بوتين: أصدقاؤنا أكثر من الأعداء لكن علينا التصدي لـ«التهديدات»

موسكو تندد بضلوع الغرب «المباشر» في أوكرانيا... وسفراء أوروبا يقاطعون لافروف

السفير الألماني لامبزدورف لدى مغادرته مقر وزارة الخارجية الروسية بعد استدعائه للاحتجاج على «تدخل بلاده المباشر» في أوكرانيا الاثنين (رويترز)
السفير الألماني لامبزدورف لدى مغادرته مقر وزارة الخارجية الروسية بعد استدعائه للاحتجاج على «تدخل بلاده المباشر» في أوكرانيا الاثنين (رويترز)
TT

بوتين: أصدقاؤنا أكثر من الأعداء لكن علينا التصدي لـ«التهديدات»

السفير الألماني لامبزدورف لدى مغادرته مقر وزارة الخارجية الروسية بعد استدعائه للاحتجاج على «تدخل بلاده المباشر» في أوكرانيا الاثنين (رويترز)
السفير الألماني لامبزدورف لدى مغادرته مقر وزارة الخارجية الروسية بعد استدعائه للاحتجاج على «تدخل بلاده المباشر» في أوكرانيا الاثنين (رويترز)

​وجَّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسائل قوية للغرب، مؤكداً أن عدد أصدقاء روسيا في العالم أكبر من عدد خصومها، بينما أطلق نائبه دميتري مدفيديف تحذيراً نارياً جديداً؛ مذكراً بأن «كل الأراضي على ضفتي نهر الدنيبر هي حق تاريخي لروسيا».

وبالتزامن مع ذلك، أثار رفض سفراء بلدان الاتحاد الأوروبي المعتمدين في موسكو تلبية دعوة للاجتماع مع وزير الخارجية سيرغي لافروف، لمناقشة ترتيبات الانتخابات الرئاسية في البلاد، غضب الوزير الذي حذر من استعدادات تقوم بها السفارات الغربية للتدخل في مسار انتخابات بلاده. وبدا أن الحادثة تعكس تفاقم التوتر الدبلوماسي بين روسيا والغرب، مع زيادة سخونة الوضع على طرفي الحدود. وجاءت هذه التطورات في وقت أعلن فيه حلف شمال الأطلسي إطلاق مناورات عسكرية تجري للمرة الأولى بمشاركة العضوين الجديدين فنلندا والسويد.

وعكست التطورات المتلاحقة مستوى جديداً من التدهور في العلاقات الروسية- الغربية التي كان لافروف قد وصفها في وقت سابق بأنها وصلت إلى أدنى مستوياتها؛ إذ لم يسبق -وفقاً للوزير- في الأعراف الدبلوماسية أن تم رفض دعوة رسمية من جانب سفراء معتمدين للحديث مع وزير الخارجية في تلك الدولة.

وبدا لافروف غاضباً للغاية من الحادثة، وهو يعلن أن وزارته تلقت قرار مقاطعة الدعوة «قبل يومين فقط على الموعد المحدد للاجتماع». وخاطب الوزير الحاضرين في جلسة لمهرجان الشباب العالمي بعبارة: «ما رأيكم؟ قبل يومين من الموعد المقرر، قبل الاجتماع، أرسلوا لنا مذكرة تتضمن قرار عدم حضور الفعالية. هل يمكنكم أن تتخيلوا شكل العلاقات مع الدول على المستوى الدبلوماسي التي يخشى سفراؤها أن يأتوا إلى اجتماع مع وزير الدولة المعتمدين فيها؟ أين رأيتم ذلك من قبل؟». ولفت إلى أن وزارته وجهت الدعوات في وقت مبكر قبل أكثر من عشرة أيام.

لكن اللافت أن لافروف كشف أيضاً جانباً من رؤيته لسبب المقاطعة الأوروبية. وقال: «لقد جمعنا كثيراً من المواد حول نشاط سفارات الاتحاد الأوروبي في موسكو، وكيف يستعدون لانتخاباتنا الرئاسية، وما هي آليات التدخل، وإنشاء المشاريع الداعمة لمعارضينا، وكل تلك الأشياء التي يجب ألا تفعلها السفارات».

وقال إن الخارجية الروسية تسلَّمت أيضاً مواد حول نشاط السفارة الأميركية الموجه للتأثير على الانتخابات الرئاسية في روسيا، في نهاية فبراير (شباط) من قبل رئيس لجنة مجلس النواب (الدوما) للتحقيق في التدخل الأجنبي، فاسيلي بيسكاريف. وأوضح وزير الخارجية أنه كان يعتزم «إقناع الدبلوماسيين الأوروبيين بالتخلي عن مثل هذه التصرفات».

وتجري الانتخابات الرئاسية في روسيا بين 15 و17 من الشهر الجاري. وأعلنت موسكو سلفاً أنها «لن تسمح بتدخل أجنبي في شؤونها الداخلية، وستقطع أي محاولات للتخريب».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى اجتماعه مع عمدة موسكو سيرغي سوبيانين في موسكو الاثنين (رويترز)

وتزامن هذا مع إعلان الرئيس الروسي أن بلاده «لديها أصدقاء أكثر من الأعداء»؛ لكن على الرغم من ذلك، أكد بوتين أن «التهديدات التي يحاول (الغرب) خلقها في روسيا ليست فارغة، ويجب على السلطات أن تضع ذلك في الاعتبار».

استدعاء السفير الألماني

في غضون ذلك، تواصلت التداعيات المتعلقة بتسريبات تسجيلات لاتصالات هاتفية أجراها ضباط ألمان أخيراً، وتحدثوا خلالها عن خطط لشن هجمات في منطقة شبه جزيرة القرم. وبعد استدعاء السفير الألماني في موسكو وتسليمه مذكرة احتجاجات ومطالب بالتوضيح، قالت الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا إن برلين «ملزمة بتقديم أجوبة على الأسئلة التي طرحها التسريب الأخير لمحادثات ضباط الجيش الألماني». وانتقدت موسكو التدخل المباشر للغرب في أوكرانيا.

وكانت رئيسة تحرير شبكة «آر تي» مارغريتا سيمونيان، قد كشفت عن حصولها على تسجيلات «من رفاق من أصحاب الرتب في الجيش الروسي»، يبحث فيها ضباط ألمان كبار كيفية ضرب جسر القرم عبر مضيق كيرتش في البحر الأسود، دون أن يقود التحقيق إلى وقوف برلين وراء هذا الاعتداء.

ووعد المستشار الألماني أولاف شولتس بالتحقيق العاجل في التسجيل. كما قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، إن الضباط الألمان بحثوا في التسجيل المذكور «سيناريوهات محتملة» وليست خططاً ألمانية ملموسة.

ووفقاً لزاخاروفا، ذكر المتحدثون «حرفياً وخطوة بخطوة كيفية تنفيذ الهجمات الإرهابية ضد البنية التحتية المدنية». وتابعت: «علاوة على ذلك، كان المتحدثون يدركون بوضوح ويفهمون تماماً أنهم يناقشون تقويض جسر مدني، وتحدثوا على وجه التحديد في هذا الموضوع عن حقيقة أن لجسر القرم أهمية سياسية كبيرة». وأشارت زاخاروفا إلى أن هذه الأسئلة: «يجب ألا تظل معلَّقة في الهواء»، وقالت إن روسيا تنطلق من حقيقة أن ألمانيا ملزمة بتقديم بتفسير؛ ليس فقط من خلال القنوات الدبلوماسية، ولكن علانية وعلى المستوى السياسي الدولي.

رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري مدفيديف والبطريرك الأرثوذكسي كيريل ومسؤولون آخرون لدى حضورهم الخطاب السنوي للرئيس فلاديمير بوتين في موسكو في 29 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

«الحق التاريخي» لروسيا

من جهة أخرى، برز تصعيد جديد في لهجة نائب رئيس مجلس الأمن دميتري مدفيديف، الذي عُرف بتصريحاته النارية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ومطالبته أكثر من مرة بحسم المعركة باستخدام كل الأسلحة الممكنة، وتلويحه بالسلاح النووي.

وقال المسؤول إن بلاده تجدد التأكيد على أن «أراضي ضفتي نهر دنيبر جزء لا يتجزأ من روسيا التاريخية، ومحاولات سلخها محكوم عليها بالفشل». وأضاف مدفيديف خلال خطاب في منتدى ثقافي: «على جميع خصومنا فهم حقيقة بسيطة بشكل حاسم وإلى الأبد، وهي أن أراضي ضفتي نهر دنيبر جزء لا يتجزأ من أراضي روسيا التاريخية والاستراتيجية، وأن كل المحاولات لتغيير هذه الحقيقة محكوم عليها بالفشل».

واستذكر مدفيديف قول الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين: «خيانة عهد الأجداد أول علامة على الوحشية والفجور. الفخر بمجد الأجداد واجب مقدس، وغير ذلك عار عار»، مشدداً على أن «الفضاء الجيوسياسي الروسي واحد منذ زمن الدولة الروسية القديمة». ووصف «العلاقة التاريخية بسكان الأراضي الروسية التي سُمِّيت أوكرانيا» بعبارة: «تربطنا لغة مشتركة ودين واحد ومفاهيم مشتركة، وهذا جزء لا يتجزأ من الكيان المقدس لكل منا، مهما سعى النازيون الأوكرانيون المتوحشون وأسيادهم لتغيير ذلك».

جنود فرنسيون وإسبان يشاركون رفقة جنود من 7 دول أخرى في حلف شمال الأطلسي في تمارين «دراغون 24» على نهر فيستولا ببولندا الاثنين (د.ب.أ)

الأطلسي «الموسع» يطلق مناورات

في مقابل هذه المواقف في الداخل الروسي، بدا أن حلف شمال الأطلسي وجَّه رسالة واضحة إلى روسيا، الاثنين، عبر إعلان القوات المسلحة النرويجية أن فنلندا والسويد تشاركان بصفتهما عضوين في حلف شمال الأطلسي، في مناورات «الرد الشمالي 2024» في الفترة من 4 إلى 15 مارس (آذار) بالقرب من حدود روسيا. ووفقاً للمعطيات، من المقرر إجراء تمرين «الرد الشمالي» في المناطق الشمالية، من فنلندا والنرويج والسويد، في هذه الفترة، بمشاركة أكثر من 20 ألف جندي من 13 بلداً. وتعد عملية «الرد الشمالي 2024» جزءاً من تدريبات «الناتو» الواسعة النطاق التي تطلق عليها تسمية «المُدافع الصامد».

ويشارك في المناورات كل من: بلجيكا، وكندا، والدنمارك، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، والنرويج، وإسبانيا، والسويد، وبريطانيا، والولايات المتحدة.

وينتظر أن تنخرط فيها أكثر من 50 سفينة، ضمنها فرقاطات وغواصات، بالإضافة إلى أكثر من 100 طائرة مقاتلة ومروحيات وطائرات أخرى إلى التدريبات، وفقاً للبيانات المنشورة على الموقع الإلكتروني للقوات المسلحة النرويجية. وعلقت زاخاروفا في وقت سابق على المناورات بأنها «ستكون محفوفة بتصعيد التوترات، ولن تبقى من دون رد فعل روسي».


مقالات ذات صلة

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

أوروبا عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب) p-circle

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

أعلن الجيشان الأوكراني والروسي، الجمعة، الالتزام بهدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون، ابتداءً من الثلاثاء، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وملفات إقليمية ودولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا إيلون ماسك (رويترز) p-circle

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا، ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين، وكييف توقع مع شركتين من فنلندا لتطوير نظام اتصالات بالأقمار الاصطناعية خاص بها.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا مطار في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية (أ.ف.ب) p-circle

إخلاء مطار في موسكو بسبب تهديد مسيرات أوكرانية

طلب مطار شيريميتيفو، أكبر مطارات موسكو، اليوم الجمعة، من الركاب الاحتماء وإخلاء مناطق معينة بسبب تهديد من طائرات مسيرة أوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا البلغاريون ينتخبون رئيساً جديداً الأحد (أ.ف.ب)

بلغاريا تجري الانتخابات الرئاسية... والهجمات في البحر الأسود تهيمن على الحملات

ينتخب البلغار رئيساً جديداً، الأحد، عقب حملة انتخابية ركزت بصورة أساسية على الحرب الأوكرانية وتصاعد الأعمال العدائية في البحر الأسود.

«الشرق الأوسط» (صوفيا)

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
TT

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)

أعلن الجيش الأوكراني، الجمعة، أنه سيلتزم ابتداءً من الثلاثاء، هدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

يأتي ذلك بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي أن قواته ستلتزم هدنة محلية في أوكرانيا ابتداءً من الثلاثاء، للسماح بتنفيذ عمليات إنسانية في مدينة أوليشكي.

وكانت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب صرحت في إعلان مفاجئ، الجمعة، بأنها نجحت في تأمين وقف محلي لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في مدينة أوليشكي المنكوبة، حيث لا يزال السكان عالقين ويعانون من نقص في الغذاء.

وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «بهدف تنفيذ عملية إنسانية في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة لاحتلال مؤقت، ترسي أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار في منطقة محددة، ابتداء من الساعة الثالثة فجر يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) بتوقيت كييف».

وفي منشور على المنصة الروسية «ماكس»، أكد الجنرال فاليري غيراسيموف رئيس هيئة الأركان العامة أن قواته ستلتزم هذه الهدنة «ابتداءً من الساعة 04:00 (01:00 بتوقيت غرينتش) في 27 أكتوبر 2026»، في إطار «العملية الإنسانية الجارية في محيط» مدينة أوليشكي.

وأشار إلى أن الهدنة ستُطبّق «في محور خيرسون»، من دون التطرق إلى تفاصيل إضافية عن نطاقها الجغرافي أو مدتها.

وأوضح أن قواته ستجري «استطلاعاً تقنياً» على الأرض لضمان إيصال المساعدات الإنسانية وسلامة المدنيين في هذه المنطقة الشديدة الخطورة على الجبهة.

ويواجه سكان أوليشكي نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأدوية. وتقر كل من أوكرانيا وروسيا بوجود أزمة إنسانية في المنطقة، لكنهما تتبادلان الاتهامات حول المسؤولية عن هذا الوضع، بحيث يتهم كل طرف الآخر بعرقلة إيصال الإمدادات الغذائية وتنفيذ عمليات الإجلاء.

وسيطرت القوات الروسية على مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، عام 2022 في مستهل الغزو. وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة من جراء تدمير سد كاكوفكا عام 2023، ما تسبب في فيضانات مدمرة على طول نهر دنيبر. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عما حصل. وانخفض عدد سكان المدينة من نحو 24 ألف نسمة إلى نحو ألفي نسمة حالياً.


العاصفة «أوستن» تتسبب بانقطاع الكهرباء عن أكثر من 288 ألف منزل في فرنسا

موجات عالية تتكسر على منارة فار دو مول خلال العاصفة أوستن في سان مالو - غرب فرنسا (أ.ف.ب)
موجات عالية تتكسر على منارة فار دو مول خلال العاصفة أوستن في سان مالو - غرب فرنسا (أ.ف.ب)
TT

العاصفة «أوستن» تتسبب بانقطاع الكهرباء عن أكثر من 288 ألف منزل في فرنسا

موجات عالية تتكسر على منارة فار دو مول خلال العاصفة أوستن في سان مالو - غرب فرنسا (أ.ف.ب)
موجات عالية تتكسر على منارة فار دو مول خلال العاصفة أوستن في سان مالو - غرب فرنسا (أ.ف.ب)

تضرب العاصفة «أوستن»، وهي أول عاصفة خريفية لهذا العام، شمال غربي فرنسا، الجمعة، وصولاً إلى منطقة باريس، ما دفع السلطات لإعلان حال التأهب البرتقالي في 23 مقاطعة بسبب الرياح، فيما انقطعت الكهرباء عن أكثر من 288 ألف منزل صباحاً.

ولم تُسجّل أي إصابات خطرة حتى منتصف النهار، لكن الرياح التي اشتدت في بعض المواقع اقتلعت أشجاراً كثيرة، ما تسبب بتعطّل حركتي الطرق والقطارات. وبلغت سرعة الرياح 120 إلى 140 كيلومتراً في الساعة ليلا في بريتاني وغرب المانش.

وأفادت هيئة الأرصاد الجوية بأن هذا الإقليم التابع للنورماندي معرّض بشكل خاص للعاصفة؛ «إذ يُتوقّع أن تصل سرعة الرياح إلى 120 كيلومتراً في الساعة في المناطق الداخلية، وإلى 130 و140 كيلومتراً في الساعة على الساحل»، مشيرة إلى أن «الرياح لن تبدأ بالانحسار فعلياً إلا في نهاية فترة بعد الظهر».

أمواج في سان مالو بغرب فرنسا (أ.ف.ب)

وأصدرت سلطات المانش قراراً بـ«فرض قيود على التنقّل في المناطق المحاذية للساحل، بما في ذلك تقييد الوصول إلى الشواطئ»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسببت الرياح العاتية المصاحبة للعاصفة «أوستن» في انقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي، مما أثر على أكثر من 148 ألف منزل في بريتاني (غرب فرنسا).

وأشارت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إلى أن العاصفة تأتي في وقت تكون فيه النباتات «ضعيفة أحياناً بسبب الجفاف الصيفي الشديد»، وتكون الأشجار التي لا تزال مورقة أكثر عرضة للأضرار بسبب الرياح.

وأعلن موقع مطار نانت إلغاء كل رحلات شركة «ترانسافيا» المقررة صباح الجمعة، بينما لم تتأثر شركات الطيران الأخرى بهذا الإلغاء.

وفي بلجيكا، تسببت العاصفة «أوستن» بإغلاق طرق وسقوط أشجار وأغصان على طرق سريعة في عدد من المناطق بينها بروكسل، حيث أصيب أربعة أشخاص، بحسب أجهزة الطوارئ.

وأصدرت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية إنذاراً برتقالياً من رياح قوية في غرب البلاد، وخصوصاً على طول الساحل، حيث يُتوقع أن تتجاوز سرعة الرياح 100 كيلومتر في الساعة.

وتأثرت معظم أنحاء بلجيكا برياح قوية وأمطار غزيرة بعد ظهر الجمعة.

ومن تبعات الرياح العاتية تعطل حركة عدد من القطارات، وحركة المرور على طريقين سريعين، بسبب سقوط أشجار وغمر الطرق جزئياً بالمياه.


جريمة «إرهابية عنصرية» تهز فرنسا وتضع حداً فاصلاً بين اليمين واليسار

الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)
الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)
TT

جريمة «إرهابية عنصرية» تهز فرنسا وتضع حداً فاصلاً بين اليمين واليسار

الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)
الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)

«تراب» مدينة فرنسية متنوعة سكانياً تقع على بعد 34 كيلومتراً من باريس، وتحتضن جالية مهاجرة تشكل 30 في المائة من سكانها، البالغ عددهم، وفق الإحصائيات المتوفرة، 43689 نسمة، بينهم ما يزيد على 10 آلاف من أصول مهاجرة، غالبيتها من دول المغرب وأفريقيا.

وفي هذه المدينة، وفي أخرى قريبة منها، اختار رجل يبلغ من العمر 38 عاماً، واسمه الأول «كيفين»، صباحاً، أن يطلق النار وهو في سيارته من سلاح أوتوماتيكي 3 مرات فيها، ومرة رابعة في مدينة «لا فيرير» القريبة.

وبحسب وزير الداخلية لوران نونيز، الذي زار «تراب» بعد الظهر ورئيس بلديتها علي رباح، فإن مطلق النار قتل شخصاً واحداً وأصاب 4 آخرين بجروح، بينهم فتاة يافعة تبلغ من العمر 12 عاماً، أصيبت بجروح بالغة لكن حالتها «مستقرة».

الشرطة الفرنسية تنقل جثة الرجل الذي قتل في حادثة إطلاق النار وسط مدينة «تراب» (إ.ب.أ)

وأفاد شهود لقنوات تلفزة ووكالات أنباء، أن الجاني استهدف الأشخاص الأجانب، أي المغاربيين والأفارقة، ما دفع رباح إلى وصف الجريمة بـ«العنصرية».

وأصدرت «النيابة العامة لمكافحة الإرهاب» التي فتحت تحقيقاً بهذه الواقعة، بياناً قالت فيه إن التحقيق يشمل عدة تهم، «من بينها القتل العمد المرتبط بنشاط إرهابي، مع اعتبار أن الأفعال ارتُكبت بسبب الانتماء الحقيقي، أو المفترض إلى عِرق أو إثنية أو أمة أو ديانة محددة»، إضافة إلى تهمة «تشكيل جمعية إجرامية ذات طابع إرهابي بهدف الإعداد لارتكاب جرائم ضد الأشخاص». وبكلام أوضح، فإن النيابة العامة تعتبر أن ما حصل جريمة إرهابية وعنصرية معاً.

كثيرة التساؤلات التي يسعى التحقيق للإجابة عليها، وأولها حيازة الجاني لسلاح حربي رشاش وأوتوماتيكي. والثاني الدوافع التي جعلته يختار المدينتين المذكورتين، حيث ارتكب فعله المميت. ووفق المعلومات المتوفرة، فإن الجاني الذي قبض عليه مباشرة بعد إطلاق النار يعيش في مدينة «بليزير» المجاورة، وبالتالي فإنه يعرف تماماً مدينة «تراب».

وأفادت صحيفة «لومانيتيه»، نقلاً عن مصادر أمنية، بأن رجال الشرطة الذين يتولون التحقيق قاموا بتفتيش شقة الجاني التي كانت تفوح منها رائحة الغاز. وبحسب قناة «بي إف إم»، فإن الشقة كانت «مفخخة». وقال نائب إقليم «إيفيلن»، التي تقع ضمن نطاقها، إن الجاني «لم يخفِ ما قام به»، وإنه «أراد قتل أشخاص من جنسيات أجنبية».

وزير الداخلية لوران نونيز متحدثاً للصحافة بعد زيارته مدينة «تراب» وإلى جانبه أورور بيرجيه وزيرة شؤون المساواة (أ.ف.ب)

وندّد رئيس بلدية المدينة بالخطابات السياسية الصادرة عن اليمين المتطرف والمنددة بالسكان من أصول عربية وأفريقية، وتعتبرهم مسؤولين عن صعوبات فرنسا، وعن تدهور الأمن فيها، معتبراً «أنها تخلق أجواء تساهم في دفع البعض لارتكاب أعمال جرمية عنصرية كالتي حصلت» في مدينته. وبحسب ما قاله، فإن الهجوم «عنصري الطابع، وربما قد يكون مدفوعاً بمعاداة الإسلام». لذا، فقد حثّ علي رابح على «وعي هذه الحقيقة والدفاع عن الوئام المدني».

تأتي هذه الحادثة، فيما السلطات الفرنسية تجتهد لتفادي الغوص مجدداً في أعمال شغب كالتي شهدتها فرنسا نهاية الأسبوع الماضي. ووصف نونيز إطلاق النار المميت بأنه «جريمة إرهابية بالغة الخطورة»، مضيفاً أن «التحقيقات ما زالت جارية، لكن من الواضح أن هذه جريمة إرهابية».

وكان من الطبيعي أن تثير هذه الحادثة ردود فعل فورية ومختلفة. فالرئيس إيمانويل ماكرون اكتفى بالتعبير عن «تأثره»، فيما اجتاز رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو خطوة إضافية، بالإشارة إلى أن ما حصل يشكل «أعمالاً بالغة الخطورة». أما رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، ورئيسة البرلمان يايل براون ــ بيفيه، فقد دعيا إلى التهدئة والمحافظة على السلم المدني و«الأخوة» التي هي أحد شعارات الجمهورية الفرنسية. وذهبت مارين لوبن إلى وصف ما حصل بأنه «عمل همجي»، داعية إلى الاقتصاص من الفاعل، فيما رأى إدوارد فيليب، رئيس الحكومة الأسبق والمرشح الرئاسي الوسطي، أن العمل «شنيع»، وأن الإرهاب يجب أن يحارب «بعزم مطلق». وقال مرشح اليمين التقليدي، برونو روتايو، إن ما جرى يندرج في إطار «العنف المفزع». وحده غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق والمرشح الرئاسي، أشار بحذر إلى «نظرية الجرمية العنصرية»، مؤكداً أنه إذا ثبتت فإنها ستكون من «الهمجية المطلقة».

رجال الشرطة والمحققون في موقع الحادث (أ.ب)

اللافت في الأمر أن التشكيلات اليسارية، بعكس اليمين والوسط والمؤسسات الحكومية، شدّدت على اعتبار الجريمة عنصرية، وهو ما أكد عليه جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا المتمردة» والمرشح الرئاسي، الذي رأى أن ما حصل «جريمة كريهة»، وأن «العنصرية تقتل».

وبالتوازي، ندّد أوليفيه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي بـ«خطورة الخطابات التي تجعل العنصرية أمراً عادياً»، وتروّج لفكرة «الاستبدال الكبير». وهذه الخطابات «تغذّي ظاهرة استهداف فئات معينة تجعل منها كبش فداء، وتسهم في خلق مناخ تسيطر عليه الكراهية».

وفي السياق عينه، جاءت تعليقات مارين توندوليه، عن حزب الخضر، وفابيان روسيل، الأمين العام للحزب الشيوعي. وما يسم هذه المواقف، ويضع خطاً فاصلاً بينها أن اليسار لا يتردد في توصيف الجريمة، ويربطها بالإرهاب والعنصرية، فيما اليمين يتفادى هذا الربط. الأمر الذي لا يمكن فهمه إلا على خلفية المواقف السياسية لهذه الأحزاب ولحساباتها الانتخابية.