شوارع تعز اليمنية... اختناق مروري ومساعٍ لإيجاد حلول

مطالب بإزالة الأسواق العشوائية دون إضرار بالباعة

مسؤولون محليون في مدينة تعز خلال حملة ملاحقة الباعة المتجولين (إعلام محلي)
مسؤولون محليون في مدينة تعز خلال حملة ملاحقة الباعة المتجولين (إعلام محلي)
TT

شوارع تعز اليمنية... اختناق مروري ومساعٍ لإيجاد حلول

مسؤولون محليون في مدينة تعز خلال حملة ملاحقة الباعة المتجولين (إعلام محلي)
مسؤولون محليون في مدينة تعز خلال حملة ملاحقة الباعة المتجولين (إعلام محلي)

تشهد مدينة تعز اليمنية منذ ما قبل دخول شهر رمضان حملات لإزالة الأسواق العشوائية وتخفيف الزحام، بينما يرفض الباعة المتجولون الانتقال إلى سوق جرى تجهيزها جنوب المدينة أو أسواق أخرى بعيدة في الأطراف بحجة أنها بعيدة عن مركز التسوق، ولا يمكنهم فيها تحقيق مداخيل كافية.

وتسعى السلطات المحلية في تعز (جنوبي غرب) منذ أشهر إلى التخفيف من الازدحام والاختناقات المرورية في قلب المدينة، والتي يعد الباعة المتجولون أحد أسبابها إلى جانب عشوائية حركة السير، وعدم التزام أنظمة المرور، وتزداد هذه الاختناقات في شهر رمضان والأشهر التالية التي تعدّ موسماً تجارياً، يسعى كثير من العاطلين إلى استغلاله في العمل باعةً متجولين.

تعد مدينة تعز من أكثر المدن اليمنية معاناة من الزحام والاختناقات المروية (إعلام محلي)

وفي الوقت الذي شدّدت فيه السلطات المحلية في مديرية «القاهرة» على منع أي تعديات على الشوارع والأرصفة، وجّه فرع مكتب الأشغال العامة والطرق في المديرية بالعمل على تحديد أماكن مناسبة لنقل الباعة المتجولين وباعة الأرصفة.

ويؤكد القائمون على الحملة أنها جاءت بناءً على توجيهات المحافظ نبيل شمسان، بعد أن كثرت الشكاوى من الاختناقات المرورية وصعوبة السير، وأنه جرى إشعار جميع المخالفين بهذه الإجراءات قبل بدء تنفيذها بأكثر من أسبوع لتمكينهم من البحث عن بدائل.

ويشكو محمد عبد الغني، وهو صاحب «بسطة» لبيع الملابس، من تضافر الملاحقات الأمنية مع الظروف الطبيعية والنافذين في منعه وزملائه من البيع، فخلال مواسم الأعياد يتعرضون لملاحقة مكتب الأشغال والشرطة، وفي فصل الصيف تأتي الأمطار والسيول الغزيرة التي قد تفاجئ كثيراً منهم، وتجرف بضائعهم في طريقها، وفي أحسن الأحوال تمنعهم من عرضها وبيعها.

وفي سائر الأوقات يواجه الباعة المتجولون طبقاً لحديث عبد الغني لـ«الشرق الأوسط»، أعمال جباية غير قانونية من قبل أشخاص نافذين، كثير منهم لا يملك صفة رسمية، ويسيطرون على مساحات واسعة يزعمون توفير الحماية لها وتنظيمها، ويقتطعون مبالغ من مداخيل الباعة المتجولين مقابل تلك الخدمات.

الأولوية لماذا؟

ويبدو أن إيجاد مواقع بديلة للباعة المتجولين أمر بالغ الصعوبة والتعقيد، نظراً لعدة عوامل منها الحصار الذي تعاني منه المدينة منذ ما يقارب العقد، حيث لا تزال كثير من الأحياء متضررة من الحرب، سواء بالدمار الذي لحقها أو باستمرار نزوح أهلها، إلى جانب أن أحياءً وشوارع كثيرة ما زالت تحت مرمى نيران قناصة الجماعة الحوثية.

ويقول مصدر في محافظة تعز لـ«الشرق الأوسط» إن هناك خلافات بين عدد من الجهات والمسؤولين في المدينة حول طريقة تنظيم عمل ونشاط الباعة المتجولين، خصوصاً مع تحول الباعة المتجولين إلى مصدر لتمويل العصابات الخارجة عن القانون الذين يديرون مناطق وشوارع كاملة بأنفسهم، ويعملون على تحصيل إتاوات من الباعة المتجولين لصالحهم.

أحد شوارع مدينة تعز بعد منع الباعة المتجولين من ارتياده (فيسبوك)

ورغم إقرار المصدر، الذي اشترط التحفظ على بياناته، بوجود مساحات يمكن استغلالها لتخفيف الزحام، وتنظيم حركة المرور في وسط المدينة بنقل الباعة المتجولين إليها، لكنه أوضح صعوبة إقناع الباعة المتجولين بالانتقال إلى تلك المناطق نظراً لخفة الحركة والأنشطة التجارية فيها، وقلة عدد السكان بسبب النزوح والأوضاع الأمنية غير المستقرة، ما يقلل من مبيعاتهم وتحقيق مداخيل كافية.

وذكر سمير الراشدي الموظف السابق في مكتب الأشغال في مدينة تعز، لـ«الشرق الأوسط» أن السلطات المحلية في مديرية القاهرة وسط المدينة قامت خلال الأشهر الماضية بتوفير مساحة كافية يمكن أن يلجأ لها كثير من الباعة المتجولين لبيع سلعهم، على أن يلتزموا بالنظام والمساحات التي سيجري توفيرها لهم، منعاً للتسبب في الزحام مجدداً.

ويشير جمال عقلان، وهو في جامعة تعز، إلى أن أزمة الباعة المتجولين والبسطات تفاقمت خلال فترة الحرب والحصار الذي تشهده المدينة وانهيار العملة والأوضاع المعيشية الصعبة، وهي العوامل التي ألقت بكثير من شباب المدينة وأريافها إلى هاوية الفقر، وكان من آثار ذلك زيادة أعداد الباعة المتجولين بشكل يفوق الوصف.

حلول ممكنة

واندفع كثير من الشباب إلى مزاولة هذه المهنة، وهو اختيار أفضل وأمثل من الانضمام إلى العصابات الإجرامية كما يرى عقلان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ومن بين هذه العصابات تلك التي تمارس أعمال البلطجة على الباعة المتجولين، وتقاسمهم مداخيلهم، داعياً إلى مواجهة هذه العصابات بموازاة تنظيم حركة المرور الذي ينبغي أن يرافقه تمكين الباعة المتجولين من كسب أرزاقهم.

في الصيف تأتي سيول الأمطار لتجرف بضائع الباعة المتجولين ملحقة بهم خسائر كبيرة (فيسبوك)

ويشعر الكاتب باسم منصور إزاء هذه الحملات بالحيرة وهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» لكونها تأتي في ظروف معيشية قاسية على الجميع، فبرأيه هناك ضرورة ملحة لتنظيم حركة المرور داخل المدينة، لكن الأولى من تنظيم الحركة هو مراعاة سبل معيشة آلاف اليمنيين الذين يلجأون للعمل باعة متجولين بسبب صعوبة الحصول على وظائف وأعمال.

ويؤكد منصور أن الباعة المتجولين يتسببون فعلاً في خنق حركة المرور، ومن ثم هم يعطلون مصالح عدد آخر من السكان والموظفين والعمال، لكن منعهم من مزاولة البيع وإعالة أسرهم قد يدفعهم إلى أعمال خارج القانون.

وتبعاً لذلك، فإن العدالة، وفق تعبير منصور، تقتضي توفير مساحات قريبة من مناطق الأنشطة التجارية والحركة وسط المدينة، وإبعادهم من أرصفة الشوارع لإتاحة حرية الحركة للمشاة والسيارات.

ومنذ عامين، أقرت السلطات المحلية في مديرية القاهرة تنظيف حارة الهندي في منطقة «سائلة القمط»، جنوب المدينة، وتهيئتها لتكون سوقاً لعدد من الأنشطة التجارية بما في ذلك توفير مساحات للباعة المتجولين.

وكانت هناك دراسة قد أعدها باحثون في إحدى مؤسسات المجتمع المدني في مدينة تعز توصلت إلى أن حل الاختناقات المرورية في تعز يكمن في إعادة تفعيل دور إدارة تنظيم الأسواق، حيث هي الإدارة المختصة بحل هذه المشكلة، إلى جانب إيجاد أسواق بديلة في عدد من أحياء المدينة، واستغلال المرافق التي جرى تعطيلها بسبب الحصار والحرب لتصبح أسواقاً بديلة للباعة المتجولين.

مسؤول أمني في مدينة تعز يتحدث مع الباعة المتجولين خلال الحملة (فيسبوك)

واقترحت الدراسة التي أعدها الباحثان محمد الحريبي ومحمد علي محروس، 3 مرافق عامة توفر مساحات كبيرة في وسط المدينة وشرقها وشمالها لتوفير مساحات فاعلة للباعة المتجولين وأصحاب البسطات.

وأوصى الباحثان بتنفيذ برنامج حوكمة عاجل لإدارة تنظيم الأسواق، وإشراك منظمات المجتمع المدني العاملة في المحافظة لمناقشة إمكانية تنفيذ مشاريع تحسينية لحل مشكلات الأسواق العشوائية، وتنظيم تلك الأسواق بوضع آلية لتحصيل إيراداتها، واستخدامها لتحسين بنيتها.


مقالات ذات صلة

دعم أممي يعزز مواجهة اليمن تفشي الأمراض الوبائية

العالم العربي الترصد الوبائي في اليمن أسهم في احتواء الكوليرا والحصبة (إعلام محلي)

دعم أممي يعزز مواجهة اليمن تفشي الأمراض الوبائية

أكدت منظمة الصحة العالمية أن الدعم الأممي عزز استجابة اليمن لموجات الكوليرا والحصبة، عبر دعم الترصد والعلاج وخدمات الأمومة والأمراض المزمنة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون يواصلون التعبئة والحشد ضمن مساعيهم إلى نسف التهدئة في اليمن (رويترز)

سكان صنعاء يحملون الحوثيين مسؤولية تقويض مسار التهدئة

تتصاعد المخاوف في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين من أن يقود التصعيد العسكري في البحر الأحمر والجبهات الداخلية إلى تقويض جهود السلام وسط مطالب شعبية بإنهاء الصراع

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
خاص وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

خاص القوات المسلحة اليمنية تحذر الحوثيين من استمرار تهديد أمن البحر الأحمر

أكَّدت القوات المسلحة اليمنية جاهزيتها العالية واستعدادها القتالي الكامل لترسيخ الأمن والاستقرار، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تأهب يمني لتداعيات تصعيد الحوثيين المهدد للملاحة في البحر الأحمر (إعلام حكومي)

اليمن يرفع الجاهزية لمواجهة تداعيات التهديد الحوثي للملاحة

كثفت الحكومة اليمنية استعداداتها لمواجهة تداعيات التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر عبر مراجعة خطط الطوارئ وتأمين الأسواق والمخزون الاستراتيجي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)

الزنداني يطالب بردع دولي لوقف تهديدات الحوثيين للملاحة

جددت الحكومة اليمنية مطالبتها المجتمع الدولي باتخاذ موقف أشد حزماً تجاه الحوثيين، وذلك بالتزامن مع سقوط مقذوف مجهول بالقرب من ناقلة نفط في جنوب البحر الأحمر...

«الشرق الأوسط» (عدن)