«قتلة قمر الأزهار»... هل صوّر حقاً معاناة السكان الأصليين في أميركا؟

لم يفز بـ«أوسكار» ولم ينل رضا كل سكان أميركا الأصليين

«قتلة قمر الأزهار»... هل صوّر حقاً معاناة السكان الأصليين في أميركا؟
TT

«قتلة قمر الأزهار»... هل صوّر حقاً معاناة السكان الأصليين في أميركا؟

«قتلة قمر الأزهار»... هل صوّر حقاً معاناة السكان الأصليين في أميركا؟

شاهدت فيلم مارتن سكورسيزي «قتلة قمر الأزهار» في مسرحٍ لم يكن فيه أحد غيري. كنت المشاهد الوحيد فكأنما العرض كان خاصاً لي، لا يشاركني في مشاهدته أحد. وخرجت بعد نهايته وحدي ولم أكن وحدي. كنت واحداً من الذين خرجوا من المسارح السينمائية على امتداد العالم، بعد 206 دقائق من الإمتاع والإدهاش والإثارة. وأظن أنني لم أكن المشاهد الوحيد الذي تَوَلّدَ في داخله شعوٌر بعدم الارتياح من الفيلم وله؛ شعور لوّث المتعة والدهشة قليلاً.

ذهبت إلى السينما بقليل من معرفةٍ ومعلوماتٍ عن بعض «الأحداث» المحاور في قصة الفيلم؛ معرفة استقيتها من بعض تاريخ وأدب وكتابات عدد من سكان أميركا الأصليين، ومن كتاب ديفيد غران «قتلة قمر الأزهار»، وكانت تحوم في ذهني أسئلة تتعلق بالـ«كيف»، بالخطاب السردي/ بكيفية تسريد سكورسيزي للتآمرات والجرائم والفظائع التي تعرضت لها قبيلة أوسيج في أوكلاهوما في عشرينات القرن الماضي. هذا ما كان يهمني أكثر من الأحداث. لم أتساءل عمّن سيكون في المركز، ومن في الهامش. كان ذلك محدداً ومعروفاً منذ إعلان مشاركة روبرت دي نيرو، وليوناردو دي كابريو في الفيلم. يبدو أنه لا يمكن تصور فيلم هوليوودي بدون نجم أو نجوم، ولا يمكن تصورُ وجود نجوم في الهامش، يعيشون في أطراف العوالم الخيالية في أفلامها.

في بداية الأمر، فكرت في الكتابة عن الفيلم، عن تجربة مشاهدته وانطباعاتي وما يمكن اعتباره رأيي النقدي فيه، ثم قررت إرجاء ذلك إلى ما بعد المتابعة عن بُعْد لِمَا يُحْدِثُه من ترددات وأصداء، وما يثيره من تفاعلات وآراء في مجتمعات السكان الأصليين. أعتقد أن فترة ما بعد هدوء الضجة الإعلامية حول «الأوسكار»، وتَبَيُّنِ من فاز ومن لم يفز، وسقوط فيلم سكورسيزي من قائمة الأفلام الفائزة بجوائز «الأوسكار»، هي الوقت المناسب للكتابة المؤجلة. ولكن الفكرة تغيرت من مقاربة نقدية للفيلم، إلى كتابة تنقل وتعرض انطباعات وآراء مواطنين أصليين.

شكلت التصريحات وردود الأفعال في المجتمعات الأصلية تجاه الفيلم طيفاً من المواقف والآراء المتباينة، يمكن إجمالها في ثلاثة أنواع: تصريحات عن تجربة مشاهدة الفيلم، وأخرى بالإعجاب والإشادة بالفيلم والمخرج، وأخرى انتقادية. سأكتفي بالكتابة عن النوعين الثاني والثالث.

إشادة وتقدير

«قتلة قمر الأزهار» يُقدم الحقيقة عاريةً بتصويره الفظائع والمظالم التي ارتُكبت بحق أمة أوسيج، يقول جيفري ستاندنغ بير، رئيس أمة أوسيج، في تصريح يعود إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إن الفيلم قصة أمة أوسيج عن الثقة والخيانة كما أخرجه مارتن سكورسيزي. ويضيف ستاندنغ بير أن المرء يحتاج إلى معرفة أنها قصة حقيقية عن موت العديد من الأوسيج وتغير أشجار عائلات إلى الأبد، بالإضافة إلى تعريته الحقيقة. ويرى رئيس أمة أوسيج أن «قتلة قمر الأزهار» يشكل تحدياً للتاريخ حتى لا يتكرر.

وتحدثت جيانا سيكي، أميرة أمة أوسيج من 2021 - 2023، عن صعوبة التاريخ الذي يصوره «قتلة قمر الأزهار»، فهو يروي تاريخهم المظلم، كما تقول، بالإضافة إلى تضمنه أشياء وحقائق أخرى مجهولة لا يعرفها ولا يتكلم عنها أحد. و«أميرة أوسيج» لقب ممثلة أمة أوسيج في المعرض الهندي الأمريكي الذي يقام في أغسطس (آب) من كل عام في أناداركو في أوكلاهوما، ويستمر لمدة أسبوع. وتقول سيكي إنه بسبب تمثيله لأحداث لا تَرِدُ في أحاديث الناس، أو نادراً ما ترد، كان للفيلم تأثير عظيم حقاً.

مآخذ وانتقادات

كتابة جزء في المقالة لعرض انتقادات للفيلم من فنانين ونقاد وأكاديميين من السكان الأصليين، لا تعني بالضرورة أن تلك الانتقادات وردت منفصلةً دائماً في أحاديث وتصريحات ومقالات خالية من التقدير لسكورسيزي والإشادة بفيلمه. ولكنها (الانتقادات) كانت الملمح الغالب في السياقات التي وردت فيها. نقطة أخرى يتعين توضيحها، أيضاً، هي أنني أركز على عرض الانتقادات ووجهات النظر دون الإشارة إلى أصحابها، أي لا أذكر الأسماء والمصادر لكثرتها ولتعددها، وأكتفي بعرض الآراء المتكررة، التي شكلت نقاط تقاطع والتقاء لوجهات النظر بين نقاد الفيلم. أستثني منهم لِصِلَتِه المباشرة بالفيلم كونه ممن اشتغلوا عليه، كريستوفر كوت، مستشار لغة أوسيج لـ«قتلة قمر الأزهار».

في حديثة لـ«هوليوود ريبورتر» في 19 أكتوبر 2023، يشيد كوت بسكورسيزي لقيامه بعمل رائع في تصويره للاستغلال والجرائم اللذين تعرض لهما الأوسيج على يد الأميركان البيض. لكن الفيلم، حسب كوت، يقدم تاريخاً مروياً تقريباً من وجهة نظر إرنست بوركهات (ليوناردو دي كابريو)، الذي اجتمع فيه «الحب» لمولي مع المؤامرة، على نحو غير معقول ويصعب تصديقه، لأنه عندما يتآمر شخص على قتل عائلتك فإن ذلك ليس حباً، حسب كوت. ويذكر أنه كان يتمنى لو كان الفيلم يروي القصة من وجهة نظر مولي، ثم يستدرك قائلاً لكن هذا يتطلب مُخْرِجاً من أمة أوسيج. تبدو الممثلة ليلي غلادستون (مولي بوركهارت) وكأنها تَرُدُّ على كوت بقولها: «لا أحد سوف يُسَلِّم 200 مليون دولار لصانع أفلام من أوسيج» في حوار لمجلة «بريتيش فوغ».

غياب السياق التاريخي

وأشاد آخرون بالفيلم لإسقاطه الضوء على فترة حرجة من تاريخ أمة أوسيج بمشاركة ممثلين من السكان الأصليين، وفي الوقت ذاته، انتقدوا غياب السياق التاريخي فيه. فعلى الرغم من تصويره جرائم قتل حقيقية ووحشية بهدف رفع الوعي بالاضطهاد والعنف اللذين طالا المجتمعات «الهندية» الأميركية، فإنه يخلو من أي رسالة أو إشارة تلفت الانتباه إلى أن العنف الذي استهدف أمة أوسيج لم يكن بسبب الجشع الفردي فحسب، بل كان نتيجة الحط والاحتقار الممنهجين لقيمة حياة السكان الأصليين الذين يعيشون تحت نير الاستعمار. لم يكن عنف المستعمر الاستيطاني، بكل أنواعه وتجلياته، يستهدف أسرة واحدة أو قبيلة واحدة، بل طال مئات القبائل على امتداد القارة الأميركية، كما أن قصته لم تبدأ ولم تنته في العشرينات من القرن العشرين.

وامتداداً لفكرة إغفال السياق التاريخي للأحداث، أشار آخرون إلى أنه لا يولي اهتماماً كبيراً بتأسيس سياق الظروف التي لعبت دوراً في حدوث جرائم القتل؛ فسياسة الحكومة الفيدرالية للتخصيص وتكريس البيروقراطية جعلا الموارد الطبيعية المحلية متاحة لغير الأوسيج، وغير السكان الأصليين. ولا يتضمن، أيضاً، أي توضيح لكيفية اختيار وتعيين أوصياء من البيض على الأوسيج، وكيف استطاع أولئك الأوصياء سرقة ملايين الدولارات منهم. لقد أشرع قانون التخصيص 1906 الباب لدخول البيض إلى الأرض التي لم تعد محمية، وفي ظله دُشِّن نظام الأوصياء، فكان منهم المستغلون والسارقون والقتلة. ثمة اعتراف بأن «قتلة قمر الأزهار» يصورُ الأوصياء قتلةً، بيد أنه يخلو من أي تفسير لكيفية نشوء الظاهرة ودور الكونغرس فيها بتمريره قانون التخصيص. ويرى هؤلاء النقاد أن الفيلم غير دقيق في تصويره للتاريخ والنظام الذي أدى إلى حدوث الكارثة.

لم يكن عنف المستعمر الاستيطاني يستهدف قبيلةً واحدةً، بل طال مئات القبائل على امتداد القارة الأميركية

التنميط وبناء الشخصيات

بناء الشخصيات الأوسيجية أحد العناصر التي لفتت انتباه بعض نقاد الفيلم. تصف ناقدة وكاتبة مسرحية من أمة شيروكي أداء الممثلين بأنه مذهل للغاية؛ لكن تنتقد السيناريو لأنه لم يعطِ مولي بوركهارت المزيد من الفاعلية والعمق ومنحنى الشخصية «character arc»؛ فشخصيتها لم تتطور بشكل كامل مثل نظرائها. وعلق آخرون بأنه على الرغم من نجاح سكورسيزي في النأي عن الصورة النمطية أو ما يعرف بـ«هندي هوليوود»، فإنه لم يذهب بعيداً جداً، فشخصية مولي والشخصيات الأوسيجية الأخرى نمطية مقارنةً بالشخصيات البيضاء. وعبرت ناقدة من «أمة غيتسان» عن خيبة توقعاتها بأن يصور الفيلم أمة أوسيج كشعب لم يسقط بدون قتال، يدافعون عن أنفسهم، ولا ينتظرون منقذاً أبيض ليدافع عنهم.

و«قمر الأزهار/ the flower moon» الاسم الذي يطلقه شعب أوسيج وشعوب أصلية أخرى، في الولايات المتحدة وكندا، على «البدر» في شهر مايو (أيار) فقط وليس في كل الشهور، فلكل بدر من كل شهر اسمه الخاص. لذا من الممكن تسمية الفيلم «قتلة بدر الأزهار»، ويسمى مايو «قمر الأزهار» أيضاً. ففي 24 مايو 1921، بدأت مولي بوركهارت، من سكان بلدة مستوطنة أوسيج «غري هورس»، أوكلاهوما، تتوجس خيفة من حدوث شيء ما لإحدى شقيقاتها الثلاث (آنا براون). وأُفَضِّلُ «قتلة قمر الأزهار»، لدلالاته الثقافية، ترجمةً لعنوان الفيلم بدلاً من «قتلة زهرة القمر».

ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».