تحذيرات من آثار الاعتداء على «سمعة ألمانيا»... ودعوات للتشدد مع «اليسار المتطرف»

الادعاء الفيدرالي يتسلم التحقيق في الاعتداء على مصنع تيسلا في برلين بعد الاشتباه بالإرهاب

لافتة كتب عليها «أوقفوا تسلا» معلقة في معسكر نشطاء المبادرة بالقرب من مصنع تسلا جيجافاكتوري برلين - براندنبيرغ (د.ب.أ)
لافتة كتب عليها «أوقفوا تسلا» معلقة في معسكر نشطاء المبادرة بالقرب من مصنع تسلا جيجافاكتوري برلين - براندنبيرغ (د.ب.أ)
TT

تحذيرات من آثار الاعتداء على «سمعة ألمانيا»... ودعوات للتشدد مع «اليسار المتطرف»

لافتة كتب عليها «أوقفوا تسلا» معلقة في معسكر نشطاء المبادرة بالقرب من مصنع تسلا جيجافاكتوري برلين - براندنبيرغ (د.ب.أ)
لافتة كتب عليها «أوقفوا تسلا» معلقة في معسكر نشطاء المبادرة بالقرب من مصنع تسلا جيجافاكتوري برلين - براندنبيرغ (د.ب.أ)

تسلم مكتب الادعاء العام الفيدرالي التحقيقات في الاعتداء الذي استهدف مصنع تيسلا في مدينة براندنبيرغ المجاورة لبرلين، في إشارة إلى تثبت الادعاء من أن طرفاً إرهابياً متورط في العملية التي أدت إلى وقف العمل في مصنع تيسلا حتى نهاية الأسبوع المقبل. ويحقق مكتب الادعاء الفيدرالي في ألمانيا بالقضايا المتعلقة بالإرهاب والأمن القومي وليس الجرائم العادية.

وكان مكتب الادعاء في ولاية براندنبيرغ قد بدأ التحقيقات في الحادث الذي وقع يوم الثلاثاء الماضي بعد أن أحرق ناشطون يساريون عمداً برجاً للكهرباء قريباً من شركة تيسلا، تسبب في قطع الكهرباء عن الشركة وعن آلاف المنازل المحيطة. وأبلغ آنذاك مكتب الادعاء التابع للولاية الادعاء العام بالتحقيقات في عملية تخريب حصلت «عن عمد»، وقال إنه أطلعه على تفاصيل العملية لكي يتم اتخاذ قرار في تسليمه التحقيقات. وأكد متحدث باسم الادعاء العام الذي يتخذ من مدينة كارلسروه مقراً له، تسلم المكتب التحقيقات من دون الإدلاء بتفاصيل إضافية.

سيارات تابعة لموظفي مصنع تسلا جيجافاكتوري برلين - براندنبيرغ متوقفة خارج المصنع حيث توقف الإنتاج في مصنع سيارات تيسلا بسبب انقطاع التيار الكهربائي بعد هجوم حريق متعمد على عمود الجهد العالي وتحقق الشرطة في الحريق (د.ب.أ)

وتسبب وقف العمل بالمصنع في خسائر مالية ضخمة تصل إلى عدة مليارات من اليوروهات، لشركة تيسلا التي من المفترض أن تنتج يومياً نحو 750سيارة في مصنع يشغل 12 ألف شخص.

وبعد وقت قليل على إعلان وقف العمل في تيسلا، الثلاثاء الماضي، أعلنت مجموعة تدعى «فولكان غروب» أو ما ترجَمَته «جماعة البركان» وهي جماعة يسارية متطرفة، أنها استهدفت مصنع تيسلا. والجماعة كانت قد نفذت عملية تخريب استهدفت المصنع كذلك في عام 2021. ونشرت رسالة على مواقع على الإنترنت من «جماعة البركان» تقول إن العملية التي استهدفت مصنع تيسلا هدفها «وقف» إيلون ماسك، مالك الشركة، الذي وصفته بأنه «تيكنوفاشي» لأنه «يخطط لهجوم تكنولوجي شمولي» على العالم. وتضمنت الرسالة التي نسبت للجماعة المتطرفة، وأكدت الشرطة لاحقاً صحتها، انتقادات للرأسمالية ولظروف العمل التي تستغل العمال و«نظام المراقبة الجديد»، وقالت إن هدفها «تركيع تيسلا ودفع ماسك للهرب - من المفضل - إلى المريخ».

وبحسب المخابرات الألمانية الداخلية، فإن «جماعة البركان» موجودة منذ عام 2011، رغم أن أعضاءها يغيرون اسم المجموعة بشكل مستمر منعاً لتعقبهم. وقد نفذوا مجموعة من عمليات التخريب في السنوات الماضية استهدفت خاصةً أبراج كهرباء وراديو وشبكات اتصالات، من دون أن تنتج عن العمليات إصابات لأشخاص حتى الآن. وتقول المجموعة التي لا تؤمن بالرأسمالية وبشكل المجتمع الحديث، إنها تهدف لإظهار مدى «ضعف البنية التحتية للتنقل والاتصالات في المناطق الحضرية»، بحسب المخابرات الألمانية.

ولا يلاقي المصنع معارضة فقط من «جماعة البركان» بل أيضاً من سكان المنطقة وناشطين بيئيين. ومنذ أسابيع يمكث ناشطون في الغابة المحيطة منعاً لتوسع المصنع أكثر كما يريد ماسك الذي يسعى لبناء مخازن إضافية في محيط المصنع الضخم. ويعترض الناشطون على ذلك ويرون أنه سيضر بالبيئة والمياه الجوفية في المنطقة. ولا يحبذ سكان المنطقة الفكرة كذلك، إذ أظهر استطلاع رأي أجرته البلدية الشهر الماضي، معارضة ثلثي السكان البالغ عددهم نحو 5 آلاف، لمشروع التوسع. وتزداد المخاوف من العاملين في المصنع على سلامتهم، وقال مدير المصنع أندريه تييريغ، إنه «قلق من المزاج الذي يشجع على تصرفات كهذه»، في إشارة إلى مزاج السكان في المنطقة المحيطة بالمصنع.

ولكن الاعتداء على المصنع الذي أزعج ماسك ودفعه لانتقاد «ناشطين سخفاء» على منصة «إكس»، أزعج السياسيين كذلك ونشر مخاوف حول زيادة عنف اليسار المتطرف في البلاد.

وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر (إ.ب.أ)

وقالت وزيرة الداخلية نانسي فيزر إن هناك حاجة لاتخاذ خطوات أشد قساوة مع إرهاب اليسار المتطرف، وقالت: «ما حصل جريمة تخريب، ترك الآلاف من دون كهرباء! وبالنسبة لنا هذه ظاهرة شهدناها في السنوات الماضية مع ازدياد حدة اليسار المتطرف وتحوله إلى العنف وهذا يدعو لاتخاذ خطوات أكثر قساوة»، مضيفة إلى أنه على الادعاء العام إنزال «عقوبات شديدة» بحق المخربين.

نقل اثنين من المشتبه بهم بالإرهاب من قبل ضباط الشرطة الألمانية لتقديمهم إلى قاضي التحقيق بعد كشف مكتب المدعي العام الفيدرالي عن خلية إرهابية مشتبه بها في شمال الراين وستفاليا (د.ب.أ)

وعلى ضوء الاعتداء، دعت نقابة الشرطة الألمانية وزراء داخلية الولايات إلى الموافقة على مفهوم مشترك لمكافحة العنف المتنامي من قبل الجماعات اليسارية المتطرفة. وقال يوخن كوبلكه، رئيس نقابة الشرطة، لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، إن «التهديد الأكبر لديمقراطيتنا يأتي من الجماعات المتطرفة التي تريد إلغاء دستورنا، ولكن هذا ليس سبباً لمواجهة العنف اليساري بقليل من الضغط».

وحذر كوبلكه من أنه إذا «لم يتم كسر دوامة التطرف هذه، فسيكون هناك قريباً تهديد بهجمات مختلفة تماماً». ودعا وزراء داخلية الولايات إلى تقديم مفهوم بحلول مؤتمرهم القادم في الصيف المقبل.

من المظاهرات ضد اليسار المتطرف في برلين (أ.ف.ب)

واقتصادياً تزداد المخاوف أيضاً من تأثير اعتداء كهذا، إذ عبر نائب مدير عام غرفة التجارة والصناعة في براندنبيرغ عن قلقه من تأثير الاعتداء على الاستثمارات المستقبلية في المنطقة. وقال ميشائيل فولكر في تصريحات لقناة «آر بي بي 24» إنه «من المهم أن يقف السياسيون وأصحاب الأعمال والمجتمع جنباً إلى جنب، وبعث رسائل واضحة برفض الاعتداءات الإرهابية»، كتلك التي استهدفت مصنع تيسلا، محذراً من أن عدم القيام بذلك سيكون له «ضرر كبير على الاقتصاد والمجتمع».

ونقلت صحيفة «دي فيلت» عن الباحث الاقتصادي يواكيم راغنيتز أن الاعتداء «رسالة تحذير إلى الاقتصاد»، وقال: «إذا لم ننجح بحماية بنياتنا التحتية بشكل أفضل في ألمانيا، فإنه يمكن لاعتداءات كهذه أن يكون لها آثار سلبية على المديين المتوسط والبعيد». وأضاف أن «الضرر لصورة المنطقة وألمانيا كبير».


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

أفريقيا عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

هدد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي بتصفية 416 رهينة لديه إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي...

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شمال افريقيا اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».