زيباري لـ«الشرق الأوسط»: سمعنا في طهران كلاماً صريحاً يفسر دور الميليشيات

قال إنه قلق على مستقبل العراق وإقليم كردستان... وعدَّ الطلاق بين بغداد وواشنطن صعباً جداً

TT

زيباري لـ«الشرق الأوسط»: سمعنا في طهران كلاماً صريحاً يفسر دور الميليشيات

الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني وزيباري مع وزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي خلال زيارة لطهران في 2003 (غيتي)
الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني وزيباري مع وزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي خلال زيارة لطهران في 2003 (غيتي)

استبعد هوشيار زيباري، وزير الخارجية العراقي السابق، انزلاق العلاقات العراقية - الأميركية نحو الطلاق نظراً إلى ما يمكن أن يرتبه ذلك من تبعات أمنية واقتصادية. وأعرب في الوقت نفسه عن قلقه بسبب التدخلات وسياسات الاستئثار ومشاعر التهميش ومحاولات تقويض إقليم كردستان الذي ولد استناداً إلى الدستور الحالي. ولأن زيباري كان حاضراً لدى ولادة نظام ما بعد صدام حسين وتولى حقيبة الخارجية على مدى 11 عاماً، حاورته «الشرق الأوسط» حول هذه الملفات، وهنا نص الحلقة الأولى:

* هل أنت قلق على مستقبل العراق؟

- نعم، أنا قِلق حقيقةً لأن العراق بعد سقوط نظام صدام حسين - مع الأسف الشديد رغم كل الجهود اللي بذلناها - لم يستقر، ولم يحظ بالأمن والاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي لكي ينهض من جديد بعد سنوات الحروب والمعارك مع الجيران ومع الداخل. أنا قلق حقيقة لأنه مع الأسف لم تتشكل لدينا حكومة جيدة، أي أن الحكم الرشيد لم يتحقق في هذا البلد. في بلد الرشيد.

* هل ما نشهده حالياً هو معركة طرد الجنود الأميركيين من العراق؟

- هي معركة صراع نفوذ بين قوة إقليمية هي الجمهورية الإسلامية تحديداً وأميركا على الأرض العراقية بسبب تداعيات الحرب في غزة واضطراب منطقة الشرق الأوسط. فمسألة الوجود الأميركي أصبحت القضية الشماعة لإنهاء وجودهم، في حين أنه ما زالت هناك حاجة لتواجدهم بسبب الأمن الإقليمي ككل، وليس أمن العراق.

كنت من المفاوضين الأساسيين في اتفاقية سحب القوات الأميركية واتفاقية الإطار الاستراتيجي، فعندي خلفية ودالة على هذا الموضوع. أصبح الموضوع مسيساً، ولو أنه لا تزال هناك حاجه أمنية عراقية لهم وأعدادهم قليلة. لكن أصبحت قضية سياسية.

10 فبراير (شباط) الجاري كان نقطة تحول في تقديري لأن البرلمان العراقي أراد أن يعقد جلسة بنصاب كامل لإقرار أو تمرير قرار بطردهم فوراً. لكن لم تكن هناك الاستجابة المطلوبة، لا من الكتل السنية العربية ولا الكتلة الكردية بأجمعها، ولا حتى من معظم الكتل الشيعية. يعني من أكثر من 230 نائباً، حضر فقط حوالي 75 نائباً، لذلك لم يحصل إجماع أو توافق أو نصاب، وأُجِّل الموضوع.

هذا الموضوع تنفيذي، وليس تشريعياً. يعني الحكومة هي التي تقرر. خروج أو بقاء القوات الأميركية موضوع له علاقة بالتزامات دولية عراقية والتزامات لها علاقة بالاقتصاد الوطني العراقي، لذلك لا يمكن النظر إلى هذا الموضوع بشكل أحادي. كثير من الدول في المنطقة عندها قواعد وتواجد عسكري أجنبي، ليس أميركياً فقط، بل أيضاً بريطاني وفرنسي. لكن هذا حصل بموافقة هذه الحكومات. هذه الحكومات لا تزال حكومات سيادية والعلاقة منظمة. نحن أيضاً في العراق لدينا تنظيم لهذه العلاقة. لكن الموضوع مسيّس بالدرجة الأولى.

صعوبة الطلاق مع أميركا

* هل يستطيع العراق حالياً احتمال الطلاق مع أميركا؟

- من الصعب جداً جداً حقيقة لارتباط العلاقة الأميركية بالعراق وبالمنطقة بقضايا دولية وإقليمية واقتصادية، فلذلك الطلاق والانفكاك من هذه العلاقة صعب. كل البلدان تحتاج إلى دعم. في اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي تفاوضنا حولها معهم، منحونا الكثير من الفرص والمجالات لدعم الاقتصاد والأمن والقدرات العراقية، لكن مع شديد الأسف، الحكومات العراقية المتتالية لم تستفد من هذه الفرصة المتاحة.

* كنت وزيراً للخارجية العراقية لمدة 11 سنة. أريد جواباً واضحاً، هل طلبت أميركا إنشاء قواعد عسكرية دائمة لها في العراق؟

- هذا النقاش كان موجوداً في الفترة الانتقالية بين إدارة جورج بوش الابن وإدارة باراك أوباما. ما هو مستقبل هذه القوات؟ كان التفكير أنه أدينا المهمة وأسقطنا النظام وأسسنا لنظام جديد ناشئ. ساعدنا البلد أن يكون لديه عقد اجتماعي هو الدستور، لذلك لندعهم يحلون مشاكلهم بينهم. لكن هناك حاجة بالنسبة لنا للإبقاء على تواجد محدود، فهذا كان أساس التفاوض. بدأنا المفاوضات في 2007 وأكملنا الاتفاقية لخروجهم في 2011 عندما جاءت إدارة أوباما.

أوباما بين قواته في قاعدة «فيكتوري» الأميركية ببغداد عام 2009 (غيتي)

في الوقت نفسه، وقعنا اتفاقية الإطار الاستراتيجي للصداقة والتعاون التنموي والاقتصادي مع الولايات المتحدة. كان هناك نقاش حاد بين القيادات العسكرية التي عملت في العراق، وغالبية قيادات الجيش الأميركي حالياً خدمت في العراق. لذلك كان لديهم خوف أو قلق أن الانسحاب المفاجئ وبهذه الطريقة وعدم إبقاء بعض القوات للمساعدة، سيهدد مصالح أميركا، بالنسبة للإرهاب أو للقوى الأخرى الطامعة في العراق. لكن أوباما قرر سحبهم ولم ينتبه إلى هذه النصيحة، وأنا حكيت معه حوالي 45 دقيقة.

* ماذا دار بينكما؟

- هو كان في حملته الانتخابية والعراق كان قضية أساسية في الانتخابات وقتها. كان جون ماكين هو المرشح الجمهوري. والعراق كان محط اهتمام بارز بالنسبة إلى المعسكرين. اتصل بي (أوباما) بالهاتف، وكان في رحلة انتخابية لإحدى الولايات. رسالتي له كانت أننا نعتقد أن العراق لم يتعاف بالكامل، يعني ليس بلداً اعتيادياً أو طبيعياً. هناك تهديدات إرهابية وتهديدات أمنية. لذلك لا نشجعك أن تتسرع في سحب القوات بشكل كامل. نحتاج إلى هذه المساعدة ومساعدتكم في تدريب وتأهيل قواتنا العسكرية. هو أخذ الموضوع بمعنى أنه: لا، أنا جئت لأخلص أميركا من الحروب الخارجية. في أفغانستان والعراق. نريد أن نركز على الوضع الداخلي. كانت هناك أزمة مالية في السوق العالمية.

أيضاً في تلك الفترة رأى السيد نوري المالكي رئيس الوزراء أن الانسحاب أصبح حقيقة. وبدأ يتبلور لديه التوجه لمزيد من الهيمنة والسيطرة والابتعاد عن روح الدستور والديمقراطية والحريات، تجاه السنة والأكراد والرواتب واستهداف قيادات سنية في وقتها. هذا أدى إلى شعور كبير بالتهميش من المجتمع السني. كانت الحرب الأهلية في سوريا قائمة وبدأ «داعش» ينمو داخل الأراضي السورية، ثم انتقل إلى العراق.

بعدما كانت الحكومة تدعي بأن لديها قوات كافية ومدربة لا تحتاج إلى مساعدة أجنبية، رأينا أن هذا الجيش وهذه الفرق وهذا التسليح الأميركي الممتاز انهار خلال أيام عندما احتل «داعش» الموصل وتوجه إلى كركوك وصلاح الدين، وكان على أبواب سامراء وبغداد مهددة. حقيقة هذا الجيش ذاب في صحاري العراق.

آنذاك وقعت المهمة عليّ أيضاً حين كنت وزيراً للخارجية. كنت وزيراً صاحب قرار، ولست مجرد فاترينة (واجهة) محل. حين استشعرنا أن هناك تهديداً حقيقياً للحكومة وللبلد، وافقنا مع الأميركيين على تبادل مذكرات لطلب المساعدة لأن هذا الخطر داهم وغير متوقع. ولا تزال هناك تحقيقات حول كيف صارت الدعوة آنذاك حين عادوا في 2014 وساعدونا. ساعدوا أربيل عاصمة إقليم كردستان التي كانت مهددةً من «داعش». سامراء كانت مهددة.

الأميركيون بتواجدهم، وبعدها بتشكل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب من العديد من الدول وصلت إلى أكثر من 60 دولة في قرارات أممية ومؤتمرات، أساس وجودهم هو الذي اتفقنا عليه. طبيعي أي إلغاء لهذا التفاهم - حتى أزيدك من الشعر بيتاً - يحتاج موافقة الطرفين ويحتاج إلى فترة زمنية وإشعار للطرف الآخر بمدة لا تقل عن سنة. في أميركا هذه السنة انتخابية، وصعب جداً على أي رئيس أن يتخذ قراراً كهذا والمنطقة مشتعلة ولا نعرف أين تتجه الأمور. في تقديري لا يستطيع العراق الطلاق في هذه العلاقة.

رواية إيران لصناعة الوكلاء

* هل هناك دقة في القول إن الحروب الموازية التي انطلقت بعد «طوفان الأقصى» في البحر الأحمر والعراق وسوريا ولبنان أكدت أن هذا الجزء من العالم العربي صار قراره إيرانياً؟

- إيران مؤثرة جداً في إقليمنا من اليمن إلى غزة إلى لبنان إلى سوريا إلى العراق. ولا ينكرون هذا. أعلنوا عن محور المقاومة منذ سنين. وأنا كانت لدي نقاشات مع الراحل (قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني) الجنرال قاسم سليماني الذي استهدفته القوات الأميركية في مطار بغداد في 2020، ومع علي لاريجاني الذي كان رئيس البرلمان الإيراني، ومستشار الإمام الخامنئي وزير الخارجية الأسبق علي أكبر ولايتي في 2007-2008.

الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد مستقبلاً زيباري في طهران أبريل 2007 (غيتي)

كنا في زيارات مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى طهران ونتناقش معهم، فأحد طلباتهم كان أنه «أنتم يا أكراد ويا شيعة تخلصتم من الديكتاتورية، فالمفروض ألا تثقوا بالاستكبار العالمي وبالأميركيين. مفروض أنتم أيضاً تصيرون جزءاً من محور المقاومة».

* كلام من كان هذا؟

- هذا كلام القياديين الثلاثة الذين ذكرت أسماءهم معي شخصياً. فجوابي كان أنه نحن لا نحتاج أن ندخل محور المقاومة وصراعات جديدة وحروباً أخرى. نحن تعبنا من الحروب ومن المغامرات وعندنا فرصة لبناء بلدنا ونريد منكم أن تساعدونا في هذا المجال. أنتم تريدون أن نصبح مقاومة على من حررونا. هذا شيء غير منطقي ولا أتصور أن أحداً سيقبل بهذا الاتجاه.

لكن الفرصة جاءت بعد تمدد «داعش». وصارت دعوة السيد الإمام السيستاني للدفاع عن العراق ضد «داعش» والجهاد الكفائي فرصة لتشكيل قوات «الحشد الشعبي». طبيعي كثير من النوايا ومن تطوعوا كانوا جادين وحقيقيين في هذا الموضوع. لكن (الإيرانيين) تدخلوا وشكلوا ميليشيات تابعة لهم واستفادوا من هذا الغطاء الديني والحكومي. حالياً «الحشد الشعبي» أصبح واقعاً وقوة موازية للجيش، وربما أقوى في تسليحه وفي إمكانياته.

قصة محور المقاومة نحن ناقشناها معهم مطولاً، (وكانوا يقولون لنا) أولاً إن نظام الجمهورية الإسلامية مهدد من الاستكبار العالمي ومن الصهيونية العالمية، لذلك نحتاج إلى أن نحمي نظامنا ونقاتل خصومنا وأعداءنا خارج بلدنا، ونشكل قوات غير نظامية. كان هذا أحد طروحات قاسم سليماني، أنه ربما لا نقدر على دخول حروب تقليدية مع دول كبيرة بالتكنولوجيا وبقدراتها، لكن في الحروب غير التقليدية ممكن أن نهزمهم بالاعتماد على قوات محلية نحن ندربها ونهيئها. وهذا هو ما يحدث في المنطقة.

إيران موجودة وهذه القوى التابعة لها أو القريبة منها فعالة. معظمها منظمات خارج الدولة. وطبيعي أن هناك آراء مختلفة حول كيفية التعامل مع هذا. قسم يقول: يجب أن نترك هذه الميليشيات ونتصدى للرأس، وهذا طرح الإسرائيليين. ونظرية أخرى ترى ضرورة تحجيم هذه المجموعات المحلية التي تؤذينا وتقوم بالاعتداء على حكوماتها الوطنية. فهذا الجدل موجود.

لدي قراءة مفادها أنه كما غيرت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 السياسة الدولية بضرب البرجين في أميركا، أعتقد أن ما أحدثه «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ربما يغير قواعد اللعبة والسياسة في منطقة الشرق الأوسط لأن ما حصل كان مختلفاً كلية عن كل الأحداث والمواجهات السابقة إطلاقاً. لذلك كنت من المتوقعين أنه هذه الحرب ستتوسع وتتمدد، ولن تبقى في غزة أو في الضفة الغربية فقط. وفعلاً هذا ما حصل، من البحر الأحمر وباب المندب إلى غزة إلى جنوب لبنان إلى الجولان إلى القائم إلى شمال شرق سوريا. تقريباً ممكن وضعها في نفس الإطار.

تهديد سليماني للرئيس العراقي

* هل يحمل النظام العراقي بعد صدام حسين بصمات قاسم سليماني؟

- هو كان مؤثراً، حقيقة. كان مؤثراً. أذكر حادثة مع (رئيس الوزراء اللبناني الراحل) المرحوم الشهيد رفيق الحريري. ذكرها لي في أكثر من مناسبة، وكان ينصحني حقيقة أنه «ديروا بالكم» (انتبهوا) النظام السوري عنده أجندة في العراق والنظام الإيراني عنده أجندة في العراق. لكن الأجندتين مختلفتان. ربما تلتقيان في الهدف النهائي لمشاكسة الأميركيين. لكن فعلاً هذه نصيحة ظهرت صحيحة. بعد سنين رأيناها. نفوذ الإيرانيين تمدد وتوسع أكثر بالتأكيد، ودخل مفاصل مالية واقتصادية وأمنية وحكومية وبرلمانية، وعلى مستوى القضاء. عندهم نفوذ لا أحد يستطيع أن ينكره.

حين كنت أتعامل معهم كنت أقول لهم تعاملوا معنا كما نحن كدولة تحترمونها. تعالوا من الباب تعرفون كيف، ونحن مستعدون أن نتعاون معكم. عندنا حدود مشتركة 1400 كيلو متر، وثقافة ودين وتاريخ. كل شيء عندنا. لكن أهم شيء أنه لا بد من أن تحترموا أن هؤلاء، حلفاءكم وأصدقاءكم، يريدون بناء بلد مختلف عن عراق صدام. هذا الموضوع كان النقطة الأولى والأخيرة في اتصالاتنا معهم.

على كلٍ، تغيرت الأمور كلية بعد 2014. لذلك لم يشهد العراق استقراراً سياسياً أو أمنياً أو مجتمعياً. أخطاء داخلية من القيادات العراقية. لا نلوم الأميركيين أو الإيرانيين أو تركيا أو دولاً أخرى. لا بد من تشخيص هذه الأخطاء الداخلية العراقية من القيادات التي كانت لديها فرص للانفلات من هذا الماضي، لكن لم تنجح.

* هل فكر الجيش الأميركي في اغتيال قاسم سليماني أثناء فترة احتلال العراق؟

- هناك أسرار كثيرة هنا حقيقة. لكن هو كان يتردد على بغداد والإقليم ومحافظات أخرى. وهو شخص عملياتي، يعني منظر استراتيجي لكن عملياتي ميداني وجريء. في الفترة الأخيرة، زياراته كُشفت وصار عنده مكاتب ومستشارون ودوام تقريباً في المنطقة الخضراء. يعني أصبحت شبه علنية. أتصور نُبه أنه أنت لست بعيداً عن الاستهداف. وصار ما صار. هذا الموضوع (قتل سليماني) كان نتاج متابعة دقيقة وليس يوم حدوثه. أتصور كانت هناك متابعة دقيقة لكل نشاطاته وتحركاته. وصلته رسائل أن وضعك غير آمن.

* هل كان أسلوب قاسم سليماني يحمل رسائل تهديد؟

- هو كان دبلوماسياً حقيقةً في طبيعته، لكن بالنسبة إلى الأهداف التي يريد تحقيقها لا يتنازل. استخدم التهديد مع الرئيس السابق مام جلال (جلال طالباني).

الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني وزيباري مع وزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي خلال زيارة لطهران في 2003 (غيتي)

* متى؟

- استخدم التهديد في رسالة مكتوبة عندما كانت هناك جهود ومحاولات من الأكراد والسنة وبعض قيادات الشيعة لسحب الثقة من رئيس الوزراء السيد نوري المالكي بعد التمادي ومحاولة التسلط والهيمنة والابتعاد عن المشتركات التي اتفقنا عليها. آنذاك كان تدخله (سليماني) حاسماً جداً في منع حصول ذلك.

مستقبل إقليم كردستان العراق

* هل أنت قلق على إقليم كردستان العراق؟

- نعم. قلق وقلق جداً على مستقبل إقليم كردستان الذي بُني بأنهار من الدماء والتضحيات والمقاومة وبالسياسة الواقعية والدبلوماسية. التهديد الأكبر على الإقليم حالياً هو من القرارات التعسفية للمحكمة الاتحادية العراقية مع الأسف الشديد. أساس الإقليم والاعتراف به ككيان دستوري هو الدستور الذي حدد الاختصاصات الحصرية للحكومة الفيدرالية وللإقليم.

هناك هجمة حقيقةً من كل النواحي. أمنياً، نرى من يهدد الإقليم بالمسيرات والصواريخ، ومصالح الإقليم الاقتصادية والمصافي وحركة الطيران التجاري والشركات الأجنبية لتقويض اقتصاد الإقليم. أيضاً مسألة تصدير النفط المتوقف، من إيقاف تصدير نفط الإقليم خسر العراق 7 مليارات دولار، كان يفترض أن تذهب إلى خزينة الدولة، وجزء منها حصة الإقليم.

أيضاً يتدخلون على كل المستويات، من مسألة الانتخابات وحقوق الإقليم الدستورية وحصة الإقليم من الموازنة العامة للبلد. السبب أن الإقليم ربما لديه استقلالية في اتخاذ القرار وفي المشاركة في بعض القرارات، لكن عنده استقلالية يعني إذا لم يعجبنا شيء نقول لا وعندنا الشجاعة. ربما هذا التوجه لا يرضي الآخرين الذين اعتادوا «نعم سيدي» في كل شيء يؤمرون به.

أيضاً، طبيعي أن الإقليم عنده مشاكل، ولا أخفي عليك حتى أكون واقعياً وصريحاً. دائماً الإقليم كان قوياً حين كانت القوى الكردية موحدة أو تتبنى خطاباً واحداً أو موقفاً واحداً. حالياً عندنا في القضايا الاستراتيجية وحدة عمل وتفكير، لكن هناك قضايا داخلية غير محلولة.

الهدف الأساسي للإقليم الذي نسعى من أجله هو إعادة شرعنة مؤسسات الإقليم بإجراء انتخابات برلمانية إقليمية جديدة. كان المفروض في فبراير (شباط)، وحالياً أجلت إلى مايو (أيار). لا نعرف إلى متى ستبقى هذه الانتخابات أسيرة لقرارات المحكمة الاتحادية لتعطيل هذه الشرعية. نحن نعمل في سبيل إجراء هذه الانتخابات في أسرع وقت ممكن.

* من يعاقب الإقليم؟ هل هي القوى التي سلمت ذات يوم بوجود الإقليم لإزاحة صدام ثم تراجعت حين صارت في السلطة؟

- أساساً هي هذه القوى. وربما بإيحاءات خارجية إقليمية. واضح جداً لأن هذه هي القيادات نفسها التي كنا نحميها ونحتضنها في زمن المعارضة. حقيقة بعدما صاروا في السلطة يشعرون بأنهم ليسوا بحاجة إلى مشاركة الآخرين الذين ساعدوهم. هذه النظرة موجودة ولن تؤدي إلى استقرار العراق. نظرة أن البلد صار لنا والحكومة لنا ولا نحتاج الآخرين أثبتت فشلها، في تجربة صدام حسين ومن قبله. العراق لا ينجح إلا بتوافق وطني واحترام مكوناته. وأن يشعر كل طرف بأنه جزء من هذه الحالة.

* تقول إن المحكمة الاتحادية سلاح. بيد من؟

- المجموعة نفسها التي فكرت أنها لا تحتاج الآخرين، وممكن نسيس أو نستخدم هذه المحكمة كسلاح ضد خصومنا وأعدائنا. هناك كلام طويل وعريض عن دستورية هذه المحكمة أساساً. تسأل أكبر خبراء في القانون الدستوري فيقولون إن هذه المحكمة شكلت لأغراض ونوايا معينة. حالياً الهيمنة من قبل الأطراف المسلحة وبعض الفصائل التي بيدها القوة والسلاح، وعندها من جانب آخر القضاء والمحكمة الاتحادية. يتحكمون في كثير من الأمور والمسائل. أرجع إلى سؤالك الأول: نعم، نحن قلقون على مستقبل الإقليم ومستقبل العراق أيضاً.

* هل يكون الكلام دقيقاً إذا قلنا إن العراق يتجه مجدداً إلى أزمة مكونات؟ المحكمة الاتحادية أزاحت رئيس البرلمان محمد الحلبوسي وأخرجتك من السباقات الانتخابية؟ هل هناك مشكلة في علاقات الفصائل الشيعية بالمكونين السني والكردي؟

- هناك مشاكل حقيقةً. لا أخفيك. وهناك حوارات أيضاً جادة وحقيقية. من الذي وراء قصف أربيل أو مطار أربيل أو مصالحنا في السليمانية وبعض منشآتنا الحيوية؟

* قالوا إنهم قصفوا «الموساد»...

- هذا كذب وافتراء. حتى المسؤولون العراقيون الذين زاروا الموقع حين وقع هذا الهجوم الصاروخي الباليستي على رجل أعمال مع عائلته مع أطفاله وقتلت طفلة عمرها أقل من سنة (رأوا) أن هذا كذب فظيع. «الموساد» موجود في كثير من الدول ويعمل بسرية وبطرقه الخاصة ولا يحتاج إلى يافطات وعناوين يقعد ويخطط. «الموساد» موجود ويضرب فيهم في قلب طهران، وموجود في كثير من العواصم الأخرى.

هذه هي المرة الثانية التي يكررون فيها هذا الافتراء الفاضح جداً الذي ليس له أي أساس. طلبنا منهم وقلنا لهم أنتم لديكم في أربيل قنصلية كبيرة ونتواصل معكم وبيننا زيارات مشتركة ونحن طرف في لجنة أمنية مع الحكومة العراقية معكم، وهذا الاتفاق الأمني يؤكد أنه إذا شعر طرف بوجود تهديد فيجب أن يبلغ الطرف الآخر. كل هذا لم يفعلوه.

هذه كانت رسالة. قصف أربيل كان رسالة لإظهار قوتهم في إصابة الأهداف عن بعد. في يوم ضربوا ثلاث دول: باكستان، والعراق في أربيل، وسوريا في إدلب، حتى يرسلوا هذه الرسالة إلى أميركا وإسرائيل أن «عندنا قوة ردع إذا تجرأتم علينا».

* الصواريخ التي أصابت أربيل انطلقت من الأراضي الإيرانية؟

- نعم. واعترفوا بها. اعترف بها «الحرس الثوري» الإيراني وأصدر بياناً رسمياً أعلن المسؤولية عنها.

مبنى متضرر جراء الهجوم الصاروخي الإيراني على أربيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)

* كيف سيعيش الإقليم وكل جيرانه يخافون منه أو يقلقهم على الأقل؟ يعني تركيا لا تريده وسوريا لا تريده وإيران لا تريده، وإذا بغداد رفضته؟

- في 1991 واجهنا هذا التحدي كقيادات شاركت في هذا الإقليم ومتابعته. كان تحدياً كبيراً حين أرادت قيادة «الجبهة الكردستانية» في 1992 إجراء انتخابات داخل العراق في الإقليم، اجتمعت دول الجوار سوريا وتركيا وإيران لمحاصرة وخنق هذا الإقليم. حتى أميركا أقرب حلفائنا وأصدقائنا لم تكن مؤيدة لفكرة الانتخابات. لكن للمرة الأولى اتخذت القيادة الكردية قراراً سليماً وشجاعاً بالسير باتجاه الانتخابات واتفقنا على نتائج الانتخابات وقمنا بتأسيس مؤسسات الإقليم.

آنذاك، نقلنا نفس الفكرة للإيرانيين والأتراك والسوريين: نحن لسنا تهديداً. نحن يمكن أن نكون عامل مساعدة واستقرار، ولن نفعل شيئاً ضد مصالحكم الأمنية القومية العليا على الإطلاق. وأثبتت التجربة طوال سنوات عمل مؤسسات الإقليم أننا عملنا على تهدئة مخاوف دول الجوار الأمنية. الإقليم دستوري منذ 2005 حين صار تصويت شعب العراق كله، وأصبح لهذا الإقليم أساس قانوني ودستوري معترف به في العراق.

* هل وجدتم صعوبة مثلاً في إقناع الرئيس بشار الأسد بالإقليم؟

- حاولت. أنا تحاورت مع سيادة الرئيس أكثر من مرة حول هذا الموضوع. لكنهم (السوريون) لم يكونوا مقتنعين إطلاقاً بهذا الشيء. فكرة الدولة الاتحادية أو الفيدرالية يرونها مرحلة أولى لتقسيم الأوطان، ولم يخفوا ذلك إطلاقاً. لذلك في اللقاءات أو النقاشات لم يكونوا مؤيدين لها.

* هل لديك شعور بأن هذه الخرائط تنتهي دائماً بمعاقبه أكرادها؟

- نرجع إلى القصف الصاروخي الإيراني الأخير على أربيل. قلت لك الرسالة. لكن الجمهورية الإسلامية ربما لا تستطيع أن تواجه دولاً كبرى مثل أميركا، وحتى إسرائيل تتجنبها وتحاربها بوسائل أخرى وطرق أخرى. لكن في سبيل إظهار قوتها عند شعبها وتنفيذ وعودها بأنها ستنتقم مما حصل من هجوم إرهابي في كرمان واستهداف قيادات من «الحرس الثوري» في دمشق، وقيادات في «حزب الله» و«حماس» في بيروت وجنوب لبنان، جاء الانتقام عندنا، لأن عندهم تصوراً خاطئاً من خلال نظرية المؤامرة الكونية أن الإقليم هو إسرائيل الثانية. وانطلاقاً من ذلك يعاقبوننا.

«لا يستهين أحد بأميركا»

* إذا تصاعدت هذه العمليات، هل تعتقد أن أميركا مستعده للدفاع عن الإقليم؟

- الأميركيون عندهم تواجد في الإقليم كما في بغداد وفي الأنبار. إذا تلاحظ، الفصائل المسلحة دائماً تستهدف أربيل وحرير وقاعدة عين الأسد في الأنبار. لماذا لا يأتي أحد على ذكر قاعدة «فيكتوري» في مطار بغداد، وهي أكبر قاعدة؟ يظهر أن لديهم مصالح في الحركة والطيران وقضايا تهريب الأموال. لا يريدون مشاكل.

الأميركيون دائماً يؤكدون أنهم موجودون بموافقة من الحكومة العراقية. وهذا صحيح وشرحت لك الخلفية. بالنسبة لهم: إذا أصيب أي من مصالحنا أو استهدفت قنصليتنا الأكبر ربما في العالم أو منشآتنا الموجودة في مطار أربيل، فآنذاك نحن سنرد بقوة. وبعد مقتل ثلاثة جنود في قاعدة «تاور 22» في شمال شرق الأردن وهي امتداد لقاعدة التنف، كان الرد الأميركي دقيقاً جداً واستهدفوا القيادات المسؤولة عن هذا العمل.

هذا الردع خفف من الهجمات. إذا لاحظت، منذ فترة خفت الهجمات، سواء في شمال شرق سوريا أو على عين الأسد أو أربيل، لأنهم رأوا الحديد حاراً. أميركا عندها قدرات وإمكانيات هائلة، لكن لا يستخف أحد بالإدارات وبالقيادات الأميركية. يعني نفس هذه القيادات الأميركية التي كان معظم الناس يائسين منها، هم أنفسهم من تدخلوا ومنعوا «داعش» من اكتساح أربيل أو بغداد، من نائب الرئيس (آنذاك) جو بايدن إلى القيادات الأخرى الموجودة، من لويد أوستن وجيك سوليفان. نفس الأشخاص. لا أحد يستهين بهم. هذه دولة مؤسسات ومصالح واستراتيجيات.


مقالات ذات صلة

قاليباف يحث بغداد على التحرر الاقتصادي من واشنطن

شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (يمين) خلال إحياء ذكرى مرور 40 يوماً على دفن المرشد علي خامنئي في كربلاء وسط العراق 20 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

قاليباف يحث بغداد على التحرر الاقتصادي من واشنطن

حثّ رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الجمعة، بغداد على خفض الاعتماد على الدولار لرسم ما وصفها «خريطة طريق دقيقة» للتعاون الاقتصادي بين البلدين.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف باكياً في النجف العراقية يوم الجمعة عند قبر أبو مهدي المهندس الذي قُتل إلى جانب قاسم سليماني في غارة أميركية في يناير 2020 (رويترز)

بغداد تتراجع ضمنياً عن موعد حصر السلاح

أظهرت الحكومة العراقية، الجمعة، شيئاً من التراجع عن موعد «حصر السلاح بيد الدولة» المقرر سلفاً في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية إيرانيتان تمران قرب صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي الذي قُتل في الضربات الأميركية - الإسرائيلية في 28 فبراير وأعلام إيرانية وسط طهران - 20 أغسطس 2026 (أ.ب)

تهديد ترمب يضع شبكة تجارة إيران تحت الضغط

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن «حرب اقتصادية» وعزل إيران على نطاق غير مسبوق، محذراً أي دولة توفر لطهران منفذاً مالياً أو تجارياً من عواقب اقتصادية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على شبكة تنقل أموالاً إلى «حزب الله»

أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات على 10 أفراد يشكلون جزءاً من شبكة مسؤولة عن تحويل الأموال إلى «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرات أميركية من طراز «إم في - 22 بي أوسبري» تقلع من سطح السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس بوكسر» في أثناء عبورها بحر العرب ومشاركتها في تنفيذ الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

طهران تراهن على التصعيد لكسر الجمود التفاوضي

بعد نحو ستة أشهر من الحرب، تبدو طهران أقل استعداداً لانتظار تسوية مع واشنطن وأكثر ميلاً إلى رفع كلفة استمرار المواجهة، عبر مضيق هرمز والتهديد بعمليات هجومية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كاتس: كلام براك «حافل بالمغالطات»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

كاتس: كلام براك «حافل بالمغالطات»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)

ندّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم (السبت)، بتصريحات السفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، المكلّف أيضاً الملف السوري في واشنطن، بعدما انتقد ضربة إسرائيلية استهدفت«مطار أبو الظهور» قرب الحدود التركية.

وكتب كاتس على منصة «إكس»، أن إسرائيل نقلت «معلومات استخباراتية إلى الجهات الأميركية المخوّلة» قبل الضربة، معتبراً أن تصريحات باراك «حافلة بالمغالطات والمواقف التي تتعارض مع موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه بشأن هضبة الجولان».

وبعيد الضربة، كتب باراك على منصة «إكس» أن الولايات المتحدة «قلقة للغاية» كون الضربات تُشكل «تصعيداً غير ضروري».

وردّ كاتس أيضاً، على انتقادات داخلية للقصف على سوريا، خصوصاً من بعض قادة المعارضة. واعتبر أن «محاولة بعض المعارضين وبعض وسائل الإعلام تسييس العملية في سوريا تنبع من مزيج من جهل، وعدم فهم للمصالح الأمنية الإسرائيلية، ورغبة دائمة في مهاجمة الحكومة، وهذا الأمر يستحق كل إدانة».


المخاوف من انفجار الضفة الغربية تسيطر على التقييمات الإسرائيلية

مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)
مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)
TT

المخاوف من انفجار الضفة الغربية تسيطر على التقييمات الإسرائيلية

مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)
مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)

حذَّرت قيادة الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي في إسرائيل من أن الوضع في الضفة الغربية على وشك انفجار عنيف؛ حيث تستمر هجمات المستوطنين والبؤر الاستيطانية غير القانونية في الانتشار في جميع أنحاء المنطقة.

وأكد مسؤولون أمنيون لوسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش غاضب؛ لأنه متروك وحيداً في مواجهة عنف المستوطنين في الضفة، من دون أي تدخل من المستوى السياسي أو الأجهزة الأمنية الأخرى. وقد أوصى مراراً المستوى السياسي بالتدخل لكنه قوبل بالتجاهل.

وقال مسؤول عسكري كبير لـ«القناة 12» الإسرائيلية، إن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزماً لوقف العنف. وأعرب عن أسفه لأن بعض المسؤولين الحكوميين يدعمون المستوطنين المتطرفين. وأضاف: «هناك جماعة هنا تسعى للفوضى. إن الدعم المقدَّم من بعض القيادات المحلية وبعض الجهات الحكومية يُصعِّب عملية تطبيق القانون. من غير الواضح ما إذا كان هناك من يرغب في تطبيق القانون أصلاً. يشعر القادة الميدانيون بالعزلة في هذه الحملة».

مركبتان يستخدمهما المستوطنون في قرية قصرة بالضفة الغربية حيث يحاصرون منازل فلسطينيين يوم 18 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وحذَّر الجيش من أنه مع هذا الوضع فالضفة على وشك الانفجار.

وأبلغ قادة الجيش المستوى السياسي بأن الفلسطينيين العاديين قد يبدأون التحرك، إذا استمر عنف المستوطنين دون رادع.

وحسب صحيفة «يسرائيل هيوم»، قدَّم الجيش الإسرائيلي تحذيرات حول الضفة الغربية عندما التقى قادته بوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، الأسبوع الماضي، وقالوا له إن الوضع في الضفة الغربية يوشك على الاشتعال.

وقالت الصحيفة إن الجيش قدَّم تفاصيل حول إرهاب المستوطنين في الضفة، بما في ذلك عدد الاعتداءات على الفلسطينيين، وعلى الجيش نفسه، محذراً من فقدان السيطرة.

وقال قادة الجيش لكاتس إن هجمات المستوطنين عامل مركزي في التصعيد، وقد تُخرج الفلسطينيين من حالة اللامبالاة نحو التحريض والمبادرة التي ستكون لها تكلفة كبيرة.

وطالب الجيش بموقف من المستوى السياسي ضد هجمات المستوطنين في الضفة وليس دعمهم، إلى جانب ضرورة تنفيذ عملية تشمل بقية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، من أجل السيطرة على المستوطنين وكبح جماح التصعيد المتوقع.

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو يوم 18 أغسطس 2026 (رويترز)

وأكدت هيئة البث الإسرائيلية (كان) أن الجيش غير راضٍ عن تركه وحيداً.

ونقلت «كان» عن مصادر دفاعية انتقادات حادة، إزاء ما وصفته بترك الجيش وحيداً في مواجهة المستوطنين في الضفة الغربية.

وقالت المصادر إن الجنود يضطرون إلى التعامل مع الأحداث ميدانياً، في ظل غياب إنفاذ حازم من جانب الشرطة وسائر أجهزة الدولة، وفي بعض الحالات من دون امتلاك الأدوات الملائمة ولا الحصول على الدعم الكافي.

وأضافت المصادر أن هذه الأحداث تقع أمام أنظار المجتمع الدولي، وتتسبب في أضرار سياسية كبيرة لإسرائيل، فضلاً عن استنزاف قوات الجيش المنتشرة في المنطقة، وتحويلها عن مهامها الأساسية.

وترى المصادر أن التعامل مع المخالفات التي يرتكبها مستوطنون يجب أن يكون من مسؤولية أجهزة إنفاذ القانون المدنية، لا أن يتحول الجنود إلى الجهة الرئيسية التي تتعامل معهم في الميدان.

معدات ثقيلة محترقة في محجر فلسطيني بعد هجمات شنَّها مستوطنون قرب رام الله بالضفة الغربية (أرشيفية- رويترز)

وصعَّد المستوطنون هجماتهم في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، وراحت هذه الهجمات تأخذ منذ بداية الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 منحى دموياً. وتشمل تنفيذ هجمات واسعة شبه يومية على مناطق في الضفة، شملت المناطق تحت سيطرة السلطة الفلسطينية مثل «أ» و«ب»، وخلالها تم قتل فلسطينيين، وإحراق منازل ودور عبادة ومساجد، وتخريب ممتلكات ومركبات وأراضٍ، وقتل ماشية وسرقة أخرى، والاستيلاء على أراضٍ ومنازل.

وبينما يحاصر مستوطنون منذ نحو أسبوعين 3 منازل في قصرة القريبة من نابلس، يشن آخرون بشكل شبه يومي هجمات، وقد قتلوا الجمعة الفتى كريم شلالدة، البالغ من العمر 17 عاماً، خلال مواجهات اندلعت في بلدة سعير.

وحسب بيانات رسمية صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 سجلت «أعلى حصيلة سنوية للشهداء الفلسطينيين جرَّاء اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، منذ بدء رصد البيانات في عام 2019».

وأكدت الهيئة «استشهاد 25 فلسطينياً منذ مطلع العام الجاري وحتى 21 أغسطس، ما يعكس تصاعداً خطيراً وغير مسبوق في وتيرة العنف الممارَس من قبل المجموعات الاستيطانية في مختلف محافظات الضفة الغربية».

وأوضحت التقارير أن هذه الحصيلة الدموية تجاوزت إجمالي عدد الشهداء الذين ارتقوا برصاص المستوطنين خلال عام 2025 كله، بنسبة وصلت إلى 79 في المائة.

مستوطنون وجنود إسرائيليون في الضفة الغربية (أرشيفية- أ.ف.ب)

وحسب البيانات التراكمية، فقد بلغ عدد الفلسطينيين الذين سقطوا جرَّاء هذه الاعتداءات منذ مطلع عام 2019 وحتى أغسطس الجاري نحو 87 قتيلاً، منهم 61 قُتلوا منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، ما يشير إلى استغلال المستوطنين الظروف الراهنة لتكثيف هجماتهم.

ويخشى الجيش الإسرائيلي تحديداً من أن عنف المستوطنين هذا سيجعل الفلسطينيين يفقدون صبرهم، على الرغم من أنهم يُظهرون نشاطاً متوقعاً في الضفة منذ بداية الحرب.

ومع غياب أفق سياسي وضغوط اقتصادية قادت إلى تراجع جودة الحياة في الضفة، يحذِّر الجيش من أن الإرهاب الذي يقوده المستوطنون ويعتبره الفلسطينيون جزءاً من حرب دينية لطردهم، قد يغير الواقع.

ومن ضمن السيناريوهات التي يخشاها الجيش أن كل هذا الضغط السياسي والاقتصادي والأمني على السلطة الفلسطينية والفلسطينيين، قد يؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية.

وقال موقع «واللا» الإخباري، إن قائد فرقة الضفة الغربية، العميد كوبي هيلر، أجرى مؤخراً تدريباً واسع النطاق بمشاركة الشرطة وقوات حرس الحدود ومنظمات الإنقاذ، استعداداً لسيناريو كارثي يتمثل في انهيار السلطة الفلسطينية، أو محاولات من قبل حشود فلسطينية لاقتحام مستوطنات. وقال الموقع إن المناورة ليست سوى غيض من فيض، في وقت ينتقل فيه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى فصل جديد، بثقل استراتيجي مختلف تماماً عما عرفناه: واقع سياسي وأمني ومدني مختلف تماماً.


دمشق تدين استهداف إسرائيل سيارة سورية وتحذر «من تداعيات الاعتداءات المتكررة»

بقايا قذيفة إسرائيلية تظهر في بلدة «بيت جن» بعد عملية عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
بقايا قذيفة إسرائيلية تظهر في بلدة «بيت جن» بعد عملية عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

دمشق تدين استهداف إسرائيل سيارة سورية وتحذر «من تداعيات الاعتداءات المتكررة»

بقايا قذيفة إسرائيلية تظهر في بلدة «بيت جن» بعد عملية عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
بقايا قذيفة إسرائيلية تظهر في بلدة «بيت جن» بعد عملية عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أدانت سوريا «بأشد العبارات»، السبت، استهداف مسيّرة إسرائيلية ‏سيارة مدنية على طريق مزرعة «بيت جن» في ريف دمشق ‌‏الغربي، ما أدى إلى وقوع عدة إصابات في صفوف المدنيين.‏

وأكدت وزارة الخارجية والمغتربين، في بيان لها، أن «هذا الاعتداء ‌‏يشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الجمهورية العربية ‏السورية وسلامة أراضيها، وخرقاً سافراً للقانون الدولي، وأنه يأتي في سياق الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ‌‏على الأراضي ‏السورية.‏ وإذ تحمّل الجمهورية العربية السورية الاحتلال ‌‏الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه ‏الاعتداءات المتكررة، فإنها ‌‏تؤكد أن استمرارها من شأنه زيادة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، وتهديد ‌‏أمن وسلامة المدنيين».‏

توغل إسرائيلي جديد في حوض اليرموك جنوب سوريا (أرشيفية - متداولة)

وطالبت الوزارة «المجتمع الدولي ومجلس الأمن بتحمل ‌‏مسؤولياتهما القانونية والسياسية، والعمل على وقف هذه الاعتداءات ‏ووضع ‌‏حد للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية».‏

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن المستهدف كان يتبع «الفرقة الرابعة» في الجيش السوري السابق، التي كان يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضحت أن «مسيرة إسرائيلية واصلت التحليق على مدار اليومين الماضيين في أجواء المنطقة، إلى أن استهدفت عمار حمادة، أثناء قيادته سيارة شاحنة صغيرة (سوزوكي) في منطقة الكوع المخفي على الطريق الواصل بين مزرعة بيت جن وبلدة بيت جن على السفح الشرقي لجبل الشيخ بريف العاصمة السورية الغربي».

وأكدت المصادر أن عمار، البالغ من العمر 30 عاماً، وهو من أهالي مزرعة بيت جن، أصيب بجروح في يده اليمنى وساقة اليمنى من جراء الاستهداف، وقد تم نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، في حين اختفى طفل يعتقد أنه ابنه، كان رفقته في السيارة، مرجحة أن يكون الطفل فر من المكان بسبب حالة خوف أصيب بها من جراء الضربة.

الشاحنة المستهدفة على طريق «بيت جن» (متداولة)

وأشارت قناة «الإخبارية» السورية إلى أن قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف)، تفقدت موقع الاستهداف واستمعت إلى شهادات الأهالي.

وكانت دورية للجيش الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، باتجاه «تلة باط الوردة» بمحيط بلدة بيت جن حسب ما ذكرت حينها قناة «الإخبارية». وقبل ذلك، أدى توغل إسرائيلي في بلدة بيت جن في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إلى اندلاع اشتباكات عنيفة مع سكان محليين، أسفرت عن مقتل 13 شخصاً من أبناء البلدة وإصابة 24 آخرين.

ويأتي استهداف السبت، بعد يوم من توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة «جباتا الخشب» بريف القنيطرة الشمالي، إذ اعتقلت مواطنين ونفذت عمليات دهم وتفتيش لعدد من المنازل خلال ساعات الفجر، وكذلك في قرية «البصالي» في ريف القنيطرة الجنوبي، حيث فتشت أحد منازل الأهالي في القرية قبل أن تنسحب من المنطقة.

وتواصل القوات الإسرائيلية منذ اليوم الأول لإسقاط نظام الأسد، خروقاتها لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، من خلال توغلات متكررة في ريفي محافظتي القنيطرة ودرعا وإقامة حواجز مؤقتة فيها، لتفتيش المدنيين والسيارات، إضافة إلى تنفيذ عمليات دهم للمنازل واعتقال عدد من السكان، وتجريف الأراضي، وتثبيت 11 قاعدة ونقطة عسكرية متقدمة فيها، فضلاً عن قيامها بعمليات قصف مدفعي وبالمسيّرات بين فترة وأخرى.

قوات إسرائيلية في قرية «بيت جن» بريف دمشق (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)

وتعدّت عمليات التوغل الإسرائيلية المنطقة العازلة في الجانب السوري، المحاذية لخط فك الاشتباك، وطالت بلدات وقرى خارجها، ووصلت إلى بلدات وقرى في ريف دمشق الغربي تقع على سفح جبل الشيخ.