سلماوي: لدي 500 ساعة مسجلة مع محفوظ أطمح إلى نشرها

الكاتب المصري يعدّ الأدب منبع الوجدان الجمعي للبشر

محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
TT

سلماوي: لدي 500 ساعة مسجلة مع محفوظ أطمح إلى نشرها

محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
محمد سلماوي (الشرق الأوسط)

تتعدد وجوه الكاتب المصري محمد سلماوي إبداعياً، ما بين الرواية والمسرح والترجمة والصحافة والعمل الثقافي العام، لكن من بين هذه الوجوه تظل الرواية هي الأقرب إلى روحه. وقد صدرت له حديثاً رواية «أوديب في الطائرة»، وفيها جعل البطل الأشهر في التراجيديا الإغريقية شاهداً على ثورة المصريين في 25 يناير (كانون الثاني)... تولى سلماوي عدداً من المناصب الثقافية، منها رئاسته اتحادَي الكتاب المصريين والعرب، وحاز عدداً من التكريمات العربية والدولية، أبرزها «وسام الاستحقاق» من الرئيس الإيطالي كارلو تشامبي، و«وسام الفنون والآداب الفرنسي».

«الشرق الأوسط» حاورته حول روايته الجديدة، ووجوهه المتعددة، وعلاقته بنجيب محفوظ .

> في روايتك الجديدة «أوديب في الطائرة» تزاوج فني مثير بين واقع التاريخ القريب وتراجيديا «أوديب» الإغريقية القديمة... حدثنا عن هذا التناص المُعاصر مع الأسطورة اليونانية.

- أسطورة «أوديب» هي جزء من التراث الإنساني بشكل عام، لكن هناك موقفاً مُحدداً هو الذي ألهمني روايتي الجديدة، شاهدت لقاءً تلفزيونياً مع مدير السجن الذي كان مُخصصاً لاستقبال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، روى فيه الرجل أن مبارك عندما وصل بالطائرة إلى السجن رفض النزول منها، وسط محاولات ممن حوله لإقناعه بضرورة المثول للأمر، وكانت لذلك دلالة مهمة جداً تخص رؤية مبارك لنفسه، فقد ظلّ حتى النهاية لا يرى أنه يستحق السجن، ولا يدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه، وهذه هي قصة «أوديب» الذي ارتكب إثماً كبيراً تسبب في لعنة أصابت بلاده، دون أن يُدرك حجم هذا الخطأ ولا أثره المدمر على البلاد. إن التناقض هنا بين رؤية الحاكم لنفسه في مقابل رؤية الشعب له، وهو ما يفجّر المأساة والدراما في الحالتين، الأسطورية والرواية المعاصرة، وقد وجدت المعنى نفسه يتكرر فى الحالتين.

> «أوديب» فى مسرحية «سوفوكليس» كان يرى أنه يواجه صراعاً مع القدر، وبطل الرواية المعاصر يقول: «سأصنع نهاية الرواية بنفسي»... كيف اخترت هذه النهاية؟

- حين يتناول الأديب أسطورة قديمة لا ينقلها للقارئ كما هي، فالأصل موجود لمَن يريد، لكنه يُطوّعها لأغراضه الفنية، وقد يعطيها معنى جديداً، أو بُعداً عصرياً، وهو ما فعلته في هذه الرواية التي أعدّها رواية معاصرة وليست سرداً للأسطورة القديمة، ومع ذلك يظلّ التشابه قائماً، فكما كان أوديب يرى أن مشيئة الآلهة التي لا يفهمها هي التي قادته لمصيره، فإن البطل المُعاصر في الرواية أيضاً يرى نفسه في صراع مع قوى لا يفهمها، وفي النهاية انتصرت عليه تلك القوى كما انتصرت الآلهة على أوديب، ولم يستطع بطلنا أن يضع نهاية الرواية بنفسه، كما أن موته بعد فترة وجيزة من دخوله السجن دلالة على توّحد الحاكم مع السلطة، فإذا فقد السلطة، فقد معها الحياة.

> تطرح الرواية سؤال: مَن يكتب التاريخ؟ حيث بدا أن الشعب في الرواية قد اختلق سرديات بطولية مُتخيّلة حول حاكمه الذي ثار عليه بعد ذلك.

- هذا سؤال يتعلق بمسلك إنساني موجود منذ قِدم التاريخ: كيف تحوّل الحكام لأبطال وجبابرة؟ وهذه قصة مُتكررة من قبل أسطورة أوديب ومن بعدها، لكن هذا ليس هو التاريخ، فمَن يكتب التاريخ في الحقيقة ليس المؤرخين فقط، وإنما الأدباء أيضاً؛ لأن التاريخ الحقيقي ليس الوقائع التي يدونها المؤرخ، وإنما هو المشاعر الإنسانية والصراعات النفسية التي تؤدي لحدوث تلك الوقائع، فالمؤرخ يهتم بالوقائع، بينما الأديب يهتم بالدوافع الإنسانية التي تصنع تلك الوقائع.

من هنا كان الأدب قاعدة كل المعارف الإنسانية، فحين أراد سيغموند فرويد فهم عقدة ارتباط الابنة بأبيها ذهب إلى الدراما الإغريقية في شخصية «إليكترا»، وكذلك عقدة «أوديب» عاد فيها لأسطورة المسرح الإغريقي الشهيرة، فالأدب هو منبع الوجدان الجمعي للبشر.

> استعنت في الرواية بأدوات المسرح مثل لغة الحوار على سبيل المثال... حدثنا عن خياراتك الفنية هنا.

- اختيار أسطورة «أوديب» وربطها بأحداث ثورة 25 يناير المصرية، استلزم إلغاء عامل الزمن تماماً، لذلك فلا يوجد ماضٍ وحاضر في الرواية، حيث «أوديب» والصراع بين إسبرطة وطيبة، يتعايشان في الرواية جنباً إلى جنب مع الطائرة والكاميرا والمهرجانات السينمائية.

أما استخدام الحوار المسرحي في الرواية، فهو كذلك شكل آخر من أشكال التزاوج بين الزمنين الماضي والحاضر، فهنا جاء التزاوج بين السرد الروائي والتراجيديا المسرحية، هي محاولة لإسقاط كل الأسوار الفاصلة بين الأسطورة والواقع، والمكان والزمان في بنية أدبية واحدة.

> كيف ترى دور الأدب في استشراف الأحداث، خصوصاً وقد ظهرت في روايتك السابقة «أجنحة الفراشة» ملامح تتنبأ بثورة يقوم بها الشباب بالاستفادة بمواقع التواصل؟

- التشابه بين «أوديب في الطائرة» و«أجنحة الفراشة» أن الاثنتين تتناولان الحدث نفسه وهو الثورة، لكن «أجنحة الفراشة» كانت تصوراً روائياً مُستقبلياً يستشرف ثورة ستقع في ميدان التحرير وتؤدى لسقوط النظام، لكن في «أوديب في الطائرة» ثمة محاولة لتفسير الماضي باستدعاء أسطورة قديمة تُعطي بعداً تراجيدياً للحدث.

> انفعلت بقضية التطرف الديني والفكر الإرهابي بشكل كبير ظهر في عملك المسرحي «الجنزير»... هل كان ذلك الانفعال عقب مُحاولة اغتيال نجيب محفوظ الذي كانت تربطك به علاقة قوية؟

- ليس بشكل مباشر، فقد تابعت هذا الاتجاه المُتطرف على مدار فترة طويلة، وصولاً للأحداث الدامية التي أدت لمحاولة اغتيال نجيب محفوظ، وكنت أكرس كثيراً من مقالاتي ضد هذا التطرف وصولاً لكتابتي مسرحية «الجنزير» في أوائل التسعينات، وقد عُرضت على خشبة المسرح عام 1995، ثم عُرضت على مسرح «تريانون» في باريس في العام التالي، وواكبتها في ذلك الوقت تهديدات لي وصلت لحد تخصيص حراسة خاصة حول المسرح، وكذلك الحراسة على بيتي. لقد كان هذا الاتجاه يسيطر على حياتنا بشكل كبير، ذلك هو الذي دفعني لكتابة «الجنزير». لقد ظلّ ملف التطرف الديني هاجساً كبيراً لدى المثقفين في مصر والعالم العربي، لما له من نتائج سلبية على مسار التاريخ العربي الحديث، وخلال فترة حكم الإخوان في مصر، خصصت عمودي اليومي في جريدة «المصري اليوم» للتصدي لممارساتهم، وبعد سقوط حكمهم تواصل معي الناشر محمد رشاد وقال لي إن مقالاتي على مدار السنة التي كتبتها عنهم هي سجل يوميات لحكم الإخوان في مصر، وقام بطباعتها في كتاب بعنوان «مسدس الطلقة الواحدة» رمزاً لحكم الإخوان الذي حدث لمرة واحدة لن تتكرر.

> ظللتَ لسنوات طويلة تكتب الحديث الأسبوعي لنجيب محفوظ بـ«الأهرام» بعد تأثر يده اليمنى بمحاولة الاغتيال... كيف تتذكر هذه الأحاديث اليوم؟

- أتذكر ذهابي طيلة 12 عاماً لنجيب محفوظ أسبوعياً في بيته مصطحباً معي جهاز التسجيل لنتحدث لنحو ساعة في أمور كثيرة، ثم أختار منها موضوعاً واحداً لكي يُنشر في «الأهرام» بعدما أقوم بعرضه عليه أولاً، فيصبح هذا هو حديث الأسبوع الذي يُنشر في الجريدة. وما زلت أحتفظ إلى اليوم بباقي الأحاديث التي دارت بيننا خلال زمن الساعة من كل أسبوع، وهي أحاديث لم تُنشر بعد، وتزيد على 500 ساعة مُسجلة معه.

> ومتى ستقوم بنشرها؟

- أرجو أن يسع الوقت والعمر لأن أُتم هذا الأمر العزيز عليّ.

> إلى أي مدى ترى أنه تمت الاستفادة من إرث نجيب محفوظ؟

- أعتقد بأن كل ما كُتب عن نجيب محفوظ من كُتاب عرب أو أجانب، وهو كثير، لم يفِ محفوظ حقه بعد، فلا تزال هناك جوانب كثيرة لم تتم معالجتها ولا دراستها تتعلق بحياته وأعماله وآرائه، والمواقف التي اتخذها في حياته. وأتصوّر أن «متحف نجيب محفوظ» من الممكن أن يضم مركزاً للدراسات المحفوظية، ليُعالج هذه القضايا المُتعلقة بمحفوظ، عبر رؤى بحثية جديدة لأعمال محفوظ.

> هناك كثير من المخاوف والتحديات التي ترتبط بكتابة الأدباء لسيرهم الذاتية... كيف وجدت تجربة كتابة سيرتك؟

- الحقيقة أن كتابة سيرتي الذاتية كانت اقتراحاً من ناشر الكتاب، وهو ابني سيف سلماوي صاحب دار «الكرمة»، وذلك بعد أن كتبت مقالاً في عيد تأسيس جريدة «الأهرام» وتحدثت فيه عن الطابق السادس في الجريدة الذي كان يضم مكاتب كبار المثقفين الذين جمعتني بهم معرفة شخصية آنذاك، منهم توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وزكي نجيب محمود، وبنت الشاطئ، ويوسف إدريس، ولطفي الخولي، وغيرهم. وتحدث معي سيف عن أن السيرة ستكون إحاطة بتجاربي مع هؤلاء، وحياتي المتنوعة ما بين الأدب والسياسة والعمل النقابي وغيرها من الفروع، بوصفها توثيقاً شخصياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً لفترة من أهم فترات تاريخنا الحديث، من مولدي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى قيام ثورة 25 يناير 2011 ووضع دستور مصر الجديد الذي شاركت في كتابته وكنت المتحدث الرسمي للجنة الخمسين التي أصدرته.

وبالفعل صدرت المذكرات في جزأين: «يوماً أو بعض يوم» و«العصف والريحان»، واستعنت في كتابتهما بأرشيفي الخاص من وثائق وكتابات وصور فوتوغرافية، وعندما نُشرت لم أتوقع أن تحظى بهذا الإقبال، لكني فوجئت تحديداً من الجيل الذي أنتمي له، أنهم وجدوا في تلك المذكرات تأريخاً لحياتهم نفسها.

> يبدو في اختيار العنوانين تأثر بالتعبير القرآني... ما دلالتهما؟

- القرآن هو مرجع البلاغة العربية، ومن ناحية أخرى كنت آخذ على سير ذاتية عربية أن كُتّابها كرسوا سيّرهم لإنجازاتهم غير المسبوقة، في حين أرى أن قيمة السيرة الذاتية قد تكمن في لحظات الضعف وليست فقط في الأمجاد، فلو هناك أمجاد فالناس تعرفها ولست بحاجة لإخبارهم بها، أما الكاتب فليخبرنا عن إنسانيته، وضعفه، وانهزاماته، التي ربما تكون هي نفسها ما دفعه لتحقيق تلك الإنجازات.

وفي الحقيقة وجدت في عنوان سيرتي الذاتية تجسيداً بليغاً لمعنى التواضع الذي كنت أبحث عنه، وكأنني أقول إن بعد هذه السبعين سنة من الحياة، التي كتبتها مطبوعة في جزأين، كل جزء منهما 400 صفحة، كلها في النهاية ما هي إلا يوم أو حتى بعض يوم.

> حدثنا عن ترجمتك لرواية «الأمير الصغير» دُرة أعمال الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري؟

- «الأمير الصغير» من الأعمال التي تُرجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية، لكنني حاولت في ترجمتي الجديدة الاقتراب من الأسلوب الأدبي لإكزوبيري، فأسلوبه المُميز البسيط جعل هذه الرواية في مُتناول النشء؛ لأنها تكاد تكون قصة أطفال، لكنها في الحقيقة رواية مليئة بالبُعد الفلسفي، ما جعلها رواية للكِبار أيضاً، وهذا انعكس على الأسلوب الأدبي الذي اختاره سانت إكزوبيرى لكتابة هذا العمل، ومن جهة أخرى قادني البحث في موضوع الرواية إلى أن الموقع الذي فجّر خيال إكزوبيري في أحداث روايته، هو منطقة «وادي النطرون» بالصحراء الغربية في مصر، وألقيت الضوء على هذه القصة في كلمة نقدية مرفقة بالترجمة، حيث لم تكن هذه مطروقة في الكتابات الأجنبية عن الرواية.

> هل استطعت عبر مسيرتك الاحتفاظ بطقوس خاصة للكتابة؟

- حياتي مُتشعبة بشكل كبير، ما بين العمل الإبداعي والصحافي، والنقابي - منذ كنت عضواً بمجلس نقابة الصحافيين، ثم عملي لعشر سنوات رئيساً لاتحاد الكُتّاب في مصر، ثم رئيساً لاتحاد الكتاب العرب - وبين العمل العام، كل هذا لا يمكّنني من تخصيص وقت محدد يومياً للكتابة الأدبية، كما أفعل بالنسبة لعمودي اليومي بجريدة «الأهرام»، ولكن عندما تُسيطر عليّ فكرة عمل أدبي جديد تأخذ فإنها أغلب وقتي، وقد أنقطع للعمل عليها بشكل متواصل على الأقل حتى أضع الدفقة الأولى على الورق ثم أعود إليها بعد ذلك كلما استطعت، مدركاً أن ما سيبقى في النهاية هو الإبداع الأدبي وليس المقالات الصحافية.


مقالات ذات صلة

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

ثقافة وفنون وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة...

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي في بادية الشام

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري...

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها،

علي حسن الفواز
ثقافة وفنون 
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

الحرب... اختفاء الجبهات

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون  فيليب سادجروف

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.


وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.


العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.