كشف أسرار ضباب الدماغ

مقياس جديد واعد قد يساعد في تشخيصه وعلاجه

كشف أسرار ضباب الدماغ
TT

كشف أسرار ضباب الدماغ

كشف أسرار ضباب الدماغ

لم تظهر السحابة المعرفية المعروفة باسم «ضباب الدماغ» مع فيروس «كوفيد - 19»؛ إذ جرى التعرف على هذا العرَض منذ فترة طويلة في أعقاب الإصابة بالتهابات فيروسية أخرى، خاصة مرض «لايم» (Lyme disease) التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضلات / متلازمة التعب المزمن (myalgic encephalitis/chronic fatigue syndrome).

«ضباب الدماغ» وضعف الإدراك

ومع ذلك، كان لجائحة «كوفيد - 19» دور وضعها على الخريطة الطبية بقوة وإلحاح، مع الأخذ في الاعتبار أن الملايين عانوا من «ضباب الدماغ» فجأة، وما زال الكثيرون متأثرين به رغم مرور سنوات على ظهور الجائحة.

ويعد «ضباب الدماغ» (brain fog) مصطلحاً عمومياً يشير إلى صعوبات مستمرة في الحالة المعرفية للإنسان. ويتسبب بضعف في الوظائف التنفيذية والذاكرة وتنظيم الانتباه والتحفيز لذهني.

ويبلّغ من يعانون هذا العرض عن مشكلات في إيجاد الكلمات المناسبة وهفوات أخرى في الذاكرة. كما يواجهون صعوبة في اتخاذ القرارات، ويفتقرون إلى الطاقة العقلية. وبجانب ما سبق، يشعرون بالارتباك بسهولة، ويفقدون حدة الذكاء، ويجدون صعوبة في التركيز ومعالجة المعلومات. وكذلك يعاني البعض، وليس الكل، من الصداع.

وفي وصفهم لما يشعرون به، استخدم من يعانون هذا العرض العبارات التالية: «التفكير البطيء»، و«الغموض»، و«الضبابية»، و«أنهم ليسوا على طبيعتهم».

جدير بالذكر أن الكثير من الأشخاص الأصحاء عايشوا مثل هذه الأعراض لفترة وجيزة، في أثناء إصابتهم بنوبة الإنفلونزا على سبيل المثال، أو بعد ليلة من الاحتفال الصاخب. إلا أن أولئك الذين يعانون من «ضباب الدماغ» يجدون أنفسهم في مواجهة إعاقة ذهنية خطيرة، وغير قادرين على استئناف الأدوار التي أتقنوها من قبل.

تراجع فكري لمرضى «كوفيد»

ويمكن للمرضى أن يفقدوا جزءاً كبيراً من قوتهم المعرفية، مقارنة بما كانوا عليه قبل الإصابة. كشفت دراسة أجرتها جامعة «كينغز كوليدج لندن» عن أن الأشخاص الذين يعانون من فيروس «كورونا» طويل الأمد عانوا تراجعاً بنسبة 28 في المائة في الذاكرة والانتباه والتفكير. وأظهر الأشخاص الأشد تضرراً من المرض انخفاضاً هائلاً بنسبة 57 في المائة في الوظائف الإدراكية مقارنة بحالتهم قبل المرض.

وحتى الآن، لا أحد يعرف السبب وراء الإصابة بـ«ضبابية الدماغ» بعد التعرض لفيروس «كورونا»، إلا أنه جرى طرح العديد من الأفكار تجري دراستها حالياً.

أسباب محتملة

ثمة احتمال أن فيروس «كورونا» يستهدف الخلايا العصبية بشكل مباشر، ما يسبب خللاً في الميتوكوندريا، وهي محطات الطاقة داخل جميع الخلايا. وتظهر أبحاث حديثة أن فيروس «سارس» قادر على منع التعبير عن جينات الميتوكوندريا الأساسية في الحيوانات. وتظهر هذه العملية في أنسجة تشريح الجثث من المرضى الذين أصيبوا بفيروس «كورونا».

ونظراً لمتطلباته الكبيرة من الطاقة - يزن الدماغ البالغ ثلاثة أرطال (الرطل 453 غراماً تقريباً)، ما يمثل 2 في المائة من وزن الجسم، لكنه يستهلك 20 في المائة من وقود الجسم - نجد أن لدى الأنسجة الدماغية طلب استقلابي مرتفع. وعليه، فإن تراجع عملية إنتاج الطاقة بسبب ضعف وظيفة الميتوكوندريا يعطل عمليات الدماغ الأكثر طلباً للطاقة، مثل الوظائف التنفيذية.

وقد يكون الالتهاب العصبي سبباً آخر وراء «ضباب الدماغ». ومثلما الحال مع العلاج الكيميائي، الذي لطالما ارتبط بحالة «القصور الإدراكي اللاحق للعلاج الكيميائي» (chemo brain)، وهو ضعف معرفي يعاني منه الكثير من مرضى السرطان في أثناء العلاج، فإن «كوفيد - 19» يسبب التهاباً عصبياً. وينشط الهجوم الفيروسي الخلايا الدبقية، والمستجيبات المناعية للدماغ، ما يترك تداعيات على الوظائف الإدراكية.

ويمكن أن يؤدي الإطلاق الواسع للجزيئات الالتهابية مثل السيتوكينات، إلى الحد من تكوين الخلايا العصبية، والبراعم التغصنية، وغير ذلك من وسطاء المرونة الإدراكية، ما يعيق قدرة الدماغ على الإبقاء على الحالة المعرفية الطبيعية في مواجهة التحديات التي يتعرض لها.

بجانب ذلك، قد تثير جزيئات الفيروس العالقة في الجسم استجابة مناعية مستمرة أو مفرطة النشاط، ما يسبب أضراراً جانبية. وقد تتضمن الاستجابة إنتاج أجسام مضادة ذاتياً، وإساءة البروتينات توجيه قوتها الوقائية ضد الجسم.

جلطات الدم المدمرة

ورغم أن الحكم النهائي لم يصدر بعد بخصوص هذا الموضوع، فإن دراسة رئيسية واحدة على الأقل استبعدت الالتهاب العصبي باعتباره سبباً وراء «ضباب الدماغ» الناجم عن فيروس «كورونا».

وثمة دلائل كذلك تشير إلى أن جلطات الدم يمكن أن تسبب «ضباب الدماغ» المرتبط بفيروس «كورونا». وفي وقت مبكر من الجائحة، لاحظ باحثون وأطباء أن المرضى الذين يحتجزون بالمستشفيات بسبب إصابتهم بصورة شديدة من «كوفيد»، يتعرضون أكثر لتلف الأعضاء بسبب جلطات الدم. وحديثاً، رصد فريق يتابع المرضى الذين احتجزوا بالمستشفيات بسبب «كوفيد - 19» في عامي 2020 و2021، مستويات مرتفعة من اثنين من البروتينات المسببة للجلطة («فيبرينوجين» و«دي - ديمر») في دماء مَن عانوا لاحقاً من صعوبات إدراكية.

الملاحظ أن المرضى أصحاب المستويات الأعلى من «فيبرينوجين» (fibrinogen) و«دي - ديمر D - dimer» في دمهم وقت احتجازهم بالمستشفى، قيموا لاحقاً قدراتهم المعرفية العامة في استبيانات باعتبارها أضعف عن المرضى الذين اتسمت دماؤهم بانخفاض «فيبرينوجين».

علاوة على ذلك، يميل أفراد المجموعة صاحبة النسبة الأعلى من «فيبرينوجين» إلى تسجيل نتائج أسوأ بالمقاييس الموضوعية للذكاء والانتباه. وتدعم الدراسة، التي نشرت بدورية «نيتشر»، احتمالية أن تكون جلطات الدم في أثناء المراحل الحادة من العدوى الفيروسية، قد تسببت في أعراض مستمرة لفترة طويلة، مثل «ضباب الدماغ».

وفي الفترة الأخيرة، اقترح باحثون مساراً إضافياً لـ«ضباب الدماغ» كان بمثابة مفاجأة... وهو الأمعاء؛ إذ يحفز الحمض النووي الريبي الفيروسي المستمر، الموجود غالباً في أمعاء المرضى الذين يعانون من مرض «كوفيد» طويل الأمد، الجهاز المناعي على إطلاق جزيئات التهابية، والتي تسبب أضراراً جانبية، وتمنع امتصاص الحمض الأميني التربتوفان من الطعام، في خضم محاولتها لمكافحة العدوى. ويشكل التربتوفان مقدمة للسيروتونين.

تعيق ندرة السيروتونين الناتجة عن ذلك - مع إنتاج معظم إمدادات الجسم من الناقل العصبي في الأمعاء - الاتصال بين الأمعاء والدماغ، الذي يجري عادة عبر العصب المبهم. وربما تكون منطقة الحصين بالدماغ العنصر الأكثر تضرراً من هذا الأمر، ما يؤدي إلى صعوبة في عمل الذاكرة.

ومع ذلك، تواجه الأبحاث حول التداعيات المعرفية لفيروس «كورونا» من مشكلة واحدة كبرى، غيابَ تعريفٍ متفق عليه لـ«ضباب الدماغ»، وكذلك عدم وجود سبيل واحد لتقييمه، ما يحول دون مقارنة نتائج الدراسات المختلفة، ناهيك عن غموض العمليات النفسية العصبية المعنية.

مقياس الضباب الدماغي

وفي خضم هذا السديم التشخيصي، ظهر فريق من علماء النفس البولنديين سعوا لطرح إجابات. وفي دورية «الشخصية والفروق الفردية» (Journal Personality and Individual Differences)، كشفت أغاتا ديبوسكا وزملاؤها عن تطوير مقياس لـ«ضباب الدماغ» لتوفير سبيل شائع للتقييم.

يسعى المقياس الجديد (Brain Fog Scale) لرصد جميع الأعراض. ووجد القائمون عليه أن هذه الأعراض تصنف نفسها في ثلاثة مجالات متميزة: التعب العقلي، وضعف حدة الإدراك، والارتباك. ونظراً لأن أداة القياس الجديدة عبارة عن مقياس تقرير ذاتي، يمكن للأفراد اختبار أنفسهم بأنفسهم.

ورغم أن العلماء ما زالوا غير قادرين على تحديد سبب «ضباب الدماغ» على وجه اليقين، ولا توجد علاجات محددة، فإن المكملات المضادة للأكسدة ربما تساعد في الحفاظ على إمدادات الأكسجين في الدماغ.

وخلص فريق من جامعة ييل يعكف على دراسة «ضباب المخ»، إلى أن مجموعة صغيرة من المرضى الذين جرى إعطاؤهم مضاد الأكسدة «إن - أسيتيل سيستئين» N - acetylcysteine (NAC)، تحسنت لديهم الذاكرة والمهارات التنظيمية والقدرة على الاضطلاع بمهام متعددة. يذكر أن المرضى تناولوا 600 مليغرام من «أسيتيل سيستئين» مرة واحدة يومياً.

ولدى البعض، اختفى عرض «ضباب الدماغ» تماماً؛ لدرجة أنهم عادوا إلى وظائفهم.

يذكر أن «أسيتيل سيستئين» متاح حالياً دون الحاجة لوصفة طبية. كما يعكف باحثون على اختبار «أسيتيل سيستئين» في علاج إصابات الدماغ.

يتسبب بضعف في الوظائف التنفيذية والذاكرة وتنظيم الانتباه والتحفيز الذهني

مقياس ضباب الدماغ

ترصد هذه العبارات مكونات ضباب الدماغ. أما النطاق الكامل لها فيتكون من 23 عنصراً

• العامل 1

- إرهاق ذهني

- كان تفكيري بطيئاً

- شعرت بالإرهاق الذهني

• العامل 2

- ضعف حدة الإدراك

- شعرت بصعوبة في التذكر واستيعاب المعلومات الجديدة

- وجدت نفسي أنسى كلمات معينة، مثل أسماء أشياء

• العامل 3

- ارتباك

- مررت بوقت عصيب في محاولة فهم ما يقوله الآخرون

- شعرت بالانفصال عن الواقع

* «سايكولوجي توداي»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

دواء قد يُحدث ثورة في علاج مرض ألزهايمر قبل ظهور الأعراض

صحتك عالم يفحص أنماط انخفاض التمثيل الغذائي وانخفاض التروية الدموية لدى مريض مصاب بمرض ألزهايمر في مركز الذاكرة التابع لقسم إعادة التأهيل وطب الشيخوخة في المستشفى الجامعي بجنيف (أرشيفية - رويترز)

دواء قد يُحدث ثورة في علاج مرض ألزهايمر قبل ظهور الأعراض

قد يُسهم دواء جديد لمرض ألزهايمر في الوقاية من الخرف قبل ظهور الأعراض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ألزهايمر يؤدي لتراكم بروتينات في الدماغ تسبب تلف الخلايا العصبية وفقدان الوظائف العقلية (مايو كلينك)

اختبار دم يتنبأ بخطر الإصابة بألزهايمر قبل سنوات من ظهور الأعراض

أفاد باحثون، اليوم الأربعاء، بأن اختبارا للدم قد يتمكن من التنبؤ بما إذا كان كبار السن الذين يبدون أصحاء معرضين للإصابة بأعراض مرض ألزهايمر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تتميز مشروبات الإلكتروليت باحتوائها على كمية كبيرة من الصوديوم والكربوهيدرات ما يساعد على تعويض السوائل بسرعة بعد التمارين الشاقة (بيكسلز)

ماء جوز الهند أم مشروبات الإلكتروليت... أيهما أفضل لتعويض السوائل؟

يُعد كل من ماء جوز الهند ومشروبات الإلكتروليت خيارين للمساعدة في الحفاظ على ترطيب الجسم، لكنهما يختلفان في مكوناتهما الغذائية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يُعد الخمول أو النعاس الشديد من عوامل ارتفاع المغنسيوم (بيكسلز)

8 أعراض تحذيرية لزيادة المغنسيوم في الجسم

قد يسبب ارتفاع المغنسيوم الغثيان، وضعف العضلات، وانخفاض الضغط، وبطء القلب، والخمول، ويصيب غالباً مرضى الكلى أو مُفرطي تناول المكملات، وقد يصبح مهدداً للحياة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك تشير دراسات إلى أن إدراج البيض ضمن نظام غذائي متوازن قد يساعد على تحسين الشعور بالشبع ودعم استقرار مستويات السكر في الدم (بيكسلز)

ماذا يحدث لمستوى السكر عند تناول البيض بانتظام؟

لا يؤدي تناول البيض بانتظام في معظم الحالات إلى ارتفاع ملحوظ بمستويات السكر بالدم إذ يحتوي على كمية ضئيلة جداً من الكربوهيدرات

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ما يقترحه الذكاء الاصطناعي... لا يُعلّمه إلا الواقع

هوميروس مؤلف الأوديسة
هوميروس مؤلف الأوديسة
TT

ما يقترحه الذكاء الاصطناعي... لا يُعلّمه إلا الواقع

هوميروس مؤلف الأوديسة
هوميروس مؤلف الأوديسة

ثمة سببٌ يدفعنا للعودة إلى جذور الحكمة القديمة بهدف رسم مسارنا نحو المستقبل. فبعض الأفكار تُختبر عبر الأجيال، وتجتاز حقباً من التناقل عبر آلاف السنين، كما كتبت كاجا بيرينا(*).

هوميروس وفولكنر... والذكاء الاصطناعي

تبقى قصيدة الأوديسة للشاعر الإغريقي هوميروس خالدة، وكذلك الأصوات المعاصرة. يقول ويليام فوكنر، أيقونة القرن العشرين، إن «القلب البشري في صراعه مع ذاته» هو الموضوع الوحيد الجدير بالكتابة عنه. وكانت هذه المقولة بمثابة النجم الهادي الذي ربطت به منذ زمن بعيد رغبتي المزدوجة في أن أصبح صحافية وأن أدرس السلوك البشري.

أما القراء الأصغر سناً، فقد يبدو قرن فولكنر بعيداً كقرن هوميروس. فنحن نعيش في زمن يبدو فيه الذكاء الاصطناعي وكأنه يلتهم كل شيء.

الذكاء الاصطناعي... خلاصة أجيال من الحكمة البشرية

وقد يبدو أحياناً كأنه حكمة متاحة عند الطلب، لذا، من المهم الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي الذي نلجأ إليه طلباً للمشورة حول كيفية العيش ليس إلا خلاصة أجيال من الحكمة البشرية التي دُرِّب عليها. وهذا ليس بالأمر الهين، وأنا من أشد المؤيدين للذكاء الاصطناعي في مجالات عدة.

تُقدم البرامج الذكية اقتراحاتٍ لا حصر لها لما يمكننا وما ينبغي لنا فعله، وكثير منها رائع، ويتجاوز ما كنت أفكر فيه بمفردي.

أهمية التنفيذ والتفكير في العالم الحقيقي

لكن برزت مشكلتان: أولاً، أنك تحصل على «المتوسط ​​الإحصائي» - الذي صُمِّم الذكاء الاصطناعي لتقديمه. وثانياً، لا يزال عليك التنفيذ بنفسك، إذ لا يزال عليك الانخراط في العالم الحقيقي وخوض ذلك التواصل الصعب، لا يزال عليك التعامل مع صعوبات الحياة اليومية وتعقيدات العلاقات الحميمة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُثري الخريطة... لكن لا يزال عليك استكشافها

عليك ابتكار الجديد، عليك السفر، عليك ابتكار طقوس خاصة بك وبأسرتك، إنك لن تستكشف هذه المنطلقات المتعلقة بالوجود في العالم في هذه الصفحات.

لذا، نعم، فقد يُقلل الذكاء الاصطناعي من قيمة أعمال هوميروس وفوكنر (لكنها تبقى عظيمة).

وفي النهاية، لا تُصبح تلك المُدخلات متعددة الأبعاد (التي تلقّن بها الأدوات الذكية) ذات قيمة إلا بقدر ما تُحققه من نتائج (جيدة) في عالمنا ثلاثي الأبعاد.

* مجلة «سايكولوجي توداي».


دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب

دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب
TT

دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب

دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب

يكشف بحث جديد من جامعة دارتموث أن تصحيح الأخطاء الطبية التي يرتكبها الذكاء الاصطناعي إضافة إلى نسيانه لتوقيت مواعيد متابعة المرضى، يستنزف وقت الأطباء. إلا أن طريقة تدريب جديدة له قد تُسهم في حل هذه المشكلة، كما كتبت لوسيا أورباخ*.

تعطيل المرضى بسبب ردود الذكاء الاصطناعي

إن انتشار الذكاء الاصطناعي يكاد يكون سريعاً كسرعة انتشار «الإنفلونزا» في غرف انتظار أقسام الطوارئ؛ إذ ربما يكون تبنِّي هذه التقنية في قطاع الرعاية الصحية هو السبب وراء اضطرارك للانتظار لفترة أطول قبل الحصول على موعد.

وقد وجدت دراسة جديدة من كلية دارتموث أن أخطاء الذكاء الاصطناعي قد تُكلِّف الأطباء وقتاً ثميناً عند ملء السجلات الطبية. فالأخطاء والتفاصيل غير ذات الصلة تُجبر الأطباء على قضاء وقت في تصحيح ردود الذكاء الاصطناعي، وهو وقت كان من الممكن استغلاله في علاج المرضى أو التحدث معهم.

مقارنة الردود الذكية المولَّدة بالردود الحقيقية

وعُرضت الدراسة في الاجتماع السنوي لعام 2026 لجمعية اللغويات الحاسوبية، ونُشرت في وقائع المؤتمر. وكانت هذه أول دراسة واسعة النطاق لبوابة إلكترونية للمرضى تستخدم الذكاء الاصطناعي لصياغة الردود عليهم. وطوَّر الباحثون أداة تُقارن الردود المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بمجموعة بيانات من الردود الحقيقية التي صاغها متخصصون في الرعاية الصحية من مؤسسة «دارتموث هيلث». وحلَّلوا 146 ألف محادثة بين 10 آلاف و105 مرضى وأطباء الرعاية الأولية في نظام الرعاية الصحية الريفي الكبير. بالإضافة إلى ذلك، استخدموا الأداة لتقييم ردود الأطباء بواسطة برامج «كلود» و«جيميناي» و«تشات جي بي تي» و«لاما» (Llama)، و«ألوي» (Aloe)، و«كوين» (Qwen).

وقالت الدكتورة سارة بريوم المؤلفة الرئيسية للدراسة، في بيان صحافي: «وجدنا أن الذكاء الاصطناعي قد يبدو كطبيب، ولكنه لا يفكر مثله».

الذكاء الاصطناعي وعدم التوافق

تشير النتائج إلى أن الردود المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي غالباً ما تكون غير متوافقة مع ما يكتبه الأطباء فعلياً. يشمل ذلك الردود الطويلة جداً، أو التي تتضمن تفاصيل طبية غير ذات صلة أو غير دقيقة، أو التي تفتقر إلى أسئلة المتابعة. وفي إحدى الحالات، اقترح الذكاء الاصطناعي في البوابة الإلكترونية على امرأة تبلغ من العمر 32 عاماً تتناول دواءً لحموضة المعدة، وكانت قلقة بشأن الغثيان المستمر، تعديل نظامها الغذائي. وتجاهل الطبيب ذلك الاقتراح، وسأل عما إذا كان هناك أي احتمال لكونها حبلى.

أسئلة المرضى والأخطار على المسنين والحوامل

من بين جميع الثغرات التي حددها الباحثون، برز عدم طرح أسئلة متابعة توضيحية. وهذه مشكلة، كما تقول بريوم لمجلة «إنك»؛ لأن سؤال المتابعة غالباً ما يُوجِّه الرعاية في الاتجاه الصحيح.

وينطبق هذا بشكل خاص على رسائل الإبلاغ عن الأعراض؛ حيث إن طرح السؤال الخاطئ، أو عدم طرح أي سؤال على الإطلاق، قد يُؤدي بالمريض إلى مسار تشخيصي أو علاجي خاطئ.

وأضافت بريوم أن المخاطر أكبر بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر، بما في ذلك كبار السن، والمرضى الذين يُعانون من أمراض مزمنة متعددة، والأشخاص الذين يتلقون علاجاً مثبِّطاً للمناعة أو علاجاً للسرطان، والنساء الحوامل.

وأضافت بريوم أنه «يمكن للنموذج دائماً توليد إجابة دون طرح أي أسئلة أولاً، وهذا ليس عيباً. إلا أن العيب الحقيقي هو أن الطبيب الحقيقي، لو تلقى الرسالة نفسها، لكان قد طرح سؤالاً توضيحياً قبل الرد. وعندما يتجاهل النموذج هذه الخطوة، فإنه لا يعمل بكفاءة؛ بل يخمن فقط».

توليد رسائل مُخصصة

مع ذلك، توجد بعض الفوائد المحتملة لهذه التقنية الجديدة في مجال الرعاية الصحية. فقد وجد الباحثون أنه من خلال تكييف الذكاء الاصطناعي مع أساليب التواصل الفردية للأطباء، يمكن تحسين الدقة بنسبة 33 في المائة، وتقليل التحرير بنسبة تصل إلى 26 في المائة. وخلصت الدراسة إلى أن ردود الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون مفيدة عند تخصيصها وفقاً لاحتياجات الطبيب.

وابتكر الباحثون تقنية تُسمى «TADPOLE» وهي اختصار لـعبارة «تحسين التفضيل المباشر للوكيل الموضوعي لتعزيز التعلم» (Thematic Agentic Direct Preference Optimization for Learning Enhancemen) التي تُدرّب منصات الذكاء الاصطناعي باستخدام نموذج هجين مُكوَّن من ردود الطبيب وردود الذكاء الاصطناعي. وعندما قاموا بدمج برنامج «TADPOLE» مع 6 أنظمة تجارية لإدارة التعلم، وجدوا أن الردود المُعدَّة مسبقاً تتوافق بشكل أفضل مع معايير الطبيب للدقة وجودة المعلومات، ما يوفر على الأطباء المشغولين ساعة إلى ساعتين من العمل يومياً.

مخاطر نشر الذكاء الاصطناعي من دون تقييم

يُعدُّ نشر هذه الأدوات على نطاق واسع قبل تقييمها من حيث السلامة والتحيز وممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤولة الأخرى خطراً حقيقياً، لا سيما بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر من المرضى. كما يُشكِّل خطراً محتملاً على مقدمي الرعاية الصحية وأنظمة الرعاية الصحية؛ إذ يُؤدي أي رد خاطئ أو مُضلل مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي إلى مخاطر قانونية كبيرة.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


مرآة عملاقة في الفضاء تعكس أشعة الشمس نحو الأرض... في المساء

مرآة عملاقة في الفضاء تعكس أشعة الشمس نحو الأرض... في المساء
TT

مرآة عملاقة في الفضاء تعكس أشعة الشمس نحو الأرض... في المساء

مرآة عملاقة في الفضاء تعكس أشعة الشمس نحو الأرض... في المساء

منحت لجنة الاتصالات الفيدرالية شركة ناشئة من كاليفورنيا ترخيصاً لإطلاق واختبار قمر صناعي يستخدم مرآة عملاقة لعكس ضوء الشمس إلى الأرض بعد غروبها، على الرغم من اعتراضات علماء الفلك وخبراء الحياة البرية وغيرهم، ممن يرون أن هذه الخطة قد تعرقل البحث العلمي وتؤثر على أنماط نوم الكائنات الحية.

مرآة فضائية

تعتزم شركة «ريفليكت أوروبيتال» إطلاق القمر الصناعي، المزود بمرآة عرضها 60 قدماً (18 متراً) وهي في الواقع عاكس رقيق، إلى مدار أرضي منخفض في وقت لاحق من هذا العام. وتأمل الشركة في نهاية المطاف إرسال ما يصل إلى 50 ألف مرآة إلى المدار. وستعكس هذه المرايا ضوء الشمس لتشغيل محطات الطاقة الشمسية، وإنارة شوارع المدن، ومساعدة فرق الإنقاذ.

تحذيرات علماء الفلك وخبراء الطيران وعلماء الأحياء

وكتبت اللجنة في قرارها بمنح الترخيص: «يُعدُّ القمر الصناعي التجريبي لشركة (ريفليكت أوروبيتال) مثالاً على تقنية ثورية محتملة».

لكن العلماء يحذرون من أن هذه التقنية قد تُسبب آثاراً جانبية خطيرة. ففي رسالة وُجِّهت إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية في يونيو (حزيران)، ذكرت الجمعية الفلكية الأميركية أن المرايا قد تُعرِّض عمل المرافق الفلكية المموَّلة اتحادياً للخطر؛ إذ يعتمد علماء الفلك على سماءٍ مُظلمة لرؤية أعماق الفضاء، وقد يواجه هواة رصد النجوم اضطراباتٍ أيضاً. كما حذَّرت الجمعية من أن المشروع قد يُسبب مؤقتاً «وميضاً مُبهراً» لطياري الخطوط الجوية وسائقي السيارات ليلاً.

وحذَّر علماء آخرون من أن المشروع قد يُؤثِّر على الإيقاعات البيولوجية التي يعتمد عليها البشر والحيوانات لمعرفة أوقات النوم والهجرة، وتستخدمها النباتات لمعرفة أوقات الإزهار. وإجمالاً، تلقَّت لجنة الاتصالات الفيدرالية أكثر من 1800 تعليقٍ عامٍ على الطلب، مُعظمها سلبي.

وكتبت الجمعية الفلكية الأميركية: «من الواضح أن الأنشطة التي تقترحها شركة (ريفليكت أوروبيتال) سيكون لها تأثيرٌ على بيئة الأرض، بما في ذلك صحة الإنسان والزراعة والحياة البرية، بالإضافة إلى علم الفلك». إلا أن لجنة الاتصالات الفيدرالية رفضت هذه التحذيرات، واصفة المخاوف بأنها «افتراضية»، ومُشيرة إلى أن الأنشطة في الفضاء لا تخضع لقوانين البيئة. وكتبت الوكالة: «حتى لو كانت لدى اللجنة صلاحية مراجعة هذه العمليات ووضع شروط لها (وهو ما لا تملكه)، فمن غير المرجح حدوث هذه الأضرار».

أكبر مرآة مقترحة حالياً قطرها 55 متراً تعادل إضاءة 100 قمر مكتمل باتجاه الأرض

شبكة مرايا فضائية

ورغم أن لجنة الاتصالات الفيدرالية لم توافق حتى الآن إلا على قمر صناعي واحد، فإن شركة «ريفليكت أوروبيتال» تخطط بالفعل لإطلاق مرايا فضائية أكبر.

ويبلغ قطر أكبر مرآة مقترحة حالياً 180 قدماً (55 متراً) وتُضيء بما يعادل إضاءة 100 قمر مكتمل باتجاه الأرض. وتأمل الشركة في إطلاق ألف مرآة فضائية بحلول نهاية عام 2028، و5 آلاف مرآة أخرى بحلول عام 2030.

وتؤكد «ريفليكت أوروبيتال» أن هذه الأقمار الصناعية قد تُقلل من استخدام الوقود الأحفوري من خلال تمديد ساعات توليد الطاقة من محطات الطاقة الشمسية، ما قد يُساهم في الحد من تغير المناخ.

وقال بن نواك، الرئيس التنفيذي لشركة «ريفليكت أوروبيتال»، في بيان أُرسل إلى مجلة «فاست كومباني»: «نحن ممتنون للجنة الاتصالات الفيدرالية لتقديرها أهمية اختبار التقنيات الجديدة في الفضاء. هذه الرخصة هي الخطوة الأولى نحو اختبار فعالية تقنيتنا والضمانات التي طورناها بدقة».

وأعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية أن بإمكان علماء الفلك وغيرهم إثارة مخاوفهم مجدداً في حال قدمت شركة «ريفليكت أوروبيتال» طلباً مستقبلياً لإطلاق أقمار صناعية إضافية.

آثار محتملة

وإلى جانب الآثار المحتملة على علماء الفلك والطيارين والنباتات والحيوانات، يحذر العلماء من أن إضافة آلاف الأقمار الصناعية ستؤدي إلى تفاقم مشكلة الحطام المداري المتنامية. وفي اجتماع مائدة مستديرة عُقد في 4 يونيو، واستضافته الأكاديميات الوطنية، قال توني تايسون، أستاذ البحوث المتميز في جامعة كاليفورنيا- ديفيس، وكبير علماء مرصد «فيرا سي. روبين»، إن خطط «ريفليكت أوروبيتال» تعد «أكثر جنوناً» من انتشار أقمار النطاق العريض التي تشغلها شركات مثل «سبايس إكس» و«أمازون».

كما أعرب تايسون عن مخاوفه من أن عاكسات الأغشية الرقيقة للمرايا قد تُشتت ضوء الشمس على مساحة واسعة بدلاً من توجيهه بدقة نحو هدف محدد. وقال: «تخيَّلوا السماء مليئة بالأقمار».

* مجلة «فاست كومباني».