ترمب يخلط أوراق بغداد... وانقسام حاد حول المالكي

الكرد «يتعاملون بجدية مع التحفظات الأميركية»

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يخلط أوراق بغداد... وانقسام حاد حول المالكي

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)

تتعمق أزمة تشكيل الحكومة العراقية مع تصريح جديد للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن ترشيح نوري المالكي، كاشفاً حجم الانقسام داخل «الإطار التنسيقي»، ومسلطاً الضوء على تداخل العوامل الداخلية مع الإشارات الخارجية في رسم مآلات الاستحقاق التنفيذي.

وكان ترمب قد نشر موقفاً رافضاً لترشيح المالكي، فُهم في بغداد على أنه «فيتو» مباشر على عودته إلى رئاسة الوزراء لولاية ثالثة. غير أن توضيحاته الجديدة، التي قال فيها مساء الجمعة إنه «ينظر في مسألة تعيين رئيس وزراء جديد في العراق» وإن لدى واشنطن «بعض الخيارات»، فتحت باب التأويل على مصراعيه داخل القوى الشيعية.

ورأى فريق داخل «الإطار التنسيقي» في الصياغة الجديدة تراجعاً عن الرفض الصريح، أو على الأقل تخفيفاً لحدته، بما يسمح بالمضي في ترشيح المالكي. في المقابل، عَدّ معترضون أن حديث ترمب عن «خيارات» يعني عملياً الإبقاء على التحفظ، وربما التمهيد للبحث عن بدائل توافقية، خصوصاً في ظل حساسية العلاقة بين بغداد وواشنطن في ملفات الأمن والطاقة والوجود العسكري.

وتأتي هذه السجالات في سياق مألوف منذ 2005، إذ كثيراً ما تداخل العامل الأميركي مع حسابات تشكيل الحكومات العراقية، سواء عبر الضغط العلني أو الإشارات الدبلوماسية غير المباشرة.

انقسام يتسرب إلى العلن

ورغم البيانات الأسبوعية التي تؤكد وحدة موقف «الإطار»، فإن الخلافات بشأن المالكي خرجت إلى العلن عبر بيانات متبادلة وبرامج حوارية على قنوات محسوبة على أطرافه.

ويضم «الإطار التنسيقي» قوى شيعية رئيسية، من بينها ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم، و«حركة عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي.

وحسب معطيات، فإن 10 من أصل 12 مكوناً في «الإطار» وافقوا على ترشيح المالكي، لكن اعتراض قوى وازنة جعل الحسم صعباً.

وتفاقمت الأزمة مع استمرار خرق المُدد الدستورية لتشكيل الحكومة، في ظل غياب نصوص جزائية صريحة تعاقب على تجاوزها، ما حوّل التأخير إلى عرف سياسي متكرر كلما استعصى التوافق.

صورة نشرها موقع بارزاني من استقباله المالكي في أربيل (أرشيفية)

حذر كردي

وعلى الضفة الكردية، بدا الموقف أكثر حذراً، فقد كان الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني قد هنأ المالكي على ترشيحه في 24 يناير (كانون الثاني) الماضي، في مؤشر إلى قبول مبدئي بخياره داخل «الإطار». إلا أن تغريدة ترمب دفعت القوى الكردية إلى إعادة تقييم المشهد، من دون إعلان تغيير رسمي في موقفها.

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن، إن بلاده «تتعامل بجدية مع إشارات أميركا بشأن تعيين المالكي»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ترشيح رئيس الوزراء «شأن داخلي»، في موقف عكس توازناً بين عدم تحدي واشنطن وعدم الانقلاب على التفاهمات الداخلية.

ويترقب الحزبان الكرديان الرئيسيان قرار «الإطار» النهائي: هل يثبت على ترشيح المالكي أم يذهب إلى خيار بديل، قبل حسم موقعهما النهائي، خصوصاً أن رئيس الجمهورية الكردي المقبل سيكون معنياً دستورياً بتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة.

رسائل ملتبسة

بالتوازي، كانت أطراف داخل «الإطار» قد سعت إلى «استمزاج» الموقف الإيراني. فقد فسرت قوى مقربة من المالكي إشارات صادرة من طهران على أنها دعم ضمني، فيما قرأها معترضون على أنها حياد إيجابي تجاه «المرشح» لا الشخص بعينه. وهذا التباين في تفسير الرسائل الخارجية عمّق الانقسام، بدلاً من حسمه.

ومع تصاعد السجالات إلى مستوى هدد تماسك التحالف، أعلنت الأمانة العامة لـ«الإطار التنسيقي» وقف ما سمته «حملات التصعيد الإعلامي» فوراً، مع التلويح بمحاسبة مَن يخالف القرار. وجاءت الخطوة بعد اجتماع طارئ للجنة مكلفة، في محاولة لاحتواء الانقسام ومنع انتقاله من الإعلام إلى القواعد التنظيمية.

غير أن وقف الحملات لا يعني انتهاء الخلاف. فتصريح ترمب الأخير، بدلاً من أن يحسم الجدل، أعاد إنتاجه بصيغة أكثر تعقيداً: هل هو تراجع يتيح تمرير المالكي، أم رسالة ضغط تدفع نحو صفقة جديدة؟ وبين هذين التفسيرين، يبقى مصير الترشيح معلقاً على توازنات داخلية دقيقة، وإشارات خارجية لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال.


مقالات ذات صلة

صمت رسمي وتسريبات غربية... قوة إسرائيلية نفذت مهام عسكرية في العراق

المشرق العربي صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

صمت رسمي وتسريبات غربية... قوة إسرائيلية نفذت مهام عسكرية في العراق

تصدرت حادثة تمركز قوة عسكرية في المنطقة الصحراوية بين محافظتي النجف وكربلاء مطلع مارس (آذار) الماضي، واجهة التعليقات والأحداث العراقية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي أنصار الحزب الشيوعي العراقي يحملون رمز المطرقة والمنجل خلال مشاركتهم في احتفالات عيد العمال ببغداد يوم الجمعة 1 مايو 2026 (أ.ب)

صراع أميركي ـ إيراني غير معلن يضاعف من عقبات تمرير حكومة الزيدي

مع أنَّ البرلمان العراقي أعلن استعداده لعقد جلسة منح حكومة علي الزيدي الثقة هذا الأسبوع، فإن عراقيل منتصف الطريق حالت دون تحديد الموعد النهائي لتمريرها.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد ألسنة لهب تتصاعد من مداخن في حقل نهر بن عمر النفطي شمال البصرة في العراق (رويترز)

العراق يرفع سعر خام البصرة 4.3 دولار للبرميل لآسيا في يونيو

رفع العراق سعر البيع الرسمي لخام البصرة المتوسط إلى آسيا لشهر يونيو بعلاوة 4.30 دولار للبرميل فوق متوسط عمان/دبي من سعر بيع رسمي لمايو بعلاوة 17.30 دولار.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية طائرة مقاتلة من طراز «إف - 35» تحلّق خلال حفل تخرج طياري سلاح الجو الإسرائيلي في قاعدة حتسريم الجوية جنوب إسرائيل 29 يونيو 2023 (رويترز)

تقرير: إسرائيل أنشأت قاعدة سرية بالعراق تستخدمها في الحرب على إيران

 قالت مصادر مطلعة، من بينها مسؤولون أميركيون، لصحيفة «وول ستريت جورنال» إن إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

محمد بن سلمان للزيدي: نتطلع للعمل معكم على توطيد العلاقات

بعث الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، برقية تهنئة، لعلي الزيدي بمناسبة تكليفه رئيساً لمجلس وزراء العراق.

«الشرق الأوسط» (جدة)

صمت رسمي وتسريبات غربية... قوة إسرائيلية نفذت مهام عسكرية في العراق

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

صمت رسمي وتسريبات غربية... قوة إسرائيلية نفذت مهام عسكرية في العراق

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

تصدرت حادثة تمركز قوة عسكرية في المنطقة الصحراوية بين محافظتي النجف وكربلاء مطلع مارس (آذار) الماضي، واجهة التعليقات والأحداث العراقية، بعد أن كشفت تقارير إخبارية غربية أنها كانت قوة إسرائيلية، وفي مقابل هذا الكشف ما زالت السلطات الرسمية العراقية تلتزم الصمت حيال ما حدث، وتكتفي ببيان خلية الإعلام الأمني وتصريحات لنائب قائد العمليات المشتركة قيس المحمداوي وقتذاك، لكن خبيراً أمنياً كشف لـ«الشرق الأوسط» عن أن تواجد القوة «الإسرائيلية» استمر لنحو أسبوع قبل أن تغادر الأراضي العراقية.

وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، السبت، إن إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في 28 فبراير (شباط) 2026.

وذكرت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أن «إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران، وأنها شنت غارات جوية على قوات عراقية كادت أن تكتشف الموقع العسكري السري في وقت مبكر من الحرب».

وكشفت صحيفة «معاريف» العبرية، الأحد، عن كواليس مهام ما سمتها بـ«قاعدة إسرائيل السرية في صحراء العراق»، مشيرة إلى أنها تضمنت تشكيلاً من وحدات «الكوماندوز»، وأوكلت لها مهام متنوعة.

خلل أمني جسيم

تعرضت السلطات العراقية إلى انتقادات شعبية واسعة خلال اليومين الأخيرين، وطبقاً لمصدر مقرب من الحكومة العراقية، فإن «المعطيات الجديدة تظهر الخلل الجسيم في قدرة القوات الأمنية العراقية بكل صنوفها على حماية البلاد، وتأمين حدودها السيادية».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رغم عديد تلك القوات الذي يزيد على مليون ونصف المليون منتسب، إلى الأموال الطائلة التي تنفق عليها والتي تقدر بأكثر من 6 مليارات دولار سنوياً، لكنها أخفقت في حماية البلاد».

وذَكَّرَ المسؤول إلى جانب «الخرق الإسرائيلي» على الأرض بـ«الأجواء العراقية التي تحولت خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران إلى فضاء مستباح من قبل طيران وصواريخ القوى المتقاتلة من دون أن تكون للعراق القدرة على مواجهة ذلك».

وتعود قصة الخرق الإسرائيلي إلى مطلع مارس (آذار) الماضي، حين قام أحد الرعاة بإبلاغ الجهات الأمنية بوجود قوة عسكرية «غير معروفة» في الصحراء.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني الرسمية في حينها عن تعرض قوة أمنية عراقية لهجوم مسلح في بادية النجف فجر الرابع من مارس في المنطقة الصحراوية بين محافظتي النجف وكربلاء (بادية النجف/منطقة الشنانة).

وذكرت الخلية أن «اللواء 41» تعرض لقصف جوي وإطلاق نار من قبل «جهة مجهولة» في أثناء تنفيذ مهمة تفتيش في المنطقة. وأدى القصف إلى مقتل جندي وإصابة آخرين.

واعترف نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول ركن قيس المحمداوي، وقتذاك بوجود «قوة معينة» في صحراء النجف، وأشاد بالإبلاغ الذي قدمه أحد المواطنين على وجود القوة، وناشد «المزارعين والرعاة بالأخبار عن تواجد أي قوة في المنطقة».

واعترف المحمداوي كذلك بأن قِطَعَهُ العسكرية «خارج إمكانية القوة التي تم إسنادها جوياً»، في إشارة إلى القوة التي اتضحت لاحقاً من خلال التقارير الصحافية أنها إسرائيلية.

وتحدث عن أن «جهاز مكافحة الإرهاب قام بتطويق منطقة الحادث» التي كانت القوة الأجنبية قد غادرتها.

البقاء أسبوعاً كاملاً

بدوره، كشف الخبير الأمني مخلد حازم، أن «القوة (الإسرائيلية) استمر تمركزها داخل الأراضي العراقية من 5 إلى 7 أيام، قبل أن تُجري القيادات الأمنية العراقية اتصالات مكثفة بالجانب الأميركي للطلب من القوة مغادرة الأراضي العراقية».

وقال الخبير الأمني لـ«الشرق الأوسط» إنه تابع موضوع التمركز العسكري المجهول في حينها مع قيادات عسكرية بارزة في وزارة الدفاع العراقية، «وكانت هناك حقيقة عدم معرفة من هي الجهة التي تمركزت، وقامت بهذا العمل، وقد تم الاتصال بقوات التحالف الدولي، ونفت هي الأخرى علمها بهذه العملية».

ويفسر حازم القيام بخطوة من هذا النوع بوصفها «محاولة لإيجاد مركز عمليات متقدم بالنسبة للجهة الفاعلة يهدف إلى تأمين مسار الطائرات التي تمر في هذه المنطقة، وكذلك لتأمين اتصالات تكنولوجية للطائرات التي أيضاً تمر، وتتخذ من هذا المسار ممراً للوصول إلى الجانب الإيراني».

ويؤكد وجود «حوامات عسكرية في ذلك التاريخ، وحين توجد في هذه الأماكن النائية والبعيدة عن مراكز المدن، تكون هناك أيضاً احتمالية لسقوط إحدى طائراتها، وإمكانية إنقاذ طياريها عبر هذه الطائرات والحوامات العسكرية».

ويشير أيضاً إلى أن احتمال «تأسيس مراكز عمليات متنقلة وغير ثابتة من هذا النوع يهدف لتحقيق كل هذه الأغراض، خصوصاً وهو يقع في منطقة صحراوية نائية وغير محمية عسكرياً وأمنياً في كثير من الأحيان إلا من خلال عمليات الرصد والاستمكان الجوي، وكان هناك حظر على الطيران العراقي والطائرات المسيرة؛ لذلك استغلت القوة المعادية هذه الفرصة».

ورأى حازم أن «ما حدث يعد انتهاكاً خطيراً للسيادة العراقية، ونحن بحاجة إلى رؤية أمنية متكاملة للمرحلة المقبلة للتعامل مع حالات مماثلة من هذا النوع».


«فيتو» إيراني مفاجئ يعطّل تشكيل الحكومة العراقية

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
TT

«فيتو» إيراني مفاجئ يعطّل تشكيل الحكومة العراقية

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)

قال مسؤولان عراقيان، الأحد، إن «فيتو» إيرانياً، لمنع إقصاء الفصائل المسلحة من الحكومة العراقية، عرقل مفاوضات تشكيلها، مؤكدين أن طهران طالبت ممثلي «الإطار التنسيقي»؛ التحالف الشيعي الحاكم، بعدم التصويت لصالح حكومة «تمسّ بنفوذ حلفائها وتركيبة حضورهم داخل الدولة».

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع معلومات عن وصول إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، بشكل مفاجئ إلى بغداد، في وقت بلغت فيه مفاوضات رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي مراحل متقدمة، وسط تصاعد التنافس الأميركي ـ الإيراني على شكل الحكومة المقبلة.

وقالت مصادر متقاطعة إن «قاآني وصل إلى بغداد بالفعل خلال الساعات الماضية، والتقى بضالعين في تشكيل الحكومة، مبدياً اعتراض طهران على الانصياع التام لواشنطن». وشبّه مسؤول تحدث إلى «الشرق الأوسط» المفاوضات الجارية في بغداد بـ«الحصار والحصار المضاد في مضيق هرمز».

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» تظهر من اليسار رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني

حكومة أميركية بالكامل

وقال المسؤولان إن الهدف الرئيسي للتحرك الإيراني يتمثل في منع تشكيل حكومة عراقية «مصنوعة بالكامل من قبل واشنطن»، خصوصاً بعد تصاعد الضغوط المرتبطة بحظر الفصائل المسلحة داخل التشكيلة الوزارية.

وكان الزيدي قد حاز دعماً أميركياً غير مسبوق منذ لحظة تكليفه في 27 أبريل (نيسان) 2026، واعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن وصوله إلى السلطة في بغداد «انتصار عظيم» للإدارة الأميركية.

ومن المتوقع أن يصل مسؤولون أميركيون إلى بغداد خلال الأيام المقبلة، في حين تقول مصادر إن واشنطن لا تسعى فقط إلى إخراج ممثلي الفصائل من أبواب الحكومة، بل إلى ضمان عدم عودتهم لاحقاً عبر «شباك الترتيبات البديلة»، الأمر الذي استدعى إيران إلى استخدام ورقة «الفيتو».

إلى حد بعيد، تعكس المناورات غير المعلنة بين واشنطن وطهران في بغداد صورة مصغرة عن مفاوضاتهما المتعثرة في ملفات إقليمية أخرى؛ إذ يتبادل الطرفان الرسائل والضغوط من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة أو تسوية نهائية.

ونقل أحد المسؤولين عن قيادي بارز في «الإطار التنسيقي» قوله إن «الحضور الأميركي في تفاصيل تشكيل الحكومة الجديدة غير مسبوق»، محذراً من أن يتحول الملف الحكومي إلى «بؤرة صراع مفتوح» بين واشنطن وطهران، خصوصاً مع وصول قاآني ومسؤولين أميركيين إلى بغداد في توقيت متزامن.

وسيوازي لجوء طهران إلى منع نواب «الإطار التنسيقي» من التصويت لصالح حكومة الزيدي، فرضها حصاراً على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وقال مستشار كبير في حزب شيعي متنفذ، لـ«الشرق الأوسط»، إن الضغط الإيراني سيدفع واشنطن إلى «حصار مماثل لبغداد». قد يصل إلى «قطع الدعم عن بغداد وفرض عقوبات». وأضاف: «هذه مناورة صعبة، تحتمل صفقة بين الطرفين الإقليميين، أو الدخول في مواجهة قد تنهي ترشيح الزيدي من الأساس».

وأكد المسؤولان، وهما منخرطان في مفاوضات تشكيل الحكومة، أن الزيدي تلقى خلال الأيام الأخيرة رسائل من أطراف عدة، بينها أميركية، تشدد على ضرورة تشكيل الحكومة «بعيداً عن النفوذ الإيراني»، في وقت يلاحظ فيه مفاوضون عراقيون أن «واشنطن باتت تتدخل في أدق تفاصيل التشكيل، وفي أيديهم معلومات دقيقة عن كيفية احتيال الفصائل على شروطهم».

ولا تقتصر الشروط الأميركية، بحسب مصادر سياسية، على تقليص تمثيل الفصائل المسلحة داخل الحكومة، بل تشمل تقليص ارتباطاتها الاقتصادية والسياسية بطهران، خصوصاً في ما يتعلق بالموارد المالية وملف النفط واستقلال القرار السياسي.

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الماضي (أ.ب)

مقاربة الحقائب الشاغرة

تعقدت المفاوضات بين الزيدي وأجنحة سياسية تمتلك أذرعاً مسلحة بعدما حاول رئيس الحكومة المكلف إبعاد هذه الجماعات عن الوزارات السيادية، مع طرح مقاربة تمنح بعضها حقائب أقل تأثيراً مع إبقائها شاغرة مؤقتاً إلى حين تهدئة الضغوط الأميركية.

وأثارت هذه المقاربة غضب قوى موالية لإيران كانت تراهن على الاحتفاظ بحصصها داخل الوزارات السيادية بانتظار «انجلاء العاصفة الأميركية»، وفق ما قاله أحد قيادات «الإطار التنسيقي».

وقال مصدر مطلع إن الأزمة لا تتعلق فقط بحركة «عصائب أهل الحق»، رغم أنها أصبحت المثال الأوضح داخل المفاوضات بسبب امتلاكها ثقلاً برلمانياً يصل إلى 27 مقعداً، ما يدفعها للمطالبة بحصة حكومية تتناسب مع وزنها.

وأضاف المصدر أن الخلاف يشمل أيضاً شخصيات وفصائل أخرى، من بينها أحمد الأسدي الذي يمتلك نحو 10 مقاعد، إلا أن حجم تمثيلها البرلماني الأقل جعل التركيز ينصب بصورة أكبر على «العصائب»، خصوصاً مع مطالبتها بالحصول على وزارة النفط، وهو ما يثير حساسية أميركية كبيرة.

ويبدو أن الزيدي، بحسب مصادر، أمام مهمة أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً، في ظل الانقسامات داخل «الإطار التنسيقي»، وتضارب الضغوط الإقليمية والدولية المؤثرة على شكل الحكومة المقبلة.

ويتعين على رئيس الحكومة المكلف تشكيل حكومته خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً قبل عرضها على مجلس النواب لنيل الثقة، إلا أن عامل الوقت بات يشكل ضغطاً إضافياً مع سفر عشرات النواب إلى السعودية لأداء مناسك الحج، ما قد يهدد اكتمال النصاب البرلماني المطلوب لعقد جلسة منح الثقة.


توقيف عراقي في بيروت ادّعى صفة مسؤول أمني وخدع ضباطاً لبنانيين

صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
TT

توقيف عراقي في بيروت ادّعى صفة مسؤول أمني وخدع ضباطاً لبنانيين

صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)

أوقفت الاستخبارات اللبنانية عاملاً عراقياً انتحل صفة مسؤول أمني في سفارة بغداد في بيروت، بعدما تمكّن من نسج علاقات وعقد لقاءات مع مسؤولين أمنيين لبنانيين رفيعي المستوى، بحسب ما أفاد الجيش ومصدر عسكري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» اليوم الأحد.

وتسلّط هذه القضية، وهي ثاني فضيحة انتحال صفة من نوعها في لبنان خلال أشهر، الضوء على هشاشة المؤسسات في بلاد يقوم نظامها السياسي على المحاصصة بين الطوائف، وحيث يعدّ التدخل الخارجي أمراً شائعاً، وغالباً ما تؤدي العلاقات الشخصية دوراً أساسياً في كسب النفوذ والمال والحظوة.

وأورد الجيش اللبناني في بيان أن مديرية المخابرات التابعة له أوقفت مواطناً عراقياً «لانتحاله صفة مسؤول أمني عراقي داخل الأراضي اللبنانية، وذلك نتيجة عملية رصد ومتابعة أمنية».

وأوضح التحقيق الأولي أن الموقوف «استعان بمستندات مزورة»، بحسب البيان الذي أكد أنه تمّ ضبط «البزّة العسكرية التي كان يستخدمها».

من جهته، قال مصدر عسكري للوكالة إن الموقوف متزوج لبنانية ويقيم في البلاد منذ سنوات، وكان لدى توقيفه يعمل مساعداً لمالك مقهى شعبي في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث كان بدأ العمل في خدمة ركن السيارات. إلا أنه «تمكّن من التقرب من مسؤول استخبارات في بيروت وقدّم نفسه كضابط عراقي في فرع مكافحة الإرهاب وملحق أمني بالسفارة العراقية في بيروت»، بحسب المصدر الذي طلب عدم كشف اسمه.

وأشار إلى أن المسؤول الأمني ساعد العراقي «على التواصل مع مسؤولين أمنيين وعسكريين واللقاء بهم، ما مكّنه من خلق حيثية» في لبنان.

وبحسب التحقيق الأولي مع الموقوف ومع ضباط التقوا به، لم يتبين بعد، وفق المصدر العسكري، «هدفه من انتحال صفة ضابط عراقي في لبنان».

وفي حين أشار المصدر إلى أن الموقوف «قدّم خلال لقاءاته وعوداً بتوفير مساعدات مالية من العراق»، رأى أن «خطورة القضية تكمن في إقناعه ضباط استخبارات بشخصيته الوهمية في حين أنه عامل» في مقهى.