أميركا البروتستانتية قمعت انتشار اليسار لمصلحة الليبراليين

انتخابات 2016 و2020 أثبتت فشل تيار الاشتراكيين الديمقراطيين

لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
TT

أميركا البروتستانتية قمعت انتشار اليسار لمصلحة الليبراليين

لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)

إذا كان الإيفانجيليون البروتستانت الذين بنوا الولايات المتحدة الأميركية، هم أكبر كتلة سكانية (25 في المائة)، ويُعدّون القوة التصويتية الأكبر التي تدعم الحزب الجمهوري، لكونهم «ملتزمين أكثر دينياً»، فهل هذا يعني أن تأثيرهم على الحزب الديمقراطي انحسر لمصلحة كتلة أخرى، كالتيار اليساري على سبيل المثال؟ يجيب العديد من القراءات والدراسات بما فيها تلك الصادرة عن هيئات حكومية أميركية، بأن الدين، والإيفانجيليون على وجه الخصوص، لم يلعب فقط دوراً كبيراً في تشكل الحزبين، بل دوراً محورياً في تكوين، «هوية» أميركا و«رأسماليتها»... وحتى يسارها المنضوي الآن تحت عباءة الحزب الديمقراطي الحديث.

صورة أرشيفية للرئيس فرانكلن روزفلت (أ ب)

يقول كتاب التاريخ الرسمي الأميركي، في البداية، إنه لم يكن لدى الحزبين الديمقراطي والجمهوري دائماً المُثُل نفسها التي لديهما اليوم. بل ما حصل هو أن الحزبين غيّرا و«قلبا» آيديولوجياتهما على مدى عشرات العقود منذ تأسيسهما. وبينما يُعد الحزب الديمقراطي الذي أسّس عام 1828، أقدم حزب سياسي قائم على نظام الاقتراع في العالم، وأقدم حزب سياسي في أميركا، يعود تاريخ الحزب الجمهوري إلى عام 1854.

في سنواته الأولى، كان الحزب الجمهوري، الذي يعد حزب الرأسمالية الجديدة المسيطرة على الصناعات والبنوك في المدن... ليبراليا تماماً، وفي المقابل كان الديمقراطيون، المدافعون عن المزارعين وسكان الأرياف، معروفين بمحافظتهم القوية.

عند اندلاع الحرب الأهلية، سيطر الجمهوريون على غالبية الولايات الشمالية الأكثر تصنيعاً. وسعوا إلى توسيع الولايات المتحدة، وتشجيع الاستيطان في الغرب، وساعدوا في تمويل السكك الحديدية العابرة للولايات وتأسيس الجامعات الحكومية. وإضافة إلى ذلك، وبسبب الجدل المتوتر المتزايد حول العبودية، صار العديد من الجمهوريين - وعلى رأسهم زعيمهم إبراهام لنكولن - من معارضي العبودية (الرقّ) ودعاة إلغاء عقوبة الإعدام.

في المقابل، كان الديمقراطيون يتشاركون في الالتزام بقيم المجتمع الزراعي والريفي، وينظرون إلى الحكومة المركزية وقاعدتها المدينية على أنها معادية للحرية الفردية. ولأن معظم الديمقراطيين كانوا في الولايات الجنوبية الزراعية، فقد سعوا بعناد من أجل إبقاء العبودية قانونية.

دور الحرب الأهلية

ومع اقتراب الحرب من نهايتها، سيطر الحزب الجمهوري على الحكومة، واستخدم سلطته لحماية الأشخاص المستعبدين سابقاً وضمان حقوقهم المدنية. وشمل ذلك التعديلات بعد تسوية عام 1877 التي انتهت بإعادة الإعمار، التي أكسبت الجمهوريين ولاء السكان السود في أميركا وتصويتهم، وهو ما رفضه معظم الديمقراطيين.

لكن بعد الحرب الأهلية، بدأ التغيير البنيوي في الحزب الجمهوري، مع تعاظم ثروة الصناعيين الشماليين، ودخول العديد منهم ميدان السياسة؛ إذ لم يجد هؤلاء الساسة الأثرياء الجدد أي معنى في دعم حقوق الأميركيين السود، حين كان البيض هم الغالبية. وبحلول سبعينات القرن التاسع عشر، شعر الجمهوريون أنهم فعلوا ما يكفي للمواطنين السود، وأوقفوا كل الجهود «لإصلاح» الولايات الجنوبية، التي تُركت للديمقراطيين البيض وسياساتهم القمعية تجاه المواطنين السود. ومع انتهاء عملية إعادة الإعمار، صوّت «الجنوب الصلب» لصالح المرشحين الرئاسيين الديمقراطيين للسنوات الـ44 التالية.

«الكساد الكبير» بداية التحول

بعد 52 سنة، أصبح «الكساد الكبير» الذي هز أميركا عام 1929، حافزاً لتغيير سياسي هائل. وفي حين ظل رجال الأعمال الأثرياء يهيمنون على الحزب الجمهوري، فضل هؤلاء سياسات اللا تدخل الحكومي دعماً للشركات الكبرى، التي كانت سياسة فعالة عندما كان الاقتصاد مزدهراً، لكنها أضحت كارثية مع الانهيار الاقتصادي الذي حصل.

وبالتالي، عندما تبنّى الرئيس الجمهوري هربرت هوفر سياسة اللا تدخل تعرّض لسخط الرأي العام الأميركي عليه وحزبه، وهذا بينما كان منافسه الديمقراطي فرانكلن روزفلت مؤمناً بالحاجة إلى التغيير. وبالفعل نظّم روزفلت حملته على التعهد بالتدخل الحكومي لإنقاذ الاقتصاد وتقديم المساعدة المالية والاهتمام برفاهية الناس. وبفضل هذه السياسة اكتسح روزفلت انتخابات عام 1932 بغالبية ساحقة. وكانت سياسات حملته - التي تبلورت يومذاك بما يعرف بـ«الصفقة الجديدة» - هي التي أدت إلى تحول كبير في آيديولوجيات الحزب الديمقراطي.

ولم يطل الوقت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عاد العرق والمساواة بالعودة إلى مركز السياسة في الخمسينات والستينات.

لم يكن العرق بالضرورة ضمن وجهة نظر الحزبين في هذه المرحلة، بل كان الأمر أقرب إلى قضية تخصّ الولايات، والجنوبية تحديداً؛ إذ عارض كل من الديمقراطيين والجمهوريين الجنوبيين «حركة الحقوق المدنية» المبكّرة، بينما بدأ الديمقراطيون والجمهوريون الشماليون في دعم التشريعات مع تزايد قوة الحركة.

وفي عام 1964، وقّع الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون على قانون الحقوق المدنية. وفي انتخابات ذلك العام، عارض المرشح الجمهوري باري غولدووتر القانون الجديد علناً بحجة أنه وسّع سلطة الحكومة الفيدرالية إلى مستوى خطير.

كان ذلك هو ما أدى إلى التحوّل النهائي والحاسم؛ إذ بعدما كان الناخبون السود موالين للحزب الجمهوري بسبب «قانون الحقوق المدنية لعام 1866»، تحوّل هؤلاء بالفعل إلى الحزب الديمقراطي عندما رأوا أنه مناصر للمساواة والعدالة، في حين كان الجمهوريون مهتمين بالحفاظ على الوضع الراهن في أميركا.

وحقاً، مع مواصلة الديمقراطيين السير بالسياسات «الإصلاحية»؛ كالحق في الإجهاض في بداية السبعينات، وإلغاء تعليم الدين في المدارس الحكومية، أخذ الديمقراطيون الجنوبيون البيض - بخلفيتهم الريفية والدينية المحافظة - يتضايقون من مدى تدخل الحزب فيما يرونه حقوق الناس. وبحلول الثمانينات، أصبح الديمقراطيون الجنوبيون البيض جمهوريين، وغالبية الجنوب جمهوريين. والآن، نرى أن الحزب الجمهوري غدا الملاذ الحصين للمحافظين، مقابل تحول الحزب الديمقراطي إلى معقل لليبراليين والراديكاليين و«اليساريين».

هوية الحزب الديمقراطي

على الرغم من أن المجموعات التي تشكل ما يسمى بائتلاف التحالف الديمقراطي، خضعت لتحولات عدة، منذ حسم الحزب الديمقراطي استدارته السياسية، يتساءل كثيرون: هل تحول الحزب بالفعل إلى حزب يساري؟

وما موقع هذا التيار ضمن الائتلاف الديمقراطي؟

وما أفكاره؟ وما مدى تأثيره اجتماعياً وسياسياً؟

في الحقيقة، لم يكن الرئيس السابق دونالد ترمب، الجمهوري الأول الذي عد حركات الاحتجاج على ممارسات النظام الأميركي، حركات تنتمي إلى «الجماعات اليسارية» الأميركية. غير أن تزايد استخدام الجمهوريين لهذه المصطلحات بهدف «شيطنة» الاحتجاجات، وبصورة غير مسبوقة منذ حركة الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي، كشف عن عمق الانقسام السياسي والاستقطاب الذي تعيشه البلاد اليوم.

بحسب مركز «بيو» الأميركي المرموق، هناك أربع مجموعات تشكل التحالف الديمقراطي، هي: اليسار التقدمي، والليبراليون المؤسسيون، والديمقراطيون الأساسيون، واليسار الخارجي.

هذه المجموعات متوافقة إلى حد كبير على دعم الدور القوي الذي تلعبه الحكومة وشبكة الأمان الاقتصادية والاجتماعية القوية، فضلاً عن تشككها بقوة الشركات. ولكن، مع ذلك، ثمة اختلافات ملحوظة، إزاء قضايا كالقوة العسكرية الأميركية، وإلى حد ما، العدالة الجنائية وموضوع الهجرة. ثم إن الاختلافات في العديد من مجالات القضايا الرئيسة، بما فيها السياسة البيئية، والأسلحة، والإجهاض، والمساواة العرقية وغيرها، لا تتعلق بالقضية نفسها بقدر ما تتعلق بكثافة الدعم للمواقف والسياسات الليبرالية.

يمثل «اليسار التقدمي» حصة صغيرة نسبياً من الحزب، لا تتجاوز 12 في المائة من الديمقراطيين والمستقلين ذوي الميول الديمقراطية، وغالبيتهم من جيل الشباب والطلاب الجامعيين. ومع ذلك، فإن هذه المجموعة هي الأنشط سياسياً.

في المقابل، يشكل «الليبراليون المؤسسيون» حصة أكبر بكثير، (24 في المائة)، ويصوّتون أيضاً بمعدلات عالية ويهتمون سياسياً للغاية. ومع أن لديهم آراء ليبرالية فهؤلاء يميلون إلى دعم التسويات السياسية أكثر من اليسار التقدمي واليسار الخارجي.

الفئة الثالثة، «الديمقراطيون الأساسيون»، هم أكبر مجموعة في الائتلاف الديمقراطي، (28 في المائة) ويطلقون على أنفسهم مسمى «المعتدلين سياسياً». ورغم احتفاظهم بمواقف ليبرالية بشأن الاقتصاد، فهم يختلفون بشأن قضايا الهجرة. فهؤلاء أقل ميلاً بكثير لدعم زيادة الهجرة القانونية وأكثر تقبلاً لتحديد الهجرة غير الشرعية بوصفها مشكلة في البلاد. كذلك فهؤلاء أكثر استثماراً في القوة العسكرية الأميركية. ويتركز الديمقراطيون السود بشكل خاص في هذه المجموعة (40 في المائة)، كما ينتمي إليها الأكبر سناً والاًقل احتمالاً للحصول على تعليم عالٍ.

وتبقى الفئة الرابعة، وهي «اليسار الخارجي»، وقوامها (16 في المائة)، لكن هؤلاء يعرّفون أنفسهم بأنهم مستقلون، وغالبيتهم من الشباب والتقدميين. ورغم أنهم ليسوا ليبراليين تماماً مثل «اليسار التقدمي»، فإن ليبراليتهم تظهر عندما يتعلق الأمر بالعرق والهجرة والقضايا البيئية. ولا يُعد هذا التيار موثوقاً به انتخابياً، ولكن عندما يواجه الاختيار بين مرشحين جمهوريين أو ديمقراطيين، يصوّت أفراده بغالبية ساحقة لصالح الديمقراطيين.

عندما تبنّى الرئيس الجمهوري هربرت هوفر سياسة اللا تدخل تعرّض لسخط الرأي العام الأميركي عليه وحزبه

تغير مصطلح «اليسار»

مع فشل «النماذج الاشتراكية» في دول أوروبا الشرقية، خضع مصطلح «اليسار»، الذي كان يشير في البداية إلى الفكر الاشتراكي، لتعديلات عدة في الغرب. ولقد بذلت في الماضي محاولات لجمع الاشتراكية الماركسية والرأسمالية الغربية، بهدف التوفيق بين رفض الاضطهاد والفقر والتفاوت الناجم عن السوق الحرة والرأسمالية، ورفض التأميم والاقتصادات المخططة مركزياً. وهو ما أدى إلى ولادة ما يسمى تيار «الديمقراطية الاجتماعية/الديمقراطية الاشتراكية» أو «تيار الاشتراكيين الجدد»، الذي ازدهر خصوصاً في بعض دول أميركا اللاتينية، ويمثله في الولايات المتحدة «اليسار التقدمي»... وجزئياً «اليسار الخارجي».

أيضاً، ظهر ما يسمى بتيار «الليبرالية الاجتماعية»، وهو فرع من الليبرالية، لكنه لا يدعو إلى حرية مطلقة للأفراد، بل لدور إيجابي للدولة في توفير حرية إيجابية. ويرفض هذا التيار كلاً من النماذج المتشددة من الرأسمالية والبُعد الثوري من الديمقراطية الاشتراكية. وبالتالي، فهو يؤمن بالأفكار الرأسمالية مع إدخال بعض الإصلاحات عليها، ويمثله في البلاد، «الديمقراطيون الأساسيون» و«الليبراليون المؤسسيون».

وأخيراً... لا آخراً، ظهر تيار اللاسلطوية أو «الفوضوية/الأناركية»، وهي ترجمة لمصطلح إنجليزي، ويُعد أقصى اليسار أو اليسارية الراديكالية، الكاره لأي سلطة سواءً كانت دولة أو مجتمعاً أو حتى أسرة.

 

السناتور بيرني ساندرز... حانل لواء اليسار في الحزب الديمقراطي (رويترز)

أميركا البروتستانتية... والمكارثية

عندما أسست الولايات المتحدة على أيدي البروتستانت البيض الذين فروا من أوروبا هرباً من الاضطهاد الكاثوليكي، بنى هؤلاء مجتمعاً قائماً على الرأسمالية والاقتصاد الحر. ومع تحوّل أميركا مركزاً للرأسمالية العالمية، أضفوا عليها مسحة بروتستانتية متدينة ميَّزتها عن الرأسمالية الأوروبية، الأمر الذي جعل من الصعب على اليسار الانتشار فيها.

وعلى الرغم من تأسيس الحزب الاشتراكي الأميركي عام 1905، وحزب العمال الأميركي بعده، نُبذ الحزبان وأمثالهما جماهيرياً. غير أن الفكر اليساري تغلغل في المجتمع الأميركي تدريجياً، معتمداً على عدة عوامل، أبرزها:

- أزمات الرأسمالية والانهيارات التي لازمتها، من أزمة 1929، مروراً بعقد الثلاثينات وبداية عقد الأربعينات، والأزمة المالية في عام 2008.

- التمييز العنصري ضد الأقليات عموماً، والسود خصوصاً.

- صعود اليمين المحافظ المتشدد، بتأثير من الإيفانجيليين البروتستانت.

هذه العوامل الثلاثة وعوامل أخرى دفعت كثيرين من المواطنين الأميركيين - ليس فقط من السود، ولكن أيضاً من البيض المستائين من تغوّل الرأسمالية والعنصرية وتصرفات اليمين المتشدد - للبحث عن أفكار أخرى يمكن أن تؤسس لأميركا جديدة، فكان الانتماء إلى الأفكار اليسارية طريقاً لهؤلاء.

مع هذا، حوّلت سيطرة الدين الشيوعية إلى «تهمة» يُتَّهَم بها كل صاحب فكر يساري في أميركا. وبالفعل، أُجريت المحاكمات إبان فترة الخمسينات من القرن الماضي لكل من يُتَّهَم أو يُشتَبَه في حمله لهذا الفكر. وهو ما عرف بـ«المكارثية السياسية»، نسبة إلى السيناتور اليميني المتشدد جوزيف مكارثي، الذي نظّر لقمع «الشيوعيين» في تلك الفترة.

في حينه، صارت تهمة الشيوعية ذريعة للإجهاز على المثقفين اليساريين والحركات النقابية والعمالية، التي أضعفت بنيوياً في أميركا، مقارنة بأوروبا. ويُذكر أنه اتُّهمت بـ«اليسارية» أيضاً «حركةُ الحقوق المدنية» في أميركا ضد التمييز العنصري خلال الستينات من القرن الماضي، التي قادها القس مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس، مع أن الخطاب الشهير الذي ألقاه كينغ، «لديّ حلم»، استخدم فيه الكثير من مراجع الإنجيل.

تيارات اليسار الأميركي

هكذا، انتظم اليسار الأميركي في جماعات وتيارات، وكان له تأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأميركية، وبعض هذه التيارات ارتبطت بقضايا معينة في وقـت معيَّن. إلا أنها عندما عجزت عن تحقيق أهدافها لم تلبث أن تلاشت أو ضعف تأثيرها، مثل حركة «احتلوا وول ستريت» التي انطلقت في سبتمبر (أيلول) 2011 من حي المال والأعمال في نيويورك، للتصدي لغياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ومواجهة فسادِ فاحشي الثراء، وإيقاف سيطرة الشركات الكبرى على الحكومات. وتبنَّت الحركة شعار «نحن نسبة الـ99 في المائة»، في إشارة إلى انعدام العدالة توزيع الثروة، واستمرت الاحتجاجات نحو ثلاثة أشهر، لكنها لم تنجح.

ومن رحم تيار «احتلوا وول ستريت» خرج تيار الاشتراكية الديمقراطية الأميركية بوصفه حركة مستقلة حاولت الدفع بأعضائها إلى الأحزاب الأميركية، وخصوصاً الحزب الديمقراطي، واستطاعت توفير الدعم المالي والإعلامي لهؤلاء المرشحين.

ووفق موقع «حركة الاشتراكيين الديمقراطيين» على شبكة الإنترنت، تعمل الحركة على تقنيات الحملات وحشد كل المؤمنين بالاشتراكية الديمقراطية. وتدّعي الحركة أيضاً أنها دعمت كثيراً من أعضائها للوصول إلى الكونغرس الفيدرالي والولايات. ومع أنها بدأت نشاطها السياسي الانتخابي فعام 2016 فقط، بلغ عدد أعضائها في عام 2018 نحو 50 ألف عضو فعال.

ويرجع الإقبال المتزايد على الانضمام إلى هذا التيار إلى طلاب الجامعات الحديثي التخرج بسبب إرهاقهم بالديون الدراسية، ونجاحها في استغلال المزاج الشعبي العام بعد انتخاب دونالد ترمب، وحالة الاستقطاب الحاد التي يعيشها المجتمع الأميركي، واتجاه الإعلام الليبرالي لدعم اليسار بسبب خطاب ترمب اليميني. وحقاً، أعلنت الحركة عن جملة من الأهداف أهمها: إعادة توزيع الثروة عبر سياسات ضريبية جديدة، من خلال استراتيجية إعادة تشكيل المناخ السياسي في الولايات المتحدة عبر إصلاح الرأسمالية.

أما التيار اللاسلطوي أو «الأناركي»، فتمثله اليوم حركة «أنتيفا»، التي هاجمها ترمب وإدارته، قائلاً إنه سيصنِّفها منظمة إرهابية بعد الاحتجاجات التي أعقبت وفاة الرجل الأسود جورج فلويد. ومصطلح «أنتيفا» هذا اختصار لعبارة «مناهضة الفاشية». وكانت بدأت بتنظيم كوادرها ضد «النازيين الجدد» في الولايات المتحدة أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن الماضي، وخاصة في منطقة الغرب الأوسط. وبعدما تراجعت منذ بداية العقد الأول من القرن الحالي، ظهرت مجدداً بعد انتخاب ترمب عام 2017.

وتقوم استراتيجية «أنتيفا» على رفض اللجوء إلى الشرطة أو الدولة لوقف زحف فكرة تفوُّق البيض. وبدلاً من ذلك يدعو أعضاؤها ومناصروها إلى المعارضة الشعبية للفاشية والحركات العنصرية والنازية، على الرغم من أن الفاشية في العموم، تنتمي فكرياً إلى الحركات اللاسلطوية أو «الأناركية». كذلك مع أن خطاب «أنتيفا» الرسمي يشدّد على مناهضة العنف، يقول أعضاء في الحركة إن العنف والأسلحة ضروريان للدفاع عن النفس.

 

الحمار... شعار «الحزب الديمقراطي» الأميركي

«الحزب الديمقراطي» الأميركي... في المعايير اليسارية

> مع أن كثيرين يصنّفون الحزب الديمقراطي الأميركي بأنه حزب يساري، فإن هذا التصنيف مبسط جداً، لأن تركيبة الحزب بالغة التعقيد. فكثيرون من أعضاء الحزب يمكن تصنيفهم كيمينيين، ومنهم من يتبنى موقفاً وسطاً بين اليسار واليمين. وهذا الواقع برز في الانتخابات الديمقراطية التمهيدية الترشيحية للرئاسة عام 2016، ثم عام 2020، حين فازت هيلاري كلينتون، ثم جو بايدن بالترشيح على حساب ممثل اليسار السيناتور بيرني ساندرز، الذي عد فشله مرتين فشلاً لتيار الاشتراكيين الديمقراطيين. وأيضاً، فإن سياسات الحزب الخارجية تتشابه في حالات عديدة مع سياسات الحزب الجمهوري، وهو ما نراه اليوم في موقف إدارة بايدن من الحرب الإسرائيلية على غزة. وفق مركز «بيو»، حصل بايدن في الانتخابات العامة ضد ترمب عام 2020 على الغالبية العظمى من أصوات المجموعات الأربع ذات التوجه الديمقراطي. إذ صوّت له 92 في المائة من «الليبراليين المؤسسيين»، و94 في المائة من «اليسار الخارجي»، و98 في المائة من «الديمقراطيين الأساسيين»، و«اليسار التقدمي». من جهة أخرى، في حين يفضّل الليبراليون العيش في المدن، يفضّل المحافظون المناطق الريفية، والبلدات الصغيرة. ومع التغيير الذي طرأ على بنية الاقتصاد الأميركي، وتراجع دور التصنيع التقليدي لمصلحة التقنيات الحديثة، والصناعات الجديدة، دُفعت القاعدة العمالية التي تعيش في ضواحي المدن نحو الجمهوريين. كذلك، يميل الليبراليون أكثر من المحافظين إلى القول بأن التنوع العرقي والإثني مهمّ في المجتمع. ورغم ذلك، يقول 49 في المائة من الأميركيين إنهم لن يكونوا سعداء إذا تزوّج أحد أفراد الأسرة من شخص لا يؤمن بالله.


مقالات ذات صلة

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعقيلته في أثناء مشاركتهما باحتفال في ذكرى 11 سبتمبر (أ.ب)

تحليل إخباري فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع

فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع ويسلط الأضواء على انتخابات 2026 النصفية.

إيلي يوسف (واشنطن)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.