المصريون عالقون بين «هاشتاغات» التعويم… وعيونهم مُعلقة بالأسعار

الأشهر الماضية شهدت نشاطاً كبيراً في «السوق السوداء»

بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

المصريون عالقون بين «هاشتاغات» التعويم… وعيونهم مُعلقة بالأسعار

بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

بين إلقاء «نظرة الوداع» على سعر الدولار الرسمي «الثابت» في البنوك المصرية، والإقرار بأنهم في «لحظات تاريخية» حالية، والتخوف المستقبلي من غلاء جديد يطول السلع والمنتجات، جاء حال المصريين، وهم يتابعون مشهد التطورات الاقتصادية في بلادهم، مع قرار البنك المركزي المصري، الأربعاء، «تحديد سعر صرف الجنيه وفقاً لآليات السوق».

فمع استيقاظ المصريين على القرار المتوقع، الذي عده البعض «تعويماً»، وما تبعه من رفع أسعار الفائدة على الجنيه بواقع 6 في المائة؛ تفاعلت «السوشيال ميديا» بقوة مع القرارات الجديدة. وفي غضون دقائق قليلة من الإعلان عن تلك القرارات، هيمنت النزعة الاقتصادية على التفاعلات، التي تصدرتها «هاشتاغات» عديدة، أبرزها: «#المركزي_المصري»، «#الدولار»، «#الجنيه»، «#السعر_العادل»، «#السوق_الموازي»، «#شلل_السوق_السوداء».

وشهدت الأشهر الماضية بمصر نشاطاً كبيراً لـ«السوق السوداء»، وهي سوق موازية غير قانونية لتبديل العملات الأجنبية خارج المعاملات المصرفية، في ظل تزايد الفارق بين السعر الرسمي للدولار المعلن بالبنوك، وسعر «السوق الموازية» لقيمة تلك العملات مقابل الجنيه المصري، وكان الدولار الأميركي على رأس العملات المتداولة خارج الإطار الرسمي، حيث بلغ سعره الرسمي 30.9 جنيه، بينما كان يباع في «السوق السوداء» بأرقام أعلى بكثير، حيث ناهز سعره الـ70 جنيهاً في بعض الأوقات.

وبمجرد صدور بيان البنك المركزي، بدأ سعر الدولار الرسمي في الصعود حتى بلغ الـ50 جنيهاً في تعاملات عصر الأربعاء.

وعكست ردود فعل رواد «السوشيال ميديا» على القرارات الجديدة تبايناً بين قطاعات من المتفائلين والمتشائمين حيال سعر العملة ومستقبل «السوق السوداء» وأسعار السلع المختلفة. وقال حساب باسم «أحمد البرديسي»، إن «هناك توديعاً للسوق السوداء، وهذا معناه وجود فرصة للتنمية والاستقرار الاقتصادي».

من جهته، أكد الخبير الاقتصادي المصري، أشرف غراب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «قرارات البنك المركزي المصري، الأربعاء، جاءت في توقيت مهم ومناسب من أجل السيطرة على سعر الصرف وكبح جماح التضخم والسيطرة عليه».

وتباطأ معدل التضخم في مصر إلى 29.8 في المائة على أساس سنوي في يناير (كانون ثاني) الماضي، من 33.7 بالمائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسجل أعلى مستوى تاريخي عند 38 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر.

منطقة العتبة في وسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وهنا يرى غراب أن تلك القرارات تهدف إلى السيطرة على «السوق السوداء للدولار»، خاصة بعد دخول كميات كبيرة من النقد الأجنبي لمصر من صفقة «رأس الحكمة»، فكان لابد من اتخاذ خطوات قوية وصارمة للقضاء على «السوق الموازية للعملة».

ووقّعت مصر الأسبوع الماضي عقد تطوير مشروع «رأس الحكمة» بشراكة إماراتية، واستثمارات قدرت بنحو 150 مليار دولار خلال مدة تطوير المشروع، تتضمن ضخّ نحو 35 مليار دولار استثماراً أجنبياً مباشراً للخزانة المصرية خلال شهرين، وسط تطلع مصري لأثر سياسي واقتصادي مستدام من الصفقة.

إلى ذلك، تعلقت عيون المصريين بتطورات الأسعار نتيجة القرارات، وتفاعلت تعليقات «السوشيال ميديا» مع تأثير القرارات على أسعار السلع.

وتمنى حساب باسم «رغدة السعيد»، ثبات الأسعار، وألا تكون وفرة الدولار في البنوك مؤقتة.

وتخوف حساب باسم «تقى» من زيادة الأسعار، رغم أن التسعير في السوق كان يتم على أساس سعر الدولار في السوق الموازية.

وشهدت مصر ارتفاعات متتالية في أسعار السلع منذ بداية العام الحالي، خصوصاً أسعار الذهب، ومواد البناء، والأجهزة الكهربائية، والمواد الغذائية، ومنتجات الألبان، واللحوم والدواجن، مدفوعة بتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.

وعندما تخطى سعر الدولار حاجز 50 جنيهاً في بعض البنوك المصرية، الأربعاء، عدّ حساب باسم «أحمد عبده» أن البنوك تنافست في رفع سعر الدولار، و«هو ما يعني غلاءً منتظراً»، وفق قوله.

عودة إلى غراب الذي أشار إلى أن «هذه القرارات المهمة تعمل على توافر الدولار بالبنوك، ما يلبي احتياجات المستوردين والصُناع والمنتجين لاستيراد مستلزمات الإنتاج والخامات الضرورية، وهذا يسهم في زيادة معدلات التشغيل، وبالتالي يسهم في خفض الأسعار بلا شك».

ورغم «اللحظات التاريخية»، التي تشهدها الأوضاع الاقتصادية في البلاد وفق وصف البعض، فإن التندر لم يغب عن تعليقات المصريين، ولجأ العديد منهم إلى بعض المشاهد السينمائية للتعبير عن تلك اللحظات بشكل ساخر، ومنها مشهد يلخص حال المصريين أمام الشاشات، مصحوباً بتعليق: «وأنا سايب شغلي وبتابع التعويم».

لكن الخبير الاقتصادي المصري، ياسر حسين قال لـ«الشرق الأوسط» إن «المصريين سيبقون عالقين لفترة بين (هاشتاغات) مماثلة، طالما أن الفجوة المالية بين الموارد والمصروفات الدولارية العامة قائمة». وأشار إلى أن «هناك بوادر إيجابية في السوق؛ لكن المخاوف ما زالت قائمة لدى بعض الفئات». ودلل حسين على ذلك بقوله إن «هناك موروثاً ثقافياً لدى المصريين مفاده أن ما يرتفع سعره لا يهبط مرة أخرى».

كما رأى حسين أن «التغلب على تلك المخاوف يتطلب عرض الدولار باستمرار في البنوك المصرية، أياً كان سعره»، وأن «يشعر المواطن بانعكاسات تدريجية إيجابية على السوق المصرية».


مقالات ذات صلة

«غضب» في مصر مع «غربلة» موسعة لقوائم مستحقي الدعم

الاقتصاد سلع غذائية مرصوصة على أرفف أحد منافذ البيع المصرية (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

«غضب» في مصر مع «غربلة» موسعة لقوائم مستحقي الدعم

قدمت عضو مجلس النواب، نشوى الشريف، طلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزير التموين، الأحد، حول آلية حذف المواطنين من بطاقات التموين.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا مدبولي أكد الأحد حرص حكومته على تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بشأن الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي

تتجه مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي، استناداً لتوجيهات رئاسية بفتح نقاش مستمر بشأن هذا الملف.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الإدارية يوم السبت (الرئاسة)

تحليل إخباري تنشيط الأحزاب وانتخابات محلية... كيف تنعكس توجيهات السيسي على الحياة السياسية بمصر؟

وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتنشيط الحياة الحزبية وتأهيل كوادرها والانتهاء من الاستعدادات اللازمة، لإجراء انتخابات المجالس المحلية الغائبة منذ 18 عاماً.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا طالبات داخل فصل دراسي بإحدى المدارس المصرية أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

«الثانوية المصرية»... ملاحقات مستمرة لـ«مسرّبي الامتحانات»

تعهدات متكررة من وزارة التربية والتعليم المصرية بملاحقة «مسرّبي امتحانات» الثانوية العامة بالبلاد، لا يراها خبراء تربويون «كافية لمنع التسريب الإلكتروني».

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
رياضة عربية حسام حسن وشقيقه إبراهيم خلال مباراة أستراليا (د.ب.أ)

حسام حسن: تجاوزنا أزمة دالاس… واعتذار الشرطة لمنتخب مصر أنهى الموقف

أكّد مدرب منتخب مصر، حسام حسن، أن الأزمة التي وقعت بينه وبين شقيقه مدير المنتخب إبراهيم حسن مع أحد أفراد شرطة مدينة دالاس الأميركية انتهت.

«الشرق الأوسط» (دالاس)

موريتانيا: مظاهرة للمعارضة تتهم الحكومة بالعجز عن محاربة الفساد

مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: مظاهرة للمعارضة تتهم الحكومة بالعجز عن محاربة الفساد

مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)

انتقدت المعارضة الموريتانية، خلال مظاهرة مساء الأحد، سياسات الحكومة التي اتهمتها بـ«الفشل» و«العجز» عن مواجهة الفساد ما أدى إلى ارتفاع الأسعار واستمرار الأزمات والتضييق على الحريات.

وكان قادة المعارضة يتحدثون أمام المئات من أنصارهم خلال مظاهرة في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد، وهي ثاني أهم مدينة في موريتانيا وتُعد عاصمتها الاقتصادية، حيث يتركز النشاط الصناعي وبخاصة صيد الأسماك وتصدير خامات الحديد.

المدينة المهددة

واختارت المعارضة مدينة نواذيبو، المطلة على المحيط الأطلسي ويقطنها قرابة 200 ألف نسمة، مكاناً للمظاهرة لأنها تعاني أزمة عطش حادة ظلت تؤرق الحكومات المتعاقبة منذ عقود دون الوصول إلى حل لها.

فالمدينة التي تعد شبه جزيرة داخل المحيط تعتمد منذ ستينيات القرن الماضي على المياه التي يجلبها القطار من على بعد مئات الكيلومترات، ولكن مع تزايد الضغط السكاني أصبحت تواجه خطر العطش الذي يهدد وجودها. وتتصاعد الأزمة مع ارتفاع درجات الحرارة في موسم الصيف من كل عام.

جانب من مظاهرة المعارضة في مدينة نواذيبو بشمال غرب موريتانيا مساء الأحد (إعلام محلي)

ووصف زعيم «مؤسسة المعارضة الديمقراطية» ورئيس حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، حمادي ولد سيدي المختار، سياسات الحكومة بأنها «فاشلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى»، وقال إن هذا هو «سبب عطش نواذيبو، وعدم استفادتها من ثروتها السمكية».

وأضاف أمام أنصار المعارضة: «الشعب الموريتاني مطحون بسبب سياسات الحكومة التي اختارت زيادة الأسعار وتسببت في تفاقم معاناة المواطنين»، وأكد أن المعارضة «قدمت حلولاً لأزمة الغلاء وارتفاع الأسعار، ولكن الحكومة تجاهلتها».

أزمة الفساد

نفس الرأي جاء على لسان الرئيس الدوري لـ«ائتلاف المعارضة الديمقراطية»، محمد ولد مولود، الذي قال إن ما تعانيه مدينة نواذيبو من أزمات «سببه الفساد»، مشيراً إلى أن «الدولة لا تعاني نقص الموارد ولا غياب الحلول، وإنما تعاني الفساد الذي يقف وراء استمرار الأزمات».

وحول أزمة العطش في ثاني أهم مدينة موريتانية، قال: «الحكومة أعلنت في السابق إنشاء مصنع لتحلية المياه، كما أطلقت مشروعاً آخر كلف خزينة الدولة أكثر من 80 مليون دولار، ولكن كل هذه المشاريع فشلت في حل مشكلة العطش».

ودعا إلى محاسبة المسؤولين عن «هدر الأموال»، وقال إن على المواطنين «توحيد جهودهم للدفاع عن حقوقهم ومعالجة المشاكل بأنفسهم»، وإن الدولة «عاجزة عن مواجهة الفساد».

تصعيد المعارضة

يأتي خطاب المعارضة التصعيدي بالتزامن مع تقارب كبير بين الأطراف السياسية للدخول في حوار وطني بعد أن وقَّعت الأطراف على وثيقة وُصفت بأنها «خريطة طريق» للحوار المرتقب.

وجاء التوقيع رغم تباين مواقف الأغلبية والمعارضة حول النقاط التي سيجري الحوار حولها، حيث اعترضت أحزاب الأغلبية على بعض فقرات «الدليل المرجعي» للحوار، في حين رحبت به المعارضة لأنه استجاب لمطلب الابتعاد عن أي نقاش حول تعديل الدستور، وخاصة ما يتعلق بالمواد المحصنة التي تنص على أن رئيس الجمهورية له الحق في ولايتين رئاسيتين فقط.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني خلال حملته الانتخابية السابقة (رويترز)

وكانت هذه النقطة محل خلاف كبير بين أطراف المشهد السياسي في موريتانيا؛ فالبلاد تستعد لتنظيم انتخابات رئاسية عام 2029 ستكون مفصلية وحاسمة؛ لأن الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني لا يمكنه الترشح لها بسبب قيود الدستور الحالي للبلاد. وتجد المعارضة في ذلك فرصة كبيرة لإحداث تغيير.

أما أحزاب الأغلبية، أو على الأقل بعضها، فقد بدأت تعلن بشكل صريح دعمها لتعديل الدستور من أجل إزالة القيود المفروضة على عدد الولايات الرئاسية، وبالتالي السماح لولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية ثالثة «من أجل إكمال مشروعه التنموي»، على حد تعبيرها.


ما مصير الوجود الروسي في ليبيا حال تطبيق «المبادرة الأميركية»؟

القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
TT

ما مصير الوجود الروسي في ليبيا حال تطبيق «المبادرة الأميركية»؟

القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)

أعاد الزخم المتواصل بشأن «المبادرة الأميركية» لحلحلة الأزمة الليبية طرح تساؤلات بشأن الوجود الروسي في البلاد، ولا سيما عناصر «المرتزقة»، وذلك في حال تطبيق هذه الخطة التي يدعمها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

واتفق سياسيون ومحللون على أن الولايات المتحدة تسعى من خلال المبادرة إلى «كبح» نفوذ روسيا في المنطقة، وإلى تحقيق مآرب تخدم مصالحها، مشيرين إلى أن تفاصيل الخطة يكتنفها الغموض.

وقال صالح المخزوم، نائب رئيس «المؤتمر الوطني العام» السابق، إن تطبيق المبادرة الأميركية «سيضع الوجود الروسي في ليبيا في مأزق حقيقي»، وتوقَّع في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن تعمل واشنطن على توظيفها «لترسيخ واقع جديد يخدم مصالحها وأهدافها الاستراتيجية، وفي مقدمتها كبح النفوذ الروسي في شمال أفريقيا، انطلاقاً من ليبيا، عبر التضييق لا الصدام المباشر».

وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي وعسكري، تتنازع فيه على السلطة حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس بغرب البلاد، والأخرى مكلفة من مجلس النواب، وتدير الشرق وأجزاءً من الجنوب، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر.

وتهدف المبادرة -حسب تأكيد بولس- إلى توحيد المؤسسات والسلطة ودعم الانتخابات، ولكنها تلقى معارضة في غرب ليبيا؛ خصوصاً مع تداول مقترح يقضي بتولي صدَّام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، وبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

ووصف الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، المبادرة بأنها «غامضة وغير مكتملة الملامح»، في ظل عدم وجود موقف معلَن من حكومة «الوحدة»؛ مشيراً إلى أن «جوهر المبادرة هو تقليص الفجوة بين معسكرَي شرق ليبيا وغربها، وهذا يحمل أنباءً سيئة لروسيا»، مقدراً عدد القوات الروسية بأكثر من ألفَي عنصر.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المبادرة «تتقاطع مع حسابات دول وقوى إقليمية تسعى إلى تصعيد صدَّام حفتر إلى واجهة السلطة؛ وإذا ما طُبقت فسيتعزز نفوذ هؤلاء. وفي ظل تقارب روسيا معهم، قد تحتفظ الأخيرة بتموضعها داخل ليبيا».

في المقابل، ورغم إقراره بوجود «انزعاج روسي» من المبادرة، استبعد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية، اشريِّف عبد الله، حدوث تغيير جوهري في التموضع الروسي بليبيا. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القلق يدفع موسكو إلى نقل مزيد من العناصر والعتاد إلى قواعدها في ليبيا: «لكنه يُعد تعزيزاً استباقياً لا تحسباً لصدام».

وأشار أيضاً إلى قلق أوروبي من التمدد الروسي في جنوب المتوسط، وتعويل الأوروبيين على واشنطن لمكافحته، ويرى أن ذلك عامل آخر يدفع الولايات المتحدة إلى عدم إزاحة الوجود الروسي من ليبيا «لتستخدمه ورقة ضغط لضبط ميل بعض الدول الأوروبية إلى الخروج عن الطاعة الأميركية»، على حد قوله.

وتعمل القوات الروسية والعناصر التابعة لها إلى جانب «الجيش الوطني»، الذي يسيطر على شرق ليبيا وبعض مناطق الجنوب، بينما تعمل القوات التركية والعناصر الموالية لها لصالح سلطات غرب البلاد.

صدَّام حفتر خلال زيارة إلى العاصمة الروسية موسكو في مايو الماضي (القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي)

وفيما يتعلق بالقوات و«المرتزقة» التابعين لتركيا في ليبيا، يرى عبد الله أن عددهم يتناقص مقارنة بما كان عليه سابقاً؛ خصوصاً مع عودة كثير من عناصر الفصائل السورية إلى بلادهم بعد سقوط نظام بشار الأسد. أما المجموعات المسلحة من دول الجوار الأفريقي، فيشير إلى أن «أغلبهم عادوا إلى أوطانهم؛ سواء للانخراط في صراعات محلية -كما في السودان- أو نتيجة تفاهمات سياسية».

ويقول مدير معهد «صادق» للأبحاث، أنس القماطي، إن روسيا بعد فقدان قواعدها في سوريا نقلت ثقلها اللوجستي إلى ليبيا، لتصبح الأخيرة «عموداً فقرياً لشبكة إمداد (الفيلق الأفريقي)، وبالتالي لا تفاوض على الخروج منها».

أما الوجود التركي في غرب ليبيا فيستند -حسب القماطي- إلى اتفاقية التعاون الأمني الموقَّعة مع حكومة «الوفاق» السابقة نهاية عام 2019؛ مشيراً إلى أن تمركز القوات التركية في مناطق وقواعد، من بينها الوطية ومعيتيقة وطرابلس ومصراتة والخمس: «يعد ضمانة استراتيجية لمصالحها في الطاقة وممرات شرق المتوسط».

وتوقع أن يكون لأنقرة دور في تطبيق المبادرة الأميركية «بحكم علاقاتها الوثيقة حالياً بالقوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها».

أما الأكاديمي والباحث السياسي أعلية العلاني، فتوقع استمرار الوضع الراهن إلى حين تشكيل حكومة منتخبة تملك شرعية شعبية تخولها المطالبة برحيل القوات الأجنبية، معتبراً أن هذا مسار «قد تسلكه واشنطن لإفراغ الساحة لنفوذها الخاص».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن اهتمام واشنطن بليبيا تصاعد بعد أزمة الطاقة وإغلاق مضيق هرمز، معتقداً أنها «تريد تأمين استقرار تدفق النفط، وتهيئة المناخ لشركاتها العاملة في هذا القطاع، إضافة إلى الاستفادة من قرب موقع ليبيا من مسارات مكافحة الهجرة والتطرف وتجارة السلاح».

وانتهى العلاني إلى أن موسكو وأنقرة لديهما فرصة «تحويل حضورهما العسكري إلى شراكات متعددة، فضلاً عن احتمال صعود كتل برلمانية في المستقبل تدعم التنسيق مع روسيا».


«حقوق الإنسان» الأممي يأمر بـ«تحقيق عاجل» بشأن أحداث الأُبيّض السودانية

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)
TT

«حقوق الإنسان» الأممي يأمر بـ«تحقيق عاجل» بشأن أحداث الأُبيّض السودانية

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)

أمر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الاثنين بإجراء «تحقيق عاجل» في الانتهاكات والتجاوزات في مدينة الأُبيِّض السودانية، محذّراً من خطر وشيك لوقوع «فظائع واسعة النطاق».

وتخضع مدينة الأبيّض الواقعة في ولاية شمال كردفان بوسط السودان، لحصار تفرضه منذ أشهر «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023.

وفي قرار اعتمده الأعضاء السبعة والأربعون بالإجماع، الاثنين، عقب مناقشة عاجلة عُقدت الجمعة بناءً على طلب المملكة المتحدة، أعرب مجلس حقوق الإنسان عن «قلقه البالغ إزاء الخطر الوشيك لوقوع فظائع واسعة النطاق، ولا سيما العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والذي يتعرض له مئات الآلاف من المدنيين... في الأُبيَّض والمناطق المحيطة بها»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبناءً على ذلك؛ كلف المجلس «البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان» التي كان قد أنشأها في بداية النزاع، إجراء «تحقيق عاجل» في «انتهاكات القانون الدولي الإنساني والجرائم الدولية ذات الصلة التي يُشتبه في ارتكابها».

خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، أطلقت الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية وحكومات مختلفة تحذيرات بشأن هجوم وشيك محتمل على الأُبيّض، على غرار الهجوم الذي أدى العام الماضي إلى الاستيلاء على الفاشر في غرب السودان، وهي مدينة تقع في دارفور وتُتهم «قوات الدعم السريع» بارتكاب فظائع فيها.

وشدد المجلس على «عدم وجود حلّ عسكري للأزمة في السودان»، مجدداً دعوته إلى «وقف فوري وشامل لإطلاق النار، من دون شروط مسبقة»، وإلى إرساء «عملية انتقال سياسي ذات مصداقية وشاملة تفضي إلى حكومة وطنية منتخبة ديموقراطياً بعد فترة انتقالية بقيادة مدنية».

وتضمّ مدينة الأُبيّض نصف مليون نسمة، كما تستضيف نحو 100 ألف شخص نزحوا بسبب العنف في مناطق أخرى من البلاد.

ورغم تمكّن الجيش من كسر حصار طويل في فبراير (شباط) من العام الماضي، فإنه يواجه صعوبة في منع «قوات الدعم السريع» من إعادة فرض الحصار من خلال هجمات متكررة بطائرات مسيّرة تستهدف المدينة وبناها التحتية وطريق الخروج الرئيسي منها.

وأدان المجلس في قراره «الغارات الجوية ضد المدنيين واستهداف البنى التحتية المدنية بشكل غير مشروع»، مشيراً تحديداً إلى «عشرات الضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة الأُبيّض خلال الأسبوعين الماضيين، بما في ذلك مستشفيات ومرافق صحية أخرى؛ ما أسفر عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين وعرقلة الوصول إلى الخدمات الأساسية».

وفي حين دعا النص «جميع أطراف النزاع إلى ضمان حماية المدنيين»، ولا سيما أولئك الذين أُجبروا على الفرار من منازلهم، ندّد أيضاً بـ«الاستخدام الواسع النطاق للاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي كوسيلة من وسائل الحرب، بما في ذلك في أماكن الاحتجاز وكشكل من أشكال التعذيب».