«قلبي اطمأن»... برنامج يُذكّر المنسيين بنكهة الحياة

غيث الإماراتي يطلّ في رمضان فيُساعِد ليَسعد

غيث الإماراتي يُبهج بالخير (لقطة من البرنامج)
غيث الإماراتي يُبهج بالخير (لقطة من البرنامج)
TT

«قلبي اطمأن»... برنامج يُذكّر المنسيين بنكهة الحياة

غيث الإماراتي يُبهج بالخير (لقطة من البرنامج)
غيث الإماراتي يُبهج بالخير (لقطة من البرنامج)

نصبح أقلّ تفكّراً بالحياة حين تمضي الأيام بخسائر محدودة. فمِن عادة المرء أن يغفل عما يمتلكه وهو يشكّل لدى الآخرين أمنية يرجو تحقيقها. برنامج «قلبي اطمَأن»، يُذكّر بأنّ بعضنا رغم الأهوال حوله، يملك إمكان العيش. ثمة بشر يمرضون بصمت. يكابدون من أجل لقمة يرميها بعضٌ في القمامة.

يُخفي الشاب الإماراتي غيث وجهه ويُدخِل تعديلات على صوته. يريد الخير ألا يقترن بالتشاوُف والدعاية. يجول في أماكن الشقاء حيث الأنين الإنساني. برنامجه في موسمه السابع، تعرضه «قناة أبوظبي». في الحلقات، يطلّ منسيّون يشاركون قسوة أيامهم. غيث يُساعِد ليَسعد. يَعرض الحالات من دون إيقاظ لحظة التباكي لرفع نسب المُشاهدة. لا يتسلّق المتألمين لمراكمة شهرته. دعوات الأمهات له بالبركات والصحة جميلُ ما يحصد.

يُغنّي حسين الجسمي شارة البرنامج، قائلاً إنّ «الناس للناس». يحلو أن تحدُث الاستفاقة من السبات، ويرنّ منبّه ينتشل من الغفلة. فلا تفقد الأشياء قيمتها ولا نظنّ أنه «من البديهي» اقتناء كل شيء. حتى بقايا الطعام هي رغبة الجائع في إسكات معدته، والسقف أقصى أماني المشرّدين من دون وُجهات.

منسيّون يستحقون الحياة (لقطة من البرنامج)

القصص مصوَّرة بتقنيات متطوّرة، تملك إمكان التأثير بأي شخص، في أي مكان، ومن أي خلفية، إنْ سَكَنه حسٌّ إنساني. لتتعاطف مع سكان قرية برج الصالحي في تونس، ليس بالضرورة أن تكون تونسياً وتفهم اللهجة. الأهم أن تكون إنساناً وتحرّكك عذابات الآخر. بالتعاون مع «الهلال الأحمر الإماراتي»، نرى البسمة على الوجوه، فيلمع الأمل بأنّ الدنيا بخير.

يسأل غيث عمّا قد يفوت البعض في زمن الأيام الراكضة: «هل تعرف جيرانك أصلاً؟». يستعيد القول النبوي إنّ «الله أوصى بسابع جار» لإجراء العملية الحسابية: «سابع جار من اليمين واليسار وكلّ الجهات. كم منهم نام جائعاً؟ لا تصل إليه الكهرباء؟ وتُنهكه الديون؟». يترك الناس أمام سؤال إنساني يُرجئ إجابته حتى نهاية رمضان. يريد التفاعل عبر مواقع التواصل أن يشكّل وعياً ويعيد حسابات.

جَمعة الخير هي الأنبل، ولو فُقِدت المقاعد المريحة. في البيوت الفقيرة، يجد المرء أحياناً طريقه إلى الذات. تتكثّف العِبر من زيارة غيث للقرية التونسية الهادئة. فناسها يعتاشون من الزراعة وصيد الأسماك؛ لهم في الحياة قارب وشِباك يُلقونه في البحر وينتظرون الرزق. النساء والرجال يد واحدة في الحراثة والغرس والحصاد والقطف. راضون بالأقدار، ومؤمنون بمَن خطَّها.

غيث الإماراتي يجول في الأماكن كأنه منها (بوستر البرنامج)

إنْ ذُرف دمعٌ، فهو ليس انكساراً بل تعبير عن شُكر. يحافظ البرنامج على كبرياء أصحاب النفوس العزيزة، ولا يحاول جرَّهم إلى التذلُّل للإضاءة على جهده. لا يريد أن يُشار إلى الحاجة، بل إلى صلابة تحمُّل آثارها. يروي ضيوف غيث قصصهم برأس مرفوع. لا يمدّون يداً ولا يستعطفون. وهو حين يُساعد بمظروف مغلق، أو بافتتاح مشروع، فلثقته بأنّ الخير الحقيقي والسعادة الكبرى هما أولاً في النيات النظيفة والقلوب المترفّعة عن التلذّذ بمشهد الضعفاء.

تلمع عيون الأطفال أمام الكاميرات، وتخرج حكايات من بريقها. تقول صغيرة يميل شَعرها إلى اللون الأشقر: «لا نستطيع الخروج لنرى الدنيا». الطاعنات في السنّ عيونهنّ تدمع بخفر. يبرعن في الدعوات لغيث المؤكِّد دائماً بأنّ الفضل لله فقط. يرجون له التوفيق ومواصلة العطاء.

بكنزته الزرقاء وقبّعته، حاملاً حقيبة ظهر، لا يظهر من غيث سوى اللطف. كلماته مواساة، فيُشعِر المنسيين بأنهم محاطون برحمة الله مُجسَّدةً بالخيِّرين أمثاله، وثمة عناية تُنقذهم من حيث لا ينتظرون.

بعد التصوير في المنازل والحقول وعلى الشطآن، يجلس مقدّم البرنامج في استوديو يسدي النصيحة ليصبح فعل الخير سلوكاً بشرياً لا يقتصر على مناسبات، ولا يُنجَز مثل فروض الواجب. يشرح أنّ بحر قرية برج الصالحي التونسية شهد أحداث الحرب العالمية الثانية عام 1945 وعاش أهلها أصناف القسوة. المقدّمة تليها ما نراه ونسمعه، فالفقر يتكلّم وإنْ عمَّ الصمتُ الجالسين. بكنزته الزرقاء وقبّعته، حاملاً حقيبة ظهر، لا يظهر من غيث سوى اللطف. كلماته مواساة، فيُشعِر المنسيين بأنهم محاطون برحمة الله مُجسَّدةً بالخيِّرين أمثاله، وثمة عناية تنقذهم من حيث لا ينتظرون.

يُردّد جملته: «بسم الله، نبدأ سعادة جديدة ونُغيث الإنسان»، كأنها بَرَكة كل خطوة. يُشعِر مَن يطرق أبوابهم بأنه فرد منهم، ولا يملك أكثر مما يملكونه. يُريحهم، فيُهوِّن عليهم قبول العون. وإنْ رأى ما يلفته، مثل مذياع قديم يفتقر إليه معظم المنازل في زمن الاستماع الذكي، دلَّ إليه بحميمية، وأخبر مَن أمامه أنه يشكّل بعض ذاكرته. يشاء التمثُّل بالمكان وإنسانه، لإيمانه بالداخل، لا بالقوالب الخارجية التي نوضَع فيها، ولا المكاسب التي يحصّلها بعض وتتعذَّر على آخر.

تستوقفه في القرية عائلات من المصابين بالصَّمم، تكاثر أفرادها بفعل التزاوج بين الأقارب. يُخبر مُتابع برنامجه عن قسوة انقطاع التواصل وصعوبة الفهم بين البشر، ويلفتهم إلى مرارة الانغلاق وعدم التقبُّل. بعد المقيمين في صمت الأصوات، يتمهّل أمام مُقعد على كرسيّه، وآخر مصاب بالسرطان، وكل مَن لديه قصة عنوانها «الصبر مفتاح الفرج». يجمعهم إيمان يجعل الأيام تمرّ بأقل وجع، وإرادة عظيمة للعيش وسط الصعاب. يفتقرون للمال والدواء وربما للذائذ الموائد، لكنهم يملكون إدراك قيمة الأشياء والشُّكر على النِّعم، وهذه ثروة إنسانية.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)
ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)
TT

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)
ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)

فازت «عرب نيوز»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، بثماني جوائز تميز في المسابقة الإبداعية السنوية السابعة والأربعين لجمعية تصميم الأخبار (SND)، مما يرفع إجمالي الجوائز الدولية للصحيفة منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة.

وتُعد هذه المسابقة السنوية من أبرز المعايير العالمية للصحافة المرئية، حيث تُكرم التميز في تصميم القصص، والرسوم التوضيحية، والإنفوغرافيك، وسرد القصص عبر منصات متعددة.

ونالت «عرب نيوز» التقدير في فئات المطبوعات، والرقمية، والرسوم التوضيحية، والمحفظة الإبداعية، مما يؤكد اتساع نطاق سردها البصري وصحافتها القائمة على التصميم.

وتُوِّجت بجائزة في فئة تصميم صفحة القصة (المطبوعة) عن «ملاذ آمن للأطوم»، وهي قصة حول جهود الحفاظ على الثدييات البحرية العشبية الضخمة، وفي فئة تصميم صفحة القصة (الرقمية) عن «الخلاف حول الفلافل»، وهو تحقيق معمق تفاعلي يستكشف التاريخ والأهمية الثقافية للفلافل، كذلك في فئة خط التغطية: المناخ والبيئة (المطبوعة)، عن «طائر صغير بقصة كبيرة»، وهي قصة تبحث في الدور الحيوي الذي يلعبه طائر السمان في النظام البيئي السعودي.

كما حصلت «عرب نيوز» على جوائز تميز عن قصة «المشاهير يتخذون موقفاً» في فئة «الرسوم التوضيحية للقضايا الاجتماعية»، التي استعرضت مواقف شخصيات بارزة تجاه الحرب على غزة، وقصة «مكاسب نتنياهو لعام 2025 تحت التهديد» في فئة «رسوم الرأي التوضيحية»، عن صورة رافقت مقالاً تحليلياً لنهاية العام يتناول التحديات المحلية والدولية التي تواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع بداية العام الجديد. وقد تم ذلك من خلال رسوم توضيحية تم تنفيذها داخلياً في الصحيفة.

وحققت «عرب نيوز» جائزة في فئة «خط التغطية» عن سلسلة «عين على الذكاء الاصطناعي»، وفي فئة الموضوعات الخاصة: الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى جائزتين للمحفظة الإبداعية عن سلسلة «الأخضر والأزرق» (Green & Blue)؛ الأولى في فئة محفظة تصميم صفحة قصة موضوع واحد للأفراد، والأخرى في فئة موضوع واحد: البيئة.

ويسلط هذا التكريم الضوء على الاستثمار المستمر من قبل «عرب نيوز» في التصميم والسرد البصري عبر مختلف المنصات، من تغطية المناخ والبيئة إلى الرسوم التوضيحية التفسيرية، ورسوم الرأي، وتصميم الصفحات.

وتُضاف هذه الجوائز الأخيرة إلى القائمة الكبيرة من الأوسمة الدولية الممنوحة لـ«عرب نيوز»، كما تعكس تركيز «عرب نيوز» المستمر على الجمع بين التقارير الصحافية القوية والعرض المتميز تحت قيادة رئيس التحرير فيصل عباس، الذي تولى الإشراف على التحول الرقمي للصحيفة.

وشملت الأعمال الأخرى التي حظيت بالتكريم سابقاً مشاريع خاصة، مثل طبعة الذكرى الخمسين لـ«عرب نيوز»، والتحقيق المعمق «المملكة ضد الكبتاجون»، والطبعة الخاصة بـ«ألعاب باريس الأولمبية 2024».


توسّع القاهرة ينعكس «معاناة» يومية لكثير من سكانها

مصر تبدأ تشغيل المونوريل الأربعاء (وزارة النقل المصرية)
مصر تبدأ تشغيل المونوريل الأربعاء (وزارة النقل المصرية)
TT

توسّع القاهرة ينعكس «معاناة» يومية لكثير من سكانها

مصر تبدأ تشغيل المونوريل الأربعاء (وزارة النقل المصرية)
مصر تبدأ تشغيل المونوريل الأربعاء (وزارة النقل المصرية)

انعكس توسّع القاهرة «معاناةً» يومية على المصرية ندى خيري، نظراً إلى الساعات الطويلة التي تمضيها في قطع المسافة بين مقري إقامتها وعملها في مدينة مترامية الأطراف.

«رحلة الذهاب للعمل والعودة للمنزل تستغرق 3 إلى 4 ساعات من يومي، وهو وقت يستنزف من طاقتي ويجعلني منهكة تماماً». بهذه الكلمات تصف خيري معاناتها اليومية مع الخروج من محل سكنها في مدينة أكتوبر الجديدة (غرب القاهرة) والتوجه إلى محل عملها بمنطقة التجمع الخامس (شرق القاهرة)، ما يتطلب منها قطع مسافة تقدر بنحو 88 كيلومتراً صباحاً، ومثلها في المساء.

وتوضح ندى، التي تعمل مديرة لخدمة العملاء في إحدى شركات التطوير العقاري، أن هذا التنقل اليومي جعلها غير قادرة على ممارسة حياتها بشكل طبيعي. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «حياتي الاجتماعية شبه منهارة، فلا توجد زيارات للأهل أو الأصدقاء، الذين يسكنون بعيداً عني».

شهدت مصر توسعاً في المدن العمرانية الجديدة ودعمها بوسائل النقل الجماعي (وزارة النقل المصرية)

تعكس شهادة ندى «المُنهكة» جانباً من ضغوط يواجهها بعض سكان القاهرة الكبرى، حيث فرض تمدد المدينة وتباعد أطرافها تحديات يومية على الأسر، وجعلتهم في سباق دائم مع الوقت.

وشهدت القاهرة في السنوات الأخيرة تمدداً عمرانياً وجغرافياً ملحوظاً، مع التوجه الحكومي لإنشاء عدد من المدن الجديدة على أطرافها، لتفريغ العاصمة من زحامها، ما جعلها مدينة مترامية الأطراف بشكل غير مسبوق، ومعها اتسعت المسافات بين شرقها وغربها لما يتجاوز 100 كيلومتر.

فعلى سبيل المثال، يتطلب الانتقال من أكتوبر الجديدة (غرباً) إلى مدينتي (شرقاً) قطع مسافة 106 كيلومتراً، في حين تتجاوز المسافة بين مدينة حدائق أكتوبر (غرباً) إلى العاصمة الجديدة (شرقاً) 90 كيلومتراً، كما أن المتجه من مدينة الشيخ زايد (غرباً) إلى مدينة بدر (شرقاً) يقطع مسافة 94 كيلومتراً.

هذا الامتداد الجغرافي انعكس على الحياة اليومية للسكان وأعمالهم ودراستهم، خصوصاً مع إقامة الآلاف في الغرب المترامي، والعمل والدراسة شرقاً، والعكس، ما فرض أعباء تخص واقع أعمالهم وحياتهم الاجتماعية، على الرغم من أن توجههم إلى المدن الجديدة في الأساس كان بهدف البحث عن فرص أفضل في السكن والوظيفة.

أطراف القاهرة الشرقية والغربية تمتد لنحو 100 كيلومتر (وزارة النقل المصرية)

يقول محمد عبد القادر، المحاسب بإحدى شركات الأدوية بمدينة 6 أكتوبر، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يقيم في شقة بمدينة بدر (شرق القاهرة) امتلكها عن طريق الإسكان الاجتماعي قبل عامين، فيما يقع عمله غرب القاهرة، ما يتطلب منه قطع مسافة نحو 97 كيلومتراً ذهاباً، ومثلها في العودة، ما تسبب له في إرهاق شديد، خصوصاً مع معاناته صحياً.

ولفت إلى أنه فكّر في توحيد مكان العمل والسكن، إلا أن القوانين المنظمة للإسكان الاجتماعي تمنعه من التصرف حالياً في مسكنه، كما أن إيجاد وظيفة بالقرب من سكنه أمر صعب، لذا فهو يتحمل الأمر الواقع حتى «إشعار آخر».

وحرصت الدولة المصرية خلال الفترة الماضية على إنشاء المدن العمرانية الجديدة والمدن الذكية بمعايير تكنولوجية عالمية، لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصريين، منها 9 مدن بإقليم القاهرة الكبرى، وفق «المخطط الاستراتيجي للتنمية العمرانية - مصر 2030».

وبحسب أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية في مصر، الدكتور حمدي عرفة، فإن «التوسع العمراني بالقاهرة خلق واقعاً ضاغطاً على المواطنين حيث يستنزف وقتاً يصل من ساعتين إلى 3 ساعات ذهاباً وإياباً».

وأضاف عرفة، لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الترامي الجغرافي انعكس في صورة أعباء معيشية واقتصادية متزايدة، حيث يضطر المواطن إلى إهدار وقت طويل في التنقل اليومي، إلى جانب ارتفاع تكلفة المواصلات، بما يمثل ضغطاً مباشراً على دخل الأسر.

أحد أحياء العاصمة الجديدة (موقع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في مصر)

نوع آخر من الضغوط تشير إليه، الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية العلاقات الأسرية والإنسانية، مبينة أن الاستنزاف الزمني في وسائل المواصلات ينعكس مباشرة على العلاقات الأسرية والاجتماعية، إذ يجد الأفراد أنفسهم معزولين عن أهلهم وأصدقائهم، وغير قادرين على تخصيص وقت للزيارات أو التنزه.

وتضيف، لـ«الشرق الأوسط»، أن ضغوط التنقل الطويلة جعلت كثيراً من الآباء والأمهات عاجزين عن أداء دورهم بشكل كامل، ما يضعف التماسك الأسري، لافتة إلى أن التحديات تمتد للصحة النفسية للأفراد، فالإجهاد الجسدي والعزلة يولدان شعوراً بالإحباط والاكتئاب، وقد يدفعان البعض إلى الانطواء أو فقدان الرغبة في التواصل الاجتماعي.

كلمات الخبيرة الاجتماعية تشرح واقع أسرة أميرة سعيد، فرغم إقامتها بوسط القاهرة، فإنها تعمل في إحدى الشركات بالقاهرة الجديدة (شرقاً)، بينما يعمل زوجها في «6 أكتوبر» (غرباً)، فيما يدرس نجلها الأكبر بأحد المعاهد بمدينة الشروق (شرقاً)، ما يجعلهم لا يلتقون إلا ليلاً، لافتة إلى أن هذا الواقع المُشتت أثّر على ترابطهم، وممارسة حياة اجتماعية طبيعية.

العاصمة الجديدة خلقت واقعاً جديداً شرق القاهرة (وزارة النقل المصرية)

ويلفت عرفة إلى أن الحكومة يقع عليها دور أساسي في تخفيف هذه الأعباء من خلال تحسين شبكات النقل الجماعي، بما يحقق التوازن بين الامتداد العمراني وجودة حياة المواطن ويرفع من كفاءة الإنتاج والعمل.

وعملت مصر على مدار السنوات الماضية على دعم المدن الجديدة بوسائل النقل الجماعي الحديثة، أبرزها القطار الكهربائي الخفيف والأتوبيس الترددي، والتوسع في إنشاء مترو الأنفاق.

كما تبدأ تشغيل المرحلة الأولى من «مونوريل شرق النيل»، الأربعاء، الذي وصفته وزارة النقل المصرية، الثلاثاء، بأنه «نقلة مهمة في وسائل النقل ‏الجماعي السريعة والعصرية»، إذ يساهم في تسهيل الوصول إلى مختلف المناطق السكنية والأحياء بالقاهرة الجديدة والعاصمة الجديدة.


السياحة المصرية تتجاهل اضطرابات المنطقة وتحقق نمواً لافتاً

زيارة المتاحف من الأنماط السياحية الرائجة بمصر (المتحف المصري)
زيارة المتاحف من الأنماط السياحية الرائجة بمصر (المتحف المصري)
TT

السياحة المصرية تتجاهل اضطرابات المنطقة وتحقق نمواً لافتاً

زيارة المتاحف من الأنماط السياحية الرائجة بمصر (المتحف المصري)
زيارة المتاحف من الأنماط السياحية الرائجة بمصر (المتحف المصري)

أعلنت مصر عن تحقيق نمو شهري في مجال السياحة بنسبة 20 في المائة منذ بداية العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي 2025. وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن هذا النمو يأتي تعبيراً عن المميزات التي تتمتع بها مصر من التنوع السياحي، والمرونة، والتسويق الفعال، على الرغم من الأزمة الراهنة بالمنطقة.

وأشار خلال اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الثلاثاء، لمتابعة إجراءات دعم قطاع السياحة وتحفيزه في ضوء التحديات الراهنة بالمنطقة، إلى أن «الاستقرار والأمن اللذين تشهدهما مصر ينعكسان بصورة إيجابية على حركة السياحة الوافدة - رغم الأزمة الحالية بالمنطقة وتداعياتها - ويعززان من ثقة الأسواق السياحية المختلفة في مصر».

وأكد رئيس الوزراء ضرورة تعزيز آليات دفع المزيد من الحركة السياحية الوافدة إلى مصر، وتيسير مختلف الإجراءات المتعلقة بدخول السائحين وخروجهم عبر جميع المطارات والمنافذ المختلفة، مع الاستمرار في اتخاذ الخطوات التي تهدف إلى تحسين الخدمات المقدمة للسائحين الوافدين إلى مصر خلال الفترة المقبلة، وفق بيان لرئاسة مجلس الوزراء.

وأوضح وزير السياحة أن عام 2025 انتهى بنمو ملحوظ في حركة السياحة، بلغ 21 في المائة مقارنة بعام 2024. كما استمر في بداية عام 2026 بنمو شهري بلغ 20 في المائة مقارنة بعام 2025.

وكانت مصر حققت نمواً في السياحة عام 2025 بنسبة 21 في المائة واستقبلت نحو 19 مليون سائح، في حين شهد العام السابق استقبال 15.7مليون سائح، ولعب افتتاح المتحف المصري الكبير في أول نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 دوراً مهماً في تنشيط مجال السياحة الثقافية المرتبطة بالمواقع الأثرية والمتاحف.

واستعرض وزير السياحة والآثار عدداً من الجهود التي تهدف إلى تحفيز القطاع ودعم نموه في الفترة المقبلة، مثل دفع استمرار شركات الطيران في تيسير رحلاتها إلى مصر، وتنفيذ الزيارات الميدانية والتفقدية، والتعاون مع جميع الشركاء في القطاع السياحي، ولا سيما القطاع الخاص لتعزيز التنافسية.

السياحة الشاطئية من ضمن المقومات المصرية لجذب السائحين (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر حملة ترويجية دولية لمقاصدها السياحية تحت شعار «مصر... تنوّع لا يُضاهى» نفذتها الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي بالعديد من الفعاليات عام 2025، كما أطلقت حملة إلكترونية جديدة للترويج للمقصد السياحي المصري في السوق العربية، بالتعاون مع منصة «WEGO» العالمية، تستمر حتى يونيو (حزيران) 2026.

ووفق تصريحات فتحي: «تتضمن جهود دعم السياحة أيضاً إبراز الأمان والسلامة للمقاصد السياحية المصرية، واستمرار خطة الترويج لعام 2026، مع التركيز على استمرار المشاركات الدولية مثل المعارض والقوافل السياحية، بالإضافة إلى سرعة تنفيذ الحملات الترويجية المشتركة، والمتابعة الدقيقة للأسواق وسرعة رد الفعل للتعامل مع أي أخبار مغلوطة».

وتراهن مصر على التنوع في مقاصدها السياحية مثل السياحة الثقافية والشاطئية والترفيهية والرياضية والعلاجية وسياحة السفاري والمؤتمرات وغيرها من الأنماط السياحية لجذب السائحين والوصول إلى 30 مليون زائر لمصر بحلول عام 2031.