حِراب

قصة قصيرة

حِراب
TT

حِراب

حِراب

تنبّه الطّبيب إلى السّيف المتدلّي من قربوس سرج حصان اليسقجي (الحارس) الذي كان في استقباله. كان الطّبيب يمتطي حماراً أبيضَ، لكنّه خفيف جداً بحيث تطلّب اللّحاق به جهداً من حصان اليسقجي، وكان الطريق هادئاً رغم طوله، وهنالك بعض أشجار الصّفصاف تحني ذؤاباتها حتى تلامس العشب. خفّف الطّبيب من سرعة حماره، ثم سارا متلاصقين يكاد كتف أحدهما يلاصق كتف الآخر. لم يتكلّما بشيء، ولم يكن بإمكان الطّبيب تحاشي النّظر إلى الحربة المثبتة في حزام الحارس. هل ضاقت الأزقّة؟ سارا في درب محصور بين صفّين متقابلين من الأبنية، وظهر لهما كلب ملتفّ على نفسه حين بلغا القنطرة، ولم يعبراها. كانت الطّريق تتحدر انحداراً خفيفاً، وهبطا إلى جرف ينعطف عنده النّهر، وخفّت أقدام الدّابّتين وهي تجري سريعة في نفق ينتهي عند بوّابة قصر الأغا، وكانت الشّمس تسرع لتختفي بين الغيوم.

وقعت عينا الطّبيب على الحرس ذوي الوجوه الملتحية، واضطربت نفسه من جديد. قادوه على رصيف من المرمر الأحمر والأزرق والأبيض والأسود، وكان يتمّ الدّخول إلى القصر عبر ردهة من خزف الميوليق. لأوّل مرّة يرى مزهريّات من الذّهب والفضّة، وقناديل غريبة الأشكال. لأوّل مرة تقع عينه على سقف مزخرف بالأكاليل وغيرها من المنمنمات والزّخرفات والمحفورات. المريض هو الأغا، وكان فاقدَ الوعي، جبهته متغضّنة ويمتلك وجهاً مهيباً مزيّناً بلحية فضّية. كان يرقد على سرير له ذي أعمدة صغيرة، مؤثث بستائر حريريّة حمراء. يُشاع عن الأغا أنه أوقع 15 ألف رأس من الرعايا من رقابها، في حملاته لإرهاب القبائل المتمرّدة الممتنعة عن أداء الضرائب، وكان السلطان يدعوه الخادم الجدير الشديد المستبد؛ لأنه يُهلك سكان بعض القبائل بأكملهم. وكانت الرؤوس المقطوعة تملّح في الحين وتُرسل، لتزيّن أسوار المملكة بأمر السلطان. عندما جسّ الطبيب نبضه، كان طبيعيّاً وقويّاً، بالنسبة إلى رجل فاقد الوعي. كان يرسل شخيراً أجشَّ، ويداه الخشنتان تستلقيان هامدتين فوق الغطاء، عليهما آثار العنان والسلاح. لم يستطع الطبيب منع نفسه من الابتسام ابتسامة داخلية، مفكراً كيف يصل عادة متأخراً لإبعاد شبح الموت.

الأغا، ذو الرأس الضخم والعنق الغليظ والجذع الربيل، كان في حالة اللاّ حياة واللاّ موت، والتي لا تطول كثيراً، وإذا طالت صارت عذاباً للطبيب المعالج، ونظراً إلى ضخامة جسد الأغا فإنّه يتوقع أن يستغرق وقتاً طويلاً في موته، بل هو ربما بقي حيّاً قرناً من الزّمان تلو قرن، إلى درجة أنه لا يموت. «إنه يحتضر!». قال الطبيب، وأتت من ذراعيه حركة دلّت على عجزه عن تقديم المساعدة. امتلأت القاعة في هذه الأثناء من بطانة الأغا وأبنائه حتى ضاقت الأنفاس. كانوا يخلعون صنادلهم عند الباب جرياً على العادة، ويلثمون طرف غطاء الأغا، وراحوا يحيطون بالطبيب، وسيوفهم وحرابهم في أوساطهم. أفهموه، دون كلام، أن عليه أن يعطيه دواءً. قال أحدهم، وكان مستلقياً بلا مبالاة على وسادة عريضة مغطاة بزريبة فارسيّة: «نحن لا نطلب منك أن تعالجه. نحن نأمرك أن تقوم بذلك». كان يبدو أكبر سنّاً من الجميع، يرتدي ثوباً طويلاً أسود اللون، ويمسك بيده سبحة من عاج وعيناه محجوبتان بنظّارتين سوداوين. على الحيطان سيوف معقوفة ذات مقابض من عاج وبنادق ذات سبطانة مرصّعة بالذهب، وحواضنها عليها نقوش بعرق اللؤلؤ والمرجان.

شعر الطبيب بحرقة مفاجئة تجفّف حلقه، وضمّ قبضتيه محاولاً تجرّع هذه الإهانة. الأثاث هنا مثقل بالزخرفة، ومرايا الحيطان منحوتة بأشكال وحوش غريبة. تنانين وسلاحف وأفاعٍ، مع فسيفساء ممزوجة بنقوش عربيّة. بحث الطبيب في حقيبته، واستخرج علبة معينيّة الشكل، على غطائها منظر صيد. تناول منها، بأطراف أصابعه، رقاقة خضراء، ولكنها بدت سوداء في الوقت نفسه. همس أحد الحاضرين في أذن الرجل ذي النظّارتين، الذي وجّه سؤاله بصوت اعتياديّ، ولكن بنبرة غاضبة: «ما هذا؟». وأجابه الطبيب: «لصقة بصل اللّحلاح». كان منظر الرقاقة صلباً، ولكن الحاضرين ظنوا أنها على وشك أن تذوب بين أصابعه. فرشها على جبهة الأغا، ثم وضع اثنتين منها على الوجنتين، وعلى الفكّين، وملأت الجوّ رائحة طيبة وغريبة تشبه رائحة خبزة زعتر، وكان الصمت قد التهم الوجود كلّه، وانكمش العالم على إيقاع يدي الطبيب. الهواء قليل هنا لأن النوافذ محكمة الإغلاق، والرّجل ذو النظارتين السوداوين ينظر إلى الأعلى، ويهزّ رأسه أحياناً. أربعة أصابع من يده اليمنى مشبوكة مع أربعة من يده اليسرى، وراح يدير إبهاميه فيتلاحقان أو يختلفان. ضوء النهار المتدفق من النافذة القريبة اختزنه الخاتم الذي في بنصره في بقعة ضئيلة من لونه البنّي الناصع. قال، وفي نبرة صوته احتقار واضح: «هناك عقار يستقطره الأطباء في الهند من النجم في السماء، ومن اللؤلؤ في المحيط. هل تعرفه؟». عدا صوت شخير الأغا، كان الهدوء في الغرفة شاملاً، وبسبب توتّر الجميع، لا يحسّ به أحد. انتبه الطبيب لأول مرة إلى أبواب الصالة العالية والواسعة والسجاجيد الفاخرة المفروشة، والستائر والوسادات والديوانيّات الموشاة بخيطان من ذهب، وإلى التدويرات والمنحنيات والأزهار الصفراء والبنفسجية المشغولة بنعومة على لحاف الأغا. تمتم مرتعشاً، متيبس الشفتين: «سيدي، أنا لا أملك علاجاً غير ما في حقيبتي. لكن الأغا في حالة خطرة...». وتوقف عن الكلام لأن الحياة انبعثت في الجسد الهامد. ابتسمت عينا الأغا أولاً، وانفتح الفم الضخم على اتساعه، وارتعشت الكتفان برجفات قصيرة ثم سكنت، وتوقف إبهاما الرجل ذي النظارتين عن الدوران.

فتح الأغا عينين سوداوين كبيرتين حولهما إطار أسود من الكحل. صار الآن أكثر طولاً وضخامة. ظلّ الجميع، بمن فيهم الطبيب، يحتفظون بنظرته الرمادية للحظة طويلة، وكانت تمنح انطباعاً غريباً. كلّ شيء يبدو كأنّه في انتظار أمر ما. لكم هو ساكن هذا البيت! كان الأغا يقظاً، ولم يشعر أبداً في السابق بمثل هذه اليقظة. كان يرتدي كسوة حريريّة حمراء، وذراعاه الهامدتان تتحسّسان شرشف السّرير الأبيض. وعلى الفور فاحت في المكان موجة من العطر الرخيص ممزوجة بالرائحة الخاصة لحرير قديم. ودّ الأغا لو يمضغ خبزةً. لم يكن هنالك خبز قريب. رفع أحد الحاضرين ظُلّة النافذة. هو ذاك العالم، تفّاحات خضر صغيرة معلقة بالأغصان، صيحات مكتومة لأطفال يلعبون، هديل حمامات تقف أعلى السلم، الذي يهبط إلى حوش منفصل يسمح بدخول أشعة الشّمس عبر نوافذ واطئة، غير النوافذ الواسعة التي تحتل الأركان، وصار النهار مرتجفاً، ففي الوقت نفسه الذي تشرق فيه الشمس كان المطر يتساقط على النوافذ المغبشة في خيوط ثخينة مثل الدموع. يحدس الأغا ما في الحوش من الصمت الذي يتلألأ فيه المطر. «انظروا، ملاك آخر في السماء». قال الأغا، وكان يصغي إلى صمت مكين شامخ حلّ في الجوّ، وكان محمّلاً برائحة الخبز. ثم سمع تناوح ريحٍ، وكان يشعر أن روحه تتحلّل، ببساطة شديدة، وتغادر عبر النافذة. أراد أن يدافع عن نفسه، لكنه لم يستطع الحراك، وأطلق صرخة لم يسمعها أحد غيره، واعترت بدنه الضخم رجفة، وأخرج صوت آهٍ عريضة لفظ أنفاسه عند نهايتها.

كم تغيّرت هيئة الأغا وهو ميّت! صار شبحاً صامتاً ومهيباً. صار تمثالاً للصمت. «لا أستطيع أن أعبّر عن أسفي لأن جلالته قضى نحبه! لم يكن في وسعي فعل أكثر مما فعلته». كان كلام الطبيب جاهزاً، كأنما قاله مرات عديدة في مواقف شبيهة. لاحظ أن عيون الحاضرين تتحاشى الالتقاء بعينيه. وكان يجمع أغراضه في الحقيبة، عندما أخذ الرجل ذو النظّارتين ينقر الطاولة بأصابعه السمينة والمشغولة بالخواتم نقرات خفيفة جافّة، كأنها تريد القول بأن أمامها عملاً صعباً عليها أن تنجزه. في حركة مباغتة نزع نظّارتيه، فرأى الطبيب عينيه، وكانتا ميّتتين. صرخ: «لماذا قتلتَ الأغا؟ من الذي دفعك للقيام بذلك؟» لم ينتظر الجواب. رفع إبهاميه إلى أعلى، وانهال الحاضرون على الطبيب طعناً، ومزّقوه بالحِراب.


مقالات ذات صلة

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة

د. آمال موسى
ثقافة وفنون «عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة

منى أبو النصر (القاهرة)

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».