الأزمة الاقتصادية في مصر قد تشهد انفراجة خلال مارس

خفض الجنيه قد يتزامن مع شهر رمضان

رجل يقف على باب مكتب صرافة يضع الدولار بحجم كبير على واجهته بوسط القاهرة (رويترز)
رجل يقف على باب مكتب صرافة يضع الدولار بحجم كبير على واجهته بوسط القاهرة (رويترز)
TT

الأزمة الاقتصادية في مصر قد تشهد انفراجة خلال مارس

رجل يقف على باب مكتب صرافة يضع الدولار بحجم كبير على واجهته بوسط القاهرة (رويترز)
رجل يقف على باب مكتب صرافة يضع الدولار بحجم كبير على واجهته بوسط القاهرة (رويترز)

«أنا متفائل بالإجراءات التي تتخذها الحكومة المصرية حالياً لحل الأزمة الاقتصادية... وأعتقد أنها سوف تنجح في توحيد سعر الصرف الرسمي مع السوق الموازية قريباً...».

هذا ما قاله رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار، حسين شكري، مبدياً تفاؤله بمستقبل الاقتصاد المصري رغم تحديات الوضع الحالي.

يمر الاقتصاد المصري حالياً بمرحلة غاية في الدقة، لا يستطيع المرء أن يتخذ فيها قراراً مصيرياً بسبب الضبابية التي تكتنفه، بينما ينتظر الجميع إجابات من الحكومة، أو بالأحرى تحركات، قد تجيب على كافة الأسئلة التي تدور في ذهن العامة والخبراء والمستثمرين.

لخصت «الشرق الأوسط» هذه التساؤلات التي تحيط بالاقتصاد المصري حالياً في محورين؛ الأول هل تنجح الإدارة المصرية في توحيد سعر صرف الجنيه في السوقين الرسمية والموازية، تمهيدا للخفض التدريجي ومن ثم انفراجة اقتصادية؟ أم أن الاقتصاد المصري وصل لطريق مسدود؟

قال شكري في رده على «الشرق الأوسط»، إن جميع التحركات تشير إلى أن الإدارة المصرية تتحرك في جميع الجوانب للسيطرة على هذه الأزمة، و«هناك مؤشرات تدل على نجاحها...».

وأفصحت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في مقابلة مع قناة «الشرق بلومبرغ»، الأحد، عن أن الزيادة المرتقبة على الدعم المرتقب إلى مصر ستكون ذات «حجم كبير».

تحتاج مصر إلى نحو 25 - 30 مليار دولار خلال العام الحالي حتى تسد الفجوة الدولارية المطلوبة، وسط شح حاد في العملة الأميركية ومصادرها التي آخرها فقدان قناة السويس، وهي مصدر رئيسي للعملة الصعبة، نحو 41 في المائة من إيراداتها منذ بداية العام الحالي على أساس سنوي.

وأشار شكري إلى «اتفاق وشيك مع الصندوق...»، ضمن مؤشرات النجاح، وهو «ما قد يضمن حصيلة دولارية أخرى من الشركاء الثنائيين، مثل دول الخليج، بالتزامن مع برنامج الحكومة للتخارج من بعض الشركات، مما قد يزيد الحصيلة الدولارية لدى البنك المركزي...»... الأمر الذي عدّه شكري «انفراجة قريبة في أزمة الدولار».

كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد أشار في عدة تصريحات إلى معضلة أزمة الدولار في بلاده، كان آخرها في عيد الشرطة الماضي حين قال: «لو حليت أزمة الدولار فيكي يا مصر، ولا يهمني أي حاجة تانية، والأزمة دي إيجابيتها حاجة واحدة بس وهي: فرض الحل علينا». متعهدا: «لازم نحل مسألة الدولار بشكل... نهائي».

«تبلغ تكلفة استيراد السلع الأساسية في الشهر مليار دولار، وتكلفة واردات الوقود مليار دولار شهرياً، إضافة إلى مليار دولار أخرى للغاز اللازم لتشغيل محطات الكهرباء» وفقاً لتصريحات الرئيس.

وفي الوقت الذي تستمر فيه مفاوضات الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي، حول تقدم المفاوضات «بشكل ممتاز»، وسبل زيادة قيمة القرض من 3 مليارات دولار إلى نحو 10 - 12 مليار دولار، وافق مجلس الوزراء المصري، الأسبوع قبل الماضي، على مشروع قرار بشأن ترشيد الإنفاق الاستثماري بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. كما وافق على مشروع قرار بإلغاء الإعفاءات من الضرائب والرسوم المقررة لجهات الدولة في الأنشطة الاستثمارية والاقتصادية.

مؤشر الجنيه

سجلت العقود الآجلة للجنيه عند إغلاق يوم الجمعة الماضي 59.5 جنيه للدولار بنسبة تراجع 1.5 في المائة مقارنة بإغلاق يوم الخميس.

والعقود الآجلة، غير ملزمة التسليم، هي عقد بين طرفين يقوم على توقع كل طرف لسعر صرف الجنيه أمام الدولار بعد عام من الوقت الحالي.

وبينما يظل السعر الرسمي للجنيه أمام الدولار عند نحو 30.93 دولار، وفقاً لسعر الصرف المعلن على موقع البنك المركزي المصري، وذلك بعد 3 عمليات خفض منذ مارس (آذار) 2022. فإنه يتداول حول 60 جنيهاً في السوق الموازية حالياً، وفقا لـ«غروبات» العملة الأميركية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن البنك المركزي المصري اقترب من الانتهاء من تطوير مؤشر الجنيه بالتزامن مع مفاوضات صندوق النقد الدولي. وتوقعت المصادر، التي رفضت الإفصاح عن هويتها، أن «يتم الإعلان عن المؤشر الجديد، الذي سيتم فيه تعديل نسب أوزان كافة العملات الرئيسية المدرجة في سلة عملات صندوق النقد الدولي، وليس الدولار فقط، بالتزامن مع إعلان نجاح المفاوضات مع صندوق النقد والزيادة المتوقعة...».

وتتكون سلة العملات الرئيسية من: الدولار واليورو والجنيه الإسترليني واليوان الصيني والين الياباني والفرنك السويسري.

وقالت المصادر: «هناك دراسة حالية لتطوير مؤشر الجنيه... شارفت على الانتهاء، من شأنها أن تفيد وضع الجنيه. وتدريجيا سنصل إلى قيمته العادلة...».

ترى الخبيرة المصرفية سهر الدماطي أن البنك المركزي سيطور مؤشر الجنيه حتى يقيس قيمة الجنيه أمام العملات الأخرى، حسب الوزن النسبي لكل عملة مع مصر، مع مراعاة حجم التبادل التجاري.

وعن القيمة العادلة للجنيه في المؤشر الجديد التي تتوقعها، أشارت الدماطي لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «النظام الجديد أو المؤشر الجديد سيوضح وقتها طريقة احتساب الوزن النسبي للعملات أمام الجنيه، والذي على أساسه تستطيع التوقع».

كان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد أعلن في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 عن تصميم مؤشر جديد للعملة المحلية الجنيه المصري، ليعبر عن سعر العملة الحقيقي وربطه بعملات أجنبية أخرى بخلاف الدولار. وكان يهدف في الأساس إلى «إلغاء الارتباط التاريخي بين الجنيه المصري والدولار الأميركي»، حتى يتم إلغاء الاعتماد التدريجي على عملة واحدة في تقييم الجنيه المصري.

وفي الوقت الذي استبعد فيه البنك الأميركي «غولدمان ساكس» خفض الجنيه حالياً، أشارت مصادر مطلعة إلى أن «توقيت خفض العملة قد يتزامن مع الأسبوع الأول من شهر رمضان». تفاديا لارتفاعات كبيرة في الأسعار.

أمام هذه المعطيات، تراجعت تكلفة التأمين على الديون السيادية لمصر، التي تعرف بـ«عقود مبادلة التخلف عن السداد» لأدنى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023. مما يعزز من فرص مصر التوجه نحو أسواق الدين الدولية.

وبلغت تكلفة التأمين على الديون السيادية أجل عام 5.33 في المائة مقابل 7.56 في المائة في 6 فبراير (شباط) الماضي، و10 في المائة في 26 يناير الماضي. فيما بلغت تكلفة التأمين أجل 5 أعوام 9.81 في المائة مقابل 10.93 في المائة في 6 فبراير، و12.94 في المائة في 26 يناير الماضي.

إلى ذلك، قال رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار، حسين شكري، «لا أتوقع تعويماً كاملاً (للجنيه)... إنما خفض تدريجي...»، مشيرا إلى أنه بمجرد تسريب خبر عن صفقة مصرية - إماراتية للتعاون في مشروع كبير في رأس الحكمة، تراجع الدولار أمام الجنيه في السوق الموازية من 70 إلى نحو 55 جنيها، وذلك رغم عدم الإعلان الرسمي من الحكومة.

وقال شكري في هذا الصدد: «بمجرد الإعلان رسميا من قبل الحكومة عن تفاصيل الصفقة، قد يتراجع الدولار في السوق الموازية بنسب أكبر... فضلا عن تفاصيل الإعلان عن برنامج الحكومة للتخارج من بعض الشركات الحكومية الكبيرة...»، ما يوضح أن «الاقتصاد المصري لم يصل لطريق مسدود». وختم قائلا: «هتفرج... بعد كل أزمة هناك انفراجة...».


مقالات ذات صلة

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

شمال افريقيا معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

يحاول السائق المصري سامي لطفي (40 عاماً) على مدار الساعة، أن يصل إلى زميله وشريكه الموجود حالياً في السودان، لنقل شحنة تجارية، دون فائدة.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)

مصر تثبت أسعار الوقود رغم ارتفاع النفط عالمياً

قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» في مصر تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها الربع سنوي، الذي عقدته يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل مصنع إنتاج أجهزة جوال (مجلس الوزراء)

تقلبات الأسواق المصرية تُربك قرارات الشراء وتثير مخاوف القطاع الخاص

تراقب سارة خالد (31 عاماً)، باهتمام حركة الأسعار في السوق، تمهيداً لشراء أجهزة كهربائية قبل زواجها بداية العام المقبل، وسط تذبذب في سعر الدولار مقابل الجنيه.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)

تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

قدّم نائب برلماني مصري طلب إحاطة عاجل إلى الحكومة، الأربعاء، لمساءلتها عن أسباب التراجع في مؤشر «مدركات الفساد» العالمي.

رحاب عليوة (القاهرة)
تحليل إخباري جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري «الدهّابة» على الحدود المصرية ـ السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول) في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب هناك

محمد محمود (القاهرة)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.