الهوى كجناس ناقص بين الهواء والهاوية

يتقمص رقة النسيم حيناً وعتو العواصف حيناً آخر

نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
TT

الهوى كجناس ناقص بين الهواء والهاوية

نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
نصب الحب في قرطبة مجسداً ابن زيدون وولادة بنت المستكفي

إذا كان لكل لغة من لغات العالم الحية ما تمتاز به عن سواها من اللغات، على مستويات الدلالة والبنية النحوية والإيقاعية والقدرة على التطور، فإن ما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات، هو غناها المفرط بالمرادفات، إضافة بالطبع إلى جرسها الخاص وثرائها الصرفي والبلاغي. إذ قلما نجد بين لغات الأرض من تُفرد عشرات الأسماء للجمل أو الأسد أو السيف أو الصحراء أو الحب، كما هو الحال مع لغة الضاد. ومع ذلك فإن تبحُّراً عميقاً في معاني الكلمات ودلالاتها، يوصلنا إلى الاستنتاج بأن هذا الغنى المعجمي لا يندرج برمته في خانة الحشو وفائض الإنشاء والترف التعبيري البحت، بل ثمة في بعض الحالات رفعٌ للنعوت والصفات إلى رتبة الأسماء. وفي حالات أخرى تتجه التسميات من التعميم إلى التخصيص؛ حيث للمدلول رتبه وسلّمه ودرجاته، كما هو حال الحب الذي تتراوح تسمياته بين العشق والهوى والصبابة والكلَف والولع والجوى والوله والوجد والهيام وغير ذلك، تبعاً للمراحل التي يقطعها المحبون على الطريق الشائك للعشق والافتتان بالآخر.

وأغلب الظن أن ما أصابته هذه المفردة من الشيوع، لا يعود إلى خفتها البالغة فحسب، بل إلى ما تحمله في الوقت ذاته من مضامين ودلالات. وبالعودة إلى «لسان العرب»، نلاحظ أن المعجم العربي الأشهر لا يشير إلى فارقٍ يُذكر بين الألِفين الممدودة والمقصورة، بل يربط الفعل الثلاثي «هوى» بنظيره المكتوب بالألف الممدودة، أي بالهواء. فكل فارغٍ في «لسان العرب» هواء، والهواء والخواء واحد في المعنى. وقد يأتي الهواء بمعنى الخفة والطيش وانحراف السوية. فالقرآن الكريم يصف الضالين من البشر بأن «أفئدتهم هواء»، أي جانحة وطائشة وخالية من التعقل، فيما يستلهم أحمد شوقي العبارة القرآنية نفسها في معرض الإشارة الملطفة إلى تبدل مشاعر النساء وتقلبهن العاطفي، فيقول:

فاتقوا الله في قلوب العذارى

فالعذارى قلوبهنّ هواءُ

ومن معاني الهوى الانقضاض والحركة السريعة، فيقال: «هوت العقاب وتهوي هويّاً»، إذا انقضت على صيدٍ أو غيره، بحيث يصبح الحب من بعض زواياه هواءً وقبض ريح، ويصبح من زوايا أخرى انقضاضاً على قلب العاشق وإدماءً لقلبه بمخالب العاطفة الكاسرة التي مشى إلى نعيمها برجليه، قبل أن تميط اللثام عن مواجعها اللاحقة. كما يرتبط الهوى بالهوّة والهاوية، باعتباره سبباً للسقوط السريع وصولاً إلى القاع الأخير للمأساة. وإذا كانت الأصوات والألفاظ، هي في الكثير من وجوهها صدى للمعاني وواحدة من تجلياتها، فإن حروف الهوى الثلاثة تترافق في نطقها مع حركة الزفير؛ حيث الهاء الخارجة من المصدر العميق للأنفاس تتحول إلى تنهيدة مشوبة بالأسى، فيما يتماهى الواو والألف مع صيغة النداء المتصلة بحرقة الفقدان. هكذا تصبح اللفظة تفريغاً لجسد العاشق من الطاقة المختزنة في داخله، وصولاً إلى هلاكه المحتوم، ما لم يمكنه حضور المعشوق ووصاله من التقاط أنفاسه من جديد.

ومع أن الشعوب القديمة كانت تجد في عنصري الماء والهواء نوعاً من التكامل الطبيعي مع مبدأ الحب؛ حيث يعمل الأول على الخطين المتصلين بخصوبة الأرض ونطفة الخلق، فيما يعمل الثاني على رفد الكائنات بأسباب البقاء، والمحبين بأسباب الحنين، فلا بد من ملاحظة أن الفارق الأهم بين العنصرين يتمثل في البعد العمودي للأول، والأفقي للثاني. فإذ ينزل الأول من الأعلى إلى الأسفل، محققاً معادلة الرجل السماء والمرأة الأرض، يبدو في إطاره التأويلي متناغماً مع الترجمة الجسدية للحب الصريح، فيما الهبوب الأفقي للثاني يجعله وثيق الصلة بالحب العذري، ويحوله في ضوء المسافة الفاصلة بين العاشقين، إلى حاملٍ للّقاح الذي تحتاجه العلاقة لكي تؤتي ثمارها، أو إلى ناقل إلزامي لرسائل الوله العاطفي والرغبات المعطَّلة. ولن نُعدم في هذا المجال العثور في ثنايا الشعر العربي القديم على ما نحتاجه من الشواهد، وبينها قول جميل بن معمر:

أيا ريح الشمال ألم تريني

أهيمُ، وإنني بادي النحولِ

هَبيني نسمة من ريح بَثْنٍ

ومُنّي بالهبوب على جميلِ

وقولي يا بثينة حسبُ نفسي

قليلكِ أو أقلّ من القليلِ

كما حاول الشعراء العشاق الذين انفصلوا عن حبيباتهم بالإكراه، أن يخففوا عن كواهلهم وطأة الفقد، عبر العثور على قواسم مشتركة تجمعهم بهن، كأن ينظر الطرفان إلى النجوم ذاتها، أو يواريهم الثرى إياه. وكذلك هو الحال مع الهواء والشمس، اللذين يلفان العاشقين المتباعدين بملاءة واحدة من الهواء والضوء؛ حيث يعلن قيس بن ذريح:

فإن تكُ لبنى قد أتى دون قربها

حجابٌ منيعٌ ما إليه سبيلُ

فإن نسيم الجو يجمع بيننا

ونبصر قَرن الشمس حين تزولُ

كما يتحول الهواء من بعض وجوهه إلى جزء من المشهد الطللي الذي يستعيد العشاق من خلاله صورة المنازل الدارسة، وصورة ساكنيها الذين تحولوا مثلها إلى أطلال. وعلى قاعدة التزامن أو الانعكاس الشرطي، كان عرب الجزيرة يتطلعون إلى مصادر الرياح بوصفها مسرح حيواتهم الاستعادي والخلفية الأمثل لتفتح صباباتهم، وبينها ريح الشمال ذات البرودة المنعشة، وريح الصَّبا التي تمتد «من مطلع الثريا وتتجه إلى بنات نعش»، ثم تصبو إلى جهة القِبلة؛ حيث تقع الكعبة المشرفة. ولأنها لم تكن بالنسبة لهم الريح الطيبة التي تلقح الأشجار والسحاب فحسب، بل التي تثير كوامن الشغف، فقد باتت «الصَّبا» المنادى الذي يستعين به الشعراء لاستعادة ما خسروه من حدائق الماضي وحرائقه العاطفية المؤنسة. وقد بدا ابن الدمينة وكأنه ينوب عنهم جميعاً في مناجاته الشهيرة:

ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتَ عن نجدِ

وقد زادني مسراكَ وجْداً على وجْدِ

ولم تقتصر مفاعيل النسيم على سكان الصحارى وشعراء المشرق الوالهين وحدهم، بل وجدت تلك المفاعيل أصداء لها في البيئة الأندلسية، رغم ما وفرته تلك البيئة للعشاق من مناخات الحرية والانفتاح والمتع الحسية، فضلاً عن جمال الطبيعة الخلاب. فالحب في مراحل تمكُّنه، يستطيع أن يفتك بقلوب المحبين، بصرف النظر عن طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية وحياتهم الزريّة أو المترفة، وهو ما عكسته بوضوح علاقة ولادة بنت المستكفي بابن زيدون. فحين بلغت العلاقة بينهما مآلاتها المحزنة، بسبب تفاقم الغيرة والشكوك المتبادلة، لم يجد الأخير ما يستعين به على آلام الفراق سوى الشعر، متوائماً في استعطافه الموجع للحبيبة النائية، بين اعتلال النسيم ووجيب قلبه المعتل:

واهاً لعطفكِ والزمان كأنما

صُبغتْ غضارتُهُ ببرد صباكِ

ولطالما اعتلّ النسيمُ فخلتُهُ

شكواي رقّتْ فاقتضتْ شكواك

وإذ يندلع الهواء في بعض الحالات من أعمق تجاويف الذاكرة، يتقمص سمات النسيم ورقّته وترجيعاته، ويغادر مسرحه المكاني ليصبح ارتداداً بالزمان إلى مرابع الحب ومراتع الصبا. وهو ما يجد تمثلاته الأبلغ في قول المتنبي:

وكيف التذاذي بالأصائل والضحى

إذا لم يَعُد ذاك النسيمُ الذي هبّا

ذكرتُ به وصْلاً كأنْ لم أفزْ بهِ

وعيشاً كأني كنت أقطعهُ وثبا

غير أن الهوى من جهة أخرى لا يأخذ شكل النسيم إلا في حالتين اثنتين، تتمثل أولاهما بصفو الزمان وخلوّ العلاقة بين العشاق من المنغصات، فيما تتصل ثانيتهما بالأشكال الوادعة من الفراق؛ حيث التموجات الناعمة للهواء المسافر في الزمن، ترفد العشاق المهجورين بأسباب الحنين والتذكر الشجي لمسرح الهناءة الأرضي. أما في الحالات الأخرى فقد يلبس الهوى لبوس العواصف أو الأعاصير، مطيحاً في طريقه بالعاشقين معاً أو بالطرف الأكثر تعلقاً بالآخر. وإذا كانت الباحثة الأميركية لورا موتشا قد شبهت نزاعات العشاق بالعاصفة الرعدية التي لا بد من حدوثها لتنقية العلاقة من الشوائب، فإن الأمور لا تسير دائماً على هذا النحو، فحين يضيق الخناق على العلاقة لأسباب شتى، لا يبقى للطرفين سوى الترنح المأساوي على «جسر البِلى»، وفق تعبير أبي فراس الحمداني، أو السقوط في هاوية الموت كما حدث لأدونيس وأوريديس في الأسطورة اليونانية؛ حيث كان على أورفيوس وعشتروت أن يهبطا إلى العالم السفلي، لكي يعيداهما ولو بشكل مؤقت إلى الحياة.

من معاني الهوى الانقضاض والحركة السريعة، فيقال: «هوت العقاب وتهوي هويّاً» إذا انقضت على صيدٍ أو غيره، بحيث يصبح الحب من بعض زواياه هواءً وقبض ريح

وإذا كان الغرب في عصوره الحديثة قد شهد الكثير من عواصف الحب التي أوقفت العشاق على شفير الهُوى المتربصة، ودفعت آخرين إلى جوفها الفاغر، فقد تكون المغامرة العاطفية التي عاشها كل من نيتشه وريلكه مع الشابة الروسية لو سالومي، ذات الجمال والذكاء المفرطين، هي النموذج الأكثر دلالة على سطوة الحب، وعلى نتائجه المدمرة والخلاقة في آن. فنيتشه الذي قابلت سالومي افتتانه بها برفضها الزواج منه، غير آبهة بعبقريته الفذة، لم يلبث أن وقع في الهاوية نفسها التي حذر منها غيره من العشاق، بقوله «لا تحدق طويلاً في الهاوية حتى لا تلتفت إليك». أما ريلكه الباحث عن وجه للحقيقة مستحيل المنال، الذي ناشد من يحبونه بمن فيهم سالومي نفسها، ألا يُفسدوا عليه وحدته، فقد كتب، وهو المتناهب أبداً بين عاصفتي الحب والكتابة:

أشعر ببعض الأعاصير وكأنها ولدٌ لي

أتعرفني أيها الهواء؟

يا من ستحلّ مكاني ذات يوم

ويا من ستكون لي وعاءً وحاضراً زلِقاً

وديواناً للأشعار


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».