زيباري لـ«الشرق الأوسط»: سُنة العراق يشعرون بالتهميش وبعض الأجهزة الأمنية مخترقة

قال إن «الطريقة المخزية في إعدام صدام منحته مكانة لا يستحقها»

TT

زيباري لـ«الشرق الأوسط»: سُنة العراق يشعرون بالتهميش وبعض الأجهزة الأمنية مخترقة

بايدن مع زيباري ونوري المالكي في البيت الأبيض عام 2009 (غيتي)
بايدن مع زيباري ونوري المالكي في البيت الأبيض عام 2009 (غيتي)

كان هوشيار زيباري، وزير الخارجية العراقي السابق، شريكاً في محطات حساسة في شؤون الداخل والخارج معاً. سألته «الشرق الأوسط» عن القرار الأمني والفساد والعلاقات بين المكونات، علاوة على ما سمعه من زعماء عرب بعد قيام النظام الحالي في بلاده. وهنا نص الحلقة الثانية والأخيرة:

* هل كان جو بايدن داعماً لبقاء رئيس الوزراء نوري المالكي؟

- التقيت بايدن عشرات المرات. أعرفه من سنة 1992 حين كنا نحاول عمل «لوبي» في الكونغرس الأميركي. وكان متعاطفاً ومؤيداً للتغيير في العراق. زار الإقليم والعراق عشرات المرات. وفي الفترتين الأولى والثانية لرئاسة أوباما كان هو المسؤول عن ملف العراق في كل التفاصيل.

* كان مؤيداً للمالكي؟

- نعم. دعني أوضح الفكرة. أحد الأخطاء التي نتحمل مسؤوليتها كقيادات عراقية، ارتكبناها بعد انتخابات 2010 عندما فازت قائمة الدكتور إياد علاوي بعدد واضح من الأصوات عن القوائم الشيعية، وقائمته كانت حقيقة بها كل الأطياف الشيعية والسنية ومن القوميات الأخرى والأديان. آنذاك، سبحان الله، كانت إيران وأميركا داعمتين للمالكي. ومنطقهم (الأميركيين) حتى أكون منصفاً، كان أن لدينا عملية انتقال وانسحاب قواتنا في 2011 واتفاقية أخرى، فدعونا لا نهز المركب لتستمر العملية، مع التضحية للأسف بنجاح برلماني وانتخابي باهر وواضح للدكتور إياد علاوي.





آنذاك كل القيادات مشت في هذا الاتجاه لنكمل المسيرة، لكن مراجعة للنفس وللتاريخ، أعترف أن هذه المحطة كانت أكبر خطأ استراتيجي وقع.

* هل ظُلِم إياد علاوي؟

- نعم. ظُلِم.

* هناك من يقول إن استبعاد إياد علاوي في العراق واغتيال رفيق الحريري في بيروت ضربا القوى المعتدلة في البلدين...

- هناك أساس لهذا الربط، وليس بعيداً. تعلمت شيئاً في التعامل مع سياسة الشرق الأوسط، وهو أن الأمور متداخلة. لا يمكنك فصل الوضع في لبنان عن الوضع في المنطقة، في إيران في الخليج في سوريا في فلسطين في الأردن. المسائل بها ترابط. لكن هل كان ذلك مبرمجاً، لا يمكنني أن أؤكد.

* هل تعتقد أن الأردن معرض لتهديدات؟

- مُعرّض جداً جداً. مستقبل قوات التحالف الدولي أو الأميركية في العراق... يعني أكثر من طرف. في تقديري، انسحابهم من العراق، هو آخر قلعة لهم، لنفوذهم في الشرق الأوسط. الأمن الأردني أيضاً مهدد. أمن الخليج سيكون مهدداً. الرسائل التي نسمعها من إخواننا في بعض دول الخليج أنهم قلقون أكثر من هذه التقارير والمعلومات والأخبار. وأيضاً الأردن حالياً داخل في معركة مع المخدرات ومع القوى التي تستهدف أراضيه. للمرة الأولى يُضرب الأردن بمسيّرات عراقية. القاعدة الأميركية «تاور 22» هي داخل الأراضي الأردنية. والقوات موجودة بموافقه المملكة الأردنية الهاشمية. تسمع منهم أنهم يشعرون بأنهم مهددون حقيقة في هذا الموضوع.

بايدن مع زيباري ونوري المالكي في البيت الأبيض عام 2009 (غيتي)

* هل هناك خطر أن نرى ذات يوم قوات «البيشمركة» تحمل السلاح وتصطدم بـ«الحشد الشعبي» مثلاً؟

- هذا احتمال بعيد المدى. لا أتصور أن القيادة الكردية عندها أي تفكير في هذا الموضوع، ولا هم. لكن في 2017، حصلت اصطدامات دموية. بعد عملية الاستفتاء في الإقليم حاولوا الهجوم على الإقليم من طريق كركوك إلى أربيل وصدتهم «البيشمركة» ومنعتهم، وأيضاً في منطقه زاخو في دهوك حاولوا التقدم للإمساك بالمعبر الأساسي في إبراهيم الخليل، الرابط الحيوي بين تركيا والعراق. اصطدمنا معهم لأننا شعرنا بتهديد وجودي ولم يكن أمامنا إلا أن نتصدى.

* هل عملياً تقول الفصائل اليوم لكم ما قاله طارق عزيز ذات يوم أن ليس لكم في كركوك إلا حق البكاء عليها؟

- لا والله. هذه الانتخابات الأخيرة، إذا لاحظت، كان الانطباع السائد بأنه بعد هذه السنوات والتغيرات الإدارية ونقل الموظفين والتغيير الديموغرافي أنه ربما أثر، لكن الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات أكدت أن الوجود الكردي في كركوك لا يزال قوياً. التصويت عبّر عن حالة توازن بين الكتلة الكردية والكتلة العربية والتركمانية. هذا الحلم باق على أساس الدستور. فصل الدستور في كيفية حل قضايا الحدود الداخلية أو المناطق المتنازع عليها.

فساد بمئات المليارات

* هناك مئات المليارات من الدولارات تبخّرت في العراق. أين ذهبت؟ مجرد فساد أم تمويل نزاعات إقليمية؟

- مع الأسف حدثت عمليات فساد كبيرة جداً. حتى في زماننا وحتى في زمن المالكي وعلاوي والجعفري أو الحكومات الأخرى زمن حيدر العبادي، لم يكن الفساد بهذه الصورة وبهذه الأحجام الكبيرة لسرقة المال العام. يعني سابقاً ربما تصير حالات فساد ببضعة آلاف الدولارات أو «فليسات». حالياً ملايين ومليارات يعني تُسرق في قضايا فساد وأيضاً ممكن تستخدم في تمويل حروب ونزاعات إقليمية. وارد جداً جداً.

* يُحكى عن 400 مليار دولار.

- صحيح. هذا الرقم صحيح ومثبت. تعلمت من المالية أن يكون كل شيء مثبتاً.

* أورد هذا الرقم الدكتور أحمد الجلبي وهو تابَع قضايا الفساد واتُهم بالفساد...

- أشهد له أنه كان إنساناً نظيفاً. نعم كانت عليه مشكلة في بنك البتراء في الأردن في ظروف الحرب العراقية - الإيرانية وقتها. لكن أشهد له بعد وفاته ومعرفة عائلته أنه لم يترك لهم شيئاً إطلاقاً. حين كنت وزيراً للمالية وكان المرحوم رئيس اللجنة المالية، عملنا معاً على قضايا فساد واضحة ومحددة. بنك من البنوك نهب رئيسه التنفيذي خلال سنتين تقريباً حوالي 6 مليارات دولار. أين ذهبت هذه الأموال؟ حين تابعناها وقتها وجدنا أنها ذهبت إلى عمان وإلى بيروت.

* نُقلت إلى بيروت بأي هدف؟

- هذا هو السؤال حقيقةً. وتعقبناها بحكم المعلومات والبيانات المتوفرة. وبعد كل هذه السنوات وزارة الخزانة الأميركية اكتشفت هذه السرقة ووضعت على هذا البنك وربما بنوك أخرى.

أحد التهديدات الكبيرة على استقرار العراق هو هذا الفساد المستشري بشكل عجيب وغريب في كل مفاصل المشاريع الحكومية في مجالس المحافظات والميزانيات الانفجارية، وأيضاً مسألة تهميش الآخرين وعدم تحقيق المصالحة لكل من نادى بها، وتأسيس دولة قانون يثق بها الناس والمستثمرون. مثلاً مجال النفط الذي هو أساس اعتماد اقتصاد العراق، تركته معظم الشركات الغربية والأوروبية بسبب عدم الاستقرار والثقة بهذا النظام المصرفي والقانوني.

* هل استدرجت إيران، أميركا، إلى تبادل الضربات في العراق؟

- أشك حقيقةً. لا أؤمن بنظرية المؤامرة. ضربات «الحشد» ضد المصالح الأميركية بدأت قبل «طوفان الأقصى». الرد الأميركي كان خفيفاً ومتقطعاً أكثر من اللازم، وكانت العملية تجري وكأنها وفق قياسات معينة. أن تضرب ولكن لا تقتل. لكن بعد العملية الأخيرة التي قُتل فيها ثلاثة من الأميركيين وجُرح أكثر من 40 اضطروا إلى الرد. طبيعي ربما هناك تواصل بين إيران وبين أميركا من خلال القطريين والعُمانيين وتبادل رسائل. لكن الأميركيين أثبتوا أن لديهم الردع، وعندما تستهدف مصالحهم لن يتوقفوا عند أي شيء. وقعت عمليتان في قلب بغداد ضد قيادات عملياتية مهمة من «كتائب حزب الله» ومن «النجباء».

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد لمساندة عملية «حماس» ضد إسرائيل (أ.ف.ب)

هل استدرجت إيران أميركا؟ حين تسمع الخطاب الإيراني والخطاب الأميركي، كلا الطرفين يقول لا نريد التصعيد. لكن في حروب غير منضبطة كهذه، يمكن أن تحصل أخطاء. يعني ما يجري في باب المندب وفي خليج عدن وفي البحر الأحمر، إذا ضرب صاروخ بحري مدمرة أو سفينة أميركية أو بريطانية، يمكن أن يغير قواعد اللعبة. باب المفاجآت موجود.

* هل تعتقد أن طريقه إعدام صدام حسين وموعد إعدامه وما فُعل بجثته دفع إلى إبقائه حياً لدى جزء من العراقيين؟

- تابعت ورافقت هذا الموضوع. لم ألتق صدام حسين. في إحدى جلسات محاكمته، وباعتباري واحداً ممن تضرروا شخصياً منه بسبب قتله ثلاثة من إخواني بسبب نشاطنا السياسي والمعارض، طلب مني كثير من الأصدقاء أن أشاهد إحدى الجلسات، فذهبت وشاهدت إحدى الجلسات فقط. أما طريقة إعدامه وتوقيت إعدامه فكانا أمراً مخزياً حقيقة. رغم كل الجرائم التي حُوكم عليها، فإن هذه الطريقة البشعة في الإخراج أعطته مكانةً لا يستحقها، كي أكون دقيقاً وواضحاً. لم تكن طريقة فروسية أو نبيلة لأخذ القصاص منه بهذا الأسلوب وبهذه البشاعة. نعم كان لها تأثير على كثير من الناس أنه ظُلم أو غُدر. هناك انطباع كهذا.

أما إذا تسألني عما إذا كنا نادمين على تغيير النظام، فأقول لك: لا والله. كانت أمامنا فرصة حقيقية لتغيير هذا البلد وجعله إحدى قصص النجاح في المنطقة بإمكانياته وقدراته وعلاقاته وانفتاح العالم عليه وحسن النوايا الذي كان موجوداً دولياً وعربياً وإسلامياً لمساعدتنا في الخروج من عنق الزجاجة.

* هل فاجأكم المجتمع العراقي؟ دورات انتخابية عدة انتهت بما يسميه البعض دولة الفصائل.

- الخلل ليس بالنظام الديمقراطي الذي اتبعناه. أعتقد أن هذا النظام مناسب. تنفيذه أو تطبيقه جرى بشكل خاطئ جداً. يعني في الانتخابات أغلبية فائزة وتأتي المحكمة الاتحادية وتقول: لا، أنتم الفائزون. الكتل الأخرى التي تشكل، واستنسخوا لنا تجربة الثلث المعطل من لبنان. هذا هو الخلل. في آخر مرة كان الأخوه العرب السنة منكفئين وغير مؤمنين بالانتخابات، لكن كل المؤشرات والأرقام والحقائق التي ظهرت في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، أظهرت مشاركة سنية قوية جداً جداً، في الأنبار وفي بغداد وفي ديالى وفي صلاح الدين وفي كركوك وفي الموصل. هذا مؤشر أن الناس تريد التغيير من خلال صناديق الاقتراع واختيار ممثليهم.

أما مسألة وجود فصائل خارجة على القانون، فهذا عمل السلطة التنفيذية، يعني رئيس الحكومة أو القائد العام للقوات المسلحة المفروض أن يمنع هذا الشيء. كل رؤساء الحكومات طرحوا موضوع حصر السلاح بيد الدولة، وإلى الآن غير قادرين أو «عاجزين»، لأن الفصائل لديها إمكانيات ونفوذ وتأثير أقوى. هنا الخلل حقيقة في المشهد العراقي.

* يعني الدولة تقيم في عهدة الفصائل بدل أن يحدث العكس؟

- نعم. تمويلها كلها من الدولة. حتى هذه الفصائل المقاومة قسم منها رواتبها من الدولة. هناك خلل الحقيقة في هذا الجانب.

* كنت وزيراً للمالية. كم يبلغ عدد من يتقاضون رواتب من الدولة العراقية؟

- شيء مهول الحقيقة. لا أذكر الرقم النهائي. أتصور أن الموظفين في الخدمة العامة والمتقاعدين ومتلقي الرعاية الاجتماعية فوق الـ8 ملايين. شيء من هذا القبيل. شيء مهول. يعني خلال حكومة (رئيس الوزراء الحالي) السيد محمد شياع السوداني التي صار لها أكثر من سنة وظفوا 700 ألف موظف في القطاع العام للدولة.

تجربة السوداني

* كيف ترى تجربة حكومة السوداني؟

- السوداني جاء كمرشح توافقي وليست عنده كتلة ولا حزب سياسي. وكان موظفاً إدارياً متدرجاً عاش في العراق ولم يعش في الخارج. كان وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية ولحقوق الإنسان عملنا معاً حوالي سبع أو ثماني سنوات. لفترة كان وزير مالية بالوكالة. أعرفه شخصياً. إنسان طيب ونواياه سليمة. لكن النوايا الطيبة وحدها غير كافية لحكم بلد مثل العراق.

عنده ضغوطات، لكن عنده صلاحية للتحرك، وعنده مجال. هو المسؤول التنفيذي الأول في الدولة، أي أقوى شخصية في نظامنا السياسي. القائد العام للقوات المسلحة وعنده صلاحيات وإمكانيات ممكن يتجاوز بعض القيود التي تفرض عليه. في تقديري عنده هذه الصلاحية والفرصة. كل الأطراف الأخرى تحتاجه أكثر مما يحتاجها، ومع الأسف لا يستخدم ورقة القوة هذه للجم أو تحجيم التصرفات أو الاعتداءات أو الانتهاكات.

* رئيس الوزراء العراقي هو فعلياً القائد العام للقوات المسلحة؟

- نعم. هو فعلياً يجب أن يكون القائد العام للقوات المسلحة حسب الدستور. لكن مع الأسف الشديد، حتى في الأجهزة الأمنية صار تغلغل وولاءات فرعية ومذهبية. هذا ما ذكره لي قبل أيام (رئيس الوزراء السابق) السيد مصطفى الكاظمي أنه لم يكن يستطيع السيطرة على القوات الأمنية التابعة من الفرقة الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب وقوات الجيش والنخبة إلى آخره. لكن هذه من مهمتك. في سبيل أن تقود البلد، لا بد من أن تحتكر قوة العنف الموجودة عندك.

قبر صدام و«تهريب جثته»

* هل هناك مكان معروف لقبر صدام حسين؟

- حين أُعدم، طلب أقاربُه وذووه استلام الجثة لدفنها في تكريت. آنذاك صارت الموافقة، لكن بعدها خرجت قصص وروايات. أمانة لا أستطيع أن أنفي أو أؤكد أنه هل ما زال هناك أم هل جاء جماعة المقاومة والبعثيون أخذوه وطلعوا بالجثة إلى الخارج، ولاحقاً سيرجعونه مرة أخرى.

عراقيون يقرأون الفاتحة عند قبر صدام حسين في العوجة بتكريت عام 2007 (غيتي)

* هل هناك رواية تقول إنه أُخرج إلى خارج البلد؟

- هناك تقارير تقول ذلك. السيدة رغد ابنة الرئيس صدام تفكر هكذا.

* أن البعثيين أخرجوا جثته؟

- نعم. حتى لا يُنتهك أكثر من قبل (خصومه). لكن حقيقة لا أعرف.

* أُبعدت عن الانتخابات على مختلف مستوياتها بقرار من المحكمة الاتحادية. هل تجزم اليوم لـ«الشرق الأوسط» أنك غير ضالع في أي قضية فساد؟

- أنا أؤكد لك أنني غير ضالع في أي قضية فساد. وأيضاً أنا حضرت أمام محاكم النزاهة وبرأت ساحتي من كل التهم التي وجهوها لي. والشيء بالشيء يُذكر، حالياً هناك دراسة قانونية حول حالتي، وكيف أن المحكمة الاتحادية ظلمتني وتغاضت عن حقوقي السياسية والدستورية في هذا القرار الجائر التعسفي الذي كان مسيساً. لكن أنا لم تسجل عليّ أي قضية في هذه المحاكم وفي هذه الادعاءات التي ساقوها إطلاقاً، والحمد لله.





* الملا مصطفى البارزاني كان زوج أختك، وأنت خال مسعود البارزاني؟

- نعم. صحيح صحيح.

* لو تذكر لي بعبارات قليلة شيئاً عن الملا مصطفى عن شخصيته وأهمية دوره.

- شخصية تاريخية فريدة حقيقةً. لا يمكن استنساخها. رغم صلة القرابة، لكن أنا التقيته حين كنت شاباً طموحاً، وهو من ساعدني على إكمال دراستي في الأردن من خلال اتصاله الشخصي مع جلالة الملك حسين. بعض المسائل التي أتذكرها عنه أنه كان يحثني على التعلم وإنهاء الدراسة. قال إن كردستان الحلم لن تتحقق إلا بجهود ناس مثقفين متعلمين.

الصفة الأخرى التي كان يحثني عليها دائماً هي التواضع، ونحن عشائر وقبائل. التواضع وعدم الاستكبار وعدم إظهار أنك قريب منا وأنك ابن عائلة وما إلى ذلك. كان متواضعاً جداً. النقطة الأخرى هي واقعيته. كان إنساناً واقعياً. كان ثورياً لكن بطريقة تطورية.

هناك مقولة يرددها صدام أن التاريخ يكتبه المنتصر. لكن هذا ليس صحيحاً. قيادات كثيرة لم تحقق النصر، لكن بقيت قيادات مهمة في الذاكرة الشعبية في رمزيتها وفي دورها. ويمكنني أن أسوق لك الكثير من هذه الحالات. الملا مصطفى كان شخصية فريدة، ليس فقط على مستوى أكراد العراق، بل أيضاً على مستوى الكرد في تركيا وفي سوريا وفي إيران وفي القوقاز وغيرها. شخصية فذة.

مسعود بارزاني وجلال طالباني أمام رسم للملا مصطفى بارزاني عام 1992 (غيتي)

* الملا مصطفى لم يحقق حلم الإقليم. حققه مسعود بارزاني. كيف تنظر إلى تجربة العمل بقيادة مسعود؟

- تجربة ناجحة، وهو دائماً يفتخر أنه لن يصل إلى مستوى أو مرتبة والده في الجاذبية والقيادة. لكن أيضاً هو تَعِب شخصياً كثيراً على بناء هذا الإقليم، وما تحقق على يديه كبير. لكنه إلى الآن غير مرتاح لهذا الموضوع، صرف كل جهده. تجاوز السبعين، وللمفارقة يصادف ميلاده نفس يوم ميلاد الحزب الديمقراطي الكردستاني في مهاباد.

لذلك حقيقةً هو بنى شيئاً بالتعاون مع الآخرين، حتى لا نحرم الآخرين خاصة الرئيس الراحل مام جلال طالباني. حققنا وحدة كردية وكافحنا معاً في بغداد من أجل تأسيس النظام الجديد والدستور والحقوق والإقليم. وحالياً مثل ما ذكرنا، هذا الإقليم حقوقه القانونية والدستورية مستهدفة. عندنا معركه أخرى كيف نحافظ على ما بنيناه ونطور أيضاً. وبالنسبه إلى العراق، الإقليم كان قصة نجاح باعتراف الجميع والعراقيين والزوار والمقيمين. في أربيل وفي دهوك وفي السليمانية، عشرات الآلاف من العوائل العربية السنية وحتى الشيعية. ومعظم الوزراء والمسؤولين الأمنيين الكبار عوائلهم وأبناؤهم وبيوتهم في الإقليم بسبب الأمن والاستقرار الذي يحظى به.

* هل تشعر أن مستقبل المكون السني صعبٌ في العراق؟

- صعب. بدأوا يستشعرون بأنهم مهمشون وأيضاً مهجرون في ديارهم، في كثير من المناطق لا يزال المواطنون السنة ممنوع عليهم العودة إلى مناطقهم... في جرف الصخر، في حزام بغداد، في ديالى، وفي مناطق أخرى. أيضاً زادت النعرة المذهبية والطائفية مع الأسف الشديد في الفترات الأخيرة وغياب حكم رشيد. هناك طروحات أحياناً منهم تطالب بإقليم سني. هذا يسمح به الدستور. لكن هناك استشعاراً أن هذا خطر وتهديد للحكم الشيعي إذا السنة أسسوا إقليماً وإقليم كردستان موجود، آنذاك ستصبح الأمور صعبةً بالنسبة لهم. هناك تفكير من هذا.

* هل لدى السنة حالياً شعور بأن الحكم الحالي هو حكم شيعي؟

- نعم. عندهم شعور قوي بذلك. بعض القيادات منهم متعاونة مع فصائل، لكن عندهم هذا الشعور بالغبن والتهميش لأسباب طائفية لا أقل ولا أكثر.

* في السابق كان يُقال: لا صديق للأكراد إلا الجبال. هل هذا صحيح؟

- هذا ليس صحيحاً. أثبتت الأحداث خصوصاً بعد الهجرة المليونية بعد حرب الكويت وانتفاضة الضمير العالمي لمساعدة الكرد وحمايتهم في أميركا وأوروبا أن لدينا أصدقاء غير الجبال. لكن أفضل أصدقاء هم الكرد أنفسهم. في كل بلد أساس النجاح وحدة الصف الكردي. هناك خلافات سياسية حزبية تاريخية، لكن على القضايا الجوهرية ممكن نتفق.

عرفات ومبارك والأسد وصالح

* رجلان كانا يحلمان بدولة. كان ياسر عرفات يحلم، وكان مسعود بارزاني يحلم. وأنت تعرف الرجلين. هل هناك نقاط مشتركة بينهما؟

- نعم. أعرف الرجلين. والنقاط المشتركة التي لاحظتها بينهما هي مبدئيتهما على المبادئ الأساسية لحركاتهم الوطنية والتحررية. بقي الأمل متوقداً عندهما رغم كل الصعاب والظروف والتهجير والتنكيل. لم يفقدوا الأمل بهذا الحلم في يوم من الأيام.

حسني مبارك قال لزيباري: المتغطي بالأميركان عريان خلال أحد لقاءاتهما (غيتي)

* هل كانت بينهما علاقة شخصية؟

- كانت بينهما علاقة شخصية قريبة ووثيقة جداً. أتذكر بعدما تعرض السيد مسعود البارزاني لمحاولة اغتيال في فيينا في 1979، كان من ساعده هو المرحوم ياسر عرفات ومنظمة «فتح» في إجراء التسهيلات لنقله إلى طهران.

* أعطاه جوازات سفر؟

- أعطاه جوازات سفر وحماية.

* كانت لدى ياسر عرفات القدرة على إعطاء جوازات سفر لبنانية ويمنية...

- وتونسية. هذا كان جزءاً من النضال السري. كلنا اشتغلنا في هذه المسائل، فكان من ضرورات الحياة والعمل.

* هل استخدمت جوازات سفر وأسماء مستعارة؟

- أنا استخدمت جوازات سفر ليبية ويمنية جنوبية وسورية.

* مَن مِن القادة العرب كان لك معه موقف طريف؟

- والله مع معظمهم. مع سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد أمير دولة الكويت. علاقتنا كانت ممتازة. كان إنساناً كريماً وشيخاً فاضلاً ونبيلاً وأميراً للدبلوماسية العربية. كانت هناك مسألة التعويضات التي ينبغي أن يدفعها العراق للكويت. دفعنا أموالاً هائلةً، وفي فترة من الفترات كنا مضغوطين، وهذه النسبة يجب أن ندفعها. فذهبت إليه وقلت أحاول. لعل وعسى. قلت له: سمو الأمير، هل ممكن أن تؤجل لنا القسط هذه السنة أو تعفينا؟ نحن نظام جديد نؤمن باستقلال الكويت وحقوقه وكل الالتزامات التي علينا. رد قائلاً: «يعني معالي الوزير، أنت شايف واحد تجيه فلوس من حيث لا يدري ويقول لا أريدها».

عندي حادثة أخرى مع الشيخ حمد أمير دولة قطر. كنت ممثل العراق في أحد المؤتمرات بليبيا التي كان يترأسها المرحوم معمر القذافي. الرئيس ورئيس الوزراء لم يحضرا، وأنا كنت من المشجعين والمطالبين بحق العراق باستضافة القمة العربية في بغداد. وكانت هناك معارضة شديدة من المرحوم القذافي نفسه على أساس أن البلد محتل وما إلى ذلك.

أصررت أنا على أن هذا حق بلدي وأنني أطلب مساعدتك. وأيدوني أمير دولة الكويت والرئيس المصري الراحل حسني مبارك والإماراتيون والأردنيون. كلهم وقفوا وقالوا إن هذا حق والعراق من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية، والآن أصبح عنده حكومة واستقرار. فالخلاف كان على القواعد الأجنبية، فقلت إنه إذا كان هناك تواجد أميركي فهو منظم بقانون. هناك دول عربية أخرى عندها قواعد، فلماذا تضع اللوم علينا فقط؟

المرحوم الشيخ صباح قال: أنا والله ما عندي أميركية. عندي فقط فرنسية وبريطانية. الشيخ حمد قال: أنا عندي أميركية، العديد وسالمية. فرد القذافي قائلاً: كل الأمه العربية محتلة ونحن لا نعرف بهذا الموضوع؟

جاءني الشيخ حمد، وقال لي: معالي الوزير أريد أن أسألك سؤالاً؟ من أين جئت بجرأة المحاججة؟ قلت له: أنا عندي قضية بلدي فلذلك أدافع عنها. سألني سؤالاً آخر: لماذا صار ما صار بالعراق؟ كان منبراً للعلم والحضارة والثقافة... قلت له: لا نلوم إلا أنفسنا. نحن لا نحترم بلدنا ونفسنا، فلذلك هذا ما حدث مع الأسف الشديد.





* ماذا قال لك الرئيس مبارك عن الأميركيين؟

- قال: لا تثق بهم. المتغطي بهم عريان. قلت له: «بس ما في غيرهم». كانت عنده روح الدعابة. كل مرة كنت أذهب إلى مصر لاجتماعات الجامعة، أطلب لقاءً ثنائياً من خلال (رئيس المخابرات) المرحوم عمر سليمان أو وزير الخارجية الأستاذ أحمد أبو الغيط، وكان فوراً يعطيني موعداً أو مقابلةً. كان محباً للعراق جداً جداً. وخدم في الحبانية خلال حرب 1967. كان الرئيس مبارك في قاعدة عسكرية عراقية في الحبانية في الأنبار في 1967.

* هل كانت لك مواقف مع الرئيس بشار الأسد؟

- الرجل كان يحترمني وكان بيننا احترام متبادل والتقيته أكثر من مرة. ذات مرة ذهبت للقائه في قصر الشعب بجبل قاسيون. واستقبلني. كان معه (نائب الرئيس السابق) فاروق الشرع. لا أذكر ما إذا كان (وزير الخارجية السابق) المرحوم وليد المعلم موجوداً أم لا. اشتكيت وقلت له فخامة الرئيس، هؤلاء المتشددون أو المجاهدون أو الإرهابيون كلهم يأتون عن طريق مطار دمشق أو عن طريق الحدود البرية، ويفجرون أماكن شيعية وسنية ويقتلون المواطنين، ونحن نعرف قوة الأجهزة الأمنية وتعدديتها.





قال: نحن لا علاقة لنا. لدينا أجهزة أمنية قوية، لكن لا نسمح لهم، وهناك تعليمات. قلت إن لدينا أدلة ومعلومات وهذه البيانات من أجهزتنا الأمنية تفيد بأن معظمهم يدخلون عن طريقكم. رد قائلاً: نحن دولة عربية لا نطلب تأشيرات لكل مواطن عربي يأتي إلى هنا، وربما يستخدمون ذلك.

قلت له: فخامة الرئيس أنا عشت في دمشق لبضع سنوات وأعرف كيف الدولة السورية والأجهزة الأمنية تعمل. كنت أجلب وفوداً أو صحافيين أدخلهم إلى كردستان العراق إلى شمال العراق عن طريق سوريا والقامشلي، ووزير خارجيتك لم يكن يعرف عنها. قال: ما شاء الله. تعرف بلدي أحسن مني.

* كيف كان الرئيس علي عبد الله صالح؟

- كان ظريفاً جداً جداً. كانت بيننا علاقة مودة في مؤتمرات القمة وبعض الاجتماعات. كان مجاملاً. زرته أكثر من مرة، وفي إحدى المرات كان زعلان. قال: أنتم جئتم على دبابات أميركية، ولا يوجد استقلال للبلد وما إلى ذلك. فقلت له: يا فخامة الرئيس، نحن حين كنا نواجه صدام وحدنا، لم تكن هناك قوات أميركية ولا هم يحزنون. في انتفاضة 1991 تقريباً 15 محافظة ثارت ضد صدام من الشعب نفسه، وتدخل الأميركيون لصالح صدام حتى يمنعوا هذا. صحيح الأميركيون ساعدونا. لكنهم كانوا على تواصل معكم في هذه الحرب. معظم الطائرات الحربية الأميركية انطلقت من قواعد عربية ضد صدام.


مقالات ذات صلة

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
المشرق العربي زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني خلال استقباله وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في أربيل (الخارجية الفرنسية)

باريس تحث بغداد على تجنب التصعيد الإقليمي

قالت مصادر دبلوماسية فرنسية إن باريس حذّرت من مخاطر انخراط فصائل مسلحة عراقية في أي تصعيد إقليمي محتمل، مؤكدة أن العراق يجب ألا يزج في صراعات لا تخدم مصالحه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يلتقي رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني في أربيل 2 فبراير 2026 (رويترز)

خلافات مركبة تؤخر تشكيل الحكومتين في بغداد وأربيل

أعرب الزعيم الكردي مسعود بارزاني، الخميس، عن أسفه لعدم التوصل إلى تشكيل كل من حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد، عازياً ذلك إلى «مشكلات كبيرة».

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ) p-circle

خاص حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد على مدى قرون منذ العصر العثماني إلى الدول القومية.

جو معكرون (دمشق)
خاص عائلات كردية في مقبرة تعود إلى ضحايا القصف الكيميائي لمدينة حلبجة (أ.ف.ب)

خاص أربيل تحمّل بغداد ديون صدام حسين... بأثر رجعي

بأثر رجعي، تطالب حكومة إقليم كردستان الحكومة الاتحادية بتعويضات عن جرائم نظام الرئيس الراحل صدام حسين بحق الكرد.

هشام المياني (أربيل)

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «ذا أتلانتيك» الأميركية تفاصيل نادرة عن كواليس حكم الرئيس السوري بشار الأسد في الفترة التي سبقت سقوط نظامه.

وقالت في مقدمة التقرير، الذي تحدث فيه كاتبه إلى مصادر من داخل النظام السوري السابق ومسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، إن «بعض الطغاة يموتون وهم يقاتلون، بعضهم يُشنقون، وبعضهم يموتون في فراشهم. لكن تصرف الأسد كان اللجوء إلى الخداع بطريقة صدمت حتى المقربين منه، فقد طمأن مساعديه وكبار الضباط بأن «النصر قريب»، وبأن اتصالات إقليمية ستؤدي إلى وقف الهجوم.

كان ذلك مع اقتراب فصائل المعارضة من دمشق في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2024، اليوم السابق لسقوط النظام، كانت الفصائل قد وصلت إلى حمص بعد أن دخلت حلب وحماة.

فرّ بشار ليلاً على متن طائرة روسية، دون أن يُخبر أحداً تقريباً. في حين أعلن البيان المراوغ الذي صدر في تلك الليلة أن «الأسد كان في القصر يؤدي واجباته الدستورية».

فرار الأسد فجّر غضباً بين من كانوا يعلنون الولاء له، وشهادات المقربين منه، تظهر أن الغضب انطلق من شعورهم بأنهم تعرضوا للخيانة، فبعضهم كان مستعداً للقتال أو على الأقل للانسحاب المنظم، لو واجههم بالحقيقة، لكن الأسد استخدمهم واجهة سياسية وأمنية لتغطية عملية فراره التي تركت خلفها فوضى واجهها المؤيدون له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

لم تكن أي جهة تتوقع سقوط الأسد السريع، لا الموساد ولا الاستخبارات الأميركية، لكن التفسيرات التي تلت انهيار نظامه أن داعمي الأسد، روسيا وإيران و«حزب الله»، تورطوا في صراعات أخرى مثل حرب أوكرانيا والمواجهة مع إسرائيل على التوالي، ولم يعودوا قادرين على حمايته. وكشف انشغالهم بملفات أخرى ما كان خفياً لسنوات؛ جيش منهك يحكمه الفساد، كما حدث مع النظام المدعوم من أميركا في أفغانستان، الذي سقط عام 2021، «كانت سلالة الأسد في مواجهة إعادة تشكيلات جيوسياسية أوسع في المنطقة والعالم، وبدا سقوطها حتمياً»، يقول التقرير.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان»

كان بشار الأسد، في ذروة المعارك وتدهور الوضع الميداني، منفصلاً إلى حد كبير عن الأحداث، ونقل مصدر سابق في «حزب الله»، أنه أمضى أوقات طويلة في ممارسة الألعاب على هاتفه المحمول، أبرزها لعبة «كاندي كراش».

في السابع من ديسمبر 2024، قبل يوم من انهيار النظام، عُقد اجتماع في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من المنطقة وخارجها، في محاولة أخيرة لمنع السقوط الكامل والدفع نحو انتقال سياسي تدريجي، إلا أن الجهود فشلت، بعدما تعذر التواصل مع الأسد، الذي أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش.

ونقلت «ذا أتلانتيك» شهادات عشرات من رجال البلاط والضباط في قصر تشرين دمشق، الذين قدّموا رواية مغايرة تعتبر أن سقوط النظام لم يكن حتمياً بفعل الجغرافيا السياسية وحدها، بل كان مرتبطاً بشخصية الأسد نفسه، إذ وصفوه بالمنفصل عن الواقع، والمهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وكان قادراً على إنقاذ نظامه قبل سنوات لو لم يكن عنيداً ومغروراً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في سوتشي 20 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأضاف تقرير الصحيفة أن عدة دول في المنطقة لم تكن تريد سقوط الأسد وقدمت له سابقاً شرايين إنقاذ، وأن وزراء خارجية اتصلوا به حتى في أيامه الأخيرة عارضين عليه الصفقات، لكنه لم يجب، وبدا أنه يتعامل مع أي طرح بوصفه إهانةً شخصية.

أما الإسرائيليون قد نظروا طويلاً إلى الأسد بوصفه «عدواً يمكن التعايش معه»، فهو شخص يردد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني، لكنه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين، ونقل عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله: «الجميع في المنطقة كان مرتاحاً لبقائه هناك، ضعيفاً، ولا يشكل تهديداً لأحد».

حتى الحلفاء الذين أنقذوه سابقاً من نهاية محتومة لم يسلموا من عنجهيته، بمن فيهم إيران، في حين اقتنعت روسيا بأنه عبء ولا يستحق الدفاع عنه.

ديبرا تايس أمام صورة لابنها أوستن في واشنطن 2023 الذي اختُطف أثناء تغطيته الأحداث بسوريا عام 2012 (رويترز)

وفي مثال على عناد الأسد، أوردت «ذا أتلانتيك» مثالاً لرفض الأسد حبل نجاة مُدَّ إليه من الأميركيين، مرتبط بالصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ 2012، إذ أوفدت واشنطن في 2020 روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان، واصطحبهما اللواء عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني آنذاك، إلى دمشق للقاء علي مملوك، أحد أعلى مسؤولي الأمن في النظام، وطرح الأميركيون ملف تايس غير أن ردّ مملوك بأن أي بحث يتطلب أولاً رفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من سوريا، وأبدت الحكومة الأميركية استعدادها لصفقة مقابل إثبات أن تايس حي. لكن الأسد رفض الاتفاق وقطع الحوار، ونقل عباس إبراهيم للصحيفة أن تبرير مملوك للرفض «لأن ترمب وصف الأسد» بالحيوان قبل سنوات.

ونقلت «ذا أتلانتيك» عن عباس إبراهيم أن الأميركيين كانوا سيغلقون الملف حتى لو كان تايس قد مات ما داموا عرفوا مصيره، وأن عباس إبراهيم قال إنه تلقى اتصالاً من مايك بومبيو أبدى فيه استعداده للسفر إلى سوريا بطائرة خاصة، وأن رفض الأسد يعد جنوناً.

وحاولت إدارة الرئيس جو بايدن عام 2023 تجديد العرض عبر وفد رفيع إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين، لكن الأسد تصرف، وفق رواية عباس إبراهيم، بأسلوب شبه مهين حين رفض إرسال مسؤول رفيع وأوفد بدلاً منه سفيراً سابقاً لم يُسمح له حتى بالحديث عن تايس.


مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
TT

مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)

قُتل خمسة أشخاص على الأقل، اليوم الأحد، بمدينة طرابلس في شمال لبنان إثر انهيار مبنى، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين، في ثاني حادثة من نوعها خلال أسبوعين.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بـ«سقوط مبنى قديم» في حي باب التبانة، أحد أفقر أحياء طرابلس، مؤكدة «إنقاذ 8 أشخاص» فيما «تم سحب 5 ضحايا، بينهم طفل وامرأة مسنّة».

وعملت السلطات على إخلاء المباني السكنية المجاورة «خوفاً من انهيارها».

وعرضت وسائل الإعلام المحلية صوراً لسكان وعمال إنقاذ يحاولون إزالة الأنقاض بعد الانهيار بمعدات متواضعة، وباستخدام أيديهم لإزاحة الركام.

وجاءت هذه الحادثة بعد انهيار مبنى آخر في طرابلس أواخر الشهر الماضي.

وأمر رئيس الجمهورية جوزيف عون أجهزة الإسعاف بـ«الاستنفار للمساعدة في عمليات الإنقاذ»، وتأمين مأوى لـ«سكان المبنى (المنهار) والمباني المجاورة التي أخليت تحسباً لأي طارئ»، وفق بيان للرئاسة.

وينتشر في لبنان العديد من المباني المأهولة بالسكان رغم أنها متداعية أو آيلة للسقوط.

وقد بُني العديد منها بشكل غير قانوني، لا سيما خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بينما أضاف بعض المالكين طوابق جديدة إلى مبانٍ سكنية قائمة دون الحصول على التراخيص اللازمة.

وسجلت انهيارات مبانٍ في طرابلس ومناطق أخرى في بلد لا يتم الالتزام فيه، في أحيان كثيرة، بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية المأهولة التي شُيِّد قسم منها عشوائياً منذ عقود على أراضٍ مشاع.

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي منذ أكثر من ست سنوات بات معه الكثير من سكانه تحت خط الفقر.

وانعكست تبعات الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة على قطاعات مختلفة بما في ذلك البناء، فيما تردى وضع الكثير من البنى التحتية.

وحثّت منظمة العفو الدولية عام 2024 السلطات اللبنانية على إجراء مسح ميداني شامل «على وجه السرعة لتقييم سلامة المباني في جميع أنحاء البلاد»، ونشر نتائجه.

وحذّرت المنظمة حينها خصوصاً من الوضع في طرابلس، كبرى مدن الشمال اللبناني، حيث يقطن «آلاف الأشخاص... في أبنية غير آمنة» عقب وقوع زلزال مدمر في تركيا وسوريا في فبراير (شباط) 2023، ألحق أضراراً بأبنية في لبنان.

وأضافت أنه «حتى قبل وقوع الزلازل، كان السكان في طرابلس قد دقوا ناقوس الخطر بشأن حالة مساكنهم المروّعة والناجمة عن عقود من الإهمال».


«الخارجية» الفلسطينية تدين قرارات إسرائيل وتؤكد عدم شرعيتها على الأراضي المحتلة

جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

«الخارجية» الفلسطينية تدين قرارات إسرائيل وتؤكد عدم شرعيتها على الأراضي المحتلة

جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

أكدت وزارة الخارجية الفلسطينية، اليوم (الأحد)، أنه «لا سيادة لإسرائيل على أي من مدن أو أراضي دولة فلسطين المحتلة»، مشددة على رفضها وإدانتها لقرارات الحكومة الإسرائيلية.

ونددت الوزارة، في بيان، بما وصفتها بـ«المحاولات الإسرائيلية المستميتة لفرض أمر واقع؛ من خلال الاستيطان الاستعماري وتغيير الواقع القانوني ومكانة الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس».

وأشارت «الخارجية» الفلسطينية إلى أن هذه القرارات بمثابة ضم فعلي للأراضي الفلسطينية، وهو ما يخالف رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وحثته على التدخل والضغط على إسرائيل للتراجع عن هذه القرارات التي تزعزع الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة.

وأفاد موقع «واي نت» الإخباري اليوم، بأن مجلس الوزراء الإسرائيلي أقر تغييرات جوهرية في إجراءات تسجيل الأراضي وحيازتها في الضفة الغربية، ما يسمح بهدم منازل يملكها فلسطينيون.

وأكد الموقع أن القرارات الجديدة ستتيح لإسرائيل هدم مبانٍ مملوكة لفلسطينيين في المنطقة (أ) بالضفة الغربية المحتلة، كما ستُحدث توسعاً كبيراً في عمليات الاستيطان بجميع أنحاء الضفة الغربية.

وأكد الموقع أن القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء الإسرائيلي تتناقض مع مبادئ «اتفاق الخليل» الموقع عام 1997، الذي كان الهدف منه أن يكون مرحلة مؤقتة نحو حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في الخليل، وهي المدينة الوحيدة التي لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي خلال الموجة الأولى من سحب القوات ضمن اتفاق أوسلو للسلام.