رفض مصري متكرر لنقل معبر رفح وسط «تصعيد» إسرائيلي

أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى «ناصر» في خان يونس (إ.ب.أ)
أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى «ناصر» في خان يونس (إ.ب.أ)
TT

رفض مصري متكرر لنقل معبر رفح وسط «تصعيد» إسرائيلي

أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى «ناصر» في خان يونس (إ.ب.أ)
أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى «ناصر» في خان يونس (إ.ب.أ)

تحولت منطقة الحدود المصرية مع قطاع غزة، وخصوصاً عند معبر رفح البري، إلى بؤرة تنشط حولها أحاديث متصاعدة إنسانياً وأمنياً، فعلى الجانب الإنساني تحولت المنطقة إلى «قِبلة» لوفود وشخصيات سياسية، إقليمية ودولية، تسعى إلى إدخال المساعدات بكميات أكبر ووتيرة أسرع إلى سكان القطاع الذي يعاني «كارثة إنسانية» وفق تقارير أممية.

وعلى الصعيد الأمني، تسعى إسرائيل إلى تحويل المنطقة إلى «بؤرة توتر» جديدة، تارة عبر الزعم بأنها تحوي أنفاقاً لتهريب الأسلحة إلى داخل القطاع، وأخرى بالإصرار على فرض «سيطرة أمنية» على محور صلاح الدين (فيلادلفيا) المحاذي للحدود المصرية، رغم الرفض القوي الذي أبدته القاهرة للمسعى الإسرائيلي.

ونفت القاهرة تقارير إسرائيلية زعمت وجود رغبة لدى حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو «في نقل موقع معبر رفح ليكون قريباً من معبر كرم أبو سالم»، إذ نقل تلفزيون «القاهرة الإخبارية»، الثلاثاء، عن مصدر مصري وصفه بالمسؤول نفيه تقارير إعلامية إسرائيلية عن خطة تدرسها تل أبيب، أو مباحثات بين مصر وأميركا وإسرائيل لنقل معبر رفح في مثلث الحدود، ليصبح معبر كرم أبو سالم المعبر البديل.

وكانت «القناة 13» في هيئة البث الإسرائيلية قد ذكرت، قبل يومين، أن هناك رغبة لدى حكومة نتنياهو «في نقل موقع معبر رفح ليكون قريباً من معبر كرم أبو سالم»، ومن ثم تستعيد إسرائيل سيطرتها الأمنية على المعبر، والتي كانت قد تخلت عنها عام 2005 بموجب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

وقالت القناة إن إسرائيل تبحث حالياً مع مصر إمكانية نقل معبر رفح إلى منطقة معبر كرم أبو سالم المخصص للنقل التجاري، اعتقاداً بأن هذا الأمر سيتفادى حدوث نزاع بين إسرائيل ومصر حول قضية المعبر ومحور فيلادلفيا، بينما ستتمكن إسرائيل من إجراء تفتيش أمني وفرض رقابة على حركة المرور من المعبر الذي تسيطر عليه حالياً حركة «حماس».

الرفض المصري للتقارير الإسرائيلية لم يكن الأول من نوعه، فقد بات أمراً متكرراً في ظل إصرار إسرائيل على وضع المنطقة الحدودية، وتحديداً منطقة معبر رفح، في سياق التصعيد بالمنطقة؛ إذ سبق أن نفى مصدر أمني رفيع المستوى في مصر الأسبوع الماضي، وجود أي ترتيبات أمنية جديدة بشأن محور صلاح الدين (فيلادلفيا).

وفي وقت سابق، حذر رئيس «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر، ضياء رشوان، من أن إعادة احتلال «محور فيلادلفيا» سيؤدي إلى «تهديد خطير وجدِّي للعلاقات المصرية – الإسرائيلية»، معتبراً ذلك «خطاً أحمر يضاف إلى الخط المعلن سابقاً بخصوص تهجير الفلسطينيين من غزة»، وشدد على أن مصر قادرة على الدفاع عن مصالحها والسيادة على أرضها وحدودها، ولن ترهنها في أيدي مجموعة من القادة الإسرائيليين المتطرفين، ممن يسعون لجر المنطقة إلى حالة من الصراع وعدم الاستقرار.

لكن تلك التصريحات لم تكن كافية لإقناع القيادات الإسرائيلية بالتراجع عن مساعي التصعيد؛ سواء على مستوى التصريحات أو فيما يتعلق بالتحركات الميدانية؛ إذ أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، الخميس الماضي، خلال اجتماع مع جنود شاركوا في العمليات العسكرية في خان يونس، أن القوات الإسرائيلية ستصل إلى مدينة رفح «للقضاء على نشطاء حركة (حماس) هناك».

مبانٍ مدمرة بشمال غزة بعد قصف إسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

هذه المواقف يراها المستشار بمركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة المصرية، الدكتور خالد فهمي: «محاولة إسرائيلية للضغط على مصر، كي تتراجع عن دعمها للفلسطينيين في قطاع غزة، بعدما تحول معبر رفح إلى الرئة التي تبقي القطاع على قيد الحياة، في ظل كل محاولات الحصار والتجويع والقتل العشوائي التي تمارسها قوات الاحتلال». وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن التصريحات الإسرائيلية المتكررة تسعى إلى «استفزاز مصر»، فضلاً عن ترويج «دعاية زائفة» بشأن عدم دخول المساعدات، والتي تجسدت خلال نظر دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، إلا أنه أشار إلى أن تلك التصريحات «تكشف حجم الارتباك في الداخل الإسرائيلي»، ومساعي قيادات الحكومة في تل أبيب إلى تأجيج الصراع والأزمات في المنطقة، مؤكداً أن تمسك مصر بضبط النفس والهدوء في الرد على الاستفزازات الإسرائيلية «يزيد من ذلك الارتباك الإسرائيلي».

وانسحبت إسرائيل من تلك المنطقة في عام 2005، بموجب خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، أريئيل شارون، التي غادرت بها القوات الإسرائيلية كل قطاع غزة، وتم تفكيك المستوطنات في القطاع. ووقَّعت إسرائيل مع مصر في ذلك العام «اتفاق فيلادلفيا»، بوصفه ملحقاً لاتفاقية السلام؛ إلا أنها تتحدث منذ بداية عملياتها العسكرية الحالية في غزة عن ضرورة إقامة مناطق عازلة بالقطاع، ومن بينها منطقة على الحدود مع مصر.

الدخان يتصاعد فوق خان يونس خلال قصف إسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، ذكرت صحيفة «إسرائيل هيوم» الإسرائيلية، أن «التهديد المصري لتل أبيب بلغ تعليق اتفاقية السلام بحال أصرت إسرائيل على موقفها في احتلال (محور فيلادلفيا) المحاذي للحدود المصرية». وقالت مصادر للصحيفة العبرية، إن السلطات المصرية تصر على التأكيد على موقفها الرافض للمس بمحور صلاح الدين، فضلاً عن الموقف المصري الرسمي من نزوح سكان غزة إلى سيناء، بوصفه خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

ويتركز حالياً نحو 1.4 مليون من سكان قطاع غزة البالغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة في رفح، ويُخشى من أن تؤدي عملية إسرائيلية في المدينة إلى هروب جماعي إلى سيناء.

وأوصت وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية، جيلا غامليل، في ورقة رسمية نشرتها، بإخراج الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وصدرت في الأسابيع الأخيرة عدة تصريحات مماثلة لوزراء وأعضاء في «الكنيست»، وعلى رأسهم وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي كرر الأمر نفسه في عدة مناسبات. وقال أمين عام المبادرة الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إسرائيل «تحاول إغلاق معبر رفح الذي من المفترض أنه تحت السيطرة المصرية والفلسطينية والإسرائيلية، ونقل الحركة إلى معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل بالكامل». وأوضح أن «معبر كرم أبو سالم هو معبر بين إسرائيل وغزة، باتجاه واحد، ومعبر رفح هو بين غزة ومصر في الاتجاهين»؛ مشيراً إلى أن هذه الخطوة «من الممكن أن تكون في إطار تنفيذ خطة طرد سكان قطاع غزة من خلال معبر أبو سالم» الحدودي أيضاً مع مصر.


مقالات ذات صلة

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

شمال افريقيا أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب) play-circle

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

تشكلت الأجهزة التنفيذية الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وبقيت «قوة الاستقرار الدولية» تحيطها الأسئلة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي عائلات بدوية فلسطينية تفكك خيامها في رأس عين العوجا استعداداً للمغادرة بسبب تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين (إ.ب.أ) play-circle

عائلات بدوية تُخلي مساكنها في الضفة هرباً من عنف المستوطنين

يقول سكان محليون وجماعات لحقوق الإنسان إن غور الأردن وهو منطقة قليلة السكان نسبياً تقع بالقرب من نهر الأردن تتعرض الآن لضغوط كثيرة من المستوطنين

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يدعو السيسي لـ«مجلس السلام» في غزة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى الانضمام لـ«مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي العلَم الإسرائيلي ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة 14 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

دعا الاتحاد الأوروبي حكومة إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة جديدة بالضفة الغربية، ووصف الخطوة بأنها «استفزاز خطير».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تشكلت الأجهزة التنفيذية الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة منتصف الشهر الحالي، وبقيت «قوة استقرار» القطاع الدولية يحيطها أسئلة عن أسباب تأخر إعلان المشاركين فيها.

تلك القوة التي كانت معنية بفرض السلام مع طرح خطة واشنطن في سبتمبر (أيلول) الماضي، تحولت إلى قوة لحفظ السلام، وتأخرت لثلاثة أسباب رئيسية، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تتمثل في «عدم حسم مشاركة الدول في تشكيلها مع تأخر التوافق حول قائدها، والفيتو الإسرائيلي على مشاركة قوات تركية أو قطرية في قوامها، وأنها ستدخل بعد انتشار القوات الشرطية الفلسطينية التي دربت بمصر والأردن الشهور الماضية، المعنية بنزع السلاح في القطاع بهدف منع الصدام الدولي بعد تفاهمات الوسطاء حول ذلك».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاء بالقاهرة، الأحد، مع نظيره اليوناني، جيورجوس جيرابيتريتيس، «أهمية نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وجاء هذا التأكيد الذي تكرر أخيراً، بعد يومين من إعلان البيت الأبيض، الجمعة، تشكيل أعضاء «مجلس السلام» واعتماد تشكيل «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» ضمن أربعة هياكل لإدارة المرحلة الانتقالية بالقطاع هي مجلس السلام، ومجلس غزة التنفيذي، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقوة الاستقرار الدولية. وتم تعيين جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية بغزة، دون الإعلان عن تشكيل الدول المشاركة.

ولم تقدم الدول الوسطاء، وتحديداً واشنطن، سبباً لذلك التأخر في إعلان تفاصيل الدول المشاركة، خصوصاً في ظل خلاف سابق بشأن مشاركة تركيا في قوات استقرار غزة التي تضع إسرائيل عليه محاذير وسط تقبل أميركي، وفقاً لما نقلته تقارير صحافية أميركية وإسرائيلية الأسابيع الأخيرة.

الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد سمير راغب، يرى أن هناك 3 أسباب رئيسية لتأخر إعلان الدول المشاركة، أولها «اختلاف على الدول المشاركة بالقوة وفيتو إسرائيلي على مشاركة تركيا وقطر، وعدم انتشار القوات الشرطة الفلسطينية المعنية بضبط الأمن بعد، وسبب رابع كان يتعلق بالخلاف حول قائدها، لكنه حسم الجمعة، باختيار جنرال أميركي».

وتوقع راغب، وهو رئيس «المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية»، أن تظهر أسماء المشاركين خلال يناير (كانون الثاني) الحالي، وفبراير (شباط) المقبل، على أن تبدأ على الأرض في مارس (آذار) المقبل.

خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة (أ.ف.ب)

أما المحلل العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، فقال إن «تأخير نشر القوات الدولية، يعود لفيتو إسرائيلي على مشاركة تركيا، وعدم نشر القوات الشرطية الفلسطينية، التي يفترض أن تمهد الأجواء لدخول القوات الدولية حتى لا تشتبك مع عناصر المقاومة بالداخل وفق التفاهمات التي جرت».

ويعتقد فرج أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقتنع بمشاركة تركيا في قوات الاستقرار باعتبار أنها تستضيف قيادات «حماس» حالياً ولها تأثير عليهم، وبالتالي سيضغط على إسرائيل لقبولها، ويعلن التشكيل الفترة المقبلة بعد نشر القوات الشرطية الفلسطينية.

وحسب بيان البيت الأبيض، فإن مهام القوة الدولية تتمثل في قيادة العمليات الأمنية ودعم نزع السلاح، وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار، ومساعدة مجلس السلام في مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتنفيذ العمليات اللازمة لتحقيق أهداف الخطة الشاملة، بتمويل من تبرعات الجهات المانحة.

ووفقاً لتلك المهام يرى راغب أن «القوة ستكون قوة استقرار قريبة من المعابر والطرق الحدودية داخل غزة بمحاذاة (محور فيلادلفيا) وعند (الخط الأصفر) التي تسيطر عليه إسرائيل لحين انسحاب قواتها»، مشيراً إلى أن «أي مهام لا يعوّل عليها أن تنجح طالما لم تكن هناك تفاهمات جادة وحقيقية بشأن نزع السلاح وأن يوكل أمر النزع تحديداً للشرطة الفلسطينية.

فيما يعتقد فرج أن القوات الشرطية الفلسطينية «قد تبدأ مهامها الأسبوعين المقبلين بعد حسم باقي ملفات لجنة إدارة قطاع غزة، وتسلمها مهامها من (حماس)، وبالتالي نقترب بعدها من بدء دخول القوات الدولية الشهرين المقبلين».


المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

وأعرب تورك عن «قلق بالغ» تجاه ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع... بما في ذلك تسليح المدنيين، وتجنيد الأطفال واستخدامهم».

وقال تورك إنه سمع روايات عن عمليات إعدام موجزة واسعة النطاق نفذتها «قوات الدعم السريع» في مدينة الفاشر عاصمة شمال ولاية دارفور، «بدافع الانتقام أو الاشتباه في انتمائهم للجيش وحلفائه في (القوة المشتركة)»، وذلك خلال زيارته إلى مخيمات النازحين في شمال السودان.

وعبّر تورك عن «قلق بالغ» إزاء الجرائم الفظيعة التي ارتكبت أثناء السيطرة على الفاشر وبعدها، محذراً من تكرارها في إقليم كردفان، الذي يشهد تصاعداً «غير مسبوق» في الصراع وبوتيرة متسارعة، تسبب في دمار واسع النطاق، وانهيار الخدمات الأساسية.

«أهوال وجحيم»

وشدد المسؤول الأممي في مؤتمر صحافي على أن السودانيين «مروا بأهوال وجحيم»، خصوصاً مع توسع المعارك في إقليم كردفان، قائلاً: «تشهد ولايات كردفان حالة من عدم الاستقرار الشديد مع استمرار العمليات العسكرية والقصف المدفعي الكثيف وقصف الطائرات المسيّرة... ما يُسبب دماراً واسع النطاق، وانهياراً للخدمات الأساسية».

ومنذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، وبعد سيطرتها على مدينة الفاشر في إقليم دارفور توسعت هجمات «قوات الدعم السريع» في إقليم كردفان المجاور لدارفور، ما أدَّى إلى «استمرار نزوح المدنيين... في سياق انعدام الأمن الغذائي الشديد مع تأكيد وجود المجاعة في كادوقلي واقتراب خطر المجاعة في مناطق أخرى منها الدلنج» في جنوب كردفان، حسب تورك. وأدت الهجمات في كردفان إلى نزوح أكثر من 65 ألف شخص، وفق أحدث بيانات الأمم المتحدة.

وقال تورك في مؤتمره الصحافي بمطار مدينة بورتسودان في ختام زيارته للبلاد التي استمرت 4 أيام: «التقيت أولئك الأكثر تضرراً جراء العنف الوحشي والظلم في هذه الحرب». وتابع: «يجب أن تدفع هذه التجارب المروعة التي مر بها هؤلاء الناجون إلى اتخاذ إجراءات لإنهاء هذا الصراع، ومنع تكرار هذه المأساة».

سودانيات نازحات من منطقة هجليج غرب السودان (أ.ف.ب)

«إنهاء هذا الجنون»

وكان الوفد الأممي قد زار مخيم النازحين بمنطقة العفاض شمال البلاد، الذي استقبل أعداداً كبيرة من النازحين من مناطق دارفور وكردفان.

وقال تورك: «خلال اجتماعاتي مع أكثر من 50 منظمة محلية ودولية في مدينتي دنقلا وبورتسودان، استمعت إلى مناشدات موجهة لمن يشنون هذه الحرب، وإلى المجتمع الدولي لإنهاء هذا الجنون، والسماح للمنظمات غير الحكومية والصحافيين والمحامين والعاملين في المجال الإنساني بأداء عملهم الأساسي دون قيود لا مبرر لها أو انتقامات».

ودعا طرفي النزاع في السودان -الجيش و«قوات الدعم السريع»- إلى وقف الهجمات على الأعيان المدنية، بما في ذلك الأسواق والمرافق الصحية والمدارس ومراكز إيواء النازحين، قائلاً: «إن الهجمات على البنية التحتية الحيوية تُعدّ انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب».

وشدد المسؤول الأممي على ضمان مثول مرتكبي هذه الجرائم أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.

وذكر تورك أن انتشار المعدات العسكرية المتقدمة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، أسهم في تعزيز القدرات القتالية لكل من الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أدى إلى إطالة أمد الأعمال العدائية وتفاقم معاناة المدنيين.

وقال: «من الشائن إنفاق أموال طائلة على شراء أسلحة تتزايد تطوراً باستمرار... وهي أموال كان الأجدر توجيهها لتخفيف معاناة السكان». كما أعرب عن «قلق عميق» إزاء تسليح المدنيين، وتجنيد الأطفال والزجّ بهم في القتال.

حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للمباني والبنية التحتية للبلاد (أ.ف.ب)

حماية المدنيين

وحضّ تورك أطراف النزاع إلى الالتزام بضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتأمين ممرات آمنة للمدنيين لمغادرة مناطق النزاع، بما فيها مدينتا كادوقلي والدلنج في ولاية جنوب كردفان.

وكرر تورك دعوته التي أطلقها خلال زيارته إلى السودان قبل 3 سنوات، قائلاً: «أحث جميع الأطراف المعنية على تجاوز مواقفها المتصلبة، وصراعاتها على السلطة، ومصالحها الشخصية، والتركيز على المصالح المشتركة للشعب السوداني».

وعدّ البحث عن المفقودين والإفراج عن المدنيين المحتجزين بتهمة «التعاون مع الطرف الآخر» من الأولويات، قائلاً إن «آلاف المدنيين احتجزوا بتهم مماثلة، ما أثر على فاعلي المجتمع المدني والمدفاعين عن حقوق الإنسان».

وفي مستهل زيارته إلى السودان، الأسبوع الماضي، ولقائه عدداً من المسؤولين في الحكومة، أبدى المسؤول الأممي استعداده للعمل مع الأجهزة العدلية والآليات الوطنية المختصة في البلاد، من أجل تعزيز التعاون الفني وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي) في منتصف أبريل (نيسان) 2023. وأودت الحرب بحياة عشرات الآلاف وشردت أكثر من 11 مليوناً في «أسوأ أزمة إنسانية في العالم» حسب الأمم المتحدة. ودعت الأمم المتحدة مراراً الأطراف الدولية إلى عدم التدخل في حرب السودان.

Your Premium trial has ended


رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)
TT

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

تعهّدت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، المرشحة السابقة لانتخابات الرئاسة الفرنسية، سيغولين روايال، بالسعي لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024، التي اندلعت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

وكشفت روايال عن خطة من «3 نقاط» لوضع حد نهائي للأزمة بين باريس ومستعمرتها السابقة، حسب تسجيل مصور نشره، الأحد، الموقع الإخباري الفرنكفوني «كل شيء عن الجزائر».

وفي التسجيل، تظهر وزيرة البيئة السابقة روايال، وهي تتحدث عن المشكلات الحالية بين الجزائر وفرنسا، وذلك بمناسبة استضافتها في «معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية» بباريس، السبت، في إطار مؤتمر بحث مستقبل العلاقات بين البلدين. وخلال المؤتمر، تحدثت روايال للمرة الأولى بصفتها رئيسة للجمعية، بعد شهر من توليها المنصب خلفاً لوزير الصناعة السابق آرنو مونتبورغ.

ووفق مرشحة «الحزب الاشتراكي» للانتخابات الرئاسية لعام 2007، فإن «المفتاح يكمن في حلّ النزاع المتعلق بالذاكرة»، في إشارة إلى الخلاف المعقد المرتبط برواسب الاستعمار (1830-1962).

يذكر أن «جمعية فرنسا – الجزائر» أنشئت في 1963 بعد عام من استقلال الجزائر، وذلك بمبادرة من شخصيات فرنسية مرموقة، وبدعم من الجنرال شارل ديغول. وكان الهدف من تأسيسها بناء علاقات صداقة وتعاون بين الدولتين وشعبيهما. ولاحقاً تمت الاستعانة بها لحلّ مشكلات بين الجانبين، بعد أن عجز المسؤولون عن تجاوزها بالطرق الدبلوماسية.

من لقاء سابق بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة الفرنسية)

وقدّمت سيغولين روايال مقترحات لتهدئة العلاقات الفرنسية - الجزائرية، تتمثل في «حل مشكلة الذاكرة»، و«إعادة الممتلكات العائدة للجزائر، بما في ذلك الرفات»، مثل جماجم بعض المشاركين في المقاومات الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، التي تحتفظ بها فرنسا في بعض متاحفها. كما اقترحت تسليم الأرشيف المتعلق بالتجارب النووية التي أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر في أوائل ستينات القرن الماضي.

وتناولت روايال عدة حلول من أجل تهدئة العلاقات، وهي ترى أنه ينبغي أولاً «هدم الجدران وبناء جسور المعرفة والاحترام عبر الحوار بين طلاب الجامعات ورواد الأعمال والباحثين والفنانين والمبدعين، وغيرهم الكثير». وتعهدت بـ«ببذل كل ما بوسعي من أجل التقدم في هذا الملف الصعب المتعلق بالذاكرة».

لملمة جراح الاستعمار

أوضحت روايال أنها لا تقبل بما يُعرف بـ«الريع الذاكرتي» الذي تستخدمه بعض التيارات اليمينية في فرنسا، ووصفت هذا المفهوم بأنه «طريقة مريحة لإضفاء الشرعية على أقوال المتضررين من التاريخ».

وقالت: «إن ذاكرة العنف الاستعماري ليست حساباً أو مصلحة، بل هي حق في الاعتراف بوقائع ثابتة وموثقة». وأضافت: «بعض الجراح، وجرائم الاستعمار، لم تُسمَّ بالكامل، ولم تُصلَّح، ولم يُعتذر عنها، ويجب على فرنسا أن تفعل ذلك».

وهي ترى أن هذا الاعتراف «هو الذي سيسمح بالشفاء الكامل والتحرر نحو الإبداع، والتوجه إلى مشروعات مشتركة مبهجة وملهمة». وتنظر الوزيرة السابقة إلى «الذاكرة» بوصفها «قاعدة مشتركة يمكن أن نبني عليها مبدأ (لن يتكرر ذلك أبداً)». وهو موقف يهدف إلى نشر الطمأنينة، حسب تصريحاتها.

ومنذ وصول إيمانويل ماكرون إلى سدة الرئاسة في فرنسا عام 2017، أطلق مساعي في «ملف الذاكرة» مع الجزائر، ومن ذلك الاعتراف بتعذيب وقتل بعض قادة حرب التحرير الجزائرية (1954-1962)، مثل العربي بن مهيدي وعلي بومنجل، ممن صنفتهم فرنسا «مفقودين» أو «منتحرين».

وهذه الخطوات ندّد بها اليمين الفرنسي المتطرف، عادّاً أنها «خضوع لريع الذاكرة الذي تعتاش عليه الجزائر بهدف ابتزاز فرنسا». وتعرض ماكرون للوم شديد من طرف نفس التيار، خلال الأزمة الحالية، بدعوى أنه «قدم تنازلات كثيرة للجزائر بلا أي مقابل لفرنسا».

إعادة الممتلكات الثقافية

اقترحت روايال أيضاً أن تبدأ فرنسا بسرعة في إصلاح أخطائها، قائلة: «بالنسبة للجزائر، يجب الإرجاع، يجب إعادة كل شيء... وأول هذه الإصلاحات وأول هذه الاعتذارات هو إعادة الممتلكات الثقافية والأرشيف».

ومن بين هذه الممتلكات سيف وخَيمة وبندقية الأمير عبد القادر الجزائري، التي تحتفظ بها فرنسا حالياً في «متحف كوندي» بقصر شانتيي، شمال البلاد، بعد سجن الأمير في فرنسا في القرن التاسع عشر. ووعدت روايال بدعم «كل من يعملون في هذا الاتجاه». وقالت: «كنت على اتصال أمس بمتحف شانتيي. وأودّ بطبيعة الحال أن تعاد كل القطع التي تطالب بها الجزائر منذ زمن طويل، والمتعلقة بهذه الشخصية الكبرى في مقاومة الجزائر في القرن التاسع عشر، الأمير عبد القادر، ولا سيما خيمته وسيفه وبندقيته، وغيرها من القطع»، مؤكدة أنها «تعمل على استرجاع كامل رفات المقاومين الجزائريين والجماجم».

وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ولاحت في الأشهر القليلة الماضية بوادر انفراجة، على خلفية الاتفاق على ترتيب زيارة لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز إلى الجزائر.

وكان يفترض أن تجري الزيارة بنهاية 2025، غير أن المشكلات عادت إلى نقطة البداية بتصويت البرلمان الجزائري على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي، في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.