مصر تُعلن تفاصيل «صفقة رأس الحكمة» متطلعة لأثر سياسي واقتصادي مستدام

خبراء عدّوا الاتفاق «حلاً عاجلاً» لإحداث توازن بين الجنيه والدولار

صورة مجمعة عقب توقيع «أكبر صفقة استثمار بين مصر والإمارات» (مجلس الوزراء المصري)
صورة مجمعة عقب توقيع «أكبر صفقة استثمار بين مصر والإمارات» (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تُعلن تفاصيل «صفقة رأس الحكمة» متطلعة لأثر سياسي واقتصادي مستدام

صورة مجمعة عقب توقيع «أكبر صفقة استثمار بين مصر والإمارات» (مجلس الوزراء المصري)
صورة مجمعة عقب توقيع «أكبر صفقة استثمار بين مصر والإمارات» (مجلس الوزراء المصري)

وقّعت مصر عقد تطوير مشروع «رأس الحكمة» بشراكة إماراتية، واستثمارات قدرت بنحو 150 مليار دولار خلال مدة تطوير المشروع، تتضمن ضخّ نحو 35 مليار دولار استثماراً أجنبياً مباشراً للخزانة المصرية خلال شهرين. وسط تطلع مصري لأثر سياسي واقتصادي مستدام من الصفقة.

مراسم توقيع عقد الشراكة جرت خلال احتفالية بالعاصمة الإدارية الجديدة، أكد خلالها رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أن الصفقة تعد «أكبر صفقة استثمار مباشر في تاريخ مصر»، مشدداً على أن هذه الصفقة «تتم في إطار قوانين الاستثمار المصرية».

وبموجب الاتفاق، يضخّ الجانب الإماراتي استثماراً أجنبياً مباشراً لمصر بقيمة 35 مليار دولار خلال شهرين، يتم سدادهم على دفعتين؛ الأولى خلال أسبوع، بواقع 15 مليار دولار (تشمل 10 مليارات دولار سيولة من الخارج، بالإضافة إلى التنازل عن 5 مليارات دولار من الودائع الخاصة بالإمارات لدى البنك المركزي المصري).

بينما تتضمن الدفعة الثانية التي سيتم سدادها بعد شهرين 20 مليار دولار (تشمل 14 مليار دولار سيولة من الخارج، بالإضافة إلى التنازل عن 6 مليارات دولار من الودائع الخاصة بالإمارات لدى البنك المركزي المصري).

رئيس الوزراء المصري يشهد مراسم توقيع «أكبر صفقة استثمار مباشر بين مصر والإمارات» (مجلس الوزراء المصري)

الودائع الإماراتية

وأوضح رئيس مجلس الوزراء المصري أن حجم الودائع الإماراتية لدى البنك المركزي المصري يبلغ نحو 11 مليار دولار، سيتم التنازل عنها ضمن استثمارات مشروع تطوير وتنمية مدينة رأس الحكمة، لافتاً إلى أن حصة مصر من أرباح مشروع مدينة رأس الحكمة في الساحل الشمالي تقدر بنحو 35 في المائة.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء المصري أن وجود الودائع داخل الدولة «لا يعني أنها صالحة للاستخدام نظراً لكون تلك الودائع تمثل التزامات على الدولة المصرية، ومن ثم لا تستطيع الدولة أن تتصرف في شأنها، وكانت مسجلة أيضاً كجزء من الدين الخارجي على الدولة»، مضيفاً أن «المبلغ سوف يُخصم من الدين الخارجي، ويُتاح كسيولة للبنك المركزي المصري حتى يتمكن من استخدامه في التعامل مع مشكلة النقد الأجنبي الحالية»، مشدداً على أن مشروع مدينة رأس الحكمة هو «شراكة استثمارية، وليس بيع أصول»، وسيتم في إطار مخطط متكامل لتنمية الساحل الشمالي بمدن ذكية، موضحاً أنه سيتم تأسيس شركة مصرية إماراتية تتولى تطوير المشروع، يمثل فيها الجانب المصري هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

«كبح جماح التضخم»

وتوقع رئيس الوزراء المصري أن يحقق المشروع الاستقرار النقدي للبلاد ويساهم في «كبح جماح» التضخم والقضاء على «السوق الموازية» للدولار، مضيفاً أن «الاستثمارات المباشرة بقيمة 35 مليار دولار ستحل جزءاً كبيراً من الأزمة الاقتصادية الحالية».

وأكد مدبولي التزام مصر بتعويض أهالي محافظة مرسى مطروح الموجودين على الأرض المخصصة للمشروع نقداً وعيناً، مشيراً إلى أن مدينة رأس الحكمة الجديدة ستقام على مساحة 170.8 مليون متر مربع، وستوفر كثيراً من فرص العمل، لافتاً إلى أنه من خلال وجود مثل هذه النوعية من المشروعات «يمكن تحقيق حلم أن يأتي إلى مصر 40 أو 50 مليون سائح». وأضاف أن شركة أبوظبي القابضة ستتولى تطوير مطار دولي جنوب مدينة رأس الحكمة، وسيتم التعاقد مع شركة أبوظبي للتنمية لتطوير المطار... ورأس الحكمة منطقة ساحلية تقع على بعد 350 كيلومتراً تقريباً في شمال غربي القاهرة.

جانب من حضور توقيع الصفقة (مجلس الوزراء المصري)

خطوة محورية

من جانبها، كشفت شركة «القابضة» الإماراتية (ADQ)، وهي شركة استثمارية قابضة في إمارة أبوظبي، عن خطط لاستثمار 35 مليار دولار في مصر. واعتبر بيان للشركة هذا الاستثمار «خطوة محورية نحو ترسيخ مكانة رأس الحكمة كوجهة رائدة من نوعها لقضاء العطلات على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ومركز مالي ومنطقة حرة مجهزة ببنية تحتية عالمية المستوى لتعزيز إمكانات النمو الاقتصادي والسياحي في مصر»، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإماراتية.

وأشار البيان إلى أن منطقة رأس الحكمة، التي تمتد على مساحة تزيد عن 170 مليون متر مربع، ستكون بمثابة مدينة من الجيل التالي، تتألف بشكل رئيسي من المرافق السياحية ومنطقة حرة ومنطقة استثمارية، إلى جانب توفر المساحات السكنية والتجارية والترفيهية، بالإضافة إلى سهولة الاتصال المحلي والدولي من المنطقة. وقال العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ«القابضة»، محمد حسن السويدي، إن الاستثمار في منطقة «رأس الحكمة» يأتي ضمن التزام الشركة بتحويل المنطقة إلى واحدة من أهم الوجهات الساحلية الفاخرة والأكثر جاذبية في مصر عبر تمكين مشاريع التطوير والبنية التحتية الحيوية، وذلك من خلال العمل مع شركاء مثل «مدن العقارية» و«مجموعة طلعت مصطفى»، لخلق فرص عبر قطاعات متعددة في الاقتصاد المصري المتنوع. وفق البيان.

حل عاجل

من جانبها، اعتبرت أستاذة الاقتصاد الدولي والعميدة السابقة لكلية التجارة بجامعة حلوان (جنوب القاهرة)، الدكتورة أماني زاخر، الاتفاق بمثابة «حل عاجل» لمواجهة الفجوة الدولارية وأداة مهمة تحتاجها الحكومة المصرية لإحداث التوازن بين السعر الحقيقي للجنيه والسعر المتداول للدولار في «السوق الموازية» نتيجة المضاربات، مشيرة إلى أن تحقيق ذلك لا يأتي إلا بتوفير موارد دولارية تغطي احتياجات الاقتصاد بمتطلباته كافة.

وأوضحت زاخر لـ«الشرق الأوسط» أن نمط الشراكة حسبما ورد في مراسم توقيع الاتفاق يوفر تنمية في منطقة «تأخر العمل بها»، فضلاً عن أن مراحل العمل التالية بتنمية منطقة رأس الحكمة ستوفر مزيداً من الاستثمارات، وهو ما «ينعش السيولة السوقية، ويعزز الثقة في قدرة الحكومة على احتواء الأزمة الاقتصادية الراهنة عبر استعادة الاستثمار المباشر»، الذي رأت أنه «يتطلب أجواء من الاستقرار السياسي والأمني والإقليمي، وكذلك استقرار سعر الصرف».

ورجّحت أن تنعش «الصفقة» زخم الاستثمار المباشر، خاصة مع دخول شركات كبرى وصناديق استثمار لها سمعة عالمية، وأن تسهم «الصفقة» في استعادة الثقة لدى المواطن والمستثمر المحلي بإمكانية تجاوز الأزمة الراهنة، وذلك عبر توفير أدوات سياسية واقتصادية مستدامة لمواجهة الأزمة الاقتصادية في البلاد.

وتعاني مصر من نقص حاد في العملة الأجنبية، ما أدى إلى ضغوط مستمرة على الجنيه المصري، وعلى الإنفاق الحكومي، والشركات المحلية، فضلاً عن انتعاش للسوق الموازية (السوداء) للصرف الأجنبي، إذ يبلغ سعر الصرف الرسمي للدولار في مصر 30.9 جنيه، فيما يتجاوز السعر بـ«السوق الموازية» ضعف هذه القيمة، وفق تقارير لوسائل إعلام محلية.

وتسبب نقص العملات الأجنبية بسبب تراجع إيرادات قناة السويس بنسبة تقترب من 50 في المائة في أعقاب هجمات الحوثيين على بعض سفن الشحن في البحر الأحمر، وكذلك تراجع تحويلات المصريين في الخارج بنسبة 22 في المائة، وفق بيانات حكومية، في تفاقم المخاوف من تزايد الضغوط على العملات الأجنبية، وبالتالي زيادة معدلات التضخم التي سجلت معدلات قياسية خلال الأشهر الماضية.

بنايات في وسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وضع مريح

بدوره، رأى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في مصر، وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أن ما تضمنه إعلان رئيس الوزراء المصري بشأن الاتفاق على تطوير منطقة رأس الحكمة «قد يكون له أثر طيب على الرأي العام»، خاصة أن المبلغ الذي سيتم ضخّه (35 مليار دولار) خلال شهرين يتجاوز مقدار المديونية المقدرة على مصر هذا العام، وهو ما اعتبر أنه «يضع الحكومة في وضع مريح، سواء بشأن التزاماتها الخارجية أو مشروعاتها الداخلية».

وأضاف السيد لـ«الشرق الأوسط» أن حالة الارتياح المنتظرة لدى الرأي العام ترتبط بالأثر الذي من المتوقع أن يحدثه هذا التدفق الدولاري على انخفاض معدلات التضخم، وخاصة في أسعار السلع الاستهلاكية، إلا أنه دعا إلى أن يكون هناك مزيد من الحلول الاستثمارية التي تستقطب مشروعات صناعية طويلة المدى، وتوفر قاعدة صناعية وأساساً صلباً لتشغيل الأيدي العاملة، كما دعا إلى إعلان التفاصيل كافة المتعلقة بالأساس القانوني الذي على أساسه تم تخصيص أرض المشروع.


مقالات ذات صلة

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

شمال افريقيا لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تشديدات على المعابر في مواجهة تفشي إيبولا في أفريقيا (وزارة الصحة المصرية)

مصر: «طمأنة حكومية» بشأن مواجهة «إيبولا» بعد تفشيه في أفريقيا

شددت مصر من إجراءات الرصد والوقاية الاحترازية، لمواجهة انتشار فيروس «إيبولا»، بعد تفشيه في دول أفريقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مشاورات مصرية روسية موسعة لتعزيز التعاون في مجالات الأمن الغذائي (وزارة التموين المصرية)

القاهرة تُعمّق تعاونها مع موسكو لتدشين «مركز عالمي للحبوب»

تحركات مصرية لتعزيز تعاونها مع موسكو في مجالات عديدة منذ سنوات، كان أحدثها مناقشات متواصلة لتدشين مركز عالمي للحبوب في مصر، تزامناً مع اضطرابات سلاسل الإمداد.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا اصطفاف طلاب في مدرسة مصرية مطلع العام الحالي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

«جرائم تحرش» تطل مجدداً بمدارس مصرية رغم «العقوبات العاجلة»

عادت حوادث «التحرش المدرسي» لتطفو على السطح من جديد في مصر بعد تكرار الاتهامات الموجهة إلى معلمين وعمال وفنيين بارتكاب جرائم تحرش بحق طالبات في محافظات مختلفة.

أحمد جمال (القاهرة)
شؤون إقليمية محادثات الرئيس السيسي والشيخ تميم في الدوحة مارس الماضي لوقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على «فيسبوك»)

مصر وقطر تدعمان حسم الخلاف بين أميركا وإيران بالتفاوض

دعمت مصر وقطر «حسم الخلاف بين أميركا وإيران بالتفاوض»، وأكد البلدان أن الاستمرار في التفاوض الجاد بين واشنطن وطهران يمثل الخيار الوحيد لمعالجة القضايا العالقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطوة سبقتها تحركات من مسؤول الإقليم، كان أبرزها دعم المعارضة ضد الحكومة الفيدرالية.

ذلك التمرد، بحسب ما يصف خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، يأتي في ظل أزمة سياسية داخلية، لكنه لن يقود لتكرار سريع ومباشر لسيناريو انفصال ولاية بونتلاند على نفس مسار إقليم «أرض الصومال»، غير أن الأزمة تأتي في إطار تدريجي وخطير حال أُغلقت كل سيناريوهات الحوار بين الحكومة ودني.

انتقادات حادة

ووجّه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الصومالية، علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، متهماً إياه بأنه عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها.

وأوضح «حوش» عبر صفحته في «فيسبوك»، الجمعة، أن «البيان الصادر الخميس عن رئاسة بونتلاند لا يخدم شعب بونتلاند، ولا المجتمع الصومالي عموماً، بل هو جزء من سلسلة من الإنكار والتضليل التي كان دني يمارسها منذ فترة طويلة لعرقلة قيام دولة الصومال».

واتهم وزير الداخلية دني أيضاً بـ«معارضة خطط سابقة، من بينها إلغاء ديون الصومال، وإجراء انتخابات بنظام صوت واحد لكل شخص، واستغلال موارد البلاد، وبناء جيش وطني»، مضيفاً أن «رئيس بونتلاند يدعم مصالح أجنبية، ويستخدم بونتلاند لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الفيدرالية».

والخميس، أعلن رئيس بونتلاند في بيان أنه «لا يعترف بحسن شيخ محمود رئيساً شرعياً للصومال»، متهماً إياه بـ«إساءة استخدام صلاحيات الرئاسة بشكل غير قانوني»، ودعا إلى اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة، بحسب إعلام صومالي.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم دني إلى مجلس مستقبل الصومال المعارض الذي يطالب برحيل النظام.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن التصعيد الأخير بين الحكومة الفيدرالية ودني يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي، والخلاف حول الانتخابات، وتوزيع السلطة، مشيراً إلى أن تمرد بونتلاند يثير مخاوف من تكرار سيناريو «أرض الصومال»، واتساع الفجوة بين مقديشو وبونتلاند، لكن حتى اللحظة لا يزال الوضع مختلفاً.

وأوضح أن بونتلاند لم تعلن الانفصال رسمياً بعد، بل تقول إنها تدافع عن النظام الفيدرالي، وترفض ما تعتبره مركزية مفرطة من الحكومة الفيدرالية، في ظل خلافات أهمها بشأن الانتخابات المباشرة، وصلاحيات المركز والولايات، لافتاً إلى أن بونتلاند ما زالت جزءاً من المؤسسات الصومالية نظرياً، رغم تعليقها التعاون مع الحكومة الفيدرالية في عدة ملفات سابقاً. لكن الخطر الحقيقي لا يزال قائماً، ويتمثل في بناء مؤسسات أمنية وإدارية مستقلة أكثر فأكثر، وتوسع الانقسام السياسي بين الولايات والحكومة المركزية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تحالفات إقليمية متعارضة، مما يدفع نحو تخوفات من تكرار تدريجي لسيناريو «أرض الصومال»، وليس تكراراً مباشراً أو سريعاً، وفق بري.

وأعلن إقليم «أرض الصومال» الاستقلال عن جمهورية الصومال في 18 مايو (أيار) عام 1991، مستغلاً أزمات داخلية كانت تواجهها مقديشو.

مواقف تصعيدية

وتأتي الخلافات الأخيرة مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال المدعوم من دني بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقرر دستورياً إجراؤها عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو الحالي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد في مارس الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعتقد بري أن الحكومة الفيدرالية ليس أمامها في ظل هذه المعارضة التي تتسع إلا عدة خيارات كلها معقدة، أولها الحوار والتسوية السياسية، وهو الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية، خاصة مع الضغوط الدولية الداعية للتوافق بشأن الانتخابات.

ويمكن لمقديشو أيضاً استخدام النفوذ الدولي والتمويل التنموي للحد من تمرد بونتلاند، لكن هذا الخيار قد يزيد التوتر بدلاً من حله، بحسب بري، لافتاً إلى أن الحكومة قد تسعى لبناء تحالفات داخل بونتلاند، بالتقارب مع شخصيات عشائرية ومعارضين لدني، لكن هذا يحمل مخاطر تفجير صراع داخلي داخل بونتلاند نفسها.

وعن الخيار الأمني والعسكري أضاف بري: «يعد هذا السيناريو الأخطر والأقل احتمالاً حالياً؛ لأن بونتلاند تمتلك قوات أمن قوية نسبياً، بخلاف أن البلاد تواجه تهديداً من (حركة الشباب) الإرهابية، وأي صدام مباشر قد يفتح جبهة داخلية جديدة تهدد استقرار الدولة بالكامل».

ويعتقد بري أن إسقاط دني بطريقة مشابهة لسيناريوهات بعض الولايات الأخرى ليس مستحيلاً، لكنه أكثر تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى توافقات عشائرية وسياسية واسعة، وليس مجرد قرار من مقديشو.


تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
TT

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

وتبادل وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، السبت، الرؤى حول مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية والتطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة والمساعي الرامية للتهدئة وخفض التصعيد، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين الشقيقين حيال مستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، شدد الوزيران على «ضرورة تكثيف العمل الدبلوماسي»، وأكدا أن «تغليب لغة الحوار واللجوء إلى مسار التفاوض يمثل الخيار الوحيد لمعالجة القضايا العالقة، وذلك لضمان حفظ أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها».

وكانت مصر قد أدانت بشدة محاولة استهداف أراضي السعودية باستخدام طائرات مسيّرة. وأكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، الاثنين الماضي، تضامنها الكامل مع السعودية، وموقفها الثابت والداعم لها في مواجهة أي تهديدات، معربة عن دعمها للإجراءات والتدابير التي تتخذها المملكة لحماية سيادتها وصون أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

وشددت القاهرة حينها على التزامها الراسخ بأمن دول الخليج، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، ولأمن واستقرار المنطقة، محذرة من أن هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي من شأنها زيادة تعقيد المشهد الإقليمي الراهن وعرقلة جهود التهدئة.

كما جرى اتصال هاتفي آخر بين عبد العاطي ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مساء الجمعة، وذلك في إطار متابعة مستجدات الأوضاع الإقليمية. وأطلع عراقجي نظيره المصري على آخر مستجدات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بجهود الوسطاء، والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات توافقية بين الجانبين.

وذكرت «الخارجية المصرية» في إفادة، السبت، أن الوزير عبد العاطي أكد «أهمية مواصلة المسار الدبلوماسي»، مشدداً على «ضرورة التوصل إلى اختراق يسهم في خفض حدة التوتر والتصعيد في المنطقة، بما يجنب الإقليم مخاطر اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأيضاً شدد بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال اتصال هاتفي، السبت، على أن «المنعطف الدقيق الذي تمر به المنطقة يفرض على كل الأطراف المعنية التحلي بأقصى درجات المرونة والمسؤولية». وأشارا إلى «ضرورة الأخذ في الاعتبار شواغل جميع الأطراف بوصفها ركيزة أساسية لضمان التهدئة المستدامة، والحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو دوامة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار».


الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
TT

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف الليبي، أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عن توافق واسع مع سلطات شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة، تشمل التعاون مع صندوق الإعمار، وتعزيز إدارة الحدود، والتصدي للهجرة غير النظامية.

وجاء الإعلان الأوروبي عقب سلسلة اجتماعات فنية ودبلوماسية في مدينة بنغازي، شاركت فيها بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، والعملية البحرية الأوروبية «إيريني»، إلى جانب مسؤولين من المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، حيث تم التوافق على خطوات عملية، من بينها دراسة إنشاء مركز لتنسيق عمليات الإنقاذ البحري في المدينة.

وأوضح أورلاندو، في تغريدة عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، أن الشراكة المقترحة مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، ستشمل مجالات متعددة، أبرزها دعم البنية التحتية، وتطوير التخطيط العمراني، وتعزيز قدرات البلديات، إضافة إلى برامج تدريب ومنح دراسية، وتحديث أداء مؤسسات الجمارك والموانئ.

كما اتفق الجانبان، بحسب البيان الأوروبي، على توسيع التعاون في ملف الهجرة وإدارة الحدود، بما يشمل دعم عمليات البحث والإنقاذ في البحر والصحراء، وتطوير آليات لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب برامج العودة الطوعية، وتوفير الحماية الإنسانية للمهاجرين واللاجئين وفق المعايير الدولية.

وأشار السفير الأوروبي إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار تنسيق مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، بهدف تحسين «حوكمة الهجرة»، والحد من المخاطر الإنسانية المتزايدة على طرق العبور عبر الأراضي الليبية نحو أوروبا.

في سياق متصل، أعرب أورلاندو عن تقديره للدعم والتسهيلات، التي قدمتها القيادة العامة في شرق ليبيا لتيسير عمل البعثات الفنية، مشيداً بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين إدارة ملف الهجرة، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لليبيا.

عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين على ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر الليبي)

ويرى مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، أن هذا التطور يعكس تحولاً مهماً في السياسة الأوروبية، حيث لم يعد التعامل مع الملف الليبي محكوماً فقط بمسألة الشرعية السياسية، بل بات مرتبطاً بمدى القدرة الفعلية على ضبط الحدود، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وتعيش ليبيا واقعاً سياسياً منقسماً بين حكومتين، إحداهما في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، وأخرى في الشرق يقودها أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبحسب لملوم فإن «بروكسل باتت تتعامل بشكل مباشر مع الأطراف، التي تملك النفوذ والسيطرة على الأرض، والقادرة عملياً على إدارة هذا الملف، حتى وإن لم تكن دائماً ضمن إطار الحكومة المعترف بها دولياً»، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك». لافتاً إلى أن تطورات المشهد في شرق ليبيا، وما ارتبط بها من توظيف لملف الهجرة ومسارات التهريب، أسهمت في فرض واقع جديد، دفع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع دائرة تواصله وشراكاته، بما في ذلك الحضور المباشر في بنغازي.

ميدانياً، تزامن الحراك الأوروبي النشط مع إعلان السلطات في شرق ليبيا عن إنقاذ 60 مهاجراً غير نظامي قبالة السواحل الليبية، السبت، في عملية نفذتها أجهزة خفر السواحل بالتنسيق مع الهلال الأحمر الليبي، ضمن جهود الاستجابة لحالات الهجرة المتزايدة عبر البحر المتوسط.

وتؤكد منظمات إنسانية أن ليبيا لا تزال واحدة من أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا منذ عام 2011، نتيجة الفوضى الأمنية والانقسام السياسي، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ما أدى إلى تنامي شبكات التهريب عبر البحر والصحراء، وتزايد المخاطر الإنسانية على طول هذه المسارات.