ربع قرن في الكرملين: جبهة داخلية متماسكة و«أعداء» يطوقون البلاد

انتخابات «هادئة» رغم ضجيج الحرب في الجوار... وتفويض جديد لبوتين

خلال التصويت في الانتخابات الرئاسية الروسية بمركز اقتراع بموسكو... روسيا 15 مارس 2024 (أ.ف.ب)
خلال التصويت في الانتخابات الرئاسية الروسية بمركز اقتراع بموسكو... روسيا 15 مارس 2024 (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن في الكرملين: جبهة داخلية متماسكة و«أعداء» يطوقون البلاد

خلال التصويت في الانتخابات الرئاسية الروسية بمركز اقتراع بموسكو... روسيا 15 مارس 2024 (أ.ف.ب)
خلال التصويت في الانتخابات الرئاسية الروسية بمركز اقتراع بموسكو... روسيا 15 مارس 2024 (أ.ف.ب)

مع إغلاق صناديق الاقتراع في روسيا مساء الأحد، ينتظر الروس الإعلان رسمياً عن النتائج الأولية للاستحقاق الانتخابي. لا مفاجآت متوقعة يمكن أن تعكر صفو النصر الكبير. والرئيس فلاديمير بوتين سوف يدشن ولاية رئاسية جديدة بشبه إجماع وطني تحدثت عنه سلفاً استطلاعات الرأي. وينتظر أن تثبته على مقعد الرئاسة في الكرملين حتى عام 2030 على الأقل. ليدخل بذلك في عداد الزعماء والقياصرة الروس الذين تربعوا على عرش الكرملين لسنوات طويلة، شهدت خلالها البلاد تقلبات ومراحل هبوط وصعود. وواجهت أعقد التحديات الخارجية والداخلية. ومع تجاوزه هذا الاستحقاق، يكون بوتين الذي تسلم زمام السلطة بروسيا في عام 1999 أطول الحكام عمراً على العرش، منذ عهد الإمبراطورة يكاترينا الثانية في القرن الثامن عشر.

انتخابات «هادئة»

مر الاستحقاق الانتخابي بهدوء لا يتناسب مع حجم المصاعب التي تحيط بالبلاد، وسط أجواء غابت عنها المنافسة. لكنه في الوقت ذاته، شهد حملات إعلامية وسياسية قوية لإظهار دعم المجتمع للرئيس وقراراته المصيرية، وعلى رأسها الهجوم على أوكرانيا قبل عامين ونيف.

حتى المظاهر الاحتجاجية المحدودة التي شهدتها بعض مراكز الاقتراع، مثل سكب سائل أخضر على الصناديق أو محاولة إثارة سجالات خلال عمليات التصويت، لم تجد تغطيات واسعة، ولا ردود فعل في المجتمع. أثبت الاستحقاق مجدداً صحة رهان الكرملين على هامشية المعارضة، وضعف تأثيرها في الشارع. ودعوات المعارض أليكسي نافالني قبل موته في السجن بأسبوعين، لتحويل مراكز الاقتراع إلى مواقع تجمع لأنصاره، لم تلقَ تفاعلاً كبيراً.

المرشح الرئاسي ليونيد سلوتسكي يتحدث للصحافة السبت (إ.ب.أ)

في الشارع، لا مظاهر خاصة تشي بأن البلاد تعبر استحقاقاً مهماً للغاية. غابت اليافطات الدعائية وصور المرشحين، إلا في حالات محدودة للغاية برزت فيها صور عملاقة لبوتين. وكان هذا أمراً متوقعاً سلفاً، وحتى داخل المقار الانتخابية لـ«المنافسين» الثلاثة لبوتين، لم تبرز دعاية انتخابية توحي بأنه يمكن أن يقدم حلولاً مبتكرة أو رؤى مختلفة عن تلك «الواثقة والمجربة» التي قدمها بوتين على مدى ربع قرن.

وجه الخلاف في الخطاب السياسي للمرشحين يكاد لا يكون ملحوظاً. في السياسة الخارجية، الكل يدعم نهج بوتين ويرى فيه الطريق الوحيدة الصحيحة لروسيا المعاصرة. أما داخلياً، فمن يهتم اليوم في روسيا بعودة تطبيق خطط اقتصادية تحمل نكهة سوفياتية بعض الشيء، كما يعلن نيكولاي خارتينوف مرشح الحزب الشيوعي، في وقت تسير فيه كل البلاد نحو اقتصاد موجه، يحمل أكثر صفات العسكرة، وحشد كل إمكانات البلاد في خدمة الجبهة؟

والإصلاحات المحدودة «الليبرالية» إلى حد ما، التي رفع شعارها المرشح الشاب فلاديسلاف دافانكوف (حزب الناس الجدد)، من يهتم بها حالياً؟ وكيف يمكن أن تنقذ 30 في المائة يقبعون تحت خط الفقر من العائلات كبيرة العدد (3 أطفال وأكثر)؟

أما القومي ليونيد سلوتسكي (الحزب القومي الليبرالي)، فقد كان سباقاً لإعلان دعمه سياسات الكرملين في «مساعدة المناطق الروسية الجديدة» وضرورة دمجها وتأهيلها في الاقتصاد الروسي. وجعل هذا المدخل عنواناً لنشاطه الانتخابي.

كل منافسي بوتين في هذه الانتخابات لم يقدموا أي شيء يمكن أن ينافس سياساته أو يشكك حتى لو بجزء بسيط في صوابها. وحتى لم يطرح أي منهم أسئلة صعبة تحير الروس أو تثير لديهم بعض القلق أحياناً.

في هذه الأجواء، بدا المشهد الانتخابي أقرب إلى ديكور، رسمت ملامحه بدقة، وشغل الحيز الأكبر في مركزه الزعيم الوحيد الذي تراهن غالبية طبقات المجتمع على تقديمه حلولاً لكل مشكلات البلاد.

بوتين الزعيم الأوحد

لم يكن من قبيل الصدفة أن يحدد الكرملين قبل أسبوعين من حلول موعد «الانتخابات الحاسمة»، الخيار المطروح أمام الشعب الروسي. عندما قال الناطق باسمه دميتري بيسكوف، إنه «لا يرى بديلاً للرئيس الحالي». هذه كانت روح الانتخابات وجوهرها.

والروس، وهم يُقبلون بشيء من الكسل، وأحياناً عدم المبالاة، على مراكز الاقتراع، كانت تحوم في ذاكرة الجيل الأكبر سناً منهم مشاهد وصول الرئيس الجديد إلى السلطة قبل ربع قرن. كيف تغيرت روسيا خلال 25 سنة!

ناخبة تدلي بصوتها بمكتب اقتراع في لينينغراد السبت (إ.ب.أ)

كانت البلاد محطمة وتعاني قروح الانهيار والتبعية للغرب، وتواجه حرباً انفصالية مفتوحة في خاصرتها الهشة في القوقاز، وحروباً انفصالية أخرى مستترة وغير مفتوحة في عدد من مناطقها، مثل تتارستان التي كانت تدير سياساتها الداخلية والخارجية بمعزل عن قرار الكرملين وتحكم المركز الفيدرالي. وهذا الأمر ينسحب على كل المناطق الفيدرالية تقريباً التي انعزلت عن قرارات الكرملين، وباتت تتحكم بمواردها، ما تسبب في ظهور طبقة من الأثرياء الجدد عملت على ترتيب آليات سيطرتها على الموارد، مع ثلة من «حيتان المال» الذين سيطروا على القرار الاقتصادي والسياسي.

وكان المجتمع الروسي يواجه الفقر المدقع، وتخلف القطاعات الصحية، والتعليمية، وكل مرافق الخدمات. ويزداد تخبط إدارة الحكم. وكانت روسيا تفقد سنوياً نحو مليون نسمة، وتبدو مقبلة على كارثة ديموغرافية كاملة. يكفي القول إن دراسات دلت على أن واحداً فقط من كل 3 مواليد جدد في منتصف تسعينات القرن الماضي، كان يعيش ليكمل عامه الأول.

انعكس ذلك، في بروز نزعات النازية الجديدة في المجتمع والحركات القومية المتشددة بين الشباب، الذين سعوا عبر شعارات يمينية متطرفة للثأر ورد الاعتبار لوطنهم. أما على المستوى الدولي، فلم يكن لروسيا حضور جدي في أي ملف إقليمي أو عالمي.

في تلك الظروف برز اسم ضابط المخابرات السابق فلاديمير بوتين. كان التوافق على توليه السلطة بمثابة إنقاذ للحكم المتردد والضعيف. ورغم أن حقيقة كونه قادماً من جهاز الـ«كي جي بي» لم تلعب دوراً رئيسياً في سياساته لاحقاً، بقدر ما كانت جزءاً من حملة إعلامية ودعائية رافقت صنع هالة الزعيم القوي، وهو أمر أقر به بوتين ذات مرة عندما قال إنه لم يلعب دوراً مهماً في الجهاز الرهيب، لكن تلك الهالة رافقته لاحقاً في كل مراحل إدارته للبلاد.

بوتين يلقي خطاباً في قاعة «ألكساندر» بالكرملين في ديسمبر 2021 (أ.ف.ب)

سريعاً، عمل بوتين على ترتيب أركان حكمه، وفي العام شكل فريقاً قوياً من المخلصين الذين كانوا معه في حكومة سان بطرسبرغ، والذين رافقوه لاحقاً ولم يتخلَّ عن أي منهم رغم كل التقلبات التي شهدتها روسيا.

لكن الرئيس القوي الذي سحق بقسوة التمرد في الشيشان ونفذ سلسلة إجراءات لفرض سيطرة مطلقة في الأقاليم، عبر تعيين ممثلين شخصيين له فيها، لم يتسرع في إطاحة حكم «حيتان المال» خلال ولايته الرئاسية الأولى، التزاماً بعهد قطعه للرئيس السابق بوريس يلتسن. وانتظر انتهاء المدة (4 سنوات) ليبدأ بتطهير روسيا من نفوذهم. في ذلك الوقت، فرض معادلة على رجال الأعمال المتحكمين بثروات البلاد ومصائرها تقوم على الاختيار بين أعمالهم التي ستقع بالتنسيق مع الدولة أو السياسة وأمور الحكم. ومن اختار الطريق الثانية وجد نفسه منفياً؛ مثل بوريس بيريزوفسكي وثلة كاملة من الأثرياء اليهود الذي لجأوا إلى إسرائيل والغرب، أو في السجن مثل ميخائيل خودوركوفسكي ومجموعة كبيرة من «الفاسدين» و«اللصوص».

في الداخل الروسي، بقي من ارتضى الترتيب الجديد لعلاقة الدولة مع طبقة الأوليغارشية. وفي الوقت ذاته، نظم بوتين العلاقة مع القطاعات الاقتصادية عبر تأسيس شركات احتكارية وطنية كبرى، سيطرت على كل القطاعات الحيوية وثروات البلاد، ووضع على رأس كل منها مسؤولاً مقرباً منه. هكذا ظهرت «غازبروم» وغيرها من الشركات النفطية العملاقة، وشركات التعدين، وكثير من المؤسسات التي تولت القطاعات المختلفة.

«الثأر من الغرب»

مع حلول عام 2007، وقرب انتهاء ولايته الثانية والأخيرة، كان بوتين مستعداً داخلياً لإطلاق عملية الثأر من الغرب. وهو ما عبر عنه بوضوح خلال مؤتمر الأمن بميونيخ في خطاب حاد اللهجة ألقاه على مسامع كبار الشخصيات الغربية. عندها اتهم بوتين حلف شمال الأطلسي بتهديد روسيا من خلال التوسع، وانتقد الولايات المتحدة، لأنها تنسب لنفسها «سيادة مطلقة» في العالم. وهي المبررات نفسها التي استخدمها لغزو أوكرانيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي كلمة عبر الفيديو أمام المشاركين في «منتدى الجيش 2023» أغسطس 2023 (إ.ب.أ)

كانت المرحلة الجديدة قد بدأت. ومع توليه رئاسة الوزراء لفترة محدودة، نقل خلالها كل فريقه معه وترك مشرفين مخلصين يمثلونه في كل إدارات السياسة والاقتصاد في الكرملين. دشن بوتين بذلك المرحلة الثانية لحكمه، عبر إعلان التمرد الكامل على الغرب، وجاء اقتطاع أجزاء من جورجيا صيف عام 2008، ليشكل بالون اختبار لمدى قدرة الغرب على مواجهة تمدده اللاحق؛ بأوكرانيا في 2014، وسوريا في العام اللاحق.

وشكل الحدثان نقطة التحول الكبرى، فروسيا «لم تعد لاعباً إقليمياً كبيراً»، كما كان يحلو للرئيس الأميركي باراك أوباما أن يردد. وهي عبارة أغضبت الكرملين جداً. بل بدأت تستعيد قدرات الدولة العظمى ومستوى تأثيرها في كل الملفات الإقليمية والدولية. وبدأ الكرملين يستعيد العبارة السوفياتية: لا حل لأي مشكلة من دون موسكو.

أوكرانيا... المرحلة الثالثة

سيبقى قرار إطلاق الحرب في أوكرانيا أحد أخطر وأصعب القرارات التي اتخذها بوتين. وأظهرت تسريبات ومعطيات أن القرار تم اتخاذه بشكل فردي وبمشاورات مع ثلة محدودة جداً في محيطه، وشكل مفاجأة للجزء الأعظم من النخب السياسية والاقتصادية، فضلاً عن الشعب الروسي.

جنود أوكرانيون في الجبهة الأمامية يطلقون قذائف باتجاه القوات الروسية (أرشيفية - الجيش الأوكراني عبر تلغرام)

ومهما بدت النتائج اللاحقة للقرار متباينة ومتناقضة أحياناً مع الخطط التي رسمها الكرملين لمسار الحرب، فالأكيد أن اتخاذ القرار في توقيته ومضمونه دل على ثقة بوتين بتماسك الوضع الداخلي، وقدرته على إدارة المعركة من أن يشعر بضعف أو هزات تعرقل مساعيه.

وأثبتت التطورات صحة هذا المنطق. فالهزات الكبرى التي كان يمكن أن تقوض الاقتصاد بفعل رزم العقوبات غير المسبوقة، وبسبب تردي الوضع المعيشي جزئياً، لم تسفر عن انهيارات كان الغرب يتوقعها. ولم تشهد روسيا انشقاقات كبرى يمكن أن تؤثر على الوضع العام رغم المعطيات التي تتحدث عن نزوح نحو مليون روسي، بينهم جزء مهم من رجال المال والأعمال ومن العقول النابغة في مجالات مختلفة.

وبعد فشل الهجوم المضاد الأوكراني في صيف 2023، شعر بوتين بأنه يتمتع بهامش مناورة أكبر، مع انقسام الغربيين بشأن استمرار المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ولكن على الرغم من قوته، فإن الرئيس الروسي ما زال يواجه تحديات. فهو بعيد كل البعد عن الانتصار في أوكرانيا. وقدرة الروس والنخبة والاقتصاد على الصمود في هذا النزاع مع مرور الوقت تظل سؤالاً مطروحاً.

سكان في رستوف على دبابة في بداية تمرد «فاغنر» الصيف الماضي (أ.ب)

لقد شكل تمرد مجموعة «فاغنر» بقيادة يفغيني بريغوجين، أحد أكبر التحديات الداخلية، لكن المسألة حسمت سريعاً، ولم تترك تأثيرات كبرى على الجبهة التي بقيت متماسكة إلى حد كبير. كما أن موت المعارض أليكسي نافالني في سجنه، ومهما كانت أسبابه، من دون أن يثير هزات كبرى، دل أيضاً على أن بوتين نجح في تعزيز الوضع الداخلي بشكل يفتح أمامه هوامش واسعة للمناورات الخارجية.

الأكيد أن الكرملين، لم يُخفِ يوماً أنه لن يتساهل مع أي معارضة. والرموز المعارضة باتت موزعة بين المنفى أو القبر، مع ذلك، يظل بوتين، في نظر الغالبية من مواطنيه، الشخص الذي أعاد لروسيا عزتها بعدما قوّضها الفقر والفساد والتبعية للغرب.

مع القوة الكبيرة التي يشعر بها بوتين وهو يعبر استحقاق الانتخابات الحالية، لا يمكن تجاهل أن البلد الذي كان منهكاً ومفككاً قبل ربع قرن تجاوز أزمته الكبرى، لكن هذا لا يعني أنه يواجه تحديات حالياً أقل شأناً وخطورة.

توسع «الأطلسي»

لقد توسع حلف الأطلسي خلال ربع قرن من حكم بوتين، عدة مرات، وباتت قواته تقف على الحدود الروسية. والسجالات التي كانت في السابق تدور حول الضمانات الأمنية لروسيا بعدم نشر قوات أو أسلحة، أو بعدم ضم أوكرانيا أو جورجيا إلى الحلف، باتت تتخذ مسارات أكثر صعوبة حالياً. ويحمل تحول بحر البلطيق إلى بحيرة أطلسية مغلقة تقريباً في وجه الروس تداعيات مستقبلية خطرة، ظهر بعضها في تلويح سياسيين أطلسيين بقدرة الحلف على الانقضاض بسهولة على جيب كاليننغراد الروسي المعزول في هذه المنطقة. فضلاً عن أن الحديث يدور حالياً حول نشر مزيد من القوات والأسلحة على كل خطوط التماس الحدودية مع أوروبا، من بولندا إلى فنلندا العضو الأطلسي الجديد الذي يتمتع بقدرات مهمة باتت تعد لصالح الغرب وضد روسيا بعدما ظلت مع السويد «محايدة» لعقود طويلة.

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من كثير من دول «الناتو» على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا 4 مارس 2024 (د.ب.أ)

في المحيط الأقرب، تحولت جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا إلى خصوم للكرملين، والأخيرة قد تشهد قريباً امتدادات معركة أوكرانيا في منطقة بريدنوستروفيه الانفصالية، التي ترى فيها أوساط روسية «دونباس الجديدة».

وباقي الجمهوريات السوفياتية المتحالفة مع روسيا بدأت تنفض عنه شيئاً فشيئاً. وجمدت أرمينيا مشاركتها في تحالف «منظمة الأمن الجماعي»، وهي تلوح بمغادرتها. بينما تنشغل أذربيجان بترتيب الوضع الجديد في جنوب القوقاز بالتعاون مع تركيا. وفي آسيا الوسطى، يتمتع الكرملين حالياً بأقل قدر من التأثير منذ عهود طويلة.

يدخل فلاديمير بوتين ولايته الرئاسية الجديدة منتصراً داخلياً، بجبهة متماسكة وصلبة إلى حد بعيد. ويمسك أسلحة قوية في مواجهة الضغوط الغربية. لكنه في الوقت ذاته يقف أمام تحديات على الصعيد الخارجي، لا تقل خطورة عن تلك التي واجهها القياصرة الكبار الذين عمروا طويلاً مثله على عرش الكرملين.


مقالات ذات صلة

بازار الرئاسيات الفرنسية يكشف تشظّي الأحزاب التقليدية

أوروبا مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)

بازار الرئاسيات الفرنسية يكشف تشظّي الأحزاب التقليدية

اليمين المتطرف واثق من التأهل للجولة الحاسمة من الانتخابات الرئاسية الربيع المقبل، وزعيم اليسار المتشدد يجهد للحاق به.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي صورة نشرها موقع «الاتحاد الوطني الكردستاني» من لقاء بافل طالباني ومسرور بارزاني

تأخر الحكومة يستعيد «عهد الإدارتين» في كردستان العراق

مع استمرار حالة الانسداد شبه المستحكمة في كردستان العراق، يرجح قيادي في حزب الاتحاد الوطني أن يدخل الإقليم في «حالة الإدارتين المنفصلتين رسمياً».

فاضل النشمي (بغداد)
شمال افريقيا وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)

24.7 مليون ناخب أمام امتحان المشاركة في تشريعيات الجزائر

تنظم الجزائر، الخميس، انتخابات برلمانية، التحدي الأكبر فيها مدى اقتناع 24.7 مليون ناخب بالتوجه إلى صناديق الاقتراع.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (يسار) يتحدث خلال جلسة استجواب الحكومة في مجلس النواب بمدريد 24 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

قانون منح الجنسية لذوي الأصول الإسبانية يثير جدلاً في البلاد

أثار قانون إسباني يمنح الأشخاص المنحدرين من أصول إسبانية حق الحصول على الجنسية، جدلاً سياسياً حاداً.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت (رويترز)

رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أيزنكوت يسعى لإزاحة نتنياهو وترؤس الحكومة

أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت، الثلاثاء، إطلاق حملته الانتخابية سعياً لخلافة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

القنابل الانزلاقية... سلاح يعيد تشكيل مسار الحرب في أوكرانيا

خبراء أوكرانيون يعملون في موقع غارة جوية روسية بقنبلة انزلاقية في خاركيف بشمال شرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
خبراء أوكرانيون يعملون في موقع غارة جوية روسية بقنبلة انزلاقية في خاركيف بشمال شرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
TT

القنابل الانزلاقية... سلاح يعيد تشكيل مسار الحرب في أوكرانيا

خبراء أوكرانيون يعملون في موقع غارة جوية روسية بقنبلة انزلاقية في خاركيف بشمال شرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
خبراء أوكرانيون يعملون في موقع غارة جوية روسية بقنبلة انزلاقية في خاركيف بشمال شرق أوكرانيا (إ.ب.أ)

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة تتسم بتغيّر طبيعة الأسلحة وأساليب القتال، برزت القنابل الانزلاقية بوصفها أحد أكثر الأسلحة تأثيراً في موازين المعركة. فهذه الذخائر، التي تجمع بين انخفاض التكلفة والقدرة التدميرية العالية، باتت تؤدي دوراً متزايد الأهمية في العمليات العسكرية، حتى إن خبراء يرون أنها تُعيد رسم ملامح الحرب وتفرض واقعاً جديداً على ساحات القتال. وفي ظل تسارع استخدامها من قبل روسيا، وسعي أوكرانيا إلى تطوير نسختها المحلية منها، يبرز تساؤل جوهري: كيف ستؤثر القنابل الانزلاقية في مستقبل الحرب بأوكرانيا؟

أفادت السلطات الأوكرانية بأن قنابل انزلاقية روسية أسفرت عن مقتل شخصين وإصابة ما لا يقل عن 15 آخرين في هجوم استهدف مدينة زابوريجيا جنوب شرقي البلاد يوم الثلاثاء، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقال حاكم المنطقة، إيفان فيدوروف، في رسالة عبر تطبيق «تلغرام»، إن القوات الروسية ألقت سبع قنابل على المدينة خلال 90 دقيقة.

وفي زابوريجيا، كما في أنحاء واسعة من أوكرانيا، باتت هذه الضربات تُنفذ بوتيرة متزايدة باستخدام القنابل الانزلاقية، وهي ذخائر منخفضة التكلفة يرى خبراء عسكريون أنها تُعيد تشكيل مسار الحرب في أوكرانيا.

وتتراوح أوزان هذه القنابل التقليدية، المزودة بأجنحة وأنظمة توجيه، بين بضع مئات وعدة آلاف من الكيلوغرامات، وقد أصبحت من بين أكثر الأسلحة الروسية فتكاً منذ بدء الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022.

مباني عيادة جامعية ومركز طبي متضررة في موقع غارة جوية روسية بقنبلة انزلاقية على منطقة سكنية في خاركيف بشمال شرق أوكرانيا (إ.ب.أ)

وخلال الأشهر الأخيرة، ازدادت هذه القنابل خطورة بصورة ملحوظة، بعدما أطلقت روسيا منها آلاف الذخائر، مما عزَّز قدرتها على إحداث دمار واسع في مناطق القتال والمدن الأوكرانية.

وقد أثارت قدرة هذه القنابل على تدمير مبنى سكني بالكامل في مدن مثل زابوريجيا أو خيرسون بضربة واحدة، مع إطلاقها من مسافات تبعد عشرات الأميال داخل الأراضي الروسية وبعيداً عن متناول الدفاعات الجوية الأوكرانية، قلقاً بالغاً لدى القادة العسكريين في كييف.

وفي مواجهة هذا التحدي، أعلنت أوكرانيا في مايو (أيار) من العام الحالي أنها نجحت في تطوير قنابلها الانزلاقية الخاصة.

ورغم أن الحلفاء الغربيين زودوا أوكرانيا بقنابل انزلاقية، فإن كييف أبدت استياءها من محدودية الكميات التي حصلت عليها، مما دفعها إلى استثمار 17 شهراً في تطوير وإنتاج قنبلتها المحلية المعروفة باسم «فيريفنيوفاتش»، أو «المُعادل».

ويقول كير جايلز، الزميل المشارك في برنامج روسيا وأوراسيا في تشاتام هاوس، ومؤلف كتاب «من سيدافع عن أوروبا؟»: «لفترة طويلة، كان الدفاع العملي ضد القنابل الانزلاقية الروسية ضعيفاً للغاية، وقد أسهم ذلك بصورة كبيرة في الخسائر الأوكرانية الفادحة على امتداد خطوط الجبهة».

لماذا تُعدّ القنابل الانزلاقية سلاحاً حيوياً في ساحة المعركة؟

على الرغم من أن هذه القنابل منخفضة التكلفة وتتميز بموثوقية عالية، فإن لجوء الطرفين إليها جاء مدفوعاً في المقام الأول بضرورات الميدان، بعدما فقدت المدفعية التقليدية كثيراً من فاعليتها.

وبحسب موقع «ميليتاري بالانس»، تمكنت الطائرات المسيّرة في مختلف ساحات القتال الأوكرانية من تعقب وتدمير الغالبية العظمى من مدافع الهاوتزر لدى الجانبين.

ومع تراجع قدرات المدفعية، وجدت كل من موسكو وكييف في الذخائر بعيدة المدى، وفي مقدمتها القنابل الانزلاقية، بديلاً فعالاً، إذ تتيح إيصال كميات كبيرة من المتفجرات شديدة الانفجار إلى أهداف تبعد عشرات الأميال.

وقد تسارع الاعتماد على هذا النوع من الذخائر بصورة لافتة خلال الفترة الأخيرة، إذ أفادت التقارير بأن روسيا أطلقت أكثر من 1800 قنبلة انزلاقية خلال الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) وحده، وفقاً لمجلة «فوربس».

أضرار في موقع غارة جوية روسية بقنبلة انزلاقية على منطقة سكنية في خاركيف بشمال شرق أوكرانيا (إ.ب.أ)

منخفضة التكلفة وسهلة التصنيع

على غرار الطائرات المسيّرة التجارية المعدلة، وطائرات «بيرقدار»، والطائرات الإيرانية المسيّرة «شاهد» التي لعبت دوراً بارزاً في الحرب، تتميز القنابل الانزلاقية الروسية والأوكرانية بانخفاض تكلفتها وسهولة تصنيعها.

ويعتمد الجزء الأكبر من الترسانة الروسية على قنابل تعود إلى الحقبة السوفيتية، جرى تزويدها بهيكل بسيط مزود بأجنحة قابلة للطي، ووحدة ملاحة بالقصور الذاتي، إلى جانب نظام توجيه عبر الأقمار الاصطناعية يُعرف باسم «وحدة الانزلاق والتصحيح العالمية» (UMPK).

وصُممت هذه القنابل لتُطلق من مقاتلات روسية، مثل «سو-34»، التي تحلق على ارتفاعات عالية، لتنزلق بعدها لمسافات تتراوح بين 60 و95 كيلومتراً قبل أن تُسقط قنابل يتراوح وزنها بين 250 و3 آلاف كيلوغرام.

وتمنح المسافة الفاصلة بين نقطة الإطلاق والهدف هذه القنابل ميزة تكتيكية كبيرة، إذ تبقى الطائرة المطلِقة بعيدة عن مدى كثير من أنظمة الدفاع الجوي، كما أن افتقار القنبلة إلى بصمة حرارية واضحة، وسقوطها السريع من ارتفاع شاهق قبل لحظات من الاصطدام، يجعلان اعتراضها أو تدميرها مهمة بالغة الصعوبة.

في المقابل، تتميز القنابل الانزلاقية الأوكرانية بأنها أخف وزناً بكثير من نظيرتها الروسية، إذ يبلغ وزنها نحو 250 كيلوغراماً.

أكثر فتكاً من الطائرات المسيَّرة

ولا تقتصر أهمية القنابل الانزلاقية على استخدامها في ضرب المدن والمنشآت الصناعية بهدف إضعاف الروح المعنوية وقطع خطوط الإمداد، بل تؤدي أيضاً دوراً محورياً في دعم العمليات العسكرية على الخطوط الأمامية.

فقد استخدمها الطرفان لتطبيق ما يُعرف بـ«مبدأ التركيز على النيران»، وهو تكتيك يقوم على توجيه قوة نارية كثيفة نحو مواقع العدو لإضعاف دفاعاته أو تدمير مواقع المراقبة والتحصينات قبل بدء أي هجوم بري.

وحرصت كل من روسيا وأوكرانيا على إبراز فعالية هذا السلاح عبر مقاطع فيديو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، أظهرت قنابل انزلاقية وهي تستهدف مواقع الطرف الآخر خلال العمليات القتالية، في رسالة تؤكد تنامي الدور الذي تؤديه هذه الذخائر في حسم المعارك الميدانية.


حرائق غابات ضخمة تجتاح جنوب فرنسا وتجبر العشرات على إخلاء منازلهم

حريق هائل في بوزولس مينيرفوا جنوب غرب فرنسا كما بدا يوم أمس (ا.ف.ب)
حريق هائل في بوزولس مينيرفوا جنوب غرب فرنسا كما بدا يوم أمس (ا.ف.ب)
TT

حرائق غابات ضخمة تجتاح جنوب فرنسا وتجبر العشرات على إخلاء منازلهم

حريق هائل في بوزولس مينيرفوا جنوب غرب فرنسا كما بدا يوم أمس (ا.ف.ب)
حريق هائل في بوزولس مينيرفوا جنوب غرب فرنسا كما بدا يوم أمس (ا.ف.ب)

اندلع حريق غابات هائل في جنوب فرنسا، الأربعاء، ما أجبر عشرات الأشخاص على إخلاء منازلهم، وفق ما أعلن جهاز الطوارئ.

ونشر مئات من عناصر الإطفاء لمكافحة الحريق في إقليمي إيرو وأود والذي غذاه الجفاف والرياح القوية.

ويأتي هذا الحريق بعد عام واحد من حرائق كبرى شهدتها منطقة كوربيير وبعد أيام قليلة من موجة حر قاتلة اجتاحت أجزاء واسعة من أوروبا، وسط توقعات بوصول موجة حر أخرى.

وبحلول وقت متقّدم من المساء، كانت النيران قد التهمت 800 هكتار، وفق إدارة الإقليم.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن صرح مصدر في الإقليم قوله: «تم احتواء الحريق في بعض الفترات، لكنه لم يصبح تحت السيطرة بعد».

وكانت الأوضاع على الأرض بالغة الصعوبة بالنسبة إلى عناصر الإطفاء نظرا إلى انعدام مسارات الوصول في التضاريس الوعرة، ما استدعى الاستعانة بطائرات إطفاء لإخماد النيران.

وساهمت درجات الحرارة التي كانت تبلغ حوالى 30 مئوية، بالتزامن مع هبوب رياح قوية، في سرعة انتشار الحريق عبر الغطاء النباتي المنخفض الشديد الجفاف.

وأفاد مسؤولون بأنه تم إجلاء أو إلزام نحو 200 شخص بالبقاء في منازلهم في بوزول-مينرفوا وماياك.

وقالت دانييل (99 عاما)، وهي من السكان الذين تم إجلاؤهم من بلدة بوزول «كان الدخان كثيفا جدا وخانقا لدرجة أن الإطفائيين طلبوا منا المغادرة».

وأفادت فرق الإطفاء المحلية باندلاع حريقين آخرين أصغر حجما في رونياك ولانسون بروفانس القريبتين من مدينة مرسيليا.


انخفاض كبير في عدد المهاجرين إلى بريطانيا عبر المانش

الشرطة البحرية الفرنسية تساعد في إنقاذ مهاجرين غرق قاربهم أثناء محاولته عبور المانش (الشرطة البحرية الفرنسية - أ.ف.ب)
الشرطة البحرية الفرنسية تساعد في إنقاذ مهاجرين غرق قاربهم أثناء محاولته عبور المانش (الشرطة البحرية الفرنسية - أ.ف.ب)
TT

انخفاض كبير في عدد المهاجرين إلى بريطانيا عبر المانش

الشرطة البحرية الفرنسية تساعد في إنقاذ مهاجرين غرق قاربهم أثناء محاولته عبور المانش (الشرطة البحرية الفرنسية - أ.ف.ب)
الشرطة البحرية الفرنسية تساعد في إنقاذ مهاجرين غرق قاربهم أثناء محاولته عبور المانش (الشرطة البحرية الفرنسية - أ.ف.ب)

انخفض عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى المملكة المتحدة بعد عبور قناة المانش بنسبة 41 في المائة خلال النصف الأول من العام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفقا لأرقام وزارة الداخلية البريطانية الصادرة الأربعاء.

ووصل حوالى 11884 مهاجرا إلى السواحل البريطانية على متن زوارق متهالكة بين الأول من يناير (كانون الثاني) و30 حزيران/يونيو 2026، مقارنة بـ19982 وافدا خلال الفترة نفسها من العام 2025.

ويشكل هذا التراجع نبأ سارا لحزب العمال الذي وصل إلى السلطة قبل عامين، لكنه بات متأخرا منذ أشهر في استطلاعات الرأي الوطنية خلف حزب «ريفورم يو كيه» المناهض للهجرة بزعامة نايجل فاراج.

وكان كير ستارمر، رئيس الوزراء المستقيل، تعهد «تفكيك عصابات» المهربين، إلا أن 2025 سجل ثاني أعلى عدد للمهاجرين الوافدين عبر قناة المانش منذ 2018، وهو العام الذي بدأت تشهد فيه هذه الرحلات ازديادا كبيرا.

وأعلن ستارمر استقالته قبل عشرة أيام، ويتوقع أن يخلفه قريبا في داونينغ ستريت رئيس البلدية السابق لمانشستر الكبرى آندي بيرنهام الذي ينتمي أيضا إلى حزب العمال.

وقدّمت الحكومة الثلاثاء إلى البرلمان مشروع قانون لإصلاح نظام اللجوء والهجرة، عبر وزيرة الداخلية شبانة محمود، يهدف إلى كبح الهجرة وتسريع عمليات الترحيل.

كما وقعت لندن اتفاقات مع دول عدة مثل ألمانيا التي تعهدت تشديد الرقابة على المستودعات التي تُخزَّن فيها قطع غيار الزوارق التي يستخدمها المهربون، وكذلك العراق، بهدف ترحيل مهاجرين غير نظاميين.

وفي أبريل (نيسان)، وقّعت الحكومة اتفاقا مدته ثلاث سنوات مع السلطات الفرنسية ينص على دفع 662 مليون جنيه استرليني (771 مليون يورو) لتمويل دوريات على الشواطئ التي تنطلق منها الزوارق.

كما أن عدد الوافدين في النصف الأول من العام 2026 يقل بنسبة 12 في المائة عما كان عليه في النصف الأول من العام 2024 (13489 وافدا)، عندما كان حزب المحافظين المعارض ما زال في السلطة.