كشف أسرار ضباب الدماغ

مقياس جديد واعد قد يساعد في تشخيصه وعلاجه

كشف أسرار ضباب الدماغ
TT

كشف أسرار ضباب الدماغ

كشف أسرار ضباب الدماغ

لم تظهر السحابة المعرفية المعروفة باسم «ضباب الدماغ» مع فيروس «كوفيد - 19»؛ إذ جرى التعرف على هذا العرَض منذ فترة طويلة في أعقاب الإصابة بالتهابات فيروسية أخرى، خاصة مرض «لايم» (Lyme disease) التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضلات / متلازمة التعب المزمن (myalgic encephalitis/chronic fatigue syndrome).

«ضباب الدماغ» وضعف الإدراك

ومع ذلك، كان لجائحة «كوفيد - 19» دور وضعها على الخريطة الطبية بقوة وإلحاح، مع الأخذ في الاعتبار أن الملايين عانوا من «ضباب الدماغ» فجأة، وما زال الكثيرون متأثرين به رغم مرور سنوات على ظهور الجائحة.

ويعد «ضباب الدماغ» (brain fog) مصطلحاً عمومياً يشير إلى صعوبات مستمرة في الحالة المعرفية للإنسان. ويتسبب بضعف في الوظائف التنفيذية والذاكرة وتنظيم الانتباه والتحفيز لذهني.

ويبلّغ من يعانون هذا العرض عن مشكلات في إيجاد الكلمات المناسبة وهفوات أخرى في الذاكرة. كما يواجهون صعوبة في اتخاذ القرارات، ويفتقرون إلى الطاقة العقلية. وبجانب ما سبق، يشعرون بالارتباك بسهولة، ويفقدون حدة الذكاء، ويجدون صعوبة في التركيز ومعالجة المعلومات. وكذلك يعاني البعض، وليس الكل، من الصداع.

وفي وصفهم لما يشعرون به، استخدم من يعانون هذا العرض العبارات التالية: «التفكير البطيء»، و«الغموض»، و«الضبابية»، و«أنهم ليسوا على طبيعتهم».

جدير بالذكر أن الكثير من الأشخاص الأصحاء عايشوا مثل هذه الأعراض لفترة وجيزة، في أثناء إصابتهم بنوبة الإنفلونزا على سبيل المثال، أو بعد ليلة من الاحتفال الصاخب. إلا أن أولئك الذين يعانون من «ضباب الدماغ» يجدون أنفسهم في مواجهة إعاقة ذهنية خطيرة، وغير قادرين على استئناف الأدوار التي أتقنوها من قبل.

تراجع فكري لمرضى «كوفيد»

ويمكن للمرضى أن يفقدوا جزءاً كبيراً من قوتهم المعرفية، مقارنة بما كانوا عليه قبل الإصابة. كشفت دراسة أجرتها جامعة «كينغز كوليدج لندن» عن أن الأشخاص الذين يعانون من فيروس «كورونا» طويل الأمد عانوا تراجعاً بنسبة 28 في المائة في الذاكرة والانتباه والتفكير. وأظهر الأشخاص الأشد تضرراً من المرض انخفاضاً هائلاً بنسبة 57 في المائة في الوظائف الإدراكية مقارنة بحالتهم قبل المرض.

وحتى الآن، لا أحد يعرف السبب وراء الإصابة بـ«ضبابية الدماغ» بعد التعرض لفيروس «كورونا»، إلا أنه جرى طرح العديد من الأفكار تجري دراستها حالياً.

أسباب محتملة

ثمة احتمال أن فيروس «كورونا» يستهدف الخلايا العصبية بشكل مباشر، ما يسبب خللاً في الميتوكوندريا، وهي محطات الطاقة داخل جميع الخلايا. وتظهر أبحاث حديثة أن فيروس «سارس» قادر على منع التعبير عن جينات الميتوكوندريا الأساسية في الحيوانات. وتظهر هذه العملية في أنسجة تشريح الجثث من المرضى الذين أصيبوا بفيروس «كورونا».

ونظراً لمتطلباته الكبيرة من الطاقة - يزن الدماغ البالغ ثلاثة أرطال (الرطل 453 غراماً تقريباً)، ما يمثل 2 في المائة من وزن الجسم، لكنه يستهلك 20 في المائة من وقود الجسم - نجد أن لدى الأنسجة الدماغية طلب استقلابي مرتفع. وعليه، فإن تراجع عملية إنتاج الطاقة بسبب ضعف وظيفة الميتوكوندريا يعطل عمليات الدماغ الأكثر طلباً للطاقة، مثل الوظائف التنفيذية.

وقد يكون الالتهاب العصبي سبباً آخر وراء «ضباب الدماغ». ومثلما الحال مع العلاج الكيميائي، الذي لطالما ارتبط بحالة «القصور الإدراكي اللاحق للعلاج الكيميائي» (chemo brain)، وهو ضعف معرفي يعاني منه الكثير من مرضى السرطان في أثناء العلاج، فإن «كوفيد - 19» يسبب التهاباً عصبياً. وينشط الهجوم الفيروسي الخلايا الدبقية، والمستجيبات المناعية للدماغ، ما يترك تداعيات على الوظائف الإدراكية.

ويمكن أن يؤدي الإطلاق الواسع للجزيئات الالتهابية مثل السيتوكينات، إلى الحد من تكوين الخلايا العصبية، والبراعم التغصنية، وغير ذلك من وسطاء المرونة الإدراكية، ما يعيق قدرة الدماغ على الإبقاء على الحالة المعرفية الطبيعية في مواجهة التحديات التي يتعرض لها.

بجانب ذلك، قد تثير جزيئات الفيروس العالقة في الجسم استجابة مناعية مستمرة أو مفرطة النشاط، ما يسبب أضراراً جانبية. وقد تتضمن الاستجابة إنتاج أجسام مضادة ذاتياً، وإساءة البروتينات توجيه قوتها الوقائية ضد الجسم.

جلطات الدم المدمرة

ورغم أن الحكم النهائي لم يصدر بعد بخصوص هذا الموضوع، فإن دراسة رئيسية واحدة على الأقل استبعدت الالتهاب العصبي باعتباره سبباً وراء «ضباب الدماغ» الناجم عن فيروس «كورونا».

وثمة دلائل كذلك تشير إلى أن جلطات الدم يمكن أن تسبب «ضباب الدماغ» المرتبط بفيروس «كورونا». وفي وقت مبكر من الجائحة، لاحظ باحثون وأطباء أن المرضى الذين يحتجزون بالمستشفيات بسبب إصابتهم بصورة شديدة من «كوفيد»، يتعرضون أكثر لتلف الأعضاء بسبب جلطات الدم. وحديثاً، رصد فريق يتابع المرضى الذين احتجزوا بالمستشفيات بسبب «كوفيد - 19» في عامي 2020 و2021، مستويات مرتفعة من اثنين من البروتينات المسببة للجلطة («فيبرينوجين» و«دي - ديمر») في دماء مَن عانوا لاحقاً من صعوبات إدراكية.

الملاحظ أن المرضى أصحاب المستويات الأعلى من «فيبرينوجين» (fibrinogen) و«دي - ديمر D - dimer» في دمهم وقت احتجازهم بالمستشفى، قيموا لاحقاً قدراتهم المعرفية العامة في استبيانات باعتبارها أضعف عن المرضى الذين اتسمت دماؤهم بانخفاض «فيبرينوجين».

علاوة على ذلك، يميل أفراد المجموعة صاحبة النسبة الأعلى من «فيبرينوجين» إلى تسجيل نتائج أسوأ بالمقاييس الموضوعية للذكاء والانتباه. وتدعم الدراسة، التي نشرت بدورية «نيتشر»، احتمالية أن تكون جلطات الدم في أثناء المراحل الحادة من العدوى الفيروسية، قد تسببت في أعراض مستمرة لفترة طويلة، مثل «ضباب الدماغ».

وفي الفترة الأخيرة، اقترح باحثون مساراً إضافياً لـ«ضباب الدماغ» كان بمثابة مفاجأة... وهو الأمعاء؛ إذ يحفز الحمض النووي الريبي الفيروسي المستمر، الموجود غالباً في أمعاء المرضى الذين يعانون من مرض «كوفيد» طويل الأمد، الجهاز المناعي على إطلاق جزيئات التهابية، والتي تسبب أضراراً جانبية، وتمنع امتصاص الحمض الأميني التربتوفان من الطعام، في خضم محاولتها لمكافحة العدوى. ويشكل التربتوفان مقدمة للسيروتونين.

تعيق ندرة السيروتونين الناتجة عن ذلك - مع إنتاج معظم إمدادات الجسم من الناقل العصبي في الأمعاء - الاتصال بين الأمعاء والدماغ، الذي يجري عادة عبر العصب المبهم. وربما تكون منطقة الحصين بالدماغ العنصر الأكثر تضرراً من هذا الأمر، ما يؤدي إلى صعوبة في عمل الذاكرة.

ومع ذلك، تواجه الأبحاث حول التداعيات المعرفية لفيروس «كورونا» من مشكلة واحدة كبرى، غيابَ تعريفٍ متفق عليه لـ«ضباب الدماغ»، وكذلك عدم وجود سبيل واحد لتقييمه، ما يحول دون مقارنة نتائج الدراسات المختلفة، ناهيك عن غموض العمليات النفسية العصبية المعنية.

مقياس الضباب الدماغي

وفي خضم هذا السديم التشخيصي، ظهر فريق من علماء النفس البولنديين سعوا لطرح إجابات. وفي دورية «الشخصية والفروق الفردية» (Journal Personality and Individual Differences)، كشفت أغاتا ديبوسكا وزملاؤها عن تطوير مقياس لـ«ضباب الدماغ» لتوفير سبيل شائع للتقييم.

يسعى المقياس الجديد (Brain Fog Scale) لرصد جميع الأعراض. ووجد القائمون عليه أن هذه الأعراض تصنف نفسها في ثلاثة مجالات متميزة: التعب العقلي، وضعف حدة الإدراك، والارتباك. ونظراً لأن أداة القياس الجديدة عبارة عن مقياس تقرير ذاتي، يمكن للأفراد اختبار أنفسهم بأنفسهم.

ورغم أن العلماء ما زالوا غير قادرين على تحديد سبب «ضباب الدماغ» على وجه اليقين، ولا توجد علاجات محددة، فإن المكملات المضادة للأكسدة ربما تساعد في الحفاظ على إمدادات الأكسجين في الدماغ.

وخلص فريق من جامعة ييل يعكف على دراسة «ضباب المخ»، إلى أن مجموعة صغيرة من المرضى الذين جرى إعطاؤهم مضاد الأكسدة «إن - أسيتيل سيستئين» N - acetylcysteine (NAC)، تحسنت لديهم الذاكرة والمهارات التنظيمية والقدرة على الاضطلاع بمهام متعددة. يذكر أن المرضى تناولوا 600 مليغرام من «أسيتيل سيستئين» مرة واحدة يومياً.

ولدى البعض، اختفى عرض «ضباب الدماغ» تماماً؛ لدرجة أنهم عادوا إلى وظائفهم.

يذكر أن «أسيتيل سيستئين» متاح حالياً دون الحاجة لوصفة طبية. كما يعكف باحثون على اختبار «أسيتيل سيستئين» في علاج إصابات الدماغ.

يتسبب بضعف في الوظائف التنفيذية والذاكرة وتنظيم الانتباه والتحفيز الذهني

مقياس ضباب الدماغ

ترصد هذه العبارات مكونات ضباب الدماغ. أما النطاق الكامل لها فيتكون من 23 عنصراً

• العامل 1

- إرهاق ذهني

- كان تفكيري بطيئاً

- شعرت بالإرهاق الذهني

• العامل 2

- ضعف حدة الإدراك

- شعرت بصعوبة في التذكر واستيعاب المعلومات الجديدة

- وجدت نفسي أنسى كلمات معينة، مثل أسماء أشياء

• العامل 3

- ارتباك

- مررت بوقت عصيب في محاولة فهم ما يقوله الآخرون

- شعرت بالانفصال عن الواقع

* «سايكولوجي توداي»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

ما أفضل وقت لقياس ضغط الدم خلال اليوم؟

صحتك شخص يقيس ضغط دمه (بيكسلز)

ما أفضل وقت لقياس ضغط الدم خلال اليوم؟

يُعد قياس ضغط الدم بانتظام خطوة أساسية للحفاظ على صحة القلب ومتابعة الحالات المرتبطة بارتفاعه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إضافة الكريمة والسكر إلى القهوة قد تؤدي إلى ارتفاع أسرع في مستوى السكر مقارنة بشرب القهوة السوداء وحدها (بيكسباي)

القهوة مع الكريمة والسكر: ماذا يحدث لسكر الدم عند تناولها يومياً؟

يبدأ كثير من الناس يومهم بفنجان قهوة، مضافاً إليه السكر والكريمة، لكن هذا المزيج قد يؤثر في مستويات السكر في الدم أكثر مما يعتقد البعض.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك مكملات غذائية (رويترز)

مكملات غذائية يمكن تناولها مع الطعام لامتصاص أفضل

قال موقع فيري ويل هيلث إن المكملات الغذائية قد تساعدك على استفادة من الطعام بشكل أفضل، لذا يجب معرفة كيفية تناول تلك المكملات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الأرز البني أم الأبيض أيهما أفضل؟ (بيكسلز)

الكينوا أم الأرز البني... أيهما أغنى بالبروتين والألياف؟

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن الأرز البني والكينوا يُعدّان خيارين ممتازين لإضافة الحبوب الكاملة إلى نظامك الغذائي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك 7 أنواع من مرض السكري... تعرّف عليها

7 أنواع من مرض السكري... تعرّف عليها

ضمن تحديثاتها لهذا العام في جوانب التثقيف الصحي على موقعها الإلكتروني، لخصت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية (CDC) حديثها عن مرض السكري بقولها...

د. عبير مبارك (الرياض)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.