الجمعيات الخيرية و«الفزعات» ملاذ السوريين لعلاج وصلت تكاليفه لأرقام صادمة

في أعقاب تراجع الدعم الحكومي للقطاع الصحي ومشافٍ بلا «معقمات»

الازدحام في صالة المراجعين بمبنى اتحاد الجمعيات الخيرية (حساب فيسبوك)
الازدحام في صالة المراجعين بمبنى اتحاد الجمعيات الخيرية (حساب فيسبوك)
TT

الجمعيات الخيرية و«الفزعات» ملاذ السوريين لعلاج وصلت تكاليفه لأرقام صادمة

الازدحام في صالة المراجعين بمبنى اتحاد الجمعيات الخيرية (حساب فيسبوك)
الازدحام في صالة المراجعين بمبنى اتحاد الجمعيات الخيرية (حساب فيسبوك)

طلب المساعدة والعون في مصاريف العلاج، هو القاسم المشترك الذي يجمع كل صباح حشوداً من الأشخاص في مقار الجمعيات الخيرية في مناطق سيطرة الحكومة السورية. ولكل واحد من هؤلاء قصة معاناة مريرة مع العوز في هذه الظروف، لكن أعداداً كبيرة منهم مصابة بأمراض تحتاج إلى علاج، وتسعى لضمان من يغطي التكلفة بعد أن وصلت لأرقام صادمة إضافة لتراجع الدعم الحكومي للقطاع الصحي.

بلغ عدد الجمعيات الخيرية في سوريا حتى عام 2010 أكثر من 1200 جمعية، كان اللجوء إليها يقتصر على قلة من الفقراء، لكنه تزايد بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011 مع تدهور الأوضاع المعيشية الناجم عن تضخم الأسعار.

وكانت صحيفة «قاسيون» المحلية، قد قدرت مطلع العام الحالي، متوسط تكاليف المعيشة في الشهر لأسرة من 5 أفراد، بأكثر من 12 مليون ليرة، أي ما يعادل 850 دولاراً، في حين لا يتجاوز مرتب موظف في الدرجة الأولى في الحكومة 450 ألف ليرة.

ملصق لاتحاد الجمعيات الخيرية بدمشق تظهِر أرقام المرضى والمساهمات (حساب فيسبوك)

في بداية الأزمة، لجأت الأسر التي أفقرتها الأحداث الجارية إلى الجمعيات للحصول على سلة غذائية أو مساعدة مادية، لكن أعداد قاصديها تزايدت مؤخراً بشكل كبير، رغبة في المساعدة بتأمين الدواء بعد ارتفاع أسعاره، وكذلك المساعدة في إجراء عمليات جراحية وصلت أجورها لأرقام خيالية.

في مقر «اتحاد الجمعيات الخيرية – صندوق العافية» جنوب دمشق، يفاجأ المرء بكثافة أعداد الأشخاص الذين ينتظرون في صالة الانتظار. واللافت هناك، الجانب التنظيمي الذي يسود في الصالة والممرات؛ إذ يشرف موظفون على تنظيم الدخول، ويرتاح المترددون على كراسي بأجسادهم المنهكة، خلال انتظار كل منهم دوره لإتمام معاملته خلف نوافذ زجاجية في الصالة، وكل أمنياته أن يصدر عنها ما يفرّج عنه، ينشغل الأغلبية في أحاديث جانبية فيما بينهم.

يروي رجل خمسيني لآخر يجلس بجانبه معاناته وألمه جراء إصابته بتضيق شرايين القلب، وكيف أنه بات في حاجة ماسة إلى تركيب شبكة قلبية. يوضح الرجل الذي يعمل في بيع الخضراوات، أن أكثر من 10 ملايين ليرة أجرة العملية لا يملك منها 100 ألف، «ونصحوني بالمجيء إلى هنا ووعدوني خيراً».

أما الشاب س.م فقج، بدت عليه علامات الارتياح أثناء تواجده في مشفى خاص بدمشق لمراجعة طبيب أجرى له عملية جراحية لعينيه. يقول لنا الشباب، لقد أجروا لي العملية بضمانة مالية من جمعية خيرية، استعدت نظري ولم أتكلف سوى مبلغ بسيط.

وسط ازدحام كثيف في صالة الانتظار، تقول موظفة إدارية لنا، يخال للمرء أن كلهم من طبقة الأثرياء كونهم في مشفى خاص، ولكن أغلبيتهم محالون من الجمعيات.

دعم منظمات دولية

ووفق مصدر إداري في جمعية خيرية، فإن طالبي المساعدة الطبية يتزايدون يومياً، موضحاً أن بعضهم في حاجة إلى إجراء عمليات بسيطة وآخرين لعمليات تكلفتها مرتفعة، وبعضهم الآخر للمعاينة التي وصلت تكلفتها إلى 100 ألف ليرة عند بعض الأطباء.

المصدر يذكر أن الجمعية تقدم المساعدة «لمن يستحق وحسب الإمكانيات»، المحتاج إلى عملية بسيطة نحيله إلى مشافٍ خاصة والجمعية تدفع التكاليف، أما العمليات ذات التكاليف المرتفعة فالجمعية تساهم بنسبة منها تصل أحياناً إلى 75 في المائة.

صيدلية في مقر اتحاد الجمعيات الخيرية بدمشق (حساب فيسبوك)

يوضح المصدر، أن أعداداً كبيرة من المرضى تطلب الدواء لأنه ليس بمقدوره شراؤها و«المتوفر نزود المستحقين به»، على حين يشير صيدلاني إلى أن وصفة بسيطة أصبح ثمنها يتجاوز 100 ألف ليرة.

بدوره، يوضح ناشط في مجال المجتمع المدني، أن الجمعيات الخيرية تساهم حالياً بشكل فعال في معالجة المرضى، ويضيف لنا، هناك أيضاً منظمات دولية مثل (World Health Organization (WHO، و(PUI) Première Urgence Internationale و((IOM International Organization for Migration تقدم مساعدات طبية وهي متعاقدة مع جمعيات خيرية ومشافٍ خاصة في سوريا.

ويذكر الناشط أن الجمعيات الخيرية تحيل بعض ملفات طالبي المساعدات الطبية إلى تلك المنظمات وإن اقتنعت الأخيرة بأوضاعهم، تطلب من الجمعيات إحالتهم إلى المشافي الخاصة المتعاقدة معها للعلاج على نفقتها.

اللافت أنه بعد أن كانت المشافي العامة في سوريا قبل الحرب، وجهة لأغلبية المواطنين بسبب مجانية العلاج، يعزف كثيرون حالياً عن الذهاب إليها.

يصف مواطن دمشقي تجربة عائلته مع مشفى عام بـ«المقرفة والقاسية»، ويشرح لنا شاكياً، أنه عندما أُصيبت والدته بجلطة دماغية جرى إسعافها إلى مشفى حكومي. يقول، الأدوية طلبوا منا شراءها من الخارج والتحاليل نعملها في مخابر خاصة والصور بمشفى خاص.

و يصف لنا طبيب يعمل في مشفى عام وقد فضّل عدم ذكر اسمه، واقع الخدمات في المشافي العامة، بأنه «سيئ جداً» بسبب عدم توفر أبسط مستلزمات العلاج، ويقول، تصوّر أنه لا تتوفر فيه المعقمات.

يوضح الطبيب، أن الدعم الذي تقول الحكومة إنها تقدمه للقطاع الصحي وتمنّ على المواطنين به، انتهى بشكل شبه كلي؛ لأن معظم تكاليف العلاج في المشافي العامة بات يتحملها المريض. على سبيل المثال، من يذهبون إلى مشفى عام لإجراء عملية تركيب شبكة قلبية، «يُطلب منهم قبل إجراء العملية شراء مستلزماتها بالكامل».

وكشف عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، نهاية عام 2022، أن عدد الجمعيات الفاعلة في دمشق وريفها بلغ بحسب إحصائيات عام 2021 نحو 400 جمعية، تستفيد منها نحو 150 ألف أسرة.

الوضع في مدينة حلب لناحيتي الإقبال على الجمعيات الخيرية للعلاج وتردي الوضع في المشافي العامة، مشابه لما هو عليه في دمشق «وقد يكون أسوأ»، وفق مصادر محلية قدرت عدد الجمعيات الخيرية والتنموية الفاعلة في المدينة بأكثر من 60 جمعية.

مطبخ جمعية الإحسان الخيرية بحلب (سانا)

المصادر توضح، أن ما فاقم من سوء الوضع المعيشي لسكان حلب، هو زلزال فبراير (شباط) العام الماضي الذي ضرب المدينة وما حولها. الناس هنا كالغارقين في بحر يبحثون عن قشة للنجاة، والجمعيات الخيرية هي بمثابة قشة تخفف عنهم فقرهم وألام مرضهم، موضحة أن «جمعية الإحسان الخيرية التنموية» من بين الجمعيات الناشطة لتقديم تكلفة الخدمات العلاجية في حلب.

الوضع السابق ينسحب أيضاً على درعا جنوب البلاد، وإن كانت حدة ونسبة الفقر فيها، أقل مما هي عليه في دمشق وحلب؛ لأن أغلبية الأسر في المحافظة لها أبناء أو أقارب وفي دول أوروبية، بحسب قول مصادر محلية في درعا.

وتوضح المصادر، أن الجمعيات موجودة في المحافظة وهناك من يلجأ إليها طلباً للمساعدة، ولكن العرف السائد هنا عندما يحتاج شخص إلى مبلغ مالي ضخم لإجراء عمل جراحي أو حل مشكلة كبيرة، هو الفزعة، حيث يقوم أبناء العشيرة بجمع المبلغ من العائلات والمغتربين وتقديمه للشخص المحتاج في تقليد عائلي عشائري للتضامن والمساندة.


مقالات ذات صلة

حصى المرارة... كيف تتكون وما طرق تشخيصها؟

صحتك حصى المرارة... كيف تتكون وما طرق تشخيصها؟

حصى المرارة... كيف تتكون وما طرق تشخيصها؟

أفادت نتائج دراسة حديثة بأن ارتفاع استهلاك السكر يزيد من خطر الإصابة بحصى المرارة لدى البالغين.

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي ومخلل الملفوف تقلل الالتهابات لدى السيدات (جامعة أريزونا)

أطعمة ومكملات غذائية يجب تجنبها مع تناول البروبيوتيك

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن البروبيوتيك هي بكتيريا حية تدعم صحة الأمعاء، وتحسن الهضم، وتساعد في السيطرة على الالتهابات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك العلاج بالضوء الأحمر للعناية بالبشرة

العلاج بالضوء الأحمر للعناية بالبشرة

بات من الصعب الهروب من سيل الإعلانات واللافتات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تروج للعلاج بالضوء الأحمر؛ إذ يطلق الكثير منها ادعاءات مدوية مروجاً...

مورين سالامون (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك هل نحن أصحاء حقاً؟... ما لا تكشفه التحاليل عن صحتنا

هل نحن أصحاء حقاً؟... ما لا تكشفه التحاليل عن صحتنا

في أعقاب اليوم العالمي للصحة، تتجدد الدعوة العالمية للنظر إلى الصحة بوصفها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود العيادات، والمستشفيات.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك كيف يقيم الأطفال مفهوم اللعب؟

كيف يقيم الأطفال مفهوم اللعب؟

على الرغم من أن اللعب يُعد أمراً أساسياً لنمو الأطفال على المستويات النفسية والإدراكية والعاطفية، فإن مفهوم اللعب (play) نفسه في الأبحاث العلمية، يتم تعريفه...

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

ستارمر
ستارمر
TT

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

ستارمر
ستارمر

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الخميس، أن ضرب إسرائيل للبنان خطأ، بغضّ النظر عن التفاصيل الدقيقة لأي اتفاق مبرم، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت الوكالة عن ستارمر قوله، الخميس: «ينبغي ألا يحدث ذلك، ويجب أن يتوقف. هذا هو موقفي الثابت. الأمر ليس مجرد سؤال تقنيّ عما إذا كان ذلك خرقاً للاتفاق أم لا، بل هو بالنسبة لي مسألة مبادئ».

وذكرت وكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا» أن ستارمر يزور الدول الحلفاء في المنطقة لإجراء مباحثات بشأن تثبيت وقف إطلاق النار والخطوات اللازمة لإعادة الثقة لاستعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.


«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)

أعلن «حزب الله» في 5 بيانات، الخميس، أن عناصره استهدفوا دبابة ميركافا على طريق بلدتي الطيبة دير سريان في جنوب لبنان بمسيّرة انقضاضية. كما استهدفوا مستوطنة مسكاف عام للمرة الثانية وثكنة هونين الإسرائيلية، بصليات صاروخية، ردّاً على خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان «حزب الله» قد أعلن في بيانات سابقة، الخميس، أن عناصره استهدفوا مستوطنة المنارة الإسرائيلية بصلية صاروخية، واستهدفوا آلية «نميرا» إسرائيلية بصاروخ موجّه، وقوة إسرائيلية متموضعة داخل منزل بمسيّرة في بلدة الطيبة، جنوب لبنان. واستهدفوا مستوطنتي كريات شمونة والمطلة الإسرائيليتين بصليات صاروخية. كما أعلن «حزب الله» في بيانات سابقة، اليوم (الخميس)، أن عناصره استهدفوا جنوداً إسرائيليين في موقع المرج الإسرائيلي بصليات صاروخية.

كما استهدفوا مستوطنات أفيفيم وشوميرا وشلومي وموقع هضبة العجل الإسرائيلي، بصليات صاروخية.

وكذلك أعلن «حزب الله» في بيانات سابقة، الخميس، أن عناصره استهدفوا بنى تحتية تابعة للجيش الإسرائيلي في مستوطنة يسود همعلاه. وأعلن أن عناصره اشتبكوا مع قوة إسرائيلية حاولت التقدم باتجاه مدينة بنت جبيل، جنوب لبنان، واستهدفوا جرافة «دي 0» إسرائيلية في بلدة الطيبة.


المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
TT

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)

جاء الردّ على المساعي التي تبذلها فرنسا لحماية لبنان من الضربات الإسرائيلية القاتلة سريعاً، وذلك على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أعلن الخميس أن إسرائيل تستهدف «(حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً». وجاء في تغريدة له على منصة «إكس»، الخميس، ما حرفيته: «رسالتنا واضحة: كل من يستهدف المدنيين الإسرائيليين سيتعرض للضرب. سنواصل ضرب (حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً، حتى نتمكن من استعادة الأمن بشكل كامل لسكان شمال إسرائيل». مضيفاً: «سنواصل ضرب (حزب الله) بقوة ودقة وعزم».

وجاء كلام نتنياهو بعد الاتصال الذي جرى الأربعاء بين الرئيس إيمانويل ماكرون، ونظيره اللبناني جوزيف عون، الذي كشف أن الأول أبلغه باستعداد باريس لتشغيل أدواتها الدبلوماسية حتى يكون لبنان مشمولاً باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية بالدرجة الأولى.

مساعي ماكرون

ولتنفيذ وعده، اتصل ماكرون الأربعاء بالرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والإيراني مسعود بزشكيان، للدفع باتجاه ضم لبنان إلى الاتفاق المذكور، بعد النهار الأسود الذي شهد مقتل ما يزيد عن 200 شخص، وجرح عدة مئات. ولم يكشف قصر الإليزيه أي تفاصيل عن الاتصالين. إلا أنه فُهم من مصادر متابعة في باريس أن الغرض كان مزدوجاً: الأول، التعرف على المضمون «الحقيقي» لاتفاق وقف النار لأسبوعين، والثاني حضّ ترمب على الضغط على إسرائيل لوضع حدّ لهجماتها الأعنف على لبنان، وخصوصاً على العاصمة بيروت.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس متحدثاً للصحافة قبل مغادرته بودابست العاصمة المجرية وأكد أن لبنان ليس مشمولاً باتفاق وقف القتال مع إيران (أ.ب)

أما اتصال ماكرون ببزشكيان، وهو الوحيد بين القادة الغربيين، الذي لم يقطع التواصل معه، فلاستكناه المقاربة الإيرانية للمرحلة الراهنة، وطلب منه العمل لدى «حزب الله» لتهدئة الوضع. وشدّد بزشكيان، في سياق موازٍ، على أن لبنان جاء مشمولاً بوقف النار، ما يعدّ أحد «الشروط الأساسية لخطة النقاط العشر» التي قدّمتها إيران، وتتمسك بها وبقراءتها لها.

بيد أن التجاوب مع مساعي ماكرون جاء سلبياً، ولم يحمل من الجانب الأميركي أي تشجيع. وجاء الردّ من خلال تصريحات لترمب شخصياً، وأيضاً لنائبه جيه دي فانس، وكلاهما أكد أن الاتفاق مع إيران لا يشمل لبنان، وهو ما شدّدت عليه الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الأربعاء، في مؤتمرها الصحافي.

ونبّه فانس، من بودابست، التي كان في زيارة لها، أنه «إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار بسبب لبنان الذي لا علاقة له بها، والذي لم تقل الولايات المتحدة يوماً إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا في النهاية خيارها». مضيفاً أنه «لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل قالتا إن هذا سيكون جزءاً من وقف إطلاق النار... ما قلناه هو أن وقف إطلاق النار سيركز على إيران وعلى حلفاء أميركا، سواء إسرائيل أو دول الخليج العربية». ومن المرجح أن يترأس فانس الوفد الأميركي إلى المفاوضات في إسلام آباد نهاية الأسبوع الحالي.

خيبة فرنسية من واشنطن

ما سبق يفسر الخيبة الفرنسية من الطرف الأميركي. فباريس تشكو من أن كافة الجهود المضاعفة التي بذلتها لدفع واشنطن حتى تلجم اليد الإسرائيلية في لبنان لم تجدِ نفعاً. وما فهمه دبلوماسيّوها أن ضوءاً أخضر أعطي لإسرائيل لتتابع هجماتها على «حزب الله»، وأنها غير مستعدة للضغط عليها في الوقت الحاضر.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجينا ميلوني متحدثة إلى النواب في البرلمان في جلسته ليوم الخميس (أ.ب)

لكن مصادر سياسية غير حكومية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل تريد الاستفادة من «الوقت الضائع» لإنزال أكبر الخسائر بـ«حزب الله»، قبل أن تشتد الضغوط عليها، وإن نتنياهو الذي واجه انتقادات عنيفة في إسرائيل بسبب الاتفاق بين واشنطن وطهران يريد «التعويض» عن خيبته الأميركية بمضاعفة استهداف «حزب الله» غير عابئ بمن يسقط من الضحايا. ومن جانب آخر، لا يأمل الجانب الفرنسي، رغم الجهود التي يبذلها لـ«ترطيب» علاقاته بإسرائيل، أن تستجيب تل أبيب لما يطلبه منها. فالاتصالات بين ماكرون ونتنياهو مقطوعة، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل يوم 20 مارس (آذار) الماضي، عقب حلوله في بيروت، لم تفضِ لأي نتيجة إيجابية بخصوص الترويج لخطة فرنسية مفصلة تفضي إلى إطلاق محادثات سياسية مباشرة ورفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، هدفها المعلن إنهاء حال الحرب بين البلدين.

ثمة حجة منطقية ورئيسية ترفعها باريس لإقناع الرافضين بضمّ لبنان إلى اتفاق وقف النار، وكتب ماكرون في تغريدة على منصة «إكس»: «أعربت عن أملي في أن تحترم جميع الأطراف المتحاربة وقف إطلاق النار بشكل كامل، على كل جبهات الحرب، بما في ذلك لبنان. وهذا شرط أساسي لكي يكون وقف إطلاق النار مستداماً». وبنظره، فإن هذا الاتفاق «يجب أن يمهد الطريق لمفاوضات شاملة لضمان سلامة الجميع في الشرق الأوسط».

ومن جانب آخر، عاد ماكرون للمطالبة بتفعيل آلية الرقابة على اتفاق وقف النار (الميكانيزم) لخريف عام 2024. داعياً، في كلمة له بمناسبة اجتماع لمجلس الدفاع والأمن في قصر الإليزيه، إلى «تعزيز دعم القوات المسلحة اللبنانية» لتصبح قادرة على «استعادة السيطرة على أراضيها والتصدي لـ(حزب الله) بشكل فاعل».

رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فنسنت جيرو سال إلى اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

إجماع أوروبي ولكن...

في اليومين الأخيرين، كان لبنان الشغل الشاغل للمسؤولين الفرنسيين الذين يرون أن الوضع في لبنان «خطير للغاية». ونقطة الانطلاق في القراءة الفرنسية أن «حزب الله»، كما قال ماكرون ووزيرا الخارجية والدفاع «ارتكب خطأ استراتيجياً عندما هاجم إسرائيل (في 2 مارس الماضي) وجرّ لبنان إلى أزمة إقليمية».

وقال جان نويل بارو، وزير الخارجية صباحاً في حديث لإذاعة «فرانس أنتير» إنه «ليس من مصلحة إسرائيل قصف لبنان»، معتبراً أن الضربات الإسرائيلية «لا يمكن قبولها»، وأن باريس «تدينها بشدة». ورمى الوزير الفرنسي المسؤولية على «حزب الله» الذي «أشعل فتيل النزاع» في بداية مارس، داعياً إيران لأن «تتوقّف عن ترهيب إسرائيل بواسطة (حزب الله) الذي ينبغي له بصورة ملحّة أن يلقي السلاح ويسلّمه إلى الدولة اللبنانية». وبنظره، فإن لبنان «تحول إلى كبش فداء» في نزاع لم يختره.

ومن جانبها، وصفت كاترن فوتران، وزيرة الدفاع، يوم الأربعاء بـ«المأساوي»، وأن هدف باريس من توفير الدعم العسكري للبنان «مساعدة جيشه للتخلص من (حزب الله)». وقالت أليس روفو، الوزيرة المنتدبة لدى وزارة الدفاع، التي زارت لبنان نهاية مارس، إن باريس «تقوم بما يتوجب القيام به في هذه المرحلة» لجهة الوقوف إلى جانب لبنان، مشيرة إلى أن ما حصل في لبنان مؤخراً «أمر لا يمكن القبول به». ورأى بارو أن «(حزب الله) يتحمل مسؤولية إدخال لبنان إلى النزاع».

ما تدعو إليه باريس تتشارك به مع الدول الأوروبية الأخرى، مع تنويعات بسيطة. فالأوروبيون مجمعون على ضرورة أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان. وكايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حثّت إسرائيل على وقف غاراتها على لبنان، محذرة من أنها تهدد الاتفاق الأخير. وهو حال جيورجينا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، التي دعت إسرائيل إلى وضع حدّ لعملياتها العسكرية في لبنان. وطالبت إيفيتكوبر، وزيرة الخارجية البريطانية، الخميس، في حديث تلفزيوني، بأن «يمدد وقف إطلاق النار» ليشمل لبنان، معبرة عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات الإسرائيلية. وانفردت ألمانيا عن بقية الأوروبيين بدعوتها إسرائيل إلى حصر عملياتها العسكرية «في إطار الدفاع عن النفس... وعدم تجاوز هذا الحدّ».

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إنه طالما بقي الحراك الأوروبي محصوراً ببيانات المؤاساة والتنديد، ولم يصل أبداً إلى اتخاذ قرارات تنفيذية وجريئة بحقّ إسرائيل، مثل وقف العمل باتفاقية الشراكة التي تربط الطرفين، فإن كلمة أوروبا تبقى بلا وزن وعديمة التأثير، وهو حالها منذ عشرات السنوات.