تشككها بقوة الشركات. ولكن، مع ذلك، ثمة اختلافات ملحوظة، إزاء قضايا كالقوة العسكرية الأميركية، وإلى حد ما، العدالة الجنائية وموضوع الهجرة. ثم إن الاختلافات في العديد من مجالات القضايا الرئيسة، بما فيها السياسة البيئية، والأسلحة، والإجهاض، والمساواة العرقية وغيرها، لا تتعلق بالقضية نفسها بقدر ما تتعلق بكثافة الدعم للمواقف والسياسات الليبرالية.

يمثل «اليسار التقدمي» حصة صغيرة نسبياً من الحزب، لا تتجاوز 12 في المائة من الديمقراطيين والمستقلين ذوي الميول الديمقراطية، وغالبيتهم من جيل الشباب والطلاب الجامعيين. ومع ذلك، فإن هذه المجموعة هي الأنشط سياسياً.

في المقابل، يشكل «الليبراليون المؤسسيون» حصة أكبر بكثير، (24 في المائة)، ويصوّتون أيضاً بمعدلات عالية ويهتمون سياسياً للغاية. ومع أن لديهم آراء ليبرالية فهؤلاء يميلون إلى دعم التسويات السياسية أكثر من اليسار التقدمي واليسار الخارجي.

الفئة الثالثة، «الديمقراطيون الأساسيون»، هم أكبر مجموعة في الائتلاف الديمقراطي، (28 في المائة) ويطلقون على أنفسهم مسمى «المعتدلين سياسياً». ورغم احتفاظهم بمواقف ليبرالية بشأن الاقتصاد، فهم يختلفون بشأن قضايا الهجرة. فهؤلاء أقل ميلاً بكثير لدعم زيادة الهجرة القانونية وأكثر تقبلاً لتحديد الهجرة غير الشرعية بوصفها مشكلة في البلاد. كذلك فهؤلاء أكثر استثماراً في القوة العسكرية الأميركية. ويتركز الديمقراطيون السود بشكل خاص في هذه المجموعة (40 في المائة)، كما ينتمي إليها الأكبر سناً والاًقل احتمالاً للحصول على تعليم عالٍ.

وتبقى الفئة الرابعة، وهي «اليسار الخارجي»، وقوامها (16 في المائة)، لكن هؤلاء يعرّفون أنفسهم بأنهم مستقلون، وغالبيتهم من الشباب والتقدميين. ورغم أنهم ليسوا ليبراليين تماماً مثل «اليسار التقدمي»، فإن ليبراليتهم تظهر عندما يتعلق الأمر بالعرق والهجرة والقضايا البيئية. ولا يُعد هذا التيار موثوقاً به انتخابياً، ولكن عندما يواجه الاختيار بين مرشحين جمهوريين أو ديمقراطيين، يصوّت أفراده بغالبية ساحقة لصالح الديمقراطيين.

عندما تبنّى الرئيس الجمهوري هربرت هوفر سياسة اللا تدخل تعرّض لسخط الرأي العام الأميركي عليه وحزبه

تغير مصطلح «اليسار»

مع فشل «النماذج الاشتراكية» في دول أوروبا الشرقية، خضع مصطلح «اليسار»، الذي كان يشير في البداية إلى الفكر الاشتراكي، لتعديلات عدة في الغرب. ولقد بذلت في الماضي محاولات لجمع الاشتراكية الماركسية والرأسمالية الغربية، بهدف التوفيق بين رفض الاضطهاد والفقر والتفاوت الناجم عن السوق الحرة والرأسمالية، ورفض التأميم والاقتصادات المخططة مركزياً. وهو ما أدى إلى ولادة ما يسمى تيار «الديمقراطية الاجتماعية/الديمقراطية الاشتراكية» أو «تيار الاشتراكيين الجدد»، الذي ازدهر خصوصاً في بعض دول أميركا اللاتينية، ويمثله في الولايات المتحدة «اليسار التقدمي»... وجزئياً «اليسار الخارجي».

أيضاً، ظهر ما يسمى بتيار «الليبرالية الاجتماعية»، وهو فرع من الليبرالية، لكنه لا يدعو إلى حرية مطلقة للأفراد، بل لدور إيجابي للدولة في توفير حرية إيجابية. ويرفض هذا التيار كلاً من النماذج المتشددة من الرأسمالية والبُعد الثوري من الديمقراطية الاشتراكية. وبالتالي، فهو يؤمن بالأفكار الرأسمالية مع إدخال بعض الإصلاحات عليها، ويمثله في البلاد، «الديمقراطيون الأساسيون» و«الليبراليون المؤسسيون».

وأخيراً... لا آخراً، ظهر تيار اللاسلطوية أو «الفوضوية/الأناركية»، وهي ترجمة لمصطلح إنجليزي، ويُعد أقصى اليسار أو اليسارية الراديكالية، الكاره لأي سلطة سواءً كانت دولة أو مجتمعاً أو حتى أسرة.

 

السناتور بيرني ساندرز... حانل لواء اليسار في الحزب الديمقراطي (رويترز)

أميركا البروتستانتية... والمكارثية

عندما أسست الولايات المتحدة على أيدي البروتستانت البيض الذين فروا من أوروبا هرباً من الاضطهاد الكاثوليكي، بنى هؤلاء مجتمعاً قائماً على الرأسمالية والاقتصاد الحر. ومع تحوّل أميركا مركزاً للرأسمالية العالمية، أضفوا عليها مسحة بروتستانتية متدينة ميَّزتها عن الرأسمالية الأوروبية، الأمر الذي جعل من الصعب على اليسار الانتشار فيها.

وعلى الرغم من تأسيس الحزب الاشتراكي الأميركي عام 1905، وحزب العمال الأميركي بعده، نُبذ الحزبان وأمثالهما جماهيرياً. غير أن الفكر اليساري تغلغل في المجتمع الأميركي تدريجياً، معتمداً على عدة عوامل، أبرزها:

- أزمات الرأسمالية والانهيارات التي لازمتها، من أزمة 1929، مروراً بعقد الثلاثينات وبداية عقد الأربعينات، والأزمة المالية في عام 2008.

- التمييز العنصري ضد الأقليات عموماً، والسود خصوصاً.

- صعود اليمين المحافظ المتشدد، بتأثير من الإيفانجيليين البروتستانت.

هذه العوامل الثلاثة وعوامل أخرى دفعت كثيرين من المواطنين الأميركيين - ليس فقط من السود، ولكن أيضاً من البيض المستائين من تغوّل الرأسمالية والعنصرية وتصرفات اليمين المتشدد - للبحث عن أفكار أخرى يمكن أن تؤسس لأميركا جديدة، فكان الانتماء إلى الأفكار اليسارية طريقاً لهؤلاء.

مع هذا، حوّلت سيطرة الدين الشيوعية إلى «تهمة» يُتَّهَم بها كل صاحب فكر يساري في أميركا. وبالفعل، أُجريت المحاكمات إبان فترة الخمسينات من القرن الماضي لكل من يُتَّهَم أو يُشتَبَه في حمله لهذا الفكر. وهو ما عرف بـ«المكارثية السياسية»، نسبة إلى السيناتور اليميني المتشدد جوزيف مكارثي، الذي نظّر لقمع «الشيوعيين» في تلك الفترة.

في حينه، صارت تهمة الشيوعية ذريعة للإجهاز على المثقفين اليساريين والحركات النقابية والعمالية، التي أضعفت بنيوياً في أميركا، مقارنة بأوروبا. ويُذكر أنه اتُّهمت بـ«اليسارية» أيضاً «حركةُ الحقوق المدنية» في أميركا ضد التمييز العنصري خلال الستينات من القرن الماضي، التي قادها القس مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس، مع أن الخطاب الشهير الذي ألقاه كينغ، «لديّ حلم»، استخدم فيه الكثير من مراجع الإنجيل.

تيارات اليسار الأميركي

هكذا، انتظم اليسار الأميركي في جماعات وتيارات، وكان له تأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأميركية، وبعض هذه التيارات ارتبطت بقضايا معينة في وقـت معيَّن. إلا أنها عندما عجزت عن تحقيق أهدافها لم تلبث أن تلاشت أو ضعف تأثيرها، مثل حركة «احتلوا وول ستريت» التي انطلقت في سبتمبر (أيلول) 2011 من حي المال والأعمال في نيويورك، للتصدي لغياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ومواجهة فسادِ فاحشي الثراء، وإيقاف سيطرة الشركات الكبرى على الحكومات. وتبنَّت الحركة شعار «نحن نسبة الـ99 في المائة»، في إشارة إلى انعدام العدالة توزيع الثروة، واستمرت الاحتجاجات نحو ثلاثة أشهر، لكنها لم تنجح.

ومن رحم تيار «احتلوا وول ستريت» خرج تيار الاشتراكية الديمقراطية الأميركية بوصفه حركة مستقلة حاولت الدفع بأعضائها إلى الأحزاب الأميركية، وخصوصاً الحزب الديمقراطي، واستطاعت توفير الدعم المالي والإعلامي لهؤلاء المرشحين.

ووفق موقع «حركة الاشتراكيين الديمقراطيين» على شبكة الإنترنت، تعمل الحركة على تقنيات الحملات وحشد كل المؤمنين بالاشتراكية الديمقراطية. وتدّعي الحركة أيضاً أنها دعمت كثيراً من أعضائها للوصول إلى الكونغرس الفيدرالي والولايات. ومع أنها بدأت نشاطها السياسي الانتخابي فعام 2016 فقط، بلغ عدد أعضائها في عام 2018 نحو 50 ألف عضو فعال.

ويرجع الإقبال المتزايد على الانضمام إلى هذا التيار إلى طلاب الجامعات الحديثي التخرج بسبب إرهاقهم بالديون الدراسية، ونجاحها في استغلال المزاج الشعبي العام بعد انتخاب دونالد ترمب، وحالة الاستقطاب الحاد التي يعيشها المجتمع الأميركي، واتجاه الإعلام الليبرالي لدعم اليسار بسبب خطاب ترمب اليميني. وحقاً، أعلنت الحركة عن جملة من الأهداف أهمها: إعادة توزيع الثروة عبر سياسات ضريبية جديدة، من خلال استراتيجية إعادة تشكيل المناخ السياسي في الولايات المتحدة عبر إصلاح الرأسمالية.

أما التيار اللاسلطوي أو «الأناركي»، فتمثله اليوم حركة «أنتيفا»، التي هاجمها ترمب وإدارته، قائلاً إنه سيصنِّفها منظمة إرهابية بعد الاحتجاجات التي أعقبت وفاة الرجل الأسود جورج فلويد. ومصطلح «أنتيفا» هذا اختصار لعبارة «مناهضة الفاشية». وكانت بدأت بتنظيم كوادرها ضد «النازيين الجدد» في الولايات المتحدة أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن الماضي، وخاصة في منطقة الغرب الأوسط. وبعدما تراجعت منذ بداية العقد الأول من القرن الحالي، ظهرت مجدداً بعد انتخاب ترمب عام 2017.

وتقوم استراتيجية «أنتيفا» على رفض اللجوء إلى الشرطة أو الدولة لوقف زحف فكرة تفوُّق البيض. وبدلاً من ذلك يدعو أعضاؤها ومناصروها إلى المعارضة الشعبية للفاشية والحركات العنصرية والنازية، على الرغم من أن الفاشية في العموم، تنتمي فكرياً إلى الحركات اللاسلطوية أو «الأناركية». كذلك مع أن خطاب «أنتيفا» الرسمي يشدّد على مناهضة العنف، يقول أعضاء في الحركة إن العنف والأسلحة ضروريان للدفاع عن النفس.

 

الحمار... شعار «الحزب الديمقراطي» الأميركي

«الحزب الديمقراطي» الأميركي... في المعايير اليسارية

> مع أن كثيرين يصنّفون الحزب الديمقراطي الأميركي بأنه حزب يساري، فإن هذا التصنيف مبسط جداً، لأن تركيبة الحزب بالغة التعقيد. فكثيرون من أعضاء الحزب يمكن تصنيفهم كيمينيين، ومنهم من يتبنى موقفاً وسطاً بين اليسار واليمين. وهذا الواقع برز في الانتخابات الديمقراطية التمهيدية الترشيحية للرئاسة عام 2016، ثم عام 2020، حين فازت هيلاري كلينتون، ثم جو بايدن بالترشيح على حساب ممثل اليسار السيناتور بيرني ساندرز، الذي عد فشله مرتين فشلاً لتيار الاشتراكيين الديمقراطيين. وأيضاً، فإن سياسات الحزب الخارجية تتشابه في حالات عديدة مع سياسات الحزب الجمهوري، وهو ما نراه اليوم في موقف إدارة بايدن من الحرب الإسرائيلية على غزة. وفق مركز «بيو»، حصل بايدن في الانتخابات العامة ضد ترمب عام 2020 على الغالبية العظمى من أصوات المجموعات الأربع ذات التوجه الديمقراطي. إذ صوّت له 92 في المائة من «الليبراليين المؤسسيين»، و94 في المائة من «اليسار الخارجي»، و98 في المائة من «الديمقراطيين الأساسيين»، و«اليسار التقدمي». من جهة أخرى، في حين يفضّل الليبراليون العيش في المدن، يفضّل المحافظون المناطق الريفية، والبلدات الصغيرة. ومع التغيير الذي طرأ على بنية الاقتصاد الأميركي، وتراجع دور التصنيع التقليدي لمصلحة التقنيات الحديثة، والصناعات الجديدة، دُفعت القاعدة العمالية التي تعيش في ضواحي المدن نحو الجمهوريين. كذلك، يميل الليبراليون أكثر من المحافظين إلى القول بأن التنوع العرقي والإثني مهمّ في المجتمع. ورغم ذلك، يقول 49 في المائة من الأميركيين إنهم لن يكونوا سعداء إذا تزوّج أحد أفراد الأسرة من شخص لا يؤمن بالله.


مقالات ذات صلة

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعقيلته في أثناء مشاركتهما باحتفال في ذكرى 11 سبتمبر (أ.ب)

تحليل إخباري فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع

فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع ويسلط الأضواء على انتخابات 2026 النصفية.

إيلي يوسف (واشنطن)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.