البرلمان الفرنسي يطالب بإحياء ذكرى اغتيال عشرات الجزائريين قبل 63 عاماً بباريس

تعرّض خلالها 30 ألف جزائري جاؤوا للتظاهر سلمياً في باريس لقمع عنيف

من إحدى جلسات البرلمان الفرنسي (أ.ف.ب)
من إحدى جلسات البرلمان الفرنسي (أ.ف.ب)
TT

البرلمان الفرنسي يطالب بإحياء ذكرى اغتيال عشرات الجزائريين قبل 63 عاماً بباريس

من إحدى جلسات البرلمان الفرنسي (أ.ف.ب)
من إحدى جلسات البرلمان الفرنسي (أ.ف.ب)

قبل 63 عاماً،، تعرّض 30 ألف جزائري جاؤوا للتظاهر سلمياً في باريس لقمع عنيف، فسقط ثلاثة قتلى ونحو 60 جريحاً وفق الحصيلة الرسمية، لكن مؤرخين يقدّرون عدد القتلى بـ«العشرات على الأقل» جراء عنف الشرطة. ومن المقرر أن يُناقش البرلمان الفرنسي، مساء اليوم الأربعاء، أو غداً الخميس، مشروع قرار يدعمه حزب الرئيس إيمانويل ماكرون، يطالب فيه الحكومة بتخصيص يوم لإحياء ذكرى هذه المجزرة.

اعتقال عدد من الجزائريين في منطقة بيتو غرب باريس خلال احتجاجات 17 من أكتوبر 1967 (أ.ف.ب)

في 17 من أكتوبر (تشرين الأول) 1967، وقبل ستة أشهر على تكريس اتفاقات (إيفيان) استقلال الجزائر عن فرنسا، توافد «مسلمو فرنسا الجزائريون» كما كان يُطلق عليهم آنذاك، من أحياء فقيرة في الضواحي وأحياء شعبية في باريس حيث كانوا يعيشون. وبدعوة من فرع «جبهة التحرير الوطني» في فرنسا، وهي حزب سياسي جزائري، تحدوا الحظر الذي فرضه مدير الشرطة موريس بابون، الذي أُدين لاحقاً في عام 1998 بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، لدوره في ترحيل اليهود بين العامين 1942 و1944.

عدد من الجزائريين بعد اعتقالهم من طرف عناصر الشرطة (أ.ف.ب)

وواجه هؤلاء المتظاهرون القمع الأكثر حصداً للأرواح في أوروبا الغربية منذ عام 1945، وفقاً للمؤرخ إيمانويل بلانشار. واقتادت الشرطة في ذلك اليوم نحو 12 ألف متظاهر. وانتُشلت جثث مصابة برصاصات عدة، أو تحمل آثار ضرب من نهر السين في الأيام التالية. في عام 1988، قدر مستشار في مكتب رئيس الوزراء خلال حرب الجزائر أن «اعتداءات» الشرطة تسبّبت بمقتل نحو مائة شخص، في حين أحصى تقرير للحكومة في عام 1998 مقتل 48 شخصاً.

في 17 من أكتوبر 1967 توافد «مسلمو فرنسا الجزائريون» على أحياء شعبية في باريس للتظاهر (أ.ف.ب)

وفي أرشيف رُفعت عنه السرية، ونشره موقع «ميديابارت» الفرنسي في عام 2022، تفيد مذكرة من مسؤول رفيع المستوى، كان يعمل مستشاراً لدى شارل ديغول، مؤرخة في 28 من أكتوبر 1961، رئيس الدولة بوقوع «54 قتيلاً». لكن يظل من الصعب تحديد العدد بدقة؛ إذ تراوحت الحصيلة التي قدمها مؤرخون على مر السنوات بين نحو 30 قتيلاً وأكثر من 200 قتيل. واتفق هؤلاء على أن العدد «لا يقل عن عشرات القتلى» سقطوا على أيدي عناصر الشرطة في 17 من أكتوبر، وفقاً لبلانشار.

حملة اعتقالات مخطط لها

في عام 1961، كانت الحرب الجزائرية مستمرة منذ سبع سنوات، وفُرض حظر تجول في باريس منذ 5 من أكتوبر على «مسلمي فرنسا الجزائريين»، الذين كانوا يعانون منذ أشهر من مداهمات الشرطة ورقابتها، ومن عنف جسدي قاتل تمارسه فرق غير نظامية موالية للجزائر الفرنسية. وفي 17 من أكتوبر، أراد المتظاهرون الاحتجاج على نطاق واسع ضد حظر التجول هذا، وإظهار تضامنهم بأعداد كبيرة مع الجزائريين الذين يقاتلون في بلادهم من أجل الاستقلال. وبين سبتمبر (أيلول) ومطلع أكتوبر قُتل عناصر من الشرطة، «خمسة على الأقل»، بحسب بلانشار، في هجمات متفرقة نُسبت إلى «جبهة التحرير الوطني» في منطقة باريس.

مجموعة من الجزائريين الذين تم اعتقالهم في 17 من أكتوبر عام 1961 وتعرضوا لعنف شديد (أ.ف.ب)

ورأى رئيس الوزراء ميشال ديبري، آنذاك، أن حظر التجول مساء يمنع «جبهة التحرير الوطني» من جمع الأموال المخصصة لقتالها. ومنذ صباح يوم 17، سيطرت إدارة الشرطة على مركز معارض واسع شمال باريس، ما دل على أنها كانت «تستعد لحملة اعتقالات واسعة»، وفقاً لبلانشار. وفي غضون ساعات قليلة، اقتيد آلاف الجزائريين بعنف، وتم تكديسهم في سيارات للشرطة أو حافلات، وجُمّعوا في أماكن عدة في باريس أو في ضواح قريبة للتحقّق من هوياتهم. ووصف جاك سيمونيه، الذي كان طالباً آنذاك، أمام المحكمة في عام 1999 ما رآه قائلاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أُخرج الجزائريون من الحافلات بتوجيه اللكمات لهم، وكانوا يقعون أرضاً، وهناك مروا بين صف من عناصر الشرطة الذين استقبلوهم بالركلات، واللكمات والعصي والأحذية». ولم ينقل غالبية المصابين إلى المستشفيات. وبمجرد التحقق من هوياتهم، تم طرد بعضهم إلى الجزائر، واحتجاز آخرين في معسكرات، وأُرسل آخرون إلى منازلهم.

«قمع استعماري»

يتذكر بلانشار أنه منذ بدء وصول أول المتظاهرين إلى جسر نويي غرب باريس، أطلقت قوات الأمن الرصاص القاتل على حشد هادئ، ضم عائلات. وازداد عنف عناصر الشرطة مع سماعهم رسائل إذاعية كاذبة نشرتها الشرطة تعلن زوراً مقتل عناصر من الشرطة بالرصاص. كما حصلت عمليات إطلاق نار في أماكن عدة في العاصمة. وفي هذا السياق قال متحف «تاريخ الهجرة» على موقعه على الإنترنت: «مات الكثير من الضحايا تحت ضربات أدوات (هراوات) حملها العناصر، وأُلقي عشرات آخرون في نهر السين، ولقي الكثير حتفهم اختناقاً بعد إلقائهم على الأرض، وتغطيتهم بأكوام من الجثث»، موضحاً أن عنف القمع «يحاكي أساليب القمع الاستعماري السائدة في الإمبراطورية». لكن لم يُعترف بهذه الانتهاكات قبل عام 2012، عندما أحيا رئيس فرنسي للمرة الأولى، وهو الاشتراكي فرنسوا هولاند، «ذكرى ضحايا القمع الدامي»، الذي تعرّض له هؤلاء بينما كانوا يتظاهرون من أجل «الحق في الاستقلال». وفي عام 2021، تحدث إيمانويل ماكرون عن «جرائم لا تُغتفر» ارتكبت «تحت سلطة موريس بابون».


مقالات ذات صلة

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أوروبا شعارات منصات تواصل اجتماعي (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أصدر المجلس الدستوري في فرنسا، الجمعة، قراراً بمنع مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً، قائلاً إنه ينتهك حرية التعبير.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أعضاء البرلمان الفرنسي يشاركون بجلسة التصويت على مشروع قانون الموت الرحيم في الجمعية الوطنية وهي المجلس الأدنى للبرلمان الفرنسي... باريس 15 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«الجمعية الوطنية» الفرنسية توافق على مشروع قانون الموت الرحيم

أعطت «الجمعية الوطنية» الفرنسية موافقتها النهائية، الأربعاء، على مشروع قانون يسمح للبالغين المصابين بأمراض مستعصية بتلقي أدوية مميتة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

تعزز مصر والصين تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة. ووفق إفادة لوزارة الدفاع الصينية، فإن «القوات الجوية الصينية والمصرية ستجري تدريبات مشتركة بعنوان (نسور الحضارة 2026) في مصر، خلال الفترة من منتصف أغسطس (آب) الحالي إلى أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل».

وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو (أيار) 1956، حين بادرت مصر لتكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، فاتحة بذلك صفحة جديدة في تاريخ التعاون الدولي بين دول العالم النامي.

وقال متحدث وزارة الدفاع الصينية تشن شي، إن «التدريبات الصينية - المصرية ستركز على موضوعات مثل تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، وتدريبات على استخدام القوات».

وأكد خلال تصريحات، الجمعة، أن هذه التدريبات المشتركة، التي تُعد النسخة الثانية من نوعها، «ستعزز الثقة المتبادلة والصداقة التاريخية، وتعمق التعاون الجوهري بين الجيشين الصيني والمصري، وتسهم في تحقيق السلام والاستقرار الإقليميين».

وأجرت مصر والصين في أبريل (نيسان) 2025، أول تدريبات جوية مشتركة تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، على مدار أيام بإحدى القواعد الجوية المصرية، وبمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة المتعددة المهام من مختلف الطرازات.

جانب من تدريب «نسور الحضارة 2025» في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات بمصر)

وبحسب إفادة لـ«الهيئة العامة للاستعلامات» بمصر، حينها تم «تنفيذ عدد من المحاضرات النظرية لتوحيد المفاهيم وصقل المهارات والتنسيق على إدارة العمليات المشتركة بمختلف أساليب القتال الجوي الحديث». كما «قامت المقاتلات المتعددة المهام من الجانبين بتنفيذ العديد من الطلعات الجوية المشتركة للتدريب على مهاجمة الأهداف المعادية والدفاع عن الأهداف الحيوية بكفاءة واقتدار».

وشمل التدريب المصري - الصيني وقتها الذي اختتم في مايو 2025 «التزود بالوقود في الجو، كما نفذت مجموعة من المقاتلات المشاركة بالتدريب تشكيلاً جوياً فوق (الأهرامات) أبرز الدقة والكفاءة اللتين يتمتع بهما الطيارون من كلا الجانبين».

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

وشهد الرئيسان حينها مراسم التوقيع على عدد من اتفاقيات ومذكرات التعاون المشترك في كثير من المجالات، ومن بينها خطة «التطوير المشترك لمبادرة (الحزام والطريق)»، وتعزيز التعاون في مجال الابتكار التكنولوجي وتكنولوجيا الاتصالات.

كما شهدت العاصمة الصينية بكين نهاية 2024 عقد الجولة الرابعة من «آلية الحوار الاستراتيجي بين مصر والصين» على مستوى وزراء الخارجية.


رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

«مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)
TT

رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

«مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)

لم يعد وجود المقاتلين السوريين في ليبيا يقتصر على تداعيات الصراع العسكري، الذي استُقدموا خلاله في «حرب العاصمة طرابلس» قبل 7 سنوات، بل تحول إلى عبء أمني ومالي متزايد، بعدما أعاد احتجاجهم الأخير ملف «المرتزقة» إلى الواجهة، وفق سياسيين واقتصاديين، وسط تساؤلات عن استمرار تمويلهم ومصيرهم.

وفي بلد يعيش تحت وطأة أزمات سياسية واقتصادية متفاقمة، أثارت مظاهرة محدودة في العاصمة، الجمعة، حالة من الاستياء، بعدما تجمع عشرات المقاتلين أمام مقر كلية ضباط الشرطة في منطقة صلاح الدين جنوب طرابلس، وفق وسائل إعلام وشهود عيان.

عدد من «المرتزقة» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)

وما لبث المحتجون أن انفضوا طوعاً بعد وقت قصير، من دون صدور تعليق رسمي من حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، أو المؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة لها، لتبقى هذه الواقعة محاطة بالغموض، خصوصاً ما يتعلق بمطالبهم المالية، ومصير وجودهم في البلاد.

واعتبر عضو «لجنة الأمن القومي» في البرلمان الليبي، علي التكبالي، أن هذا الاحتجاج «أحد أعراض مشكلة متفاقمة لليبيين منذ 2011»، مشيراً إلى أن بعض هؤلاء المقاتلين ارتبط بمجموعات كانت تنقل مقاتلين ليبيين إلى سوريا للقتال ضد نظام بشار الأسد، قبل أن ينخرط بعضهم لاحقاً في الصراعات داخل ليبيا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن أعداد هؤلاء المقاتلين زادت بعد حرب طرابلس عام 2019، وحصلوا على أموال بالعملة الصعبة مقابل القتال، ولا يزال هذا الوضع قائماً، محذراً من «خروجهم إلى الشوارع للمطالبة بمستحقاتهم».

وتأتي تظاهرة المرتزقة في طرابلس بعد 5 أعوام من احتجاج مماثل في أغسطس (آب) 2021، عندما تظاهر عشرات المقاتلين السوريين بسبب تأخر رواتبهم وتقليصها، وسط حديث آنذاك عن توقف صرفها منذ فبراير (شباط) من العام نفسه.

وبدأ استقدام مقاتلين سوريين إلى ليبيا عام 2019 بدعم تركي لحكومة «الوفاق الوطني» السابقة، خلال هجوم قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس، وانضم مقاتلون من فصائل سورية معارضة، بينها «فرقة السلطان مراد»، إلى القتال.

ومع توقف معارك حرب العاصمة طرابلس في 2020، لم يغادر جميع هؤلاء البلاد، وسط تقديرات حقوقية بأن أعدادهم وصلت إلى 3 آلاف مقاتل. وأفاد أحدث تقرير لخبراء الأمم المتحدة، صدر في وقت سابق هذا العام، باستمرار وجود مقاتلين سوريين في مواقع عدة بطرابلس، بينها صلاح الدين وأبو سليم، وقاعدة اليرموك العسكرية، إضافة إلى وجودهم في مصراتة.

ووثق تقرير حديث لفريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، إلى مشاركة مقاتلين سوريين في المواجهات التي شهدتها طرابلس في مايو (أيار) 2025، ما يعكس استمرار حضورهم بعد سنوات من انتهاء الحرب التي استُقدموا للمشاركة فيها.

ويقول التكبالي إن ليبيا «تواجه مشكلة صنعها ليبيون، وأصبحت فاتورة مثقلة وعبئاً على البلاد»، مضيفاً أن «الذين بيدهم الأموال والسلاح في غرب البلاد يتصرفون في رزق الشعب»، محذراً من أن الأزمة «تتفاقم كل يوم»، وأن ليبيا تمضي «نحو السقوط الذريع»، بحسب تعبيره.

ولا توجد أرقام رسمية معلنة بشأن رواتب المقاتلين السوريين الموجودين في ليبيا، أو أوجه الصرف عليهم من الميزانية الليبية. لكن تحدثت تقارير محلية في مراحل سابقة عن تقاضي المقاتل نحو 2000 دولار شهرياً، وهو ما يقابل بالصمت من جانب السلطات في طرابلس.

عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي خلال احتفالية بالذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)

الخبير الاقتصادي الليبي، يوسف يخلف مسعود، يرى أن دفع رواتب للمرتزقة يمثل «عبثاً بمقدرات البلد»، لأنها، بحسب رأيه، نفقات جارية «من دون أي قيمة مضافة للاقتصاد الليبي»، فضلاً عن استنزاف موارد البلاد من العملات الأجنبية.

وقال مسعود لـ«الشرق الأوسط» إن حجم العملات الأجنبية التي تنفق على المجموعات المسلحة الأجنبية «يكتنفه الغموض وانعدام الشفافية»، موضحاً أنه لا توجد بيانات واضحة بشأن إجمالي المرتبات، أو أسس تحديدها، أو المصروفات المرتبطة ببقائها.

وأضاف مسعود أن هذه المصروفات تشمل الإعاشة والملابس والوقود، والسيارات وصيانتها والأسلحة والذخائر والرعاية الصحية والتأمين، مؤكداً أن «كل هذا يستنزف موارد البلد في الظل»، في وقت يعاني فيه الليبيون من التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.

وبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغ إجمالي الإنفاق على وزارة الدفاع والجهات التابعة لها خلال سنة 2025 نحو 4.8 مليار دينار ليبي. وشكلت الرواتب نحو 4.31 مليار دينار، مقابل نحو 129.1 مليون دينار للنفقات التسييرية، ونحو 362.2 مليون دينار للتنمية.

بلغ إجمالي الإنفاق على وزارة الدفاع والجهات التابعة لها خلال سنة 2025 نحو 4.8 مليار دينار ليبي (أ.ف.ب)

ويرى مسعود أن حصول هؤلاء المرتزقة على دخل بالعملة الصعبة، في ظل تراجع قيمة الدينار، يضع هؤلاء في مستوى معيشي أفضل من كثير من الليبيين، الذين يواجهون التضخم وتآكل مدخراتهم، وتراجع القوة الشرائية، معتبراً أن المقاتلين «يمارسون دور ابتزاز للدولة» رغم تقاضي أفرادهم مرتبات بالدولار.

وينتهي الخبير الاقتصادي الليبي إلى أن ظهور هذه المجموعات المسلحة في مظاهرات علنية «أمام الليبيين والعالم» يمثل «إدانة لصناع القرار المحليين»، داعياً إلى محاسبة هؤلاء المقاتلين قضائياً.


البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)

أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته رسمياً على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لإطلاق حوار سوداني خالص داخل البلاد، يستوعب جميع القوى السياسية والمدنية، متعهداً، في الوقت نفسه، بمواصلة القتال حتى دحر تمرد «قوات الدعم السريع» من جميع أنحاء البلاد.

وقال البرهان، في كلمة ألقاها مساء الجمعة بمناسبة مرور 72 عاماً على سودنة الجيش: «في ظل هذا الواقع السياسي المأزوم، بادرت مجموعة من السودانيين بطرح رؤيتها للعمل بوصفها آلية وطنية مستقلة تهيئ لحوار سوداني شامل، بهدف الوصول إلى توافق وطني جامع يضع البلاد على طريق الاستقرار». وأضاف أنه وافق على طلبهم توفير الضمانات الضرورية لانعقاد الحوار، وتيسير مشاركة أطرافه، وحماية سلامتهم.

وأكد البرهان استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة، من دون أن تكون هي الجهة المنظمة للحوار. وأشار إلى أن توفير هذه الضمانات لا يعني أن الدولة تهيمن على الحوار، أو تحدد أطرافه، أو ترسم أجندته، أو تتحكم في مخرجاته، أو توفر له رعاية سياسية.

وأوضح البرهان أن «الإجراء الذي تتخذه الدولة في مواجهة أي من المشاركين في الحوار لا يُعدّ عفواً، وإنما يعني وقف الإجراءات الجنائية التي سبق أن اتخذتها الدولة في مواجهته».

وفي هذا الصدد، قال البرهان إن هذه الإجراءات تمثّل «حصانة مؤقتة» تقتضيها ضرورة تهيئة الظروف الملائمة لضمان مشاركة الأطراف من دون ملاحقة قانونية، لكنها لا تسقط الحق الخاص المترتب على أي من المشاركين في الحوار. لكنه أكد أيضاً منح حصانة قانونية كاملة ودائمة للآراء والمواقف التي يطرحها المشاركون خلال الحوار، بما يحول دون اتخاذ أي إجراءات جنائية أو مدنية أو إدارية ضد أي مشارك، بموجب أي قانون، بسبب ما يطرحه من آراء ومواقف داخل جلسات الحوار.

البرهان والعطا والكباشي وجابر خلال احتفالات «عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)

وقال رئيس مجلس السيادة إن نجاح الحوار الوطني يقتضي تهيئة مناخ من الحريات، يتيح للمواطنين والقوى السياسية والمجتمعية التعبير بحرية تامة عن آرائهم ومواقفهم إزاء القضايا المطروحة للنقاش، ونقدها أو تأييدها، من دون خوف أو تضييق. وشدد البرهان على عدم القبول بسلام منقوص يعيد «قوات الدعم السريع» ومسانديها إلى السلطة، أو يسمح لهم بالمشاركة فيها. وقال إن الطريق إلى السلام يبدأ بإلقاء هذه القوات السلاح، وتجميع عناصرها في مناطق محددة، على أن يُنظر، بعد ذلك، في أوضاع المقاتلين الذين لم يرتكبوا جرائم.

وجدّد البرهان تأكيده أن الجيش سيظل يؤدي واجبه الدستوري في حماية الأمة السودانية، من دون موالاة أي جهة أو الخضوع لأي إرادة سوى إرادة الشعب. وأشار، خلال كلمته، إلى أنه بدأ إجراء مشاورات مع القوى الوطنية والفئوية التي ساندت الجيش في الحرب الدائرة حالياً في البلاد، بهدف إشراكها في مؤسسات الحكم.

الكتلة الديمقراطية ترحب

وفي السياق نفسه، رحّب المتحدث الرسمي باسم «الكتلة الديمقراطية»، محمد زكريا، بدعم رئيس مجلس السيادة لإطلاق حوار سوداني شامل وتهيئة المناخ الملائم لانعقاده، لافتاً إلى أن ذلك يمثّل خطوة مهمة لمعالجة الأزمة عبر مسار سياسي وطني.

وقال زكريا، في بيان صحافي السبت: «ندعو جميع القوى السياسية والمدنية إلى الانخراط الجاد في الحوار الوطني، على أن تكون إدارة العملية سودانية خالصة، وأن يقتصر الدور الدولي والإقليمي على التيسير والدعم، من دون التدخل في تحديد المشاركين أو فرض أجندة أو مخرجات على الحوار». وأضاف أن نجاح الحوار يتطلّب إرادة سياسية حقيقية، إلى جانب توسيع قاعدة المشاركة، وصولاً إلى توافق وطني يؤسس لمرحلة انتقالية مستقرة.

ويضم تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالي للجيش عدداً من الكيانات السياسية، أبرزها «الحزب الاتحادي الديمقراطي»، بقيادة جناح جعفر الميرغني، إلى جانب حركات دارفورية مسلحة، من بينها «حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» بزعامة جبريل إبراهيم، فضلاً عن قوى مدنية وسياسية أخرى.

وفي وقت سابق، تحدثت تقارير إعلامية عن أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، بصدد إجراء مشاورات مع تحالف «صمود» بشأن الترتيب لإطلاق حوار سوداني-سوداني داخل البلاد، تشارك فيه مختلف القوى السياسية، باستثناء حزب «المؤتمر الوطني» المحلول و«تحالف تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع». غير أن «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة - صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، استبق المبادرة بإعلانه رفضاً قاطعاً للمشاركة في أي حوار يُعقد تحت دوي المدافع. وشدد التحالف على أن أي عملية سياسية ينبغي أن تكون مستقلة عن هيمنة أي من طرفي الحرب، في إشارة إلى الجيش و«قوات الدعم السريع».

Your Premium trial has ended