ما الذي يجعل فنلندا تتصدّر البلدان الأكثر سعادة للعام السابع على التوالي؟

فنلنديون خلال احتفال وفي وسط الصورة فتاتان تبتسمان وتحملان علم فنلندا (متداولة)
فنلنديون خلال احتفال وفي وسط الصورة فتاتان تبتسمان وتحملان علم فنلندا (متداولة)
TT

ما الذي يجعل فنلندا تتصدّر البلدان الأكثر سعادة للعام السابع على التوالي؟

فنلنديون خلال احتفال وفي وسط الصورة فتاتان تبتسمان وتحملان علم فنلندا (متداولة)
فنلنديون خلال احتفال وفي وسط الصورة فتاتان تبتسمان وتحملان علم فنلندا (متداولة)

للعام السابع على التوالي، احتلت فنلندا المرتبة الأولى على قائمة أسعد شعوب العالم؛ وفقاً لتقرير السعادة العالمي الذي نشر (الأربعاء) بمناسبة اليوم الدولي للسعادة.

ولكن كيف يمكن لبلد قد يستمر فيه الشتاء 200 يوم أن يكون مواطنوه الأكثر سعادة في العالم؟

حلّل الباحثون مؤشر السعادة في الفترة بين عامي 2021 و2023، في تقرير تم إعداده بشراكة بين «معهد غالوب» لاستطلاعات الرأي، و«أكسفورد ويلبيينغ ريسيرش سنتر»، وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية»، جاءت جميع دول الشمال الأوروبي في المراكز العشرة الأولى في الدول الأكثر سعادة في العالم، إذ جاءت الدنمارك وآيسلندا والسويد خلف فنلندا. وجاءت النرويج في المركز السابع.

وعلى الصعيد العربي، حلّت الكويت في المرتبة الأولى والثالثة عشرة في الترتيب العام، بينما جاء لبنان وأفغانستان في المركزين الأخيرين.

وأوضح عالم النفس الفنلندي فرنك مارتيلا سبب احتلال فنلندا المرتبة الأولى، وقال إن «أحد العوامل هو أن الحكومة تعمل بفاعلية، ولكن الأهم من ذلك أنها قادرة بالفعل على أن تكون حاضرة من أجل خدمة المواطنين».

فنلنديون يشجعون منتخب بلادهم خلال مناسبة رياضية (متداولة)

معايير الدراسة

يستند معدو الدراسة المنشورة سنوياً منذ 2012، الذي يقيس مستوى السعادة في الدول، إلى استطلاعات رأي يجيب فيها السكان عن استبانات بشأن درجة السعادة الشخصية. وتتم مقاطعة هذه البيانات مع عدد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ومنها إجمالي الناتج المحلي، ومؤشرات التضامن، والحرية الشخصية، والفساد.

ويأخذ التقرير في الاعتبار ستة عوامل رئيسية: الدعم الاجتماعي، والدخل، والصحة، والحرية، والكرم، وغياب الفساد.

وقالت الباحثة المتخصصة في هذا الموضوع في جامعة هلسنكي جنيفر دي باولا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن القرب من الطبيعة والتوازن الجيد بين العمل والحياة يشكّلان مفتاح رضا الفنلنديين.

وتشتهر الدولة الاسكندنافية التي تضم آلاف البحيرات وغابات شاسعة، بنظام رعاية واسع النطاق وثقة سكانها الكبيرة تجاه السلطة ومعدلات منخفضة من عدم المساواة بين الفنلنديين.

صورة عامة لهلسنكي عاصمة فنلندا عند المغيب (متداولة)

ولاحظت الباحثة في جامعة هلسنكي أن «نظرة الفنلنديين إلى مفهوم الحياة الناجحة يمكن أن تتحقق ربما بطريقة أسهل» مما هي في الولايات المتحدة مثلاً، حيث يُربط النجاح غالباً بمدى القدرة على جَني المكاسب المالية.

ومن العناصر الأساسية أيضاً الثقة في المؤسسات، وقلة الفساد، وإمكانية الحصول مجاناً على الرعاية الصحية والتعليم. وقالت دي باولا إن «المجتمع الفنلندي يتسم بالشعور بالثقة وبالحرية، وبمستوى عالٍ من الاستقلالية».

وأشار تقرير سابق للقناة الفرنسية «فرنس 24»، إلى أنّ الفنلنديين أكثر ارتياحاً من سواهم لناحية تلبية الحاجات اليومية. نظام الرعاية في البلاد متميز، كما أن دوامات العمل مرنة فيما تتيح الإجازة الوالدية السخية للسكان بالتوفيق بين الحياة المهنية والعائلية.

5 عوامل للسعادة

قالت رئيسة وزراء فنلندا السابقة سانا مارين، في مقابلة أجريت معها مؤخراً، إن الفنلنديين عموماً ليسوا «الأكثر بهجة». لكنها أضافت: «لدينا مجتمع جيد»، يغذيه جزئياً نموذج الرعاية الاجتماعية الذي «يمكّن الجميع من التمتع بحياة جيدة».

رئيسة الوزراء الفنلندية السابقة سانا مارين تتحدث في مؤتمر صحافي خلال زيارتها لروما 18 مايو 2022 (رويترز)

فيما يلي بعض جوانب الحياة الفنلندية التي قد تجعل سكان هذا البلد أكثر سعادة من سكان الدول الأخرى بشكل عام، وفق تقرير لمجلّة «يو إس نيوز» الأميركية، (الأربعاء) 20 مارس (آذار) 2024.

1- شبكة أمان اجتماعي قوية

في كل عام، تنفق فنلندا مليارات اليورو على برامج «الحماية الاجتماعية»، التي تشمل المعاشات التقاعدية، وتكاليف الرعاية الصحية، والبطالة، وغيرها من الخدمات الاجتماعية. وتنفق فنلندا بانتظام أكثر من 20 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على مثل هذه القضايا، وهي من بين أعلى النسب في الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (التي تضم بشكل خاص عدداً كبيراً من الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا). يبدو أن هذه السياسة الحكومية تناسب الفنلنديين؛ فقد وجد استطلاع أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2022 أن 70 في المائة من الفنلنديين راضون عن نظام الرعاية الصحية في البلاد.

امرأتان فنلنديّتان تتنزّهان (متداولة)

2- المساواة بين الجنسين

تفتخر فنلندا بأنها من أكثر المجتمعات مساواة بين الجنسين في العالم، وفقاً لتقرير عام 2023 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. بدءاً من أبريل (نيسان) 2023، شكّلت النساء 46 في المائة من أعضاء برلمان البلاد، و40 في المائة من أعضاء المجالس على مستوى البلديات.

تحتل فنلندا المرتبة الخامسة في تصنيفات أفضل الدول للنساء التي تنشرها مجلة أخبار الولايات المتحدة، حيث وافق 98 في المائة من المشاركين في الاستطلاع في البلاد على عبارة «يجب أن تتمتع المرأة بالحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجل». ويُنظر إلى البلاد أيضاً على أنها واحدة من أفضل الدول من حيث المساواة بين الجنسين.

يعود سعي فنلندا لتحقيق المساواة بين الجنسين إلى عام 1906 على الأقل، عندما أصبحت واحدة من أولى الدول التي منحت المرأة حق التصويت.

طفلة فنلندية تلعب على الثلج (متداولة)

3- مجتمع صديق للأسرة

لدى فنلندا واحد من أكثر بدلات الإجازة الوالدية سخاء في العالم. يتضمن برنامج الإجازة العائلية في فنلندا إجازة الحمل - 40 يوماً تكون إجازة للأمهات أثناء الحمل - فضلاً عن 160 يوماً من الإجازة الوالدية لأولئك الذين هم أوصياء على الطفل - بغض النظر عما إذا كان البالغون آباء بيولوجيين أو بالتبني.

ومن المحتمل أن تكون سياسات الإجازة السخية في فنلندا، حسب مجلّة «يو إس نيوز»، جزءاً من سبب احتلال هذا البلد المرتبة الثالثة في تصنيفات أفضل الدول لتربية الأطفال التي نشرتها المجلة، والتي تعتمد على تصورات المشاركين في استطلاع عالمي.

صورة عامة من مدينة أولو شمال فنلندا (متداولة)

4- بلد واعٍ بيئياً

لدى فنلندا عدد كبير من السياسات البيئية الطموحة، من بينها هدف الحياد الكربوني في عام 2035. وفي حين أن الدولة تتخلف قليلاً عن معاييرها، فإنها تفتخر بأقل تلوث للهواء بين بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وفقاً لبيانات المجموعة. في الواقع، تُعد فنلندا أيضاً من بين الدول العشر الأكثر وعياً بالبيئة في أحدث تصنيفات أفضل الدول التي نشرتها مجلة «يو إس نيوز»، ويُنظر إليها على أنها واحدة من أفضل الدول للحياة الخضراء.

صورة لأطفال فنلنديين يقطفون الزهور في حديقة (متداولة)

5- مواطن متعلّم

إن استثمار فنلندا لكل تلميذ في التعليم أعلى من المتوسط بالنسبة للدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتعطي البلاد الأولوية بشكل خاص للبرامج المهنية، حيث إن أكثر من ثلثي طلاب المدارس الثانوية الفنلندية مسجلون في التعليم والتدريب المهني، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.


مقالات ذات صلة

أول جامعة دامجة تجمع الصم بذوي السمع الطبيعي في المغرب قبل المونديال

شمال افريقيا الأميرة للا أسماء رئيسة مؤسسة للا أسماء خلال تدشين الجامعة الدامجة (وكالة المغرب العربي للأنباء)

أول جامعة دامجة تجمع الصم بذوي السمع الطبيعي في المغرب قبل المونديال

المغرب يدشن أول جامعة دامجة للصم بالرباط، نموذج أكاديمي يربط التخصصات الطبية بالتكوين المهني والاجتماعي، لتأهيل الكفاءات، واستيعاب الاستحقاقات المقبلة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق على عكس الاعتقاد الشائع فإن الإصابة بالقمل لا تعني سوء النظافة الشخصية (بكسلز)

كيف تعالجين إصابة طفلك بالقمل؟

هناك ثلاث كلمات يخشى الآباء -في مجموعات الدردشة الخاصة بفصول أبنائهم الدراسية- قراءتها، وهي: «طفلي مصاب بالقمل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)

اكتشاف نوع جديد من الديناصورات في بريطانيا

اكتشف فريق بحثي بقيادة كلية لندن الجامعية (UCL) نوعاً جديداً من الديناصورات، استناداً إلى أحفورة عُثر عليها في جزيرة وايت الإنجليزية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تعلم اللغات يتطلب قدرة على تمييز الفروق الدقيقة بين الأصوات (جامعة سياتل)

دقة السمع تعزز تعلم اللغات الأجنبية

أفادت دراسة دولية بأن الأشخاص الأكثر قدرة على تمييز الفروق الدقيقة بين الأصوات يمكنهم إتقان نطق اللغات الأجنبية الجديدة بسرعة ودقة أكبر من غيرهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق العادات الغذائية للأمهات خلال الحمل ترتبط باحتمالات إصابة أطفالهن بالمغص والإكزيما (جامعة ولاية آيوا)

أغذية للحوامل تحد من المغص لدى الرضع

كشفت دراسة أميركية أن اتباع نظام غذائي صحي خلال الحمل يرتبط بانخفاض احتمالات إصابة الرضع بالمغص والإكزيما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».