20 عاماً من «فيسبوك»... كيف تطور موقع أنشأه طالب لجامعته إلى شركة تريليونية؟

شعار «فيسبوك» (رويترز)
شعار «فيسبوك» (رويترز)
TT

20 عاماً من «فيسبوك»... كيف تطور موقع أنشأه طالب لجامعته إلى شركة تريليونية؟

شعار «فيسبوك» (رويترز)
شعار «فيسبوك» (رويترز)

في يوم 4 فبراير (شباط) 2004، أطلق مارك زوكربيرغ موقع «thefacebook.com» من مسكنه في جامعة هارفارد، باعتباره فكرة للتواصل بين بعض طلاب الجامعة، ليتحول بعد ذلك إلى أشهر تطبيقات التواصل الاجتماعي في العالم، وأكثرها استخداماً.

وفي حين أن الموقع يتمتع بمجموعة من المميزات، وأهمها أنه يساعدنا على التواصل مع الأصدقاء وأفراد العائلة الذين لم نرهم منذ فترة طويلة، ويدعم الشركات الصغيرة، فإن تاريخه الممتد لعشرين عاماً كان مليئاً بالجدل، بدءاً من فضيحة «كامبريدج أناليتيكا» ومزاعم التدخل في الانتخابات، إلى الافتقار إلى الحماية ضد المحتوى الضار.

ونقل تقرير نشرته شبكة «سكاي نيوز» البريطانية مراحل تطور «فيسبوك»، من موقع بسيط أنشئ في مسكن جامعي، إلى شركة تبلغ قيمتها تريليون دولار.

2004

عندما أطلق زوكربيرغ، طالب علوم الكومبيوتر وعلم النفس، موقع «فيسبوك»، كان مخصصاً لطلاب جامعته فقط، ولم يكن مفتوحاً لعامة الناس على نطاق أوسع.

لقد تم تصميم الموقع في الأساس حتى يتمكن الطلاب من تبادل المنشورات والرسائل.

وجاء انطلاق «فيسبوك» مباشرة بعد تأسيس موقع «ماي سبيس» (MySpace)، منافسه في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولم يكن موقع زوكربيرغ يحقق أي أرباح، وكان خالياً من الإعلانات تماماً.

وبعد أيام قليلة من إطلاقه، واجه زوكربيرغ اتهامات من 3 من زملائه بجامعة هارفارد بسرقة فكرتهم الخاصة بشبكة اجتماعية مماثلة أنشأوها، تسمى «ConnectU»، وادعى التوأم تايلر وكاميرون وينكلفوس، وديفيا ناريندرا، أن زوكربيرغ ساعدهم في مشروع «ConnectU»، وسرق الفكرة منهم بعد ذلك؛ لكنهم وافقوا في النهاية على تسوية قضيتهم القانونية في عام 2008، مقابل 65 مليون دولار.

2005

لم يكن بإمكان الأشخاص تحميل الصور على «فيسبوك» حتى عام 2005؛ حيث أتاح الموقع حينها لمستخدميه القدرة على وضع الصور في ألبومات فرعية.

وقد أدى إدراج الصور على «فيسبوك» أيضاً إلى ظهور مفهوم «الصورة الشخصية».

2006

قبل عام من إطلاق أول هاتف «آيفون»، أطلق «فيسبوك» نسخة له مخصصة للهواتف الجوالة للجيل الأول من مستخدمي الهواتف الذكية.

وفي 26 سبتمبر (أيلول) 2006، توسع «فيسبوك» ليشمل أي شخص يدّعي أنه فوق 13 عاماً، بغضّ النظر عمّا إذا كان لديه انتماء إلى إحدى الجامعات أم لا.

ومع التوسع، أطلق الموقع ميزة «موجز الأخبار» (News Feed)، والذي نشر مفهوم «التصفح» للأخبار، ومجموعة مختارة من المنشورات.

وكان عام 2006 أيضاً العام الأول الذي واجه فيه «فيسبوك» جدلاً كبيراً. واضطر زوكربيرغ إلى الاعتذار للمستخدمين، بعد أن بدأت ميزة «Beacon» في إرسال بياناتهم إلى أطراف ثالثة لإنشاء إعلانات مستهدفة، كما قامت بعرض سجل الشراء الخاص بهم في ملفاتهم الشخصية دون موافقتهم.

2007

جلبت السنة الرابعة لـ«فيسبوك» معها كثيراً من الإنجازات الأولى؛ حيث سمح الموقع بنشر مقاطع الفيديو والصفحات، وانتشرت الإعلانات عليه بشكل ملحوظ.

وأدى انتشار الإعلانات على «فيسبوك» إلى خلق تدفقات ضخمة من الإيرادات، ومنح الشركات طريقة جديدة لتسويق نفسها عبر الإنترنت.

كما سمحت الصفحات للشركات والمؤسسات الأخرى بالانتشار بشكل احترافي أيضاً.

2008

أطلق «فيسبوك» تطبيق المراسلة الفورية الخاص به في مارس (آذار) 2008، والذي أصبح في عام 2011 تطبيقاً منفصلاً يُعرف باسم «ماسنجر».

وشهد هذا العام اختراقاً للبيانات تم فيه نشر تواريخ ميلاد أكثر من 80 مليون مستخدم على المنصة.

شعار تطبيق «فيسبوك» (رويترز)

2009

أضاف «فيسبوك» في هذا العام زر «أعجبني».

ولمنافسة «تويتر» الذي تم إطلاقه في عام 2006، قدم «فيسبوك» أيضاً ميزة الإشارة إلى الأشخاص (tagging) في الصور والمشاركات والتعليقات.

2010

شهد شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2010 افتتاح أول مركز بيانات خاص في «فيسبوك» في ولاية أوريغون.

وبحلول منتصف العام، وصل عدد مستخدمي الموقع إلى 500 مليون مستخدم، مع إضافة فكرة إنشاء «المجموعات» (groups) أيضاً لأول مرة.

2011

في عام 2011، بدأ «فيسبوك» علاقته الطويلة والمعقدة مع سلطات إنفاذ القانون.

فقد رفعت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية (FTC) دعوى قضائية ضده، بسبب انتهاكات متعددة لسياسة الخصوصية الخاصة به. وشملت هذه الانتهاكات تحويل الموقع قوائم الأصدقاء «الخاصة» إلى «عامة»، دون إذن المستخدمين، ومشاركة بياناتهم الشخصية مع شركات الإعلان دون رضاهم.

وبحلول عام 2023، خاضت لجنة التجارة الفيدرالية قضيتها الثالثة ضد «فيسبوك».

2012

في أبريل (نيسان) 2012، اشترت شركة «فيسبوك» تطبيق «إنستغرام»، مقابل مليار دولار، وفي مايو (أيار) تم طرحه في سوق الأسهم لأول مرة.

وقال زوكربيرغ إنه اشترى تطبيق مشاركة الصور لأنه كان «تهديداً» لمستقبل «فيسبوك».

كما أنتجت شركة «Oculus» -وهي علامة تجارية مملوكة لشركة «فيسبوك»- في هذا العام، أول سماعة للواقع الافتراضي.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، وصلت المنصة إلى إنجاز جديد، يتمثل في وصول عدد المستخدمين إلى مليار مستخدم، أي سُبع سكان العالم.

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ب)

2013

في يونيو (حزيران) 2013، حدث خلل في «فيسبوك» تسبب في الكشف عن عناوين البريد الإلكتروني وأرقام الهواتف الخاصة بستة ملايين من مستخدمي «فيسبوك» عبر الإنترنت.

وفيما يتعلق بالميزات، فقد سمح هذا العام للمستخدمين بتعديل منشوراتهم السابقة، ومشاركة الملصقات (stickers) بالإضافة إلى الرموز التعبيرية (emojis).

2014

اشترت «فيسبوك» تطبيق «واتساب» في 2014، مقابل 19 ضعف المبلغ الذي دفعته في «إنستغرام».

واليوم، يستخدم أكثر من نصف مستخدمي الإنترنت في العالم تطبيق «واتساب».

2015

في نهاية عام 2015، تم الكشف عن فضيحة «كامبريدج أناليتيكا» لأول مرة من قبل صحيفتَي «الغارديان» و«نيويورك تايمز»، فقد تبين أن البيانات الشخصية لنحو 50 مليون أميركي ومليون بريطاني على الأقل قد تم حصادها من «فيسبوك»، وتسريبها بشكل غير لائق لـشركة الاستشارات السياسية «كامبريدج أناليتيكا» التي يقع مقرها في المملكة المتحدة.

وأضرت هذه الفضيحة بسمعة «فيسبوك» وأموالها.

2016

أطلقت «فيسبوك» ميزة البث المباشر «facebook live».

وبعد 3 سنوات، استخدم الإرهابي برينتون تارانت هذه الميزة خلال تنفيذه هجوم إطلاق النار على مسجد كرايستشيرش في نيوزيلندا، والذي أسفر عن مقتل 51 شخصاً وإصابة 40 آخرين، لتلقى الميزة انتقادات واسعة.

2017

أطلقت «فيسبوك» ميزة «القصص» (stories) في 2017، بعد عام من إطلاقها على «إنستغرام».

كما أطلق الموقع ميزة «Facebook 360» لتمكين المستخدمين من تحميل الصور البانورامية إلى ملفاتهم الشخصية.

2018

وصلت فضيحة «كامبريدج أناليتيكا» إلى ذروتها في عام 2018، مع مداهمة مكاتب الشركة في لندن، وحلّ الشركة في النهاية.

وأدى ذلك إلى إجبار زوكربيرغ على الخضوع لجلسة استماع في هذا الشأن، أمام لجنة مشتركة من أعضاء الكونغرس الأميركي.

وعانى «فيسبوك» أيضاً من تداعيات خرق آخر للبيانات في ذلك العام؛ حيث تمكن المتسللون من الوصول إلى تسجيلات دخول 50 مليون مستخدم.

2019

شهد الموقع في ذلك العام 3 خروقات منفصلة للبيانات، أثَّرت على صورته بشكل كبير.

وشهد الخرق الأول نشر بيانات 540 مليون مستخدم، بينما تمثل الثاني في نشر «فيسبوك» -عن غير قصد- رسائل بريد إلكتروني لأكثر من 1.5 مليون شخص، وتمثل الثالث في نشر أسماء وأرقام هواتف 267 مليون شخص.

واستجابة لمخاوف الخصوصية، تقول شركة «ميتا» إنها استثمرت منذ ذلك الحين 5.5 مليار دولار لمعالجة هذه المشكلة.

2020

أدت قضية ثانية للجنة التجارة الفيدرالية الأميركية ضد «فيسبوك» إلى صدور أمر من المحكمة بمنعها من تحقيق دخل من البيانات التي تم الحصول عليها من الملفات الشخصية للمستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، والحد من استخدامها للذكاء الاصطناعي.

وفي هذا العام، في جزء من استجابتها لفضيحة «كامبريدج أناليتيكا»، وافقت «فيسبوك» على «تغيير نهجنا بشكل جذري تجاه حماية خصوصية الأشخاص»، ودفعت غرامة قدرها 5 مليارات دولار.

2021

أعلنت شركة «فيسبوك» في 2021 تغيير اسمها إلى «ميتا»، وهي كلمة يونانية تعني «ما بعد»، وتحيل أيضاً إلى «ميتافيرس»، العالم الموازي الذي يرى فيه زوكربيرغ مستقبل الإنترنت.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2021، واجهت شركة «فيسبوك» دعوى قضائية بسبب فشلها في معالجة المعلومات الخاطئة التي روجت للإبادة الجماعية لمسلمي الروهينغا في ميانمار.

ورداً على ذلك، أنشأت «ميتا» سياسة خاصة بميانمار، لإزالة الثناء والدعم والدعوة للعنف من قبل قوات الأمن الميانمارية والمتظاهرين على جميع منصاتها. كما حظرت جيش ميانمار نفسه، وأي صفحات أو مجموعات أو حسابات تمثل الشركات التي يسيطر عليها الجيش.

شعار شركة «ميتا» (رويترز)

2022

خضعت إجراءات الحماية التي اتخذتها شركة «ميتا» ضد المحتوى الضار لتدقيق غير مسبوق في عام 2022، عندما حكم قاضي التحقيق الجنائي في المملكة المتحدة بأن «المحتوى السلبي عبر الإنترنت» لعب دوراً في انتحار أحد الأشخاص لأول مرة.

وكانت هذه القضية تخص فتاة تدعى مولي راسل، وهي تلميذة بريطانية تبلغ من العمر 14 عاماً، عُثر عليها ميتة في غرفة نومها في عام 2017.

وقام والد الفتاة بحملة ضد شركات التكنولوجيا غير الخاضعة للتنظيم، بعد ظهور أدلة على أن ابنته شاهدت محتوى يروج لإيذاء النفس والانتحار على منصات مثل «إنستغرام» و«بينتريست».

واعتذرت رئيسة قسم الصحة والرفاهية في «ميتا»، إليزابيث لاغون، أمام المحكمة، عما حدث لمولي، مقرة بأن كثيراً من المنشورات التي شاهدتها كانت تنتهك بالفعل سياسات «إنستغرام».

2023

شهد قطاع «رياليتي لابس» التابع لـ«ميتا»، والذي يتعامل مع تقنيات الواقع الافتراضي، خسارة قدرها 46.5 مليار دولار في 2023.

كما ألغى زوكربيرغ 21 ألف وظيفة كان مخططاً لها.

وأطلقت «ميتا» العام الماضي تطبيق «ثريدز» لمنافسة «تويتر»، وبحلول نهاية العام، كانت «ميتا» تواجه أيضاً قضية الخصوصية الثالثة التي رفعتها لجنة التجارة الفيدرالية في الولايات المتحدة.

2024

اعتذر زوكربيرغ الأسبوع الماضي لضحايا منصات التواصل الاجتماعي وعائلاتهم، خلال جلسة أمام الكونغرس الأميركي، ضمَّت رؤساء «ميتا» و«إكس» و«تيك توك» و«ديسكورد» و«سنابشات» ودارت حول مخاطر الشبكات الاجتماعية على الأطفال والمراهقين.

وقال رئيس «ميتا» خلال وقوفه أمام ضحايا انتهاكات المنصات الرقمية وعائلاتهم في إحدى قاعات الكونغرس: «آسف لكل ما مررتم به»، عادّاً أنّه «يَجِب ألا يختبر أحد الأمور التي عانتها عائلاتكم».

وتحدث زوكربيرغ عن إجراءات كثيرة اتخذتها مجموعته لحماية الفئة الشابة، معيداً التذكير بأنّ «ميتا» استثمرت أكثر من 20 مليار دولار في مسألة السلامة منذ عام 2016، ووظّفت 40 ألف شخص في قسمَي إدارة المحتوى والسلامة في المنصات.


مقالات ذات صلة

محاكمة تهدد بتغيير «إنستغرام» و«فيسبوك» جذرياً... ما القصة؟

تكنولوجيا صورة توضيحية تظهر شارة التحقق الزرقاء وشعارات «فيسبوك» و«إنستغرام» (رويترز)

محاكمة تهدد بتغيير «إنستغرام» و«فيسبوك» جذرياً... ما القصة؟

تواجه «ميتا» محاكمة مفصلية قد تفرض تغييرات جوهرية على «إنستغرام» و«فيسبوك» لحماية الأطفال، تشمل الإعجابات والتصفح المتواصل وخوارزميات التوصية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

زوكربيرغ يعرض رؤيته للذكاء الاصطناعي ويدعو إلى تقليص القيود

دعا الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، مارك زوكربيرغ، الاثنين إلى تقليص القيود المفروضة على الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار شركة «ميتا» وخلفه كلمة (إيه آي) (رويترز)

«ميتا» تطلق نموذجاً جديداً مفتوح الأوزان للذكاء الاصطناعي

أطلقت شركة التواصل الاجتماعي العملاقة (ميتا) (الاثنين) نموذجاً جديداً مفتوح الأوزان يتيح للمطورين تحميله وتعديله وفقاً لاحتياجاتهم

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ شعار فيسبوك وميتا

مستخدمو « فيسبوك» و«إنستغرام» يبلغون عن عطل في الخدمة

أبلغ مستخدمو « فيسبوك» و«إنستغرام» حول العالم عن مشاكل في الوصول إلى منصتي التواصل الاجتماعي اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا قضاء الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات يُضعف قدرتهم على الكلام (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يطالب «إنستغرام» و«فيسبوك» بتعديل خصائص تسبب الإدمان

وجهت المفوضية الأوروبية اتهامات إلى شركة «ميتا بلاتفورمز» المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» بانتهاك قواعد الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

نظم ذكاء اصطناعي تتراسل فيما بينها... بالبريد الإلكتروني

نظم ذكاء اصطناعي تتراسل فيما بينها... بالبريد الإلكتروني
TT

نظم ذكاء اصطناعي تتراسل فيما بينها... بالبريد الإلكتروني

نظم ذكاء اصطناعي تتراسل فيما بينها... بالبريد الإلكتروني

تلقى أحد زملائي حديثاً رسالة بريد إلكتروني صيغت بأسلوب مهذب واحترافي. كانت الرسالة تطلعه على الوضع الراهن لمشروع مشترك، وتحدّد الخطوات التالية المطلوبة والمسؤول عن كل منها. كانت رسالة عادية تماماً، باستثناء أنها كانت - من البداية إلى النهاية - من نتاج «وكيل ذكاء اصطناعي» (AI agent) أُعِدَّ للعمل نيابةً عن الشخص الذي يمثله.

جرس إنذار مبكر لما هو قادم

ورغم أن تجربة زميلي لا تزال غير شائعة نسبياً، فإنها تُعدّ بمثابة «جرس إنذار» مبكر لما هو قادم. ففي شهر مايو (أيار) الماضي، سلطت وكالة «بلومبرغ» الضوء على تايلر كادويل، مؤسس شركة للأواني الزجاجية في أريزونا، الذي طوّر وكيل ذكاء اصطناعي يصفه بأنه «أول موظف ذكاء اصطناعي» لديه. يقوم هذا الوكيل بمهام مثل «فرز رسائل البريد الإلكتروني الواردة، بل وحتى الرد ذاتياً على المشكلات المتعلقة بسلسلة التوريد».

* أكثر من نصف الموظفين الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل*

وحتى في الحالات التي لا تقوم فيها هذه الوكالات بإرسال رسائل بريد إلكتروني بشكل مستقل، فمن المؤكد أن الناس يستعينون بالذكاء الاصطناعي بشكل متزايد لكتابة تلك الرسائل. ففي الشهر الماضي، أفادت مؤسسة «غالوب» بأن أكثر من نصف الموظفين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل حالياً، وأن الاستخدام الأكثر شيوعاً - الذي أشار إليه 51 في المائة منهم - يتمثل في الكتابة والتحرير، أو بعبارة أخرى: التواصل فيما بينهم.

ذكاء اصطناعي يتواصل مع ذكاء اصطناعي

على سبيل المثال، تلك الرسالة التي تلقاها زميلي من وكيل الذكاء الاصطناعي؟ لقد قام بنسخ نصها ولصقه في برنامج الدردشة الآلي (chatbot) الخاص به، ثم أرسل الرد الذي صاغه البرنامج. ويبدو المشهد ظاهرياً وكأنه تواصل بين البشر، لكن في الواقع، الذكاء الاصطناعي هو من يتحدث مع الذكاء الاصطناعي. وهذه هي الطريقة التي ينبغي لقادة الأعمال الاستجابة بها لهذا الواقع.

لا مجال للعودة إلى الوراء

لا توجد طريقة لإعادة «مارد» الذكاء الاصطناعي المسؤول عن كتابة رسائل البريد الإلكتروني إلى القمقم مرة أخرى. ولا أعتقد أننا يجب أن نرغب في ذلك أصلاً. فالنسخة التي تنتجها الآلة تكون أحياناً أفضل ببساطة. فعندما أوكلت شركة التأمين «أولستيت» (Allstate) مهمة صياغة المراسلات المتعلقة بمطالبات التأمين - والتي تبلغ نحو 50 ألف رسالة يومياً - إلى تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي، جاءت الرسائل التي كتبتها الآلة أكثر وضوحاً، وأقل استخداماً للمصطلحات المعقدة، وأكثر تعاطفاً مقارنة بتلك التي كان يرسلها الموظفون البشر.

علاوة على ذلك، أصبح تفويض المهام للذكاء الاصطناعي - بشكل متزايد - هو الاستجابة العقلانية الوحيدة المتاحة للموظفين الذين يغرقون في طوفان من المراسلات الإلكترونية. وكان تقرير «مايكروسوفت» لعام 2025 حول اتجاهات العمل، قد كشف عن أن الموظف العادي يتلقى 117 رسالة بريد إلكتروني و153 رسالة عبر تطبيق «تيمز» (Teams) يومياً. ومن المنطقي - بل وقد يزيد من إنتاجية الموظفين - تفويض جزء من هذا العبء إلى الذكاء الاصطناعي.

لكن تفويض المحادثات لا يعني ترك الأمر دون ضوابط أو معايير؛ ففي الواقع، مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في التواصل بين الأفراد، تزداد أهمية حوكمة هذه المحادثات. إذ يضع صعود الذكاء الاصطناعي المؤسسات أمام تساؤلات لم تكن سياساتها تتوقعها من قبل: ما هي المحادثات التي يمكن تفويضها؟ وما هي الالتزامات التي قد تفرضها الآلة علينا؟ ومن يملك ما يُقال في هذه المحادثات؟

3 ركائز أساسية لمواجهة التحديات

هناك ثلاث ركائز أساسية تهم المؤسسات لمواجهة هذا التحدي: تحديد ما لا يجب تفويضه مطلقاً، والعمل على أن يكون أي تفويض آخر خطوة مدروسة ومقصودة، وإعادة تحديد ملكية التبادلات التي يتم تفويضها بالكامل.

1. تحديد ما لا يجب تفويضه مطلقاً

لقد قضى الفيديو على نجوم الإذاعة والآن يقضي الذكاء الاصطناعي على عملية تقييم الأداء. ففي عام 2024، صرحت مديرة سابقة في شركة «دروب بوكس» (Dropbox) لموقع «أكسيوس» بأنها استخدمت «تشات جي بي تي» لكتابة تقييمات الأداء الخاصة بموظفيها. وحديثاً في فبراير (شباط) الماضي أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن أعداداً متزايدة من المديرين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإجراء تقييمات الأداء.

ولا يقتصر الأمر على مبادرات فردية فحسب، بل هو توجّه مؤسسي أيضاً؛ فكما نوقش في مقال حديث بمجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، قامت شركات مثل «سيتي» (Citi) و«جي بي مورغان» (JPMorgan) و«مجموعة بوسطن الاستشارية» (BCG) بتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تدعم صياغة تقييمات الأداء.

لقد سبق لي القول بأن بعض الأنشطة القيادية - ومن بينها تقييم الأداء - تستمد قيمتها من التفاعل البشري الكامل. فعملية التقييم تكتسب أهميتها لأن مديرك قد قيّم أداءك خلال العام بالفعل؛ والأخبار السيئة تُنقل بأسلوب إنساني؛ لأن شخصاً ما اختار إيصالها بنفسه؛ والتوجيه والإرشاد ينجح لأن شخصاً تحترمه قد خصص لك أثمن موارده (وقته). لذا؛ فإن تفويض مثل هذه الأنشطة للذكاء الاصطناعي لا يجعل سير العمل أكثر كفاءة، بل يقضي على القيمة التي كان من المفترض أن يولدها هذا العمل.

وعليه، يتعين على كل مؤسسة رسم «خط بشري» فاصل: تحديد المحادثات التي تعتمد قيمتها على العنصر البشري، وضمان بقائها بشرية بالكامل (بنسبة 100 في المائة). أما ما عدا ذلك، فيمكن تفويضه شريطة أن يتم ذلك بشكل مدروس ومقصود. وهنا يأتي دور الركيزة الثانية.

2. توخّي الدقة والوعي عند التفويض

أي التعامل مع التفويض بوعي وقصد. يجب أن يتحرك التفويض ضمن نطاق متدرج. ففي أحد طرفيه نجد العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي: حيث تقوم أنت بالإنشاء وتتولى الآلة الصقل والتحسين. وفي مرحلة تالية نجد التفويض للذكاء الاصطناعي: حيث تتولى الآلة صياغة المسودة، في حين تكتفي أنت بإلقاء نظرة سريعة عليها ثم إرسالها.

أما في الطرف الأقصى، فنجد التمثيل بواسطة الذكاء الاصطناعي: حيث يتولى وكيلك الذكي إدارة التفاعل بالكامل، وقد لا تطلع عليه أنت إطلاقاً.

من السهل الانزلاق عبر هذا النطاق دون إدراك ذلك. على سبيل المثال، تستخدم إحدى الوسيطات العقارية - سلطت صحيفة «فاينانشال تايمز» الضوء على تجربتها - أداة ذكاء اصطناعي لإدارة تسعة صناديق بريد إلكتروني. ورغم أن هذه الأداة توفر عليها ساعات من العمل أسبوعياً، فإنها تعترف قائلة: «أحياناً، أقع في خطأ السماح للآلة بالتفكير نيابة عني».

لا تكمن المشكلة في كون الذكاء الاصطناعي يفكر نيابة عنها؛ فهذا هو جوهر التفويض، وغالباً ما يكون التفويض هو الخيار الصائب. إلا أن المشكلة تكمن في حدوث ذلك دون اتخاذ قرار واعٍ بشأنه. فالتفويض المقصود والمختار يتضمن عملية تسليم واضحة للمهام: أنت تدرك ما تنازلت عنه، وبالتالي تعرف كيف تجب إدارته. أما التفويض الناتج من الانزلاق التلقائي، فلا يتضمن أي عملية تسليم أو توضيح للمسؤوليات.

وعند تعميم هذا الأمر على القوى العاملة بأكملها، يتحول سمةً تنظيمية عامة. فعندما يفقد الأفراد ارتباطهم الحقيقي بما يصدر عنهم من أقوال، تعجز المؤسسة عن معرفة ما يُقال باسمها أو مدى تدخل التقدير البشري في تلك الأمور.

وفيما يتعلق بكل ما يقع خارج نطاق التدخل البشري المباشر، فإن مهمة الحوكمة لا تتمثل في تقييد التفويض، بل في جعله أمراً مرئياً وواضحاً. لذا؛ ضع قاعدة بسيطة لفرق العمل لديك: حدّدوا بدقة موقعكم على نطاق التفويض، واحرصوا على أن تكون المؤسسة على دراية بذلك أيضاً.

3. امنح وكلاءك تفويضاً محدداً... وعيّن لهم مسؤولاً بشرياً

يروي تقرير لوكالة «بلومبرغ» قصة مسؤول تنفيذي في شركة ناشئة، حيث خرج وكيله الذكي المنزلي عن السيطرة وبدأ في مراكمة تكاليف بقيمة 100 دولار ساعة تلو الأخرى؛ ولم يتم تدارك الموقف إلا حين لاحظ المسؤول بالصدفة تنبيهات الفواتير في صندوق بريده.

لا يكمن الحل في مراجعة كل رسالة يرسلها الوكيل الذكي؛ فهذا من شأنه أن يقضي على الغرض الأساسي من استخدامه. بل يكمن الحل في إعادة بناء ما كان يوفره عنصر الرقابة البشرية سابقاً. ويتطلب ذلك تحديداً ثلاثة أمور:

* أولاً، التفويض المحدد: اتخاذ قرار صريح بشأن ما يمكن للوكيل الذكي الالتزام به نيابة عنك؛ كترتيب اجتماع أو تحديد موعد للتسليم، مثلاً، مع استبعاد الالتزام بأي أسعار أو تكاليف مالية.

* ثانياً، الاحتواء والضبط: لا تعتمد كلياً على التزام الوكيل الذكي بالتعليمات؛ فالتعليمات بالنسبة للوكيل ليست سوى نصوص إضافية؛ إنه يتبعها تماماً كما يتبع كل شيء آخر؛ في الغالب، وإن لم يكن دائماً. تكمن الضوابط الفعلية والمهمة خارج نطاق «الوكيل» (البرمجية الذكية)، بل في الأنظمة التي يتفاعل معها: كبطاقة دفع مالي ذات سقف إنفاق صارم، أو بيانات اعتماد تتيح الوصول إلى التقويم دون مجلد العقود، أو بوابات اعتماد تحيل المبادلات ذات الأهمية الكبيرة إلى عنصر بشري قبل إبرام أي اتفاق.

*وثالثاً، وجود «مالك»: أي شخص محدّد يتحمل المسؤولية عن تصرفات الوكيل في جميع الأحوال.

حوكمة طبقة التواصل

تُشكّل الركائز المذكورة أعلاه المبادئ الأساسية التي ينبغي أن توجّه حوكمة طبقة التواصل الجديدة داخل المؤسسات. وإليك أربع خطوات عملية يمكنك اتخاذها فوراً للبدء في تحويل هذه المبادئ إلى ممارسات حوكمة فعلية في مؤسستك:

* راجع مواضع التواصل المباشر بين أنظمة الذكاء الاصطناعي. حدّد وارسم خريطة للمبادلات التي تتم داخل مؤسستك، حيث تكون الأطراف المتواصلة أنظمة ذكاء اصطناعي من الجانبين؛ فقد تفاجئك النتائج.

* حدّد الخط الفاصل للبشر. اجمع فريق القيادة وحدّد ما بين ثلاث إلى خمس محادثات تعتمد قيمتها كلياً على الحضور البشري. أعلن أنها محادثات مقتصرة على البشر فقط، ووضّح الأسباب.

* صنّف أنماط التواصل. اختر فريقاً واحداً واطلب من أعضائه تصنيف اتصالاتهم لمدة أسبوع وفق الفئات التالية: تواصل بشري خالص، أو تواصل مدعوم بالذكاء الاصطناعي، أو مفوّض للذكاء الاصطناعي، أو تمثيل بواسطة الذكاء الاصطناعي. من شبه المؤكد أن واقعك الحالي يقع في نقطة أبعد على هذا الطيف مما تعتقد.

* امنح تفويضاً لوكيل ذكاء اصطناعي واحد. بالنسبة لحالة استخدام محددة لوكيل واحد، دوّن الأمور التي يمكنه الالتزام بها بشكل مستقل، وضع الضوابط الفعلية خارج نطاق الوكيل (مثل سقف الإنفاق، وصلاحيات الوصول المحدودة، وبوابات الاعتماد)، وحدد الشخص المسؤول عن مخرجاته. سيصبح هذا النموذج بمثابة القالب الذي يمكنك تطويره وتطبيقه على الحالات اللاحقة.

* مجلة «فاست كومباني»


رئيس «مايكروسوفت العربية» يحدد لـ«الشرق الأوسط» أولويات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في السعودية

أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)
أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)
TT

رئيس «مايكروسوفت العربية» يحدد لـ«الشرق الأوسط» أولويات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في السعودية

أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)
أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)

بعد سنوات من بناء البنية التحتية والأطر التنظيمية، يتحول التحدي في السعودية إلى كيفية دمج الذكاء الاصطناعي فعلياً في صميم عمل المؤسسات. وهذه هي الفجوة التي يضعها أيمن الغامدي، الرئيس الجديد لـ«مايكروسوفت العربية»، في صدارة أولوياته، مع انتقاله إلى قيادة أعمال الشركة في المملكة.

وفي أول مقابلة إعلامية له منذ توليه المنصب في شهر يوليو (تموز) الفائت، يضع الغامدي ثلاث أولويات للمرحلة المقبلة: بناء قاعدة سحابية موثوقة، ونقل الذكاء الاصطناعي من التجارب إلى الاستخدام الفعلي، وتوسيع القدرات المحلية، بالتوازي مع إطلاق منطقة (أزور) «Azure» في المنطقة الشرقية للمملكة وتوسيع برامج المهارات وتطوير حلول محلية قابلة للنمو إقليمياً وعالمياً.

فجوة التنفيذ داخل المؤسسات

يقول الغامدي إن السعودية أنجزت جانباً كبيراً من العمل التأسيسي المطلوب للانتقال إلى اقتصاد يعتمد بصورة أوسع على البيانات والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى ما تحقق في البنية التحتية وحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي المسؤول وبناء القدرات.

ويستشهد في هذا السياق بما وصفه بتقدم «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي»، موضحاً أن المنظومة التنظيمية تشمل 32 أداة تنظيمية مرتبطة بالبيانات و13 أداة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكنه يرى أن المرحلة التالية ستعتمد بدرجة أكبر على ما يحدث داخل المؤسسات نفسها.

ويصرح لـ«الشرق الأوسط»: «لا تزال مؤسسات كثيرة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شيئاً يُجرَّب، بدلاً من دمجه في العمليات الأساسية». وبالنسبة إليه، فإن تقليص هذه الفجوة يتطلب ربط الذكاء الاصطناعي مباشرةً بأداء الأعمال والخدمات وتجربة العملاء، مع توفير البيانات المناسبة والحوكمة والمواهب ونماذج التشغيل القادرة على تحويل الاستخدام إلى أثر قابل للقياس.

هذا التوجه يشكل المحور الرئيسي لأولويات الغامدي في عامه الأول، إذ يرى أن الهدف هو جعل أثر الذكاء الاصطناعي «حقيقياً، وليس مجرد عنوان»، بحيث يظهر في طريقة عمل المؤسسات وفي الخدمات التي تقدمها والنتائج التي تحققها.

«مايكروسوفت»: المنافسة بين مزودي السحابة والذكاء الاصطناعي ستنتقل من مجرد توفير النماذج والبنية التحتية إلى القدرة على تحقيق أثر فعلي وآمن داخل المؤسسات (أدوبي)

ثلاث أولويات للعام الأول

يضع الغامدي أولاً ما يسميها «القاعدة السحابية الموثوقة»، خصوصاً مع استعداد منطقة (أزور) «Azure» في المنطقة الشرقية للمملكة أن تصبح متاحة لأعباء عمل العملاء. ويربط هذه الخطوة بقدرة المؤسسات على تحديث أنظمتها الحساسة بطريقة آمنة ومسؤولة، وليس فقط بإضافة مزيد من القدرة الحاسوبية داخل المملكة.

أما الأولوية الثانية فهي نقل مشاريع الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى القيمة العملية. ويفيد بأن معيار النجاح لن يكون عدد حالات الاستخدام التي تعلن عنها الشركات، بل مقدار التحسن الذي يتحقق في الإنتاجية والخدمات والعمليات وتجربة العملاء.

ويشير إلى منصة «O3ai» وهي

نظام ذكي للمصانع الذكية

طوّرته «مجموعة العبيكان» بوصفها مثالاً على ما يمكن أن يبدو عليه هذا الانتقال من التجريب إلى الاستخدام العملي، وفقاً لإجابته.

ويضع بناء القدرات السعودية في المرتبة الثالثة، مستنداً إلى التزام «مايكروسوفت» بمساعدة 3 ملايين شخص في السعودية على اكتساب مهارات في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030. ويقول إن الهدف من ذلك هو أن يكون التحول مبنياً ومستداماً محلياً، لأن «التكنولوجيا وحدها لا تصنع التحول، بل الناس».

المنطقة السحابية... أكثر من استضافة محلية

لا يقدم الغامدي إطلاق المنطقة السحابية السعودية بوصفه مسألة سعة أو إقامة بيانات فقط، بل يربطه بقدرة الشركات والجهات الحكومية على تحديث أعباء العمل الحرجة والاستعداد لتوسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي. ويشير إلى أن التوسع على مستوى وطني يحتاج إلى عناصر متكاملة تشمل جاهزية السحابة، وبنية البيانات والأمن والحوكمة والمهارات وشبكة قوية من الشركاء. ومن هذا المنطلق، يرى أن الأثر الأوسع للمنطقة الجديدة قد يظهر في انتقال جزء أكبر من خلق القيمة الرقمية إلى داخل المملكة. ويقول إن ذلك يمكن أن يعني مزيداً من الحلول المحلية، وتعميق القدرات التقنية، وتوسيع الابتكار بين الشركاء، وعلى المدى الأبعد إنتاج ملكية فكرية يمكن أن تخدم السوق السعودية وأسواقاً أخرى في المنطقة.

سوق أكثر تنافساً

يرى الغامدي أن اتساع الخيارات أمام العملاء السعوديين بين مزودي الخدمات السحابية المحليين والعالميين تطور إيجابي، معتبراً أنه يعكس سوقاً «قوية وسريعة النضج». ومع اتساع القدرة السحابية وازدياد سهولة الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لا يرى أن التنافس سيظل قائماً فقط على من يمتلك البنية أو النموذج.

ويلفت إلى أن «التميّز سينتقل من الوصول إلى الأثر»، موضحاً أن السؤال لن يكون فقط حول من لديه النموذج، بل حول من يستطيع مساعدة المؤسسات على استخدامه بصورة آمنة ومسؤولة وبطريقة تغير فعلياً أساليب العمل.

ويربط ذلك بمحاولة جمع السحابة والبيانات والأمن السيبراني وأدوات الإنتاجية وتطبيقات الأعمال وأدوات المطورين وخيارات النماذج ضمن منصة واحدة، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من سير العمل اليومي والقرارات والعمليات وتجارب العملاء.

كما يركز على مسألة التحكم في البيانات والسياق والمعرفة المؤسسية التي تميز كل جهة. ويلخّص الغامدي عناصر المنافسة التي تراهن عليها «مايكروسوفت» في ثلاثة مفاهيم: «الثقة والاختيار والتحكم»، إلى جانب القدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أثر قابل للقياس على نطاق واسع.

العائد غير المتساوي من الذكاء الاصطناعي

رغم تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التوليدي، يقر الغامدي بأن هناك خطراً في أن تتحرك المؤسسات نحو هذه التقنيات بسرعة أكبر من قدرتها على إصلاح مشكلات البيانات والعمليات والحوكمة.

ويقول إن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكنه تسريع ما تفعله المؤسسة بالفعل، لكنه «لا يستطيع التعويض عن ضعف أسس البيانات أو تشتت العمليات أو غياب الحوكمة الواضحة». ويرى أن المؤسسات التي تحقق نتائج أقوى هي التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كجزء من تحول الأعمال، وليس كمشروع تقني منفصل.

ويستشهد بتجربة شركة «معادن»، قائلاً إن فرقها توفر أكثر من 2200 ساعة شهرياً باستخدام «Microsoft 365 Copilot» و«Copilot Studio» و«Azure OpenAI Service». وبالنسبة إليه، لا ينبغي النظر إلى سرعة التبني بمعزل عن جودة الأسس التي يقوم عليها. ويقول إن الأمن والحوكمة يجب أن يتقدما بالسرعة نفسها، بحيث لا يصبح السؤال عما إذا كانت المؤسسة تتحرك بسرعة كبيرة، بل عما إذا كانت بنيتها التنظيمية والبيانية والأمنية تتحرك معها.

تعوّل «مايكروسوفت العربية» على المنطقة السحابية السعودية لدعم أعباء العمل الحساسة ومتطلبات إقامة البيانات وتوسيع بناء الحلول (الشركة)

من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها

يرى الغامدي أن المرحلة المقبلة في السعودية لا تتعلق فقط باستخدام المنصات العالمية، بل بزيادة القدرة على بناء تقنيات من داخل المملكة يمكن أن تتوسع خارجها.

ويقول إن دور «مايكروسوفت» في هذا الجانب يتمثل في توفير البنية السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ومنصات البيانات والدعم من منظومة الشركاء للشركات السعودية والناشئة والمطورين. كما يشدد على أن المنطقة السحابية المحلية يمكن أن تساعد على بناء واستضافة حلول داخل المملكة مع تلبية متطلبات إقامة البيانات والتنظيم.

ويضيف أن الفرصة طويلة المدى هي انتقال عدد أكبر من المؤسسات السعودية «من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها»، بما يشمل تطوير ملكية فكرية ومنصات وحلول ذكاء اصطناعي ذات قدرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.

السيادة الرقمية... والقدرة المحلية

عند سؤاله عن السيادة الرقمية والفرق بين إقامة البيانات والسيطرة التشغيلية والاستقلال التقني، ركز الغامدي في إجابته على زيادة القدرة المحلية على بناء الحلول واستضافتها داخل المملكة.

وأشار إلى أن وجود البنية السحابية المحلية يتيح للمبتكرين تطوير واستضافة حلول داخل السعودية مع مراعاة متطلبات إقامة البيانات والتنظيم، وربط ذلك بالتحول من استخدام التكنولوجيا إلى إنتاجها.

ولم يفصل الغامدي بصورة مباشرة بين إقامة البيانات والسيطرة التشغيلية والاستقلال التقني، لكنه ربط المسألة بقدرة الشركات السعودية والناشئة والمطورين على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة التقنية والمعرفة والملكية الفكرية داخل المملكة.

تربط الشركة النجاح على المدى الطويل بانتقال السعودية من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها عبر تطوير مهارات ومواهب وحلول ومنصات (أدوبي)

دور يتجاوز البنية التحتية

يعود الغامدي في تفسيره لدور «مايكروسوفت» في السعودية إلى تاريخ يمتد لأكثر من 25 عاماً من العمل مع الحكومة والمؤسسات والشركات والمطورين والشركاء والجهات التعليمية، بما في ذلك التعاون مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في مجالات السحابة والمهارات والذكاء الاصطناعي المسؤول.

ويقول إن المرحلة الحالية ترفع مستوى المسؤولية من مجرد توفير التكنولوجيا إلى تحويلها إلى نتائج وطنية، مثل تحسين الخدمات والإنتاجية وتعزيز البيئات الرقمية الآمنة وخلق فرص أوسع للمواهب السعودية.

ويتولى الغامدي منصبه بعد أكثر من 15 عاماً من الخبرة داخل «مايكروسوفت»، وكان قبل ذلك يقود أعمال الشركة مع القطاع العام في السعودية، بما شمل الجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية والتعليم والرعاية الصحية، إضافةً إلى مشاركته في مبادرات مرتبطة بتنظيم السحابة الحكومية ومنصة التحليلات الوطنية. كما شملت مسيرته أدواراً في «أوراكل» و«غوغل».

اختبار السنوات الثلاث المقبلة

وفي إجابته عن المعيار الذي يمكن من خلاله تقييم فترته بعد ثلاث سنوات، لم يربط الغامدي النجاح بحجم الأعمال أو عدد المنتجات التي يتم بيعها، بل بصيغة أوسع تتعلق بتحويل طموح الذكاء الاصطناعي إلى نتائج يمكن ملاحظتها. ويقول: «بعد ثلاث سنوات، سأقيّم النجاح من خلال سؤال واحد: هل ساعدنا السعودية على تحويل طموح الذكاء الاصطناعي إلى تقدم يستطيع الناس رؤيته؟».

ويحدد ذلك في توسع البنية السحابية الموثوقة داخل المؤسسات والقطاعات الحرجة، وانتقال الذكاء الاصطناعي من التجارب إلى تحسينات قابلة للقياس في الإنتاجية والخدمات وتجربة العملاء، إلى جانب زيادة عدد المواهب والشركاء والمطورين السعوديين القادرين على بناء قيمة رقمية من داخل المملكة.

وبهذا الإطار، تتركز المرحلة التي يصفها الغامدي على اختبار قدرة الاستثمارات التقنية على الانتقال من التبني إلى التنفيذ، ومن استخدام النماذج والمنصات إلى نتائج في الإنتاجية والخدمات والمهارات والملكية الفكرية يمكن قياسها داخل الاقتصاد السعودي.

Your Premium trial has ended


«شات جي بي تي» يتذكر ما تفعله على جهاز «ماك» حتى خارج التطبيق

يتذكر «ChatGPT» نشاطك على التطبيقات والمواقع «ChatGPT»
يتذكر «ChatGPT» نشاطك على التطبيقات والمواقع «ChatGPT»
TT

«شات جي بي تي» يتذكر ما تفعله على جهاز «ماك» حتى خارج التطبيق

يتذكر «ChatGPT» نشاطك على التطبيقات والمواقع «ChatGPT»
يتذكر «ChatGPT» نشاطك على التطبيقات والمواقع «ChatGPT»

تتجه «OpenAI» خطوة إضافية نحو تحويل «ChatGPT» من روبوت محادثة ينتظر أسئلة المستخدم إلى مساعد رقمي يمتلك سياقاً مستمراً لما يعمل عليه، بعد إطلاق ميزة جديدة تحمل اسم «Computer History» (سجل الكمبيوتر) في تطبيق «ChatGPT» لأجهزة «ماك».

الميزة التي أطلقتها الشركة تستطيع بعد تفعيلها إنشاء سجل زمني لنشاط المستخدم عبر التطبيقات ومواقع الإنترنت التي يختار السماح لها، وتحويل أجزاء من هذا النشاط إلى «ذكريات» يمكن لـ«ChatGPT» و«Codex» الاستفادة منها لاحقاً.

وبذلك، لا يعود المستخدم مضطراً في كل مرة إلى شرح ما كان يعمل عليه من البداية. فعند العودة إلى الجهاز يمكنه سؤال «ChatGPT» عما كان يعمل عليه سابقاً، أو محاولة العثور على مستند تعامل معه مؤخراً، أو تلخيص نشاطه خلال يوم العمل.

كيف يعرف «ChatGPT» ما كنت تفعله؟

على خلاف بعض تقنيات تسجيل نشاط الكمبيوتر التي تعتمد على التقاط صور متكررة للشاشة، لا تقوم «Computer History» بتسجيل الشاشة أو التقاط الصور والفيديو والصوت.

وتعتمد الميزة بدلاً من ذلك على أحداث التفاعل مع الجهاز، بما يشمل النقرات والكتابة واختصارات لوحة المفاتيح والتنقل بين التطبيقات، بالإضافة إلى المعلومات التي يتيحها نظام إمكانية الوصول في «macOS».

وهذا يعني أن النظام لا يحتاج إلى «مشاهدة» سطح المكتب بالصورة التقليدية، بل يجمع سياقاً منظماً حول تفاعل المستخدم مع البرامج والمواقع التي سمح لها.

يساعدك على استعادة عملك دون شرح السياق من جديد «ChatGPT»

ذاكرة تتجاوز المحادثة

القيمة الأبرز في الميزة لا تكمن في تسجيل النشاط بحد ذاته، وإنما فيما يستطيع «ChatGPT» فعله بهذا السياق لاحقاً.

فالخدمة تنشئ خطاً زمنياً للنشاط و«ذكريات» يستطيع «ChatGPT» و«Codex» استخدامها، ما يجعل ذاكرة المساعد مرتبطة بصورة أكبر بالعمل الفعلي للمستخدم على الكمبيوتر، وليس فقط بما كتبه داخل نافذة المحادثة.

ويمكن للميزة أيضاً التعرف على بعض أنماط العمل المتكررة واقتراح تحويلها إلى مهارات أو عمليات مؤتمتة، الأمر الذي يفتح المجال أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ جزء من الأعمال الروتينية اليومية للمستخدم.

ماذا عن الخصوصية؟

منح مساعد ذكي القدرة على تذكر النشاط عبر التطبيقات يضع الخصوصية في قلب النقاش، ولهذا جعلت «OpenAI» الميزة متوقفة افتراضياً، ولا يبدأ جمع النشاط إلا بعد أن يختار المستخدم تشغيلها بنفسه.

ويستطيع المستخدم تحديد التطبيقات والمواقع التي يسمح لها بالدخول ضمن السجل، وإيقاف الميزة مؤقتاً، إضافة إلى حذف عناصر من سجل النشاط لاحقاً. كما تستثني الميزة نوافذ التصفح الخاصة، ولا تسجل الشاشة أو الكاميرا أو الميكروفون أو صوت النظام.

وتُخزن بيانات النشاط الخام مؤقتاً على جهاز «ماك» لمدة تصل إلى 48 ساعة قبل حذفها، فيما يمكن أن تبقى «الذكريات» التي يتم إنشاؤها حتى يقرر المستخدم حذفها.

كيف يمكن تفعيلها؟

يمكن تفعيل «Computer History» من تطبيق «ChatGPT» على أجهزة «ماك» بالدخول إلى الإعدادات (Settings) ثم التخصيص (Personalization) واختيار «Computer History» وبدء إعداد الميزة. ويطلب التطبيق بعدها منح «ChatGPT» صلاحية إمكانية الوصول (Accessibility) في نظام «macOS»، قبل أن يتمكن المستخدم من تحديد التطبيقات والمواقع التي يرغب في السماح للميزة بتسجيل نشاطه فيها. ويمكن العودة إلى الإعدادات في أي وقت لإيقاف الميزة مؤقتاً أو تعديل التطبيقات والمواقع المسموح بها أو إدارة سجل النشاط.

ليست متاحة للجميع

تتوفر «Computer History» حالياً عبر تطبيق «ChatGPT» على نظام «ماك» لمشتركي Pro وBusiness وEnterprise، وفي حسابات الشركات يجب أن يسمح مسؤول مساحة العمل باستخدام الميزة أولاً، على أن يظل قرار تفعيلها بيد المستخدم نفسه.

كما أن الإطلاق الحالي للميزة يتم بشكل تدريجي، مع وجود بعض القيود الجغرافية على توافرها.

خطوة نحو المساعد الشخصي الحقيقي

ربما تكون أهمية «Computer History» أكبر من مجرد العثور على مستند أو تذكّر ما فعله المستخدم خلال يومه. فمنذ انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان المستخدم هو المسؤول عن تقديم السياق للنموذج في كل مرة؛ يرفع الملفات، ويشرح المشروع، ويخبر المساعد بما حدث سابقاً قبل أن يطلب منه تنفيذ المهمة.

الميزة الجديدة تبدأ تغيير هذه العلاقة؛ فبدلاً من شرح كل شيء من الصفر، يصبح لدى «ChatGPT»، بموافقة المستخدم، سياق يساعده على فهم ما كان يعمل عليه. ويمكن، على سبيل المثال، إغلاق الجهاز في أثناء العمل على مشروع، ثم العودة بعد ساعتين وسؤال المساعد: «أين توقفت؟»، ليتمكن من استعادة سياق العمل والمساعدة على مواصلة المهمة.

وهنا تتحول «ذاكرة ChatGPT» من مجرد تذكّر للمحادثات السابقة إلى ذاكرة مرتبطة بالعمل الذي يقوم به المستخدم على الكمبيوتر نفسه، في خطوة تقرّبه أكثر من مفهوم المساعد الشخصي الذي لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يفهم ما كنت تعمل عليه وما قد تكون خطوتك التالية.