برنار سوفا لـ«الشرق الأوسط»: اللبنانيون صنعوا شهرتي وأغنياتي تلمس قلوبهم

المغني الفرنسي رمز من الزمن الجميل لجيل الثمانينات

الجمهور اللبناني صنع نجوميتي (ستار سيستم)
الجمهور اللبناني صنع نجوميتي (ستار سيستم)
TT

برنار سوفا لـ«الشرق الأوسط»: اللبنانيون صنعوا شهرتي وأغنياتي تلمس قلوبهم

الجمهور اللبناني صنع نجوميتي (ستار سيستم)
الجمهور اللبناني صنع نجوميتي (ستار سيستم)

تحفظ أجيال من اللبنانيين أغاني المغني الفرنسي برنار سوفا الذي يذكّرهم بأيام جميلة خلت، عندما كانت تحاكي قلوبهم أيام الشباب والمراهقة. سوفا الذي يعود إلى بيروت بعد غياب منذ عام 2018 يُبدي سعادة كبيرة بهذا اللقاء. فهو يُحْيي حفلاً غنائياً على مسرح كازينو لبنان في 9 فبراير (شباط) بمناسبة عيد الحب، يؤدي خلاله أجمل أغانيه مثل «فستانك الأخضر»، و«زاوية حب» و«الصداقة» وغيرها. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «في كل مرة أزور فيها لبنان أشعر بحماس كبير للقاء أهله. هناك أجيال تربّت على أغنياتي وحفظتها عن ظهر قلب، لأنها لامستهم عن قرب. ولا أذيع سراً إذا قلت إن الجمهور اللبناني هو الذي صنع شهرتي، وحفّزني على إكمال مسيرتي في بلدي الأم فرنسا، إذ لم أكن معروفاً فيه بعد».

يصف الساحة الفنية اليوم بالتراجع (ستار سيستم)

يحمل سوفا الجميل للبنان وأهله، ولا ينسى أن المخرج الراحل سيمون أسمر كان من أول مشجعيه؛ «استضافني في برامجه التلفزيونية، وكان خير مساعد لي في شقّ طريقي وتعبيدها منذ السبعينات».

في حفله في كازينو لبنان الذي تنظمه شركتا «ستار سيستم» و«تو يو تو سي» في 9 فبراير، يخصّ سوفا جمهوره بأغنية لبيروت، عنوانها «دمعة على بيروت»؛ «سبق وغنيتها من قبل، ولكنني آثرت إعادة توزيعها الموسيقيّ لتقديمها في عيد الحب في بيروت». ويتابع: «إنه لمن دواعي سروري أن أقف أمام هذا الجمهور الوفيّ. لقد عرفت لبنان الحرب والسلم، وفي الحالتين عشقته وتقربت منه أكثر فأكثر. الأغنية الجميلة والغنية بالعاطفة والحب، تنعكس إيجاباً على الناس. أعرف تماماً أسماء الأغاني التي يحب اللبنانيون سماعها مني. ولذلك حفلي في بيروت لا يشبه غيره في بلدان أخرى، وقمت بلائحة خيارات رائعة من الأغاني التي أعرف سلفاً أن اللبنانيين ينتظرونها مني».

يتحدث المغني الفرنسي عن بيروت بحماسة كبيرة ويتذكر: «ليس لديّ سوى ذكريات جميلة عنها وعن أهلها وحسن ضيافتهم وحبهم للفن الحقيقي. هناك قصة حب جميلة تربطني بها وبأهلها، وأنا فخور بذلك».

بالنسبة له الحياة تكمل دورانها رغم كل شيء: «عندما أسترجع شريط ذكرياتي منذ بداياتي، أتوقف عند محطات كثيرة؛ فالساحة الفنية في العالم أجمع تراجعت وتغيّر مزاج الناس. لم أتوقع يوماً أني وبعد نحو 60 عاماً من مشواري الفني سأقف على خشبة مسرح أغني فيها بداياتي. فهي حُفرت في ذاكرة الناس لأنها تعكس شخصيتي. أنا من المغنين الذين لا يؤدون إلا الأعمال التي تُقنعهم. فعندما غنيت الصداقة والحب وموضوعات أخرى، فلأنها تعني لي الكثير وتشبهني. فأنا على الخشبة أحبّ أن أشعر بالراحة، وأستمتع بما أغنيه».

يُحيي برنار سوفا حفلاً في بيروت بمناسبة عيد الحب (ستار سيستم)

كان سوفا قبل دخوله عالم الغناء أستاذ رياضيات؛ «كنت أقف أيضاً على خشبة (استراد) من نوع آخر ترتبط بالصف الدراسي. اليوم الخشبة أخذت منحى آخر عندي، وصارت فضائي الواسع. تلامذتي كانوا يحبون أسلوبي في الشرح فيتلقفونه بسرعة. والأغنية أيضاً تتطلب سرعة الوصول إلى القلوب، فتضرب عند الناس وتلاقي تجاوباً منهم».

في رأيه حياة الفنان لا تقتصر على نجاحاته فقط لأن محبة الجمهور وحدها هي ما يصنع مسيرته، وهذا التفاعل بينه وبينهم يولّد علاقة وثيقة لا تتزعزع. ويتابع: «إنها تشبه تلك التي تربطني بجمهوري في لبنان. وأنا آتي إلى بيروت لأحافظ على هذا الحب. فالناس باتوا يبتعد بعضهم عن بعض أكثر فأكثر. وفي المقابل أحاول دائماً تقريب المسافات، لأن الإنسانية تعني لي الكثير».

يأسف برنار سوفا لما وصلت إليه الإنسانية بشكل عام: «أنتمي إلى جيل عاش حياة جميلة مليئة بالمحطات الحلوة والعلاقات الخيرة. ومن المحزن اليوم خوض حياة من نوع آخر تتحكم فيها المادة والسلطة. ولو كان جميع الرؤساء والحكام يتمتعون بذرّة حب للفن، لكان كوكب الأرض في حالة أفضل. وبكل الأحوال علينا تقبل كل جديد ونواكب حسناته».

لائحة أغانٍ خاصة بالجمهور اللبناني يؤديها في حفله (ستار سيستم)

وعن علاقته بالتطور الإلكتروني يقول: «كل أعمالي أنفّذها عبر هذا الاكتشاف. أؤلف أغنياتي وأقوم بعملية المونتاج لكليباتي المصورة من خلالها. ولكننا في فرنسا نعاني مشكلة في الاتصالات الإلكترونية. قد نحتاج إلى الاتصال بالشخص الآخَر 10 مرات لنُجري حواراً عبر الـ(موبايل)».

برنار سوفا الذي يبلغ اليوم 83 عاماً، هو مغنٍّ وملحن وكاتب أغانٍ. في بداياته عام 1970 وصفه مدير الإذاعة الفرنسية بالنسخة الجديدة من شارل ترينيه، وحقق نجاحات واسعة بأغنيات باتت مشهورة له مثل: «le professeur est un reveur»، و«l’amour il faut etre deux». ومن بعدها كرّت «سبحة» شهرته من خلال أغانٍ أخرى.

إقامته في لبنان لن تتعدى اليومين، إذ يصل في 8 فبراير ليتجهز للحفل. وفي اليوم التالي يُحيي الحفل ويغادر إلى فرنسا. «زيارتي هذه المرة ستكون قصيرة، ولكنني أعدكم بعودة قريبة. فأنا في حالة اشتياق دائمٍ لبيروت وناسها ومطاعمها ومقاهيها. فأمين أبي ياغي صاحب شركة (ستار سيستم) جعلني أتعرف عن كثب إلى بيروت ومناطق أخرى خلال زياراتي السابقة».

بحماس ينتظر اللبنانيون من جيلَي الثمانينات والتسعينات حفل برنار سوفا في كازينو لبنان. نغمة صوته وموسيقى كلمات أغانيه تنقلهم بشكل عفويّ إلى أيام يشتاقون إليها. فهو بالنسبة إليهم رمز من رموز ذكرياتهم الحلوة، ويَعدون أنفسهم بليلة من العمر يمضونها معه في مناسبة عيد الحب.


مقالات ذات صلة

تايلور سويفت وترافيس كيلسي قد يتزوجان هذا الأسبوع

يوميات الشرق تايلور سويفت وترافيس كيلسي خلال حضور مباراة في دورة الولايات المتحدة المفتوحة للتنس يوم 8 أيلول 2024 في نيويورك (رويترز)

تايلور سويفت وترافيس كيلسي قد يتزوجان هذا الأسبوع

من المتوقع على نطاق واسع أن تتزوج تايلور سويفت مغنية البوب صاحبة الأرقام القياسية وخطيبها، لاعب كرة القدم ​الأميركية ترافيس كيلسي، هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الوتر السادس أنوشكا: الغناء وسط القاهرة أعادني إلى «حلاوة البدايات»

أنوشكا: الغناء وسط القاهرة أعادني إلى «حلاوة البدايات»

قالت الفنانة المصرية أنوشكا إنها تفصل تماماً بين عملها كمطربة وكونها ممثلة تقدم أدواراً بعيدة عن شخصيتها الحقيقية.

انتصار دردير (القاهرة)
الوتر السادس سليمان دميان لـ«الشرق الأوسط»: الإحساس الموسيقي مفتاح الوصول إلى قلوب الناس

سليمان دميان لـ«الشرق الأوسط»: الإحساس الموسيقي مفتاح الوصول إلى قلوب الناس

منذ أن تولّى توزيع أغنية «سهرانين» للفنانة كارول سماحة عام 2014، بدأ اسم سليمان دميان يلفت الأنظار في عالم التوزيع الموسيقي.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق في ألبومه الجديد «قصة كبيرة» يُكرِّم آلة الغيتار (دكتور مجد معوّض)

«قصة كبيرة»... مجد معوّض يمنح الغيتار بُعداً أوركسترالياً جديداً

يرى معوّض أن الغيتار نادراً ما يُستخدم آلة أساسية في الموسيقى التصويرية، ويسعى إلى منحه هذا الدور في أعماله.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان الطبول يحتفي بالفنون الشعبية (وزارة الثقافة المصرية)

«مهرجان الطبول»... كرنفال عالمي للفنون الشعبية يُنعش شوارع القاهرة

عاد «مهرجان الطبول» ليُنعش شوارع القاهرة ومراكزها الثقافية ومسارحها في دورته رقم 12 التي بدأت في 19 يونيو (حزيران) الجاري وتستمر حتى 23 من الشهر نفسه.

حمدي عابدين (القاهرة )

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)
نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)
TT

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)
نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)

في أساطير الأدب تتربع الأخوات برونتي كحالات متميزة من العبقرية الفذة التي تركت لنا مجموعة من أشهر الروايات، رغم أن حياتهن لم تكن سهلة أو سعيدة، ولكن المجد الأدبي كان هو الجزاء الذي نالته الأخوات بعد مرور أكثر من 179 عاماً من نشر باكورة إنتاجهن الأدبي.

يذكر التاريخ أن إميلي برونتي اضطرت لدفع مبلغ 50 جنيهاً استرلينياً للناشر توماس كوتلي نيوبي لتضمن نشر روايتها «مرتفعات وذرنغ». ونشرت الرواية إلى جانب رواية «أغنس غراي» لشقيقتها آن برونتي في عام 1847، وكان الاتفاق مع الناشر أن يرد المبلغ الذي دفعته إميلي من أرباح بيع الرواية، ولكن المنية أدركت إميلي قبل أن تستعيد نقودها. وبحسب موقع متحف برونتي، دفع الناشر مبلغ 30 جنيهاً للشقيقة الثالثة تشارلوت في عام 1854 لتغطية مستحقات شقيقتها الراحلة.

رسم لإميلي برونتي يعتقد أنه بريشة شقيقها باتريك برانويل برونتي (غيتي)

ويبدو أن الأقدار أرادت ردّ الاعتبار لإميلي برونتي، إذ بيعت نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» و«أغنس غراي» في مزاد لدار كريستيز بلندن بمبلغ تجاوز مليون جنيه استرليني (£1,206,500) مسجلةً بذلك رقماً قياسياً عالمياً جديداً في المزادات لأعمال إميلي برونتي. ويُعد هذا السعر الأعلى على الإطلاق الذي يُحقق في مزاد لكتاب مطبوع لكاتبة، كما يمثل أعلى سعر لأي عمل أدبي يعود إلى القرن التاسع عشر.

وتصف الدار المجموعة بـ«النادرة»، وأنها واحدة من أرقى النسخ المتبقية التي لا تزال ضمن مقتنيات خاصة، وهي تحتفظ بغلافها القماشي الأصلي الذي أصدره الناشر عام 1847. ولم تظهر في المزادات - منذ عام 1908 - أي نسخة أخرى كاملة النص من رواية «مرتفعات وذرنغ» مجلدةً بذلك الغلاف القماشي الأصلي.

في وصفها لنسخة الرواية، تذكر الدار أنها تتميز بتجليد من قماش ذي لون أخضر مائل للرمادي ونقوش مضلعة مائلة. وقد زُيّن الغلاف بزخارف نباتية وأنماط «الأرابيسك»، بينما كُتب عنوان الكتاب بحروف مذهبة على الكعب (الجانب الخارجي للكتاب). ويُلاحظ غياب اسم المؤلفة؛ حيث نشرت الشقيقات الثلاث أعمالهن بأسماء مستعارة ذكورية لتجنب التحيزات القائمة على النوع الاجتماعي.

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (الدار)

وعلّق مارك ويلتشير، خبير الكتب والمخطوطات بـ«كريستيز»، قائلاً: «هذا بالضبط ما يحلم عشاق جمع الكتب به، ولكنهم نادراً ما يحققون حلمهم».

ويشار إلى أنه لم ينشر سوى نحو 250 نسخة من الطبعة الأولى، وقد ظلت هذه النسخة تحديداً ضمن مقتنيات مكتبة خاصة بعد فترة وجيزة من صدور الرواية عام 1847. وقال ويلتشير: «إن الغالبية العظمى من النسخ المتبقية أُعيد تجليدها لصالح هواة الجمع أو المكتبات، ما يجعل النسخ المحتفظة بغلافها القماشي الأصلي نادرة للغاية في الوقت الراهن». ومن بين هذه النسخ، تُعد تلك التي تحتفظ بتجليدها الأصلي الكامل من القماش نادرة للغاية؛ إذ لا يُعرف وجود سوى 5 نسخ أخرى فقط. توجد 3 نسخ منها في مكتبات جامعات ليدز وأكسفورد وبرينستون، والرابعة في المكتبة البريطانية في لندن، أما الخامسة - وهي نسخة شارلوت التي تحتوي على تعليقات بخط يدها، وتفتقر إلى بعض الصفحات - فقد بيعت في دار «كريستيز» للمزادات عام 2009.

تتميز النسخة بتجليد من قماش ذي لون أخضر مائل للرمادي ونقوش مضلعة مائلة (الدار)

ويشير ويلتشير إلى أن إميلي دفعت بالرواية للناشر بعد نجاح رواية «جين إير» لشقيقتها تشارلوت، وقد يكون التعجل في ذلك السبب في وجود أخطاء إملائية في النسخة الأولى، بحسب ما ذكرت وكالة أسوشييتد برس. والمعروف أن إميلي بدأت الكتابة بالتعاون مع شقيقتها آن وتشارلوت في سن مبكرة. تزامنت الروايات الأولى للشقيقات، فكتبت آن «أغنس غراي»، وتشارلوت «جين إير»، وخطت إميلي رائعتها «مرتفعات وذرنغ»، إلا أن «جين إير» حالفها الحظ بالنشر أولاً، ودفع النجاح الجماهيري الذي نالته الرواية الأخوات للإسراع بنشر «مرتفعات وذرنغ» و«أغنس غراي». وتوفيت إميلي بعد عام واحد فقط من نشر روايتها جراء إصابتها بمرض السل.

يذكر التاريخ أن الرواية صدمت القراء بجرأتها، ووصفها أحدهم في عام 1848 بأنها تحتوي على «انحطاط مبتذل وفظائع منافية للطبيعة». ومن جانبه، يرى ويلتشر في الرواية تلك الظاهرة التي رسخت مكانها في التاريخ الأدبي وأصبحت علامة ثقافية. وأضاف: «لا يزال هذا العمل يستقطب الفنانين مراراً وتكراراً بفضل قوته العاطفية وأجوائه وكثافته النفسية، ما يضمن له مكانةً راسخةً، ليس في التاريخ الأدبي فقط، بل في المخيلة الثقافية الأوسع أيضاً». ويكفي ملاحظة المعالجات الفنية للرواية، التي تنوعت ما بين الأفلام والدراما التليفزيونية والمسرح حتى الأغاني.


مصر لتحسين الهوية البصرية لمحيط مسجد السلطان حسن

مصر تستهدف تحويل محيط مسجد السلطان حسن إلى متحف مفتوح (الشرق الأوسط)
مصر تستهدف تحويل محيط مسجد السلطان حسن إلى متحف مفتوح (الشرق الأوسط)
TT

مصر لتحسين الهوية البصرية لمحيط مسجد السلطان حسن

مصر تستهدف تحويل محيط مسجد السلطان حسن إلى متحف مفتوح (الشرق الأوسط)
مصر تستهدف تحويل محيط مسجد السلطان حسن إلى متحف مفتوح (الشرق الأوسط)

من أجل تحسين الهوية البصرية بحي الخليفة التاريخي بالقاهرة، خصوصاً محيط مسجد السلطان حسن، الذي يعد أحد أكبر الجوامع التاريخية والأثرية في مصر والعالم، تواصل السلطات المصرية تنفيذ مشروع تطوير القاهرة التاريخية، الذي يجري على قدم وساق في محيط قلعة صلاح الدين والسيدة عائشة.

وتنفذ السلطات عمليات إزالة عمارات الأوقاف السكنية المجاورة لمسجد السلطان حسن، التي تعيق الرؤية الأفقية لهذا الصرح العملاق. ووفق مخطط التطوير، سيتم إنشاء ممشى سياحي يربط بين مسجد السيدة عائشة وقلعة صلاح الدين ومسجد السلطان حسن.

وتهدف الحكومة المصرية إلى تحويل منطقة السيدة عائشة ومحطيها إلى متحف مفتوح ومقصد سياحي بارز، بعدما كانت منطقة تضجّ بالزحام والباعة المتجولين والعشوائيات، كما تستهدف «تحويل السيدة عائشة لحلقة وصل بين مجمع الأديان، وسور مجرى العيون، ومنطقة مساجد آل البيت، ليعزز قربها من منطقة تلال الفسطاط، قيمتها التاريخية والسياحية، مع الحفاظ على المساجد والأضرحة ذات القيمة التاريخية والأثرية». وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر.

مشروع إزالة عمارات الأوقاف ضمن خطة تطوير المنطقة المواجهة لمسجد السلطان حسن (الشرق الأوسط)

وقال محافظ القاهرة: «تم فتح مدخل باب العزب الذي كان مغلقاً بالقلعة، وربطه بمسجدي السلطان حسن، والرفاعي، وباقي المزارات بالسيدة عائشة، مع تعديل مسار محور صلاح سالم، ليمر من المقابر بمحيط ميدان السيدة عائشة ومحور الحضارات».

ويقول عماد عثمان مهران، كبير باحثي الآثار الإسلامية والمدير السابق بالمجلس الأعلى للآثار، لـ«الشرق الأوسط»: «خطة تطوير المنطقة المواجهة لمسجد السلطان حسن تأخذ في اعتبارها ربط ميدان القلعة بسور الميدان الذي سوف يتم ترميم بقاياه، ضمن مربع يضم السيدة عائشة، والسيدة سكينة والسيدة رقية وشارع الأشراف والسيدة زينب، كما أن هناك بقايا خط قطار قديم خلف عقارات الأوقاف، كان يستخدم لأغراض عسكرية، يجب الحفاظ عليه».

ويرى الدكتور محمد الحداد، عميد كلية الآثار السابق بجامعة القاهرة، أن هذا المشروع الكبير سوف يعيد إحياء هذه المنطقة التاريخية، بالإضافة إلى إعادة تشغيل مدارس المذاهب الأربعة، التي كانت موجودة في مسجد السلطان حسن، مشيراً إلى «أنها كانت في أحيان معينة تستخدم كرواق من أروقة الأزهر، وهي مدعومة بأوقاف ضخمة تشمل كثيراً من الأراضي والعقارات».

إزالة جميع المباني المجاورة لقلعة صلاح الدين من اتجاه السيدة عائشة (الشرق الأوسط)

ويخطف مسجد السلطان حسن الأنظار ببنيانه العظيم وارتفاعه الشاهق وزخارفه المميزة. ووفق آثاريين، فإن المسجد يوثق مرحلة نضوج العمارة المملوكية، إذ أنشأه السلطان الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون خلال الفترة من 757هـ - 1356م إلى 764هـ - 1363م خلال حقبة حكم المماليك البحرية لمصر.

ويعتمد تصميم المسجد، الذي تبلغ مساحته نحو 8 آلاف متر مربع على التخطيط المتعامد، ويتوسطه صحن مفتوح محاط بـ4 إيوانات، وتوجد في وسط الصحن نافورة تعلوها قبة بنيت على 8 أعمدة، ويضم الصحن 4 أبواب تفتح على 4 مدارس، وتعدّ كل مدرسة مسجداً صغيراً، ويبلغ ارتفاع مئذنته 81 متراً.

ورغم اغتيال السلطان حسن سنة 762 هـ (1360 م) أكمل تلميذه الأمير بشير الجمدار بناء المسجد لينتهي بعد 4 سنوات، ويعد المسجد من أبرز آثار القاهرة التاريخية، وأحد أهم وجهات السائحين وكبار الزائرين، فقد حرص الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون على زيارة المسجد خلال عام 2009. كما قال عنه المؤرخ الفرنسي آدم فرنسوا جومار، في كتاب «وصف مصر»: «إنه من أجمل مباني القاهرة والإسلام، ويستحق أن يكون في المرتبة الأولى للعمارة العربية بفضل قبته العالية، وارتفاع مئذنته، وعظم اتساعه وفخامة وكثرة زخارفه».

ويعتقد الحداد أن «تطوير المنطقة المواجهة لمسجد السلطان حسن والتفكير في إنشاء فنادق محل العقارات فكرة مهمة، لأنها سوف تجعل السائح يعيش تجربته في بيئة شرقية، وسوف تعيد إحياء المنطقة وعاداتها وتقاليدها، لأن الشوارع والحواري هناك ما تزال تحتفظ بعبق التاريخ».

تحرك مصري لإنشاء ممشى سياحي بين مسجدي السيدة عائشة والسطان حسن (الشرق الأوسط)

وعدّ الحداد مسجد السلطان حسن ومدارسه أعظم منشأة في التاريخ، من هنا تأتي الفرصة لإعادة إحياء ما كان للمسجد من حضور وفاعلية لاستعادة وجهه الحضاري القديم، بإقامة الأعمال السياحية المستدامة، ودعمه بالبنية التحتية التي تبرز ما بالمنطقة من تراث وجواهر تاريخية.

وتعتمد فلسفة مشروع تطوير المنطقة المحيطة بمسجد السلطان حسن، بحسب عميد كلية الآثار السابق، على ما يسمى بـ«السياحة الخضراء»، حيث يمكن بناء فنادق «بوتيك» لخدمة السياحة، تحاط بمساحات من الأشجار.

وقال الحداد إن أهمية المشروع تكمن في «القضاء على التلوث البصري الذي ظلت المنطقة تعاني منه لسنوات، وإضافة مشروعات سياحية تخدمها بعد تطوير عرب اليسار، وقرافة سيدي جلال، والسيدة نفيسة وكوبري الحضارات والمتحف القومي للحضارة المصرية، بهذا سوف يأخذ ميدان صلاح الدين وجهه الذي يليق به، بامتداداته من جامع المحمودية حتى باب القرافة».


وزيرا آثار مصريان سابقان يشكوان طبيباً لآرائه حول «الحضارة القديمة»

قدم زاهي حواس الشكوى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برفقة زميله ممدوح الدماطي (حساب زاهي حواس على «فيسبوك»)
قدم زاهي حواس الشكوى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برفقة زميله ممدوح الدماطي (حساب زاهي حواس على «فيسبوك»)
TT

وزيرا آثار مصريان سابقان يشكوان طبيباً لآرائه حول «الحضارة القديمة»

قدم زاهي حواس الشكوى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برفقة زميله ممدوح الدماطي (حساب زاهي حواس على «فيسبوك»)
قدم زاهي حواس الشكوى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برفقة زميله ممدوح الدماطي (حساب زاهي حواس على «فيسبوك»)

شكا وزيرا الآثار المصريان السابقان، زاهي حواس وممدوح الدماطي، أستاذ جراحة الكلى والمسالك البولية وسيم السيسي إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، على خلفية آراء تحدث بها حول «الحضارة المصرية» في لقاءات إعلامية ومقالات كتبها في وسائل الإعلام بصفته «عالماً وباحثاً في علم الآثار المصرية».

وأحالت لجنة الشكاوى بالمجلس ما قدمه حواس والدماطي إلى وزارة السياحة والآثار وجهات الاختصاص العلمية للإفادة بالرأي تمهيداً لاتخاذ اللجنة إجراءاتها حيال الشكوى وفق قانون «تنظيم الصحافة والإعلام» و«الأكواد المنظمة للعمل الإعلامي» حسب إفادة رسمية، الأربعاء، بعد أيام من تقديم الشكوى.

وليست هذه المرة الأولى التي يعلن فيها عالم الآثار المصري الشهير زاهي حواس رفضه وغضبه من تصريحات لوسيم السيسي، التي كان من بينها حديث السيسي عن وجود وادٍ آخر للملوك بخلاف الوادي المكتشف في مدينة الأقصر، ومعلومات تاريخية مرتبطة بالحضارة القديمة.

ووفق مسؤول في «الأعلى لتنظيم الإعلام» تحدث لـ«الشرق الأوسط»، رفض ذكر اسمه، فإن الشكوى تضمنت وقائع ذكرها وسيم السيسي في ظهوره التلفزيوني عبر قناة «صدى البلد»، وتضمن معلومات خاطئة، حسب مقدميها، وبالتالي تمت إحالتها إلى جهات الاختصاص التي ستكون مسؤولة عن تحديد مدى دقة المعلومات، لافتاً إلى أن المجلس بعد وصول الرد إليه من الجهات المختصة (وزارة السياحة والآثار) يكون من حقه إصدار قرارات تبدأ من حفظ الشكوى وصولاً إلى حرمان المشكو في حقه من الظهور بأي وسيلة إعلام للحديث عن الآثار.

وسيم السيسي (حسابه على «فيسبوك»)

وأضاف أن المجلس لديه صلاحية إصدار عقوبات متدرجة وهو ما يجري اتباعه عند وجود أي مخالفات، مشدداً على أن الفيصل في الأمر في الوقت الحالي مرتبط بالتقارير التي سترد من الجهات التي جرى مخاطبتها.

وأكد وزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن الآثار المصرية ليس حكراً على أحد، واستدرك: «لكن هناك فارقاً بين الحديث العلمي والتشويه الذي يقال في لقاءات إعلامية بما ينشر من معلومات غير صحيحة عن الآثار لعموم الناس»، مشيراً إلى أن تحركهم لتقديم الشكوى جاء انطلاقاً من واجبهم ومسؤوليتهم العلمية.

وأضاف أن «الهدف من الشكوى بشكل أساسي التأكيد على ضرورة عدم الإدلاء بأي معلومات غير صحيحة تصل إلى حد الخرافات حول الآثار المصرية وتكرارها بشكل يجعل من يستمع لها يظن أنها حقيقية».

بينما قال وسيم السيسي لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك خلافاً سابقاً بينه وبين زاهي حواس، الأمر الذي دفعه إلى تقديم الشكوى ضده في الوقت الحالي»، لافتاً إلى أن اهتمامه بعلم الآثار المصرية بدأ خلال دراسته للدكتوراه في لندن منذ عام 1972 ومن وقتها وهو منشغل بالاطلاع على كل ما ينشر حولها في مختلف الإصدارات العالمية.

وأضاف أنه لا يقدم نفسه بصفته عالماً في الآثار، ولكن باحثاً ينقل ما ينشر من آراء متخصصين خارج مصر في مقالات ولقاءات تلفزيونية وينسبها لأصحابها، مؤكداً أن اهتمامه بالآثار يأتي انطلاقاً من كونه «مواطناً مهتماً بتاريخ بلده لكن في المقابل عملي الأساسي بصفتي طبيباً يشغل 90 في المائة من وقتي»، على حد تعبيره.