رفض مصري متكرر لنقل معبر رفح وسط «تصعيد» إسرائيلي

أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى «ناصر» في خان يونس (إ.ب.أ)
أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى «ناصر» في خان يونس (إ.ب.أ)
TT

رفض مصري متكرر لنقل معبر رفح وسط «تصعيد» إسرائيلي

أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى «ناصر» في خان يونس (إ.ب.أ)
أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى «ناصر» في خان يونس (إ.ب.أ)

تحولت منطقة الحدود المصرية مع قطاع غزة، وخصوصاً عند معبر رفح البري، إلى بؤرة تنشط حولها أحاديث متصاعدة إنسانياً وأمنياً، فعلى الجانب الإنساني تحولت المنطقة إلى «قِبلة» لوفود وشخصيات سياسية، إقليمية ودولية، تسعى إلى إدخال المساعدات بكميات أكبر ووتيرة أسرع إلى سكان القطاع الذي يعاني «كارثة إنسانية» وفق تقارير أممية.

وعلى الصعيد الأمني، تسعى إسرائيل إلى تحويل المنطقة إلى «بؤرة توتر» جديدة، تارة عبر الزعم بأنها تحوي أنفاقاً لتهريب الأسلحة إلى داخل القطاع، وأخرى بالإصرار على فرض «سيطرة أمنية» على محور صلاح الدين (فيلادلفيا) المحاذي للحدود المصرية، رغم الرفض القوي الذي أبدته القاهرة للمسعى الإسرائيلي.

ونفت القاهرة تقارير إسرائيلية زعمت وجود رغبة لدى حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو «في نقل موقع معبر رفح ليكون قريباً من معبر كرم أبو سالم»، إذ نقل تلفزيون «القاهرة الإخبارية»، الثلاثاء، عن مصدر مصري وصفه بالمسؤول نفيه تقارير إعلامية إسرائيلية عن خطة تدرسها تل أبيب، أو مباحثات بين مصر وأميركا وإسرائيل لنقل معبر رفح في مثلث الحدود، ليصبح معبر كرم أبو سالم المعبر البديل.

وكانت «القناة 13» في هيئة البث الإسرائيلية قد ذكرت، قبل يومين، أن هناك رغبة لدى حكومة نتنياهو «في نقل موقع معبر رفح ليكون قريباً من معبر كرم أبو سالم»، ومن ثم تستعيد إسرائيل سيطرتها الأمنية على المعبر، والتي كانت قد تخلت عنها عام 2005 بموجب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

وقالت القناة إن إسرائيل تبحث حالياً مع مصر إمكانية نقل معبر رفح إلى منطقة معبر كرم أبو سالم المخصص للنقل التجاري، اعتقاداً بأن هذا الأمر سيتفادى حدوث نزاع بين إسرائيل ومصر حول قضية المعبر ومحور فيلادلفيا، بينما ستتمكن إسرائيل من إجراء تفتيش أمني وفرض رقابة على حركة المرور من المعبر الذي تسيطر عليه حالياً حركة «حماس».

الرفض المصري للتقارير الإسرائيلية لم يكن الأول من نوعه، فقد بات أمراً متكرراً في ظل إصرار إسرائيل على وضع المنطقة الحدودية، وتحديداً منطقة معبر رفح، في سياق التصعيد بالمنطقة؛ إذ سبق أن نفى مصدر أمني رفيع المستوى في مصر الأسبوع الماضي، وجود أي ترتيبات أمنية جديدة بشأن محور صلاح الدين (فيلادلفيا).

وفي وقت سابق، حذر رئيس «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر، ضياء رشوان، من أن إعادة احتلال «محور فيلادلفيا» سيؤدي إلى «تهديد خطير وجدِّي للعلاقات المصرية – الإسرائيلية»، معتبراً ذلك «خطاً أحمر يضاف إلى الخط المعلن سابقاً بخصوص تهجير الفلسطينيين من غزة»، وشدد على أن مصر قادرة على الدفاع عن مصالحها والسيادة على أرضها وحدودها، ولن ترهنها في أيدي مجموعة من القادة الإسرائيليين المتطرفين، ممن يسعون لجر المنطقة إلى حالة من الصراع وعدم الاستقرار.

لكن تلك التصريحات لم تكن كافية لإقناع القيادات الإسرائيلية بالتراجع عن مساعي التصعيد؛ سواء على مستوى التصريحات أو فيما يتعلق بالتحركات الميدانية؛ إذ أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، الخميس الماضي، خلال اجتماع مع جنود شاركوا في العمليات العسكرية في خان يونس، أن القوات الإسرائيلية ستصل إلى مدينة رفح «للقضاء على نشطاء حركة (حماس) هناك».

مبانٍ مدمرة بشمال غزة بعد قصف إسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

هذه المواقف يراها المستشار بمركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة المصرية، الدكتور خالد فهمي: «محاولة إسرائيلية للضغط على مصر، كي تتراجع عن دعمها للفلسطينيين في قطاع غزة، بعدما تحول معبر رفح إلى الرئة التي تبقي القطاع على قيد الحياة، في ظل كل محاولات الحصار والتجويع والقتل العشوائي التي تمارسها قوات الاحتلال». وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن التصريحات الإسرائيلية المتكررة تسعى إلى «استفزاز مصر»، فضلاً عن ترويج «دعاية زائفة» بشأن عدم دخول المساعدات، والتي تجسدت خلال نظر دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، إلا أنه أشار إلى أن تلك التصريحات «تكشف حجم الارتباك في الداخل الإسرائيلي»، ومساعي قيادات الحكومة في تل أبيب إلى تأجيج الصراع والأزمات في المنطقة، مؤكداً أن تمسك مصر بضبط النفس والهدوء في الرد على الاستفزازات الإسرائيلية «يزيد من ذلك الارتباك الإسرائيلي».

وانسحبت إسرائيل من تلك المنطقة في عام 2005، بموجب خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، أريئيل شارون، التي غادرت بها القوات الإسرائيلية كل قطاع غزة، وتم تفكيك المستوطنات في القطاع. ووقَّعت إسرائيل مع مصر في ذلك العام «اتفاق فيلادلفيا»، بوصفه ملحقاً لاتفاقية السلام؛ إلا أنها تتحدث منذ بداية عملياتها العسكرية الحالية في غزة عن ضرورة إقامة مناطق عازلة بالقطاع، ومن بينها منطقة على الحدود مع مصر.

الدخان يتصاعد فوق خان يونس خلال قصف إسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، ذكرت صحيفة «إسرائيل هيوم» الإسرائيلية، أن «التهديد المصري لتل أبيب بلغ تعليق اتفاقية السلام بحال أصرت إسرائيل على موقفها في احتلال (محور فيلادلفيا) المحاذي للحدود المصرية». وقالت مصادر للصحيفة العبرية، إن السلطات المصرية تصر على التأكيد على موقفها الرافض للمس بمحور صلاح الدين، فضلاً عن الموقف المصري الرسمي من نزوح سكان غزة إلى سيناء، بوصفه خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

ويتركز حالياً نحو 1.4 مليون من سكان قطاع غزة البالغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة في رفح، ويُخشى من أن تؤدي عملية إسرائيلية في المدينة إلى هروب جماعي إلى سيناء.

وأوصت وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية، جيلا غامليل، في ورقة رسمية نشرتها، بإخراج الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وصدرت في الأسابيع الأخيرة عدة تصريحات مماثلة لوزراء وأعضاء في «الكنيست»، وعلى رأسهم وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي كرر الأمر نفسه في عدة مناسبات. وقال أمين عام المبادرة الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إسرائيل «تحاول إغلاق معبر رفح الذي من المفترض أنه تحت السيطرة المصرية والفلسطينية والإسرائيلية، ونقل الحركة إلى معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل بالكامل». وأوضح أن «معبر كرم أبو سالم هو معبر بين إسرائيل وغزة، باتجاه واحد، ومعبر رفح هو بين غزة ومصر في الاتجاهين»؛ مشيراً إلى أن هذه الخطوة «من الممكن أن تكون في إطار تنفيذ خطة طرد سكان قطاع غزة من خلال معبر أبو سالم» الحدودي أيضاً مع مصر.


مقالات ذات صلة

فرنسا تحقق في حملة تشهير ضد مرشحين مؤيدين لفلسطين

أوروبا صورة أرشيفية لسيباستيان ديلوغو نائب حزب «فرنسا الأبية» خلال مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين وسط باريس في 29 مايو 2024 (رويترز)

فرنسا تحقق في حملة تشهير ضد مرشحين مؤيدين لفلسطين

قال مسؤولو ادعاء في باريس إنهم فتحوا تحقيقاً لتحديد ما إذا كان 3 مرشحين لرئاسة بلديات من أقصى اليسار السياسي هدفاً لدولة سعت للتدخل في الانتخابات الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

رفعت واشنطن إلى حين اسم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، من لوائح العقوبات الأميركية بقرار من محكمة فيدرالية.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون مركبات مدمرة أمام منازلهم بعد هجوم لمستوطنين قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

قوى أوروبية تضغط على إسرائيل لوقف التوسع الاستيطاني... وهولندا تحظر الواردات

دعت بريطانيا ​وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، اليوم الجمعة، إسرائيل إلى وقف التوسع الاستيطاني في ‌الضفة الغربية والحد ‌من ​تصاعد ‌عنف ⁠المستوطنين.

«الشرق الأوسط» (روما )
المشرق العربي المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور متحدثاً في اجتماع لمجلس الأمن (رويترز) p-circle

رياض منصور ينفي تلقّي إشعارات أميركية لسحب ترشحه نائباً لرئيس الجمعية العامة

نفى المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور أن يكون تلقى إشعاراً من وزارة الخارجية الأميركية يدعوه لسحب ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية جرافات إسرائيلية تهدم مبنى يتبع وكالة «الأونروا» في حي الشيخ جراح بالقدس يناير الماضي (إ.ب.أ)

إسرائيل تنشئ مجمعاً دفاعياً على أنقاض مقر سابق لـ«الأونروا»

وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي أمس على خطة لبناء مجمع دفاعي في موقع كان سابقاً مقراً لـ«الأونروا» وجرى هدمه مؤخراً في القدس الشرقية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إلى أي مدى يسهم التحرك التركي في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
TT

إلى أي مدى يسهم التحرك التركي في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)

بعد أكثر من عقد على الانقسام العسكري والأمني في ليبيا، أعادت المناورات العسكرية التي استضافتها تركيا مؤخراً، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد العام، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة تحركات أنقرة على دفع هذا المسار المعقّد إلى الأمام.

وشهدت مناورات «أفس - 2026»، التي أُجريت بمدينة إزمير غرب تركيا في 21 مايو (أيار) الحالي، مشاركة 331 عنصراً من شرق ليبيا التابعين لـ«الجيش الوطني الليبي»، و171 عنصراً من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب البلاد، ضمن تدريبات ضمّت وفوداً عسكرية من نحو 30 دولة.

وتؤكد أنقرة في خطابها الرسمي، دعمها لفكرة «ليبيا واحدة وجيش واحد»، عبر تعزيز التنسيق والتدريب المشترك بين الأطراف الليبية.

المشير حفتر خلال حضوره مناورة «درع الكرامة 2» - 21 مايو (إعلام القيادة العامة)

وتلقى المشاركون الليبيون تدريبات في مجالات القوارب والزوارق، والألغام والعبوات الناسفة، والتحصينات، وعمليات القوات الخاصة، ووحدات الدعم الجوي والبري، والإسعافات الأولية، والعمليات البرمائية، وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية، إضافة إلى مهام البحث والإنقاذ في ساحات المعارك.

غير أن دوائر بحثية تركية ترى أن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية بشكل كامل «لا يزال مبكراً». وقال المحلل السياسي التركي الدكتور جواد جوك، إن تركيا تسعى إلى دعم التوافق السياسي والعسكري بين الطرفين عبر قيادات عسكرية مقبولة من الجانبين، والعمل على تعزيز العلاقات بين معسكري بنغازي وطرابلس، موضحاً أن المناورات «تفتح قنوات تواصل مباشرة بين العسكريين الليبيين من الشرق والغرب، وتدعم فكرة التدريب الموحد، وبناء قدر من الثقة بين الطرفين».

وأضاف جوك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن استضافة تركيا لمناورات «أفس - 2026» تمثل «خطوة مهمة للغاية»، لكونها المرة الأولى منذ الانقسام السياسي والعسكري عام 2014 التي تُجرى فيها مناورات خارج الأراضي الليبية بمشاركة قوات من الجانبين. وأشار في الوقت نفسه، إلى أن أهداف هذه المناورات «تبدو سياسية أكثر منها عسكرية»، في إطار سعي أنقرة إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، خصوصاً في الملف الليبي.

ضباط مشاركون في مناورات «أفس - 2026» بتركيا (رئاسة أركان قوات غرب ليبيا)

وتقول تركيا، إنها دربت أكثر من 23 ألف عسكري ليبي، لا سيما من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب البلاد، داخل مراكز تدريب في تركيا وليبيا، إلى جانب استمرار برامج الدعم المتعلقة بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والإرهاب.

وجاءت هذه المناورات بعد تمرين «فلينتلوك - 2026» متعدد الجنسيات، الذي استضافته مدينة سرت الليبية وكوت ديفوار الشهر الماضي، بمشاركة قوات ليبية مشتركة من الشرق والغرب، وبدعم من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

من جانبه، رأى المحلل العسكري الليبي محمد الترهوني، أن «هناك توافقاً دولياً متزايداً خلال الفترة الأخيرة بشأن ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإنهاء حالة الانقسام»، مشيراً إلى أن هذا المسار تدعمه، بحسب وصفه، «قوة عسكرية احترافية في الجيش الوطني الليبي».

وقال الترهوني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة الغربية لا تضم حتى الآن تكويناً عسكرياً مماثلاً من حيث الهيكلة والانضباط، رغم وجود بعض الأطراف التي يمكن البناء عليها مستقبلاً لتشكيل مؤسسة عسكرية موحدة».

وبحسب رؤيته، فإن العائق الرئيسي في غرب ليبيا يتمثل في «وجود تيار الإسلام السياسي المدعوم من مفتي غرب البلاد الصادق الغرياني»، لافتاً إلى أن التكتلات المسلحة في مدينتي مصراتة والزاوية «ترفض بصورة كبيرة مشروع توحيد الجيش»، باعتبار أن ذلك «يعني نهاية نفوذ الميليشيات التي سيطرت خلال السنوات الماضية على موارد الدولة ومفاصل الحكم ومعيشة المواطنين».

جندي ليبي خلال عملية إنزال ضمن مناورة «درع الكرامة 2» في شرق ليبيا (إعلام القيادة العامة)

ولم تحظَ المناورات التركية باهتمام واسع من وسائل الإعلام التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، التي ركزت بصورة أكبر على مناورات «درع الكرامة 2» التي أُقيمت مؤخراً في شرق البلاد بمشاركة أكثر من 25 ألف جندي، في حين لاقت «أفس - 2026» اهتماماً ملحوظاً في غرب البلاد، خصوصاً مع مشاركة رئيس أركان قوات «الوحدة» الفريق أول صلاح الدين النمروش، على رأس وفد من الضباط الليبيين.

ووفق هذه المعطيات، يعتقد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية شريف بوفردة، أن المؤسسة العسكرية الليبية «لا تزال بعيدة عن التوحيد وفق المعايير المهنية والاحترافية». وعزا ذلك إلى «الخلل البنيوي القائم على مستوى تسلسل القيادة، وطبيعة العلاقة بين القيادات السياسية والعسكرية، فضلاً عن التباين في العقيدة العسكرية والمرجعية الشرعية بين الشرق والغرب».

وقال بوفردة لـ«الشرق الأوسط»، إن المكون العسكري الموجود حالياً في شرق وغرب ليبيا، يمثل «إطاراً لمؤسسة عسكرية» أكثر من كونه مؤسسة عسكرية مكتملة بالمعنى الاحترافي، مشيراً إلى أن الانقسام السياسي والأمني انعكس بصورة مباشرة على بنية التشكيلات المسلحة وآليات عملها.

وأضاف أن المناورات والتدريبات المشتركة؛ سواء عبر «فلينتلوك - 2026» أو التدريبات التي استضافتها تركيا، تستهدف أساساً تطوير بعض الوحدات العسكرية في المؤسستين بالشرق والغرب، وتهيئتها للعمل ضمن غرف عمليات مشتركة للتعامل مع ملفات أمنية وعسكرية محددة.

وخلص بوفردة إلى أن هذه الجهود تتركز بصورة رئيسية على مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومواجهة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، عادّاً محاولات توحيد المؤسسة العسكرية لا تزال تصطدم بتحديات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز البعد العسكري وحده.


البرهان: ترتيبات لحوار سياسي شامل داخل السودان

مصلون يستمعون لخطبة صلاة عيد الأضحى بأحد مساجد الخرطوم (أ.ب)
مصلون يستمعون لخطبة صلاة عيد الأضحى بأحد مساجد الخرطوم (أ.ب)
TT

البرهان: ترتيبات لحوار سياسي شامل داخل السودان

مصلون يستمعون لخطبة صلاة عيد الأضحى بأحد مساجد الخرطوم (أ.ب)
مصلون يستمعون لخطبة صلاة عيد الأضحى بأحد مساجد الخرطوم (أ.ب)

كشف رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، عن ترتيبات جارية لإطلاق حوار سياسي شامل داخل البلاد، يقرر من خلاله إكمال الانتقال المدني الديمقراطي، مؤكداً أن الحكومة ستقدم كل ما يلزم لإنجاحه بمشاركة من أطلق عليهم «أصحاب الوجعة».

وجدد البرهان في خطابه، الذي ألقاه عشية عيد الأضحى، التأكيد على استمرار القوات المسلحة في القتال «حتى تطهير كل ربوع البلاد» من «قوات الدعم السريع».

وقال البرهان، في بيان نشره مجلس السيادة على «فيسبوك»: «يمر علينا هذا العيد وعاصمة بلادي تستعيد عافيتها، ومُواطن بلادي يُثبت كل يوم أنه أقوى وأشجع من كل مؤامرة»، مشيداً بالشعب الذي قال إنه «اصطف لحماية أرضه ووطنه واستمسك بحبل وعروة الوطن ووحدته وعزته».

رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال حضوره نشاطاً رياضياً شمال الخرطوم يوم 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وتابع: «يجري الترتيب لإطلاق حوار سياسي شامل يتوافق ويتواثق فيه السودانيون على وضع أسس للبناء الوطني ومبادئ حاكمة توحد السودان، وتضع حداً لأزماته المتكررة، ويُقرر من خلاله إكمال الانتقال المدني الديمقراطي»، مؤكداً أن الحكومة «ستقدم كل ما يلزم لإنجاح هذا الحوار الذي سيتم داخل السودان، ويحضره ويشارك فيه أصحاب الوجعة»، في إشارة للمتضررين من الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

«لا إملاءات»

ورفض البرهان أي مؤتمرات أو حلول تُفرض من الخارج، قائلاً إن الشعب السوداني «لن يقبل بنتائج مؤتمرات وحوارات العواصم التي تُباع وتشترى، ولن يقبل أن تُفرض عليه حلول أو إملاءات ذات طوابع عقائدية أو آيديولوجية أو مرتهنة لرغبات دول خارجية».

واسترسل: «إن حكومة السودان ستقدم الدعوة للقوى الوطنية من غير الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوداني وستلتزم بتوفير كل ما يلزم لإنجاح الحوار وتنفيذ مخرجاته».

وفي وقت سابق، أعلن البرهان أن الأبواب مشرَّعة للمصالحة الوطنية، مُرحباً بكل من يريد أن ينضم إلى الدولة في مواجهة «الدعم السريع».

ولم يصدر أي رد فعل فوري من القوى السياسية والمدنية المحسوبة على معسكر الجيش، أو من التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة المعروف اختصاراً بــ«صمود» المناهض لاستمرار الحرب في البلاد.

ويأتي خطاب البرهان بينما تجري معارك ضارية على محور ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، حيث حشدت «قوات الدعم السريع» الآلاف من قواتها للسيطرة على كامل الإقليم.

عناصر من «قوات المقاومة الشعبية المسلحة» خلال عرض عسكري بولاية القضارف في شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من تقدم الجيش السوداني عسكرياً خلال الأيام القليلة الماضية، واستعادته عدداً من البلدات في النيل الأزرق، لا تزال «قوات الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك الاستراتيجية المحاذية للحدود مع إثيوبيا.

استمرار المعارك

ميدانياً، نشر أفراد من الجيش السوداني، الأربعاء، مقطع فيديو من بلدة البركة في النيل الأزرق، يؤكدون فيه إحكام سيطرتهم الكاملة على المنطقة بعد دحر «قوات الدعم السريع» وحلفائها وتكبيدهم خسائر فادحة في الأرواح، والاستيلاء على عدد من المركبات القتالية.

وكانت «الفرقة الرابعة مشاة» قد أفادت بأن الجيش أحرز تقدماً على محاور القتال في الإقليم، وبأن قواته استردت بلدات أب قلة وأم شنقر وأدي، بعد معارك ضارية مع قوات تحالف «تأسيس»، وأجبرتها على التراجع عند حدود الكرمك.

وقالت الفرقة في منشور على صفحتها على «فيسبوك»، الأربعاء، إنها تمكنت من صد هجوم عنيف شنته «الدعم السريع» وقوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان–تيار عبد العزيز الحلو»، بقيادة جوزيف توكا، على منطقة البركة في صباح اليوم الأول من عيد الأضحى.

وأضافت أن المواجهات أسفرت «عن تكبيد القوات المهاجمة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، فيما تمكنت قواتنا من الاستيلاء على عدد من العربات القتالية بكامل تجهيزاتها وعتادها الحربي»، إضافة إلى عدد من الدبابات.


الجزائر تغلق غاباتها هذا الصيف

حريق في أوزلاقن بمنطقة القبائل سنة 2021 (الحماية المدنية)
حريق في أوزلاقن بمنطقة القبائل سنة 2021 (الحماية المدنية)
TT

الجزائر تغلق غاباتها هذا الصيف

حريق في أوزلاقن بمنطقة القبائل سنة 2021 (الحماية المدنية)
حريق في أوزلاقن بمنطقة القبائل سنة 2021 (الحماية المدنية)

فرضت السلطات الجزائرية حظراً شاملاً على أي وجود بشري داخل المحيطات الغابية والفضاءات الشجرية، بدءاً من مايو (أيار) الحالي إلى 30 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ تجنباً لحرائق محتملة كانت قد خلّفت في السنوات الأخيرة عدداً كبيراً من القتلى وخسائر كبيرة في الغطاء النباتي والممتلكات.

وقُنّن هذا الحظر بمرسوم تنفيذي، صدر حديثاً، جاء ليعكس مخاوف الحكومة من فترة زمنية حرجة وعالية المخاطر، تشهد عادة ارتفاعات متتالية في درجات الحرارة.

جانب من النيران بمنطقة القبائل صيف 2021 (متداولة)

ويمتد هذا الإجراء الصارم ليلغي أي استثناءات ممكنة، سواء أكان المستهدَفون من هواة رحلات المشي الجبلية، أم من المتنزهين العابرين في عطل نهاية الأسبوع، أو حتى العائلات التي تقصد فضاءات غابية بحثاً عن جيوب برودة وانتعاش، في وقت أكدت فيه مصادر رسمية أن حزمة العقوبات المسلطة على المخالفين لن تكون رمزية أو صورية.

وقد صيغ المرسوم التنفيذي بعبارات قاطعة لا تحتمل اللبس أو التأويل، حيث يمنع منعاً باتاً تحرك الأشخاص وتنقلهم داخل هذه المناطق؛ سواء أكانوا راجلين، أم على متن السيارات، أم باستخدام الدراجات الهوائية، كما يمتد الحظر ليشمل أنشطة شواء اللحوم، وإيقاد نيران التخييم، وتنظيم النزهات العائلية والتجمعات البشرية، حتى خلال أيام عيد الأضحى حيث جرت العادة فيها أن تستقطب المرتفعاتُ الغابية آلافَ العائلات الجزائرية.

غابة «إعكوران» بمنطقة القبائل ممنوعة على السياح حتى الخريف المقبل (ناشطون في حماية البيئة)

ويضع هذا الإطار القانوني كل من يتجاوز هذه التوجيهات تحت طائلة المتابعة القضائية الجزائية، التي تقود إلى أحكام سالبة للحرية تتراوح بين شهرين و6 أشهر حبساً نافذاً، تضاف إليها غرامات مالية كبيرة، على أن تشتد صرامة العقوبة وتتضاعف في حال تبين أن الشخص المخالف كان سبباً مباشراً في اندلاع شرارة الحريق الأولى، أو ثبت إسهامه في عرقلة عمل طواقم الحماية المدنية وجهود الإغاثة.

وبهذه الخصوص، صرّح العضو الناشط في منظمة «حمايتك»، سفيان لواسع، للصحافة، بأن هذه التدابير الاستثنائية «مفروضة دورياً مع كل موسم قيظ»، رافضاً وصفها بالتعسف الإداري أو الإفراط التنظيمي، «بل تفرضها؛ بوصفها حتمية موضوعية، تلك المشاهدُ المأساوية التي تجرعتها البلاد في السنوات القليلة الماضية»، في إشارة إلى الحرائق المستعرة التي عاشتها مناطق شاسعة، خصوصاً حرائق منطقة القبائل في صيف 2021 التي خلفت صدمة عنيفة في البلاد نتيجة فداحة الخسائر.

ونقل لواسع، عن خبراء وفنيين، أن مجرد شرارة عابرة في ظل ظروف مناخية تتسم بالحرارة الشديدة والرياح القوية؛ كفيلة بتحويل مساحات شاسعة، في غضون دقائق معدودة، جحيماً لا يمكن تطويقه، لا سيما أن الثروة الغابية في الجزائر تتمركز في الغالب ضمن تضاريس جبلية وعرة ومرتفعات معقدة لا تتيح لفرق الإنقاذ سوى هوامش مناورة ضيقة ومحدودة للغاية.

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (متداولة)

وترتكز الخلفيات التي تسوقها السلطات لتبرير هذا المنع على المعوقات اللوجستية التي تلازم العمليات الإسعافية، وهو ما أصر لواسع على إبرازه، في تصريحاته، مؤكداً أن تدخلات رجال الحماية المدنية وطواقم الإغاثة في البيئات الغابية «تصنف واحدةً من أعقد العمليات الميدانية وأخطرها، نظراً إلى الانحدارات التضاريسية الحادة، وغياب المسالك الترابية والخطوط الطرقية المهيأة التي تسمح لآليات التدخل بالوصول الفوري وفي الوقت المناسب».

ولا يتوقف التهديد عند حدود الحرائق، وفق لواسع، بل يتعداه إلى حالات متكررة؛ من تيه هواة التسلق، وحصار العائلات في المسالك النائية؛ «مما يفرض استنزافاً وإعادة توجيه لإمكانات بشرية ومادية هائلة لإنقاذهم؛ مما يضع حياة المنقذين أنفسهم على المحك وفي مواجهة أخطار محدقة».

رقابة رقمية

من جهة أخرى، تتابع السلطات ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي لمحاصرة ظاهرة فيديوهات «التحدي» التي يصورها شباب داخل الغابات المغلقة. ويرى لواسع أن هذه المقاطع «تروج لصورة مغلوطة تدفع الآخرين لتقليدها على أنها نوعٌ من الترفيه، رغم أنها تصرفات خطيرة تضع حياة أصحابها ورجال الإغاثة في الميزان».

عامل في صيانة ورعاية الغابات بالعاصمة (ولاية الجزائر)

ووراء مقاربة المنع، شهد المخطط الاستباقي للدولة تعزيزاً غير مسبوق في العتاد والعدد، حيث حشدت المديريةُ العامة للغابات لمجابهة موسم صيف 2026 طاقماً بشرياً يتجاوز 6 آلاف عنصر، مدعومين بالأرتال المتحركة، وأبراج المراقبة المستحدثة، ونقاط حشود المياه الموزعة هندسياً في النقاط الحساسة، بالتوازي مع الاستعانة بالتكنولوجيا، عبر توظيف 140 طائرة مسيّرة لضمان التغطية الجوية والإنذار المبكر في بؤر الدخان.

وقد أثبتت هذه الخطة الوقائية نجاحها العام الماضي (2025)، بعدما تراجعت المساحات المحروقة بنسبة قياسية بلغت 91 في المائة، وهو الإنجاز الذي تسعى السلطات إلى الحفاظ عليه وتطويره هذا الصيف، خصوصاً أن الحرائق القاسية التي شهدتها ولايات عدة في السنوات الأخيرة، مثل بجاية وتيزي ووزو وسطيف بشرق البلاد، تؤكد أن الخطر لا يزال قائماً.