عبد الرحمن الباشا لـ«الشرق الأوسط»: أبكي أحياناً وأنا أعزف

أحيا حفلاً موسيقياً بدعوة من المعهد الوطني للموسيقى

وصف علاقته بوطنه الأم لبنان بكنز الحياة (الشرق الأوسط)
وصف علاقته بوطنه الأم لبنان بكنز الحياة (الشرق الأوسط)
TT

عبد الرحمن الباشا لـ«الشرق الأوسط»: أبكي أحياناً وأنا أعزف

وصف علاقته بوطنه الأم لبنان بكنز الحياة (الشرق الأوسط)
وصف علاقته بوطنه الأم لبنان بكنز الحياة (الشرق الأوسط)

أحيا عازف البيانو اللبناني العالمي عبد الرحمن الباشا حفلاً موسيقياً في بيروت، بدعوة من المعهد الوطني الموسيقي، وذلك بالتعاون مع مؤسستي «بيشتاين» الألمانية و«أصدقاء الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية».

استمتع الحضور بعزف الباشا لمقاطع موسيقية كلاسيكية وأخرى رومانسية «تليق بذوق اللبنانيين» كما قال لـ«الشرق الأوسط».

وسافر الحضور في كنيسة مار يوسف في الأشرفية إلى عالم خيالي أنساهم الأزمات والمشكلات التي تثقل كواهلهم، فتماهوا مع عزفه أحياناً بالتصفيق الحار ومرات أخرى بلحظات استمتاع سادها الصمت التام لشدة تأثرهم به.

اعترف الباشا بأنه أحياناً وأثناء عزفه على البيانو يبكي (الشرق الأوسط)

وقدم الباشا حفلاً متوازناً في توليد مشاعر الحب والفرح والحزن في آن. وعزف في القسم الأول مقطوعات «ألليغرو» و«أندانتي» و«بريستو» لباخ. وكذلك عزف أخرى للموسيقي البولندي الأصل فريديريك شوبان. واحدة منها اسمها «نوكتورن أوبيس 9» وأخرى للموسيقي نفسه مفعمة بمشاعر الحزن والأسى بعنوان «بولونيز تراجيك».

لم يعتمد عبد الرحمن الباشا إيقاع عزف متشابه في حفله. ويقول في هذا الصدد ضمن لقاء أجرته معه «الشرق الأوسط» على هامش الحفل: «أخذت في عين الاعتبار ذوق اللبناني وما يليق به. ولم أرغب أبداً في أن يتسلل الملل إلى الحضور من خلال عزف على إيقاع واحد، فلجأت إلى نوع من التباين لإبراز اختلاف أنماط المقطوعات التي أعزفها. ولذلك القسم الثاني من الحفل استهللته بمقطوعات من تأليفي (عالم الأطفال) و(بيرسوز) و(كومبتين) و(أمام شجرة الميلاد) وغيرها. وهي جميعها مقطوعات صغيرة ومتواضعة مستوحاة من عالم الطفولة. فألفت موسيقى متنوعة تعكس مشاعر طفل يحلم أو يلهو بألعابه».

وفي القسم الأخير من حفله حصر الباشا عزفه بمقطوعات موسيقية للفرنسي موريس رافيل.

واختار الباشا للعزف، من بين أهم ما ألفه الموسيقي المذكور، وقد استلهمها من 3 قصائد للشاعر الفرنسي ألوزيوس بيرتران. وبينها «أوندين» و«لو جيبيه» و«سكاربو». ويبحر عبد الرحمن الباشا في التحدث عن هذه المقطوعات التي اختتم بها حفله: «لكل مقطوعة منها موضوعها الخاص بها. تحكي (أوندين) عن حورية البحر. و(لو جيبيه) تتناول حكاية رجل مشنوق يهتز جسده يميناً ويساراً في عتمة ليل قاتمة. أما (سكاربو) فهي من أصعب مقطوعات رافيل. وتكمن جماليتها بصعوبة عزفها لأنها تعد من الأعظم في عالم موسيقى البيانو».

قدم مجموعة مقطوعات موسيقية تتراوح بين الكلاسيكية والرومانسية (الشرق الأوسط)

يحرص عبد الرحمن الباشا على العودة إلى بيروت بين وقت وآخر لإحياء حفلات موسيقية فيها، وكأنه لا يريد أن يترك اللبنانيين يعانون أو يتألمون وحدهم. فتحضر موسيقاه بلسمة لجروحهم ويواسيهم بها على طريقته، وبأنامله ينتشلهم من ليل عميق يسكنهم، فيرتشفون جرعات من الأمل بفضل عزفه لهم، حين يذكرهم بأنه حاضر دائماً للتخفيف من قهرهم.

ويعلق لـ«الشرق الأوسط»: «هذه العلاقة بيني وبين جذوري أعدها كنز الحياة. لبنان هو بلدي ومسقط رأسي، وأشبه أهله وهم يشبهونني. فنحن في لبنان بمثابة عائلة كبيرة لا زلت أحمل الحنين الدائم لها».

يؤكد عبد الرحمن الباشا أن اللبنانيين هم من يواسونه ويخففون من أوجاعه. «قد يعتقد البعض أن بعدي عن بلدي يسهم في نسياني له، وأن هذه المسافات بيني وبينه تقف حاجزاً يفصلنا عن بعضنا البعض، ولكنها فكرة خاطئة لأن الشخص البعيد عن بلده يتأثر بشكل كبير بما يجري على أرضه، ويحمل بالتالي هموم وطنه وأهله. فتصيبني حالات اشتياق وحزن تجاهه فأحاول إبطاء مفعولها علي بالموسيقى».

يرى الباشا أنه رجل محظوظ كونه استطاع تحقيق حلمه منذ الصغر بأن يصير عازف بيانو. «محظوظ أنا من دون شك لا سيما أني لمست الموسيقى الكلاسيكية بأناملي. فهذا الأمر يزودني بفرح داخلي تلقائياً. ولكن هناك نوعاً من التوازن الفكري يصيبني في بيروت. وأصبح منبهراً بنور مدينتي فتتملكني سعادة كبيرة».

يقول الموسيقي العالمي إنه عندما يعزف على البيانو ينتقل إلى عالم ثانٍ، وإن أفكاره عادة ما تؤثر على أسلوب عزفه. «أفكاري ومشاعري تختلف تبعاً للمكان والزمان الموجود فيهما. وعندما أكون في بيروت تختلف أحاسيسي وأفكاري وتؤثر على عزفي. وفي إحدى المرات التي كنت أعزف فيها في بيروت ورافقني فيها أولادي، استوضحوني عن اختلاف لمسوه في عزفي. وتساءلوا عن سببه لأن برأيهم ما قدمته في بيروت لم يكن يشبه أبداً ما سمعوه في أوروبا. وفي الحقيقة لا أقصد أبداً هذا الاختلاف بل إنه يولد عندي بعفوية مطلقة لا أستطيع شرحها».

عبد الرحمن الباشا خلال إحياء حفله بدعوة من المعهد الوطني للموسيقى (الشرق الأوسط)

عندما تصغي لحديث عبد الرحمن الباشا وهو يحكي عن علاقته الوطيدة بلبنان ينقل إليك لا شعورياً هذا الحب. فتلمس عمقه ومدى تأثيره على أنامله أثناء العزف على البيانو.

ويعترف بأن هناك صوراً تراوده في خياله تزيد من انفلاش هذا التأثير على فنّه. فلمجرد أن يشتم رائحة الوطن تتبدل مشاعره، فما هي الصور التي تتراءى له وتصنع عنده هذا الفرق في العزف؟ يرد لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر لا يتعلق بصور من ذاكرتي الطفولية بل أخرى أجمعها من محيطي وممن هم حولي. ومرات أستنبطها من حركة يد معطاءة مشبعة بالحنان، أو ابتسامة أراها على وجه طفل يلهو بألعابه. إنها تفاصيل بسيطة جداً ما عاد الناس يهتمون بها. ولكنها بالنسبة لي تعني لي الكثير وتلهمني».

ليست صور مخيلته فقط هي التي تلعب دوراً في أسلوب عزفه ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هناك أساليب تعبيرية مختلفة تراودني بينها ما يتعلق بفلسفة حياة. ومرات أخرى تنبع من أفكار معينة تحكي عن الموت والحياة والحرب واليأس. فجميعها يمكنها أن تولد مقطوعات موسيقية تترجمها، ولا سيما في الكلاسيكية منها. كما أن هناك مشاعر روحية ترتقي بنا إلى الأعلى وكأنها تنزل من السماء. كتلك التي نجدها في معزوفات باخ فتغمرنا كدموع غزيرة تنهمر علينا. وأحياناً ولشدة تأثري بحالات كهذه لا أستطيع تمالك نفسي، فأبكي وأنا أعزف على البيانو».


مقالات ذات صلة

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

الوتر السادس نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز (أ.ف.ب)

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

باعت نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز حقوق استغلال أعمالها الموسيقية لشركة النشر الموسيقي المستقلة «برايماري ​ويف».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء p-circle 02:00

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

بعد سنوات من التهجّم عليه، تنغمس مغنية الراب نيكي ميناج أكثر فأكثر في دعم دونالد ترمب. فهل هي ساعية خلف الجنسية الأميركية؟ أم أكثر من ذلك؟

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس يعتبر محمد فضل شاكر تتويجه بجائزة {جوي أووردز} محطة مهمة في مسيرته الفنية (هيئة الترفيه)

محمد فضل شاكر: أهتم بالكلمات والألحان وليس بشهرة أصحابها

قال الفنان اللبناني، محمد فضل شاكر، إن حصوله على جائزة «الوجه الجديد» عن فئة الموسيقى في جوائز «جوي أووردز» جاء تتويجاً لسنوات طويلة من التعب والمثابرة والعمل.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

ما إن استمعت الفنانة نور حلّاق إلى أغنية «خيانة بريئة» حتى قررت سريعاً تسجيلها بصوتها. رأت فيها عملاً رومانسياً وكلاسيكياً؛ كونه ينسجم مع خياراتها الفنية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.