التّحاسد والتَّنابز بين المثقفين الأقدمين

لأسبابٍ شخصيّة أو عقائدية مذهبيّة أو لنيل حظوة مِن خليفة أو وزير

التّحاسد والتَّنابز بين المثقفين الأقدمين
TT

التّحاسد والتَّنابز بين المثقفين الأقدمين

التّحاسد والتَّنابز بين المثقفين الأقدمين

إذا علمنا مِن عداوة أو تبادل مثالب، بين الكُتاب والشُّعراء اليوم، فهذا امتياز امتاز به مثقفو العصور كافة. فليس غريباً ما يحصل اليوم، فهي الحرفة الأكثر تحاسداً بين أصحابها، لأسبابٍ شخصيّة، أو عقائدية مذهبيّة، أو حسداً لنيل حظوة مِن خليفة أو وزير. أقلها أن يُسمي أحدهم الآخر «حاطب ليل»، وهو نعت ليس قليلاً اليوم، وكم فيه مِن إلغاء وشطب على موهبة ومقدرة، أي لا يدري ما يكتب أو ما يؤرخ، إذا كان مؤرخاً.

فهذا الأشعريّ عبد القاهر البغدادي (ت 429هـ) قلل من شأن المعتزلي عبد الله البلَّخي (ت 319هـ)، مع أنّ الاثنين كانا كباراً في مجالهما. قائلاً فيه: «حاطب ليل، يدعي كلَّ شيء، وهو خالٍ من كلِّ شيء» (البغداديّ، الملل والنِّحل)، مع أنَّ البلخي أحد علماء ومتكلمي معتزلة بغداد، ومؤرخ مقالات الإسلاميين. هنا آتي بنماذج فقط، أو مثلما يُقال: «غيض مِن فيض» قليل مِن كثير، محاولاً ذِكرها على تسلسل الزمن، الأقدم فالأحدث.

عندما تولى هارون الرّشيد (170 - 193هـ) الخلافة، شكل لجنة لفحص قصائد الشّعراء ونصوص الخُطباء المتقدمين للاحتفال بهذه المناسبة، فكثر المادحون، واختلط الغث بالسَّمين، وأخذ الصّغار أو الهواة ينافسون الكبار، لذا قرر الوزير الفضل بن يحيى البرمكي (ت 193هـ) تكليف الشّاعر والأديب أحمد بن سيار الجُرجانيّ، المعروف بمدحه للقائد العباسيّ يزيد بن مزيد الشّيباني (ت 183هـ) لتمييز قصائد الشُّعراء، مَن يمنح مكافأة ومَن لا يمنح، أو مَن تُقبل قصيدته ومَن لا تُقبل، وكان أبو نواس (ت 195) أحد المتقدمين، لكن خصوم الأخير من الشّعراء، مثل مسلم بن الوليد وأبان اللاحقيّ وأشجع السُّلمي، وآخرين طلبوا مِن المُحكم الجُرجانيّ الحط مِن قصيدة أبي نواس، ورفضها لعدم جودتها. فلما عرض أبو نواس قصيدته على الجُرجانيّ رمى بها، ولم يقبلها، قائلاً: «هذا لا يستحق قائله دِرهمين» (الجهشياريّ، الوزراء والكُتاب)، فلم يقرأ أبو نواس، وهو على عظمة قدره، وعلو كعبه بين شعراء عصره.

فلم يكن أمامه إلا هجاء الجُرجانيّ، قائلاً: «بما أهجوك لا أدري - لساني فيك لا يجري - إذا فكرتُ في قدرِ - ك أشفقتُ على شعري» (الجهشياري...).

كان أبو عبد الله إبراهيم بن محمد الواسطي المعروف بنفطويه (ت 323هـ) عالماً بالحديث والعربية، وأستاذه صاحب الكامل محمد بن يزيد المبرد (ت 286هـ)، وكان صاحب «الاشتقاق» و«الجمهرة» ابن دريد محمّد بن الحسن البصريّ (ت 321هـ) أشهر من نار على عَلم في عِلم اللّغة، لكن بينهما اللُّجاج في شدة الخصومة، من إنكار أحدهم باع الآخر. فأشاع نفطويه أن ابن دريد لا يفقه شيئاً، وهو منتحل كتاب «العين» لأحمد بن خليل الفراهيدي البصري (ت 181هـ)، وجعلها «الجمهرة»، مع أن من يطلع على معجم العين وكتاب الجمهرة لا يجد انتحالاً بينهما. وكي يرسخ ذلك في الأذهان جعل نفطويه التّهمة شعراً، فسارت بها الرّكبان. قال:

«ابن دريد بقره - وفيه لؤم وشره - قد ادعى بجهله - وضع كتاب الجمهره - وهو كتاب العين إلّا - أنه قد غيره». فردّ عليه ابن دريد شعراً أيضاً، وعيّره بسواده، حتّى لُقب لهذا السبب بنفطويه، والنّفط يخرج من الأرض أسود، مع نتانة رائحته. فقال: «أف على النحو وأربابه - قد صار من أربابه نفطويه - أحرقه الله بنصف اسمه - وصير الباقي صراخاً عليه» (الأنباريّ، زهرة الألباب في طبقات الأدباء). فكان بينهما ما هو أشد من فظاعة الحسد، حتّى وصف بـالمماظّة بينهما (الحموي، معجم الأدباء).

كان بين صاحب «الأغاني» أبي فرج الأصفهانيّ (ت 356هـ) والنحوي أبي سعيد السّيرافي (ت 368هـ) عداوة، فقال الأول في الثّاني ناكراً عليه علمه، بل ناكراً على كل سيراف: «لست صَدرا وَلَا قَرَأت على صدرٍ - وَلَا علمك البكي بكافي - لعن الله كل شعر وَنَحْو - وعروض يَجِيء من سيراف» (الثّعالبيّ، يتيمة الدَّهر).

ما أنّ غفل الحنبليّ أبو الفرج بن الجوزيّ (ت 597هـ) بنقل رواية خاطئة، مِن دون تمحيصها، إلا نجد الشّافعي ابن حجر العسقلانيّ (ت 852هـ) قد ترك صاحب الخطأ الأصل، وهو عبد القاهر البغداديّ، وقال عن ابن الجوزيّ: «ودلت هذه القصة على أنَّ ابن الجوزي حاطب ليل، لا ينقد ما يُحدث به» (ابن حجر، لسان الميزان). مع أن ابن الجوزي، في «المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم» قد ذَكر مصدره الذي نقل عنه الرّواية، وهو كتاب البغداديّ «الفرق بين الفرقِ».

كذلك كان بين ابن الجوزي وأبي سعد السَّمعانيّ (ت 562هـ)، صاحب كتاب «الأنساب»، عداوة وخلاف عميقان، وكانا متجايلين ومتجاورين ببغداد، فالأول كان حنبليّاً والثّاني شافعيّاً، فلما جاء ابن الجوزي على ترجمة السّمعاني، في منتظمه، أنكر عليه أنه شد الرّحال إلى التّعلم والدَّرس عند علماء ما وراء النّهر (نهر سيحون)، فقال: «كان يأخذ الشَّيخ البغدادي، فيجلس معه فوق نهر عيسى (نهر عباسي ببغداد)، ويقول حدثني فلان من وراء النَّهر، ويجلس معه في رقةِ بغداد، ويقول حدثني فلان بالرِّقة (رقة الشّام)، في أشياء من هذا الفن، لا تخفى على المحدثين، وكان فيه سوء فهم» (ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم).

فردّ صاحب الكامل عزّ الدِّين الجزيريّ المعروف بابن الأثير (ت 630هـ) على ابن الجوزي، وقد أدرك الاثنان، السّمعانيّ وابن الجوزيّ، قائلاً: «كان مكثراً من سماع الحديث، سافر في طلبه، وسمع ما لم يسمعه غيره، ورحل إلى ما وراء النهر، وخراسان، ودخل إلى بلد الجبل، وأصفهان، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشَّام، وغيرها... وذَكره أبو الفرج بن الجوزيّ وقطعه... أي حاجة به إلى هذا التلبيس البارد؟ وإنما ذنبه عند ابن الجوزي أنه شافعي، وله أسوة بغيره...». (ابن الأثير، الكامل في التَّاريخ).

بعد هذه النّماذج التي قلنا إنها «غيض مِن فيض»، وإلا فكتب التّراث ملأى بمثل هذه المواقف، نأتي بما يراه أبو حيان التَّوحيدي (ت 414هـ) في نقد هذا التحاسد، وبدلاً عنه يُصار إلى تبادل الفائدة والاعتراف بالموهبة، وقد تحدث عما كان يحصل مع النحويّ أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (ت 377هـ)، وكتابه «التّعليقة على كتاب سيبويه»، لأن القوم يفضلون كتاب صاحبهم أبي الحسن علي بن عيسى الرُّماني (ت 384هـ)، وكان الفارسي والرماني ندّين. قال أبو حيان: «يكثرون الطَّلب لكتاب شرح سيبويه، ويجتهدون في تحصيله، فقلت لهم: إنكم لا تزالون تقعون فيه، وتزرون على مؤلّفه، فما لكم وله؟ قالوا: نريد أن نردّ عليه ونعرّفه خطأه فيه. قال أبو حيان: فحصّلوه واستفادوا منه ولم يردّ عليه أحد منهم. أو كما قال أبو حيان، فإني لم أنقل ألفاظ الخبر لعدم الأصل الذي قرأته منه» (الحموي، معجم الأدباء).

كما انتقد التّوحيديّ ما كان يوجهه أبو سعيد السّيرافي، مِن صاحب الأغاني وأبي علي الفارسيّ، والجميع كانوا في عصر واحد، قال: «كان أبو علي وأصحابه كثيري الحسد لأبي سعيد، وكانوا يفضلون عليه الرُّماني، فحكى ابن جني عن أبي علي أن أبا سعيد قرأ على ابن السَّراج 50 ورقة من أول الكتاب ثم انقطع، قال أبو علي: فلقيته بعد ذلك فعاتبته على انقطاعه فقال لي: يجب على الإنسان أنْ يقدم ما هو أهم، وهو علم الوقت من اللُّغة، والشِّعر، والسّماع من الشُّيوخ، فكان يلزم ابن دريد، ومن جرى مجراه من أهل السّماع» (الحموي، معجم الأدباء).

غير أنَّ مَن يقرأ «ذم الوزيرين» أو «مثالب الوزيرين» لأبي حيان التّوحيدي يرى العجب العجاب، فقد أظهر ابن العميد (ت 360هـ)، وابن عباد الصَّاحب (ت 385هـ)، صاحب المحيط في اللغة، والشّاعر، جاهلين لا يملكان مواهبَ ولا آداب، وتداعى ثلبهما إلى ثلب الشّعر والشعراء. وربّما له عذره الشّخصي، فقد كان نساخاً لرسائلهما وكتبهما (مثالب الوزيرين، أخلاق الصاحب بن عباد وابن العميد). وهذا إذا دخلنا فيه لا يسعه المقال.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.